لا جرَمَ للمدينة التي نشأ بها المرء أثر على تكوينه وطبعه، وكم يعجبني - وأنا أَرَى انزعاج البعض من جنوح المراكشيين أهل بلدي إلى المرح والنكتة والانبساط - التمثلُ بقول أبي جعفر ابن الزَّيَّات الكلاعي الْبَلَّشِي المالقي (ت ٧٢٨ هـ):
_________________
(١) التاريخ: ٩ و.
(٢) التاريخ: ٢١ و.
(٣) التاريخ: ٢٥ و.
(٤) التاريخ: ٢١ ظ.
(٥) التاريخ: ٢١ و.
(٦) التاريخ: ٢١ و.
(٧) التاريخ: ١٩ ظ.
(٨) التاريخ: ٢٠ و.
[ ١٤٥ ]
ومسقط رأس المرء عنصُرُ حاله … نزيفًا رأيْتَ المرء أَوْ كان صَاحِيَا
وحمص (^١) لأهليها طباع رقيقةٌ … فلا تَلُم الحمصي تلقاه لاهيا (^٢)
وقد ندَّ عن المؤلّف في تضاعيف الكتاب وغيره هذا الاهتمام، وتجلّى في أمور؛ منها:
- استقراؤه لرواة البصرة وفقهائها؛ فمن ذلك أنه قال عن مسلم بن يسار: «كان يُعَدُّ خامِسَ خَمْسَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْبصْرَةِ» (^٣)، وعزاه إلى قتادة.
- إفراده فضلًا من كتابه لذِكْر من مات منْ أهْل الْبصْرَةِ مِنَ الْفقهاء (^٤).
- تهمّمُه بذكر ما له ماته بمدينته، كتعيين آخر من مات بها من الصحابة (^٥)، وتسمية بعض من ورد عليها من الرواة والعلماء من خارجها، مِنْ قبيل المُهَاجِرِ بْنِ قنفذ (^٦)، وأبي زِيَادٍ الْهِرْمَاسِ الْبَاهلي (^٧)، وشَهْر بن حَوْشَب الشامي (^٨)، ومالك بن صَعْصَعَةَ (^٩)، وسَيَّار الشامي مولى خالِدِ بْنِ يزيد بْنِ مُعاوية (^١٠)، ومحمد بن عمرو ابن علقمة اللّيْثي المدني، الذي قال في رسمه: «سَمِعْتُ سعيدَ بْنَ عَامِرٍ يَقُول: قَدِمَ علينا مُحَمَّد بْن عمر ومَرَّتَيْنِ، يَعْنِي الْبَصْرَة؛ قدِمَ سنةَ سَبْعِ وثلاثين ومئةٍ. وقدِمَ الثانيةَ سنة أربع وأربعين» (^١١).
_________________
(١) حمص الأندلس هي إشبيلية، شُبّهت بحمص الشام، وفيه رَوْحُ من حنين أُموتِي الأندلس إلى الموطن الأصل.
(٢) مجموع خطي.
(٣) التاريخ: ١٦ و.
(٤) التاريخ: ١٤ و.
(٥) التاريخ: ٩ و.
(٦) التاريخ: ٣٩ و.
(٧) التاريخ: ٣٩ و.
(٨) التاريخ: ٤٢ ظ.
(٩) التاريخ: ٣٩ و.
(١٠) التاريخ: ٤٢ ظ.
(١١) التاريخ: ١٢ ظ.
[ ١٤٦ ]
- تخلصه لوصف بعض مجالس أهل الحديث في البصرة؛ كقوله: «وسمعتُ أَزْهَرَ السّمّان يقول: قدِمَ علينا محمَّدُ بْنُ عَمْرو، فمَا تَخَلَّف عنه أحدٌ، وما سمعْتُ منه حرفًا. ورأيْتُ كبار أصحاب الحديث؛ رأيتُ حمّاد بن سلمة، وحمَّاد بن زيد، وفقهاء البصرة ومشيخة البصرة عنده، فجَاءَ الأفْطَسُ وهو غُلامٌ، فقال: والله لا يَسْأَل غيري أوْ تَرْجِعُون! فلما رَأَوْا ذلك تركوه» (^١).
- استفاضته في إيراد بعض الرّوايات خلال الترجمة عند ذكر البصريين؛ خلافًا لصنيعه في تراجم غيرهم.
- ذِكْرُه عَرَضًا بعض خطط البصرة ومَحَالَها، مما لا يكادُ يُعرف إلا من جهته، من قبيل: دَرْب الْجَوْفِ (^٢)، الْبَارْجاه (^٣)، الْمَلا (^٤)، النَّحيت (^٥)، وكقوله عن والد جعفر بن إياس أبي وحشية: إنه «كان ينْزِلُ البصرة؛ وكان ينْزِلُ بَنِي ثَعْلَبَةَ، دارُه قائمةٌ حتى اليوم» (^٦)، ولكنّ هذا نادر عارض - خلاف الواقع في طبقات خليفة؛ كقوله: - «زهير بن عمرة، خطته وداره في بني هلال، قبالة دار محمد بن حرب» (^٧).
- تسميتُه بعض قضاتها؛ كما في رسم عبد الملك بن يَعْلى اللّيْثي (^٨)، ورسم وأبي واثلة بن معاوية بن قرة (^٩)، أو تسميته بعض أمرائها، كقوله: «عُتْبَةُ بْنُ غَزْوان ابْنِ جابر بن وهب، من بني مَازِنِ بْنِ مَنْصُور، رجلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْم؛ وكان أوّلَ أَميرِ خَطَبَ على منبر الْبَصْرَة» (^١٠).
_________________
(١) التاريخ: ١٢ ظ.
(٢) التاريخ: ١٤ ظ.
(٣) التاريخ: ١٥ ظ.
(٤) التاريخ: ١٧ و.
(٥) التاريخ: ١٧/ و.
(٦) التاريخ: ٢٢ ظ.
(٧) التاريخ: ٣٤ ظ.
(٨) التاريخ: ٢٦/ و.
(٩) التاريخ: ٢٤ ظ.
(١٠) التاريخ: ٣٤ و.
[ ١٤٧ ]
- ذكره بعض من مات بالبصرة وأقبر بها، كما فعل في رسم مُجَاشِع بن مسعودٍ السُّلَميّ وأخيه مُجَالِد، فقال: «ماتا بالبصرة، وقبْراهُما في بَني سُلَيْم» (^١). وأما منْ سكن البصرة ممّن ليس منها، فقد ذكر غير واحدٍ منهم، كعمرو بن أخطب (^٢)، ومالك بن رَبيعَةَ السَّلُولي (^٣).
- تأليفه لجزء حديثي عن علل الحديث وضعاف الرواة، يحتكم فيه إلى آراء علماء أهل البصرة؛ فخصهم بهذا دون غيرهم.
- سياقه في غالب الأحوال لما سمعه من شيوخه البصريين، أكثر من غيرهم، ضرورة أنهم نخبة مشيخته وأعظمها (^٤).