لم يكن من عادة الفلاس الإطالة في الترجمة، وهي عنده مؤسسة على ذكر الكنية والاسم والنسبة في الغالب، لكنه خرج عن هذا الشرط في أعيان مخصوصين، كبكر ابن عبد الله (^٢)، وأبي نضرة المنذر بن مالك بن قُطَعَةَ الْعبْدي (^٣)، وأبي عثمان النّهْدي (^٤)، ومسلم بن يسار (^٥)، وعوف بن أبي جميلة (^٦)؛ فإنّه أطال في تراجمهم، وضمنها موادّ لم تَرِدْ عند غيره.
_________________
(١) التاريخ: ٣٥ ظ.
(٢) التاريخ: ١٤ ظ - ١٥ و.
(٣) التاريخ: ١٥ و.
(٤) التاريخ: ١٥ ظ.
(٥) التاريخ: ١٦ و.
(٦) التاريخ: ١٧ و.
[ ١٤٩ ]
- اقتصاره على سند الحديث دون مثنه، وهو من وجوه الاختصار عنده:
اتكاء على اشتهار الحديث، كقوله: «إبراهيم بن عامر، الذي روى عنْه شُعْبَةُ وسفيانُ؛ عنْ عامر بن سَعْدٍ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الجنازة …» (^١).
ومساقُ الحديث من رواية أبي داود: «حدّثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن عامر، عنْ عامر بن سَعْدٍ، عن أبي هريرة، قال: مروا على رسول الله ﷺ بجنازة فأثْنَوْا عليها خيرًا، فقال: «وَجبتْ»، ثمّ مرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال: «وجبتْ»، ثمّ قال: «إنّ بعضَكم على بعض شُهداء»».
ومثاله أيضًا قوله: «الوليدُ، الذي روى عنه شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْن كُهَيْلِ، عَنْ مُصعب بن سَعْد في الْعَصِير، هو الوليد بن كُرَيْب» (^٢). وتمام الحديث: «قيل لسعد: تبيعُ عنبًا ليتخذَ عَصيرًا؟ فقال: بئس الشيخ أنا إِنْ بعْتُ الخمر».
- تخلّصه للحديث عما يلابس الخبر في سياق واحد:
مثاله أنه ذكر أبا الْبَخْتَري ويوم الجماجم، فتخلّص ليُورد أخبارًا ملابسة، وقال: «أبو البَخْتَريّ الطَّائي، اختلفوا في اسمه؛ فقالوا: أَسْعد، وقالوا: سَعيد بن جُبَيْر؛ وكان من الموالي، أرادوا أَنْ يستعملوه يَوْمَ الجَمَاجِمِ على القُرّاء فَأَبَى».
حدثني أمية بن خالد، قال: نا شُعبة، عن عمرو بن مُرّةَ، قال: أرادوا أبا البَخْتَرِي يوْمَ الجماجم أن يستعملوه على القُرّاء، فقال: أنا رجلٌ من الموالي، وأنا لا أُحْسَنُ أَهُزُّ السَّيْف، فاستعملوا زَحْرَ بْنَ جَبَلَةَ بْن زَحْرٍ، فما بَرحَ حَتَّى قُتِل.
سمعْتُ يحيى بن سعيد يقول: سمعتُ سفيان يقول: أرادوا أبَا البَخْتَرِي أَنْ يستعملوه يوْمَ الْجماجم، فقال: أنا رجلٌ من الموالي، وأنا لا أُحْسَنُ أَهزُّ السَّيْفَ.
_________________
(١) التاريخ: ٢٩ ظ.
(٢) التاريخ: ٢٨ ظ - ٢٩ و.
[ ١٥٠ ]
سمعت يحيى يقول: سمعْتُ شُعْبَةَ يقول: فُقِدَ عبد الرحمن بنُ أَبي لَيْلَى وعبد الله بن شَدَّادِ في الجَمَاجِم، اقتحم بهما فَرَسَاهُمَا الفُرَاتَ فَذَهَبًا.
سمعت أبا عاصم يقول: حدثنا عمران القطان، قال: رَأَيْتُ الحَسَنَ يَوْمَ هُزِمَ ابْن الأشعث، وقع في الدُّجَيْلِ، فَجَعَلَ يَفْتحُ بيديه.
سمعت أبا بحْرِ البَكْراوي يقول: حدّثني خالي عُبَيْد الله بن عمر بن أبي بَكْرَةَ، قال: رأيْتُ الحَسَنَ حَلَقَ رأسَه وقَضَى في عسكر ابن الأَشْعَثِ.
سمعت يحيى يقول: بلغني أن الحسن خرج مع ابْنِ الأشعث؛ أُكْرِه على ذلك.
سمعت يحيى يقول: سمعت عبد ربه بن أبي راشد يقول: لم يخرج جابر بن زيد مع ابن الأشعث.
سمعت عبد الرحمن يقول: نظر طلحة بن مُصَرِّف إلى العلاء بن عبد الكريم يضحك، فقال: إنّكَ لتضحك ضحِكَ رجل ما شهد الجماجم! ولقد شهدتها فلَوَدِدْتُ أنّها قُطِعت من هاهنا وأني لم أكن شهدْتُها! - يعني من المرفق -
قال: «وحدثنا عبد الرحمن قال: حدثني حَمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قِلابَةَ، قال: قال لي مُسْلَمُ بن يَسَارٍ: أَمَا إِنِّي أَحْمَدُ الله إليكَ، أَنِّي لَمْ أرْم بسهم، ولم أضْرِب بسيف. قال: قلت: فكيف بمن رآك بين الصَّفَّيْن تقاتلُ؟ فقال: هذا مسلم ابْن يَسار لا يقاتل إلا على حقٌّ، فقاتَلَ حتى قُتِل. فبكى والله حتى ودِدْتُ أنّ الأَرْضَ انشقَّتْ فدخلتُ فيها» (^١).
ومع أنه سرد هذه الحكايات الأربع من غير تعليق، إلا أن اختياره النقدي يبدو واضحًا؛ فقد فيأ المحدثين في موقفهم من الوقعة إلى أربع قِسَم:
_________________
(١) التاريخ: ٢٠ و- ٢٠ ظ.
[ ١٥١ ]
- قسم نَشَبَ في الوقعة فلم يتخلّص، كعبد الرحمن بن أبي لَيْلَى وعبد الله بن شداد.
- قسم اعتزل ونأى بجانبه ولم يخرج، فتخلّص ونَجَا، كأبي البَخْتَرِي الطَّائي، وجابر بن زيد.
- قسم لم يَسَعْهُ الْفَكاك، فخرج على كُرْهِ، كالحسن البصري.
- قسم شهدَها فَنَدِم، كطلحة بن مُصَرِّف.
وينفعُ موقفه النقدي هنا في التنظير بموقفه من فتنة خلق القرآن؛ لنفهم أنه وفق إلى التفصّي منْ وِزْر الخوض فيها على تفصيل لا نعلمه، طوته كتب التواريخ التي وقعت إلينا.