حالنا مع هذه النسخة كحالِ «طفيلي ويقترح»، فما إن عثرنا عليها على عُجَرها وبجرها، حتى تمادى بنا الطمع في أن لو كنا قد استمسكنا بأصْلِ عتيق يهوّنُ ما عنانا من سُقمها، ويدفع عنا كثيرًا من الاضطراب في تعيين صواب بعض مشكلاتها، ومع أنَّ تقييد الفراغ من النسخة يوفِّرُ لها قدرًا من الوَثَاقة، ويضمن لها أمرين جليلين، أحدهما: أنها منتسخة برسم أمير هو «الحاكم المعظم الأسنى أبو زكريا يحيى بن محمد»، وثانيهما: أنَّ تاريخ تمام النسخ كان سنة ٧٧٤ هـ، وهو تاريخ متقدّم إذا ما روعي أَنَّ ذِكْرَ الكتاب والنقل عنه سينقطع تقديرًا في منتصف القرن الثامن، مع إفادة الذهبي منه في تاريخ الإسلام، وما تَنَاسَل عنه من التصانيف.
وفوق هذا كلّه، فالنسخة مغربية الإسناد، مغربيّة الوراقة، مغربية النساخة، مراكشيةُ الْقَرار، بما يُستشف من عبارة الختم، وبما أثبتته وقفية الكتاب، وذلك مما يحتاج إلى مزيد بسط في الكلام، وأوّله أن لنا ملاحظاتٍ تُبديها:
١ - يبعد أن تعرى نسخة خزائنيّةٌ عن العنوان أو على ما يدلُّ عليه، فإنّ هذا غيرُ خليق بصنعة ناسخ من النساخ السُّوقة (^١)، بَلْه أن يكون مرتسمًا بالنّساخة للأمراء والوجهاء.
٢ - ليس في النسخة «ترجمة» (^٢)، بل سقطت منها عناوين تسعة فصول، وليس
_________________
(١) هذا إن كان في النساخين سوقة، ففي التعبير مسامحة، وإلا فهم أشراف جميعهم على اختلاف في الدرجات.
(٢) هي السرلوحة في اصطلاح المشارقة.
[ ١٧٥ ]
هذا عادةً ممّا يقع في النسخ الخزائنيّة؛ فإنّ الاستدلال عليها يقع بمجرد صفحها، لمزيد العناية بها وتذهيبها، ونسختنا هذه عارية عن كلِّ ذلك، بل إنّها غير مُسَفّرة البتة، وليست مفروطةً ولا عليها أثر عمل المجلد، وإنّما بقيت كما كانتْ كراريس مخيطة، ولعلّ النّاسخ أعْجله أمْرُ ما أو عالجه صارفُ قاهر، فتَرَكَ الكتاب منقوصًا.
٣ - لا يقع النّاسخُ عادةً في الخطأ في تاريخ نسخه؛ فقد سقط له من تقييد الختام عبارة أُلحقت بالطَّرة، وظاهرُ أنّ في الكلام سَقَطًا ذهب معه تعيين اليوم والشهر، أو إجمالًا زُهِدَ معه في التفصيل، وللتفاصيل أحيانًا خطرُها الذي لا يُنْكَر.
ونص التقييد في الغاشية: «نُسخ هذا الكتاب للحاكم المعظم الأسنى أبي زكريا يحيى بن محمد، أحيا الله ذِكْرَه، وبلّغه أمله، وأدام سعادته، وخلَّد أيامه غُرَّةً. وكان الفراغ منه في فاتح أربع وسبعين وسبع مئة، عرّفنا الله خيره، وكَفَانا شرَّه».
فانظر كيف غابت العباراتُ المشكوكة التي دُرجَ عليها في مخاطبة الأمراء والملوك حينها، من قوله: «سيدنا ومولانا» وما يجري مَجْراه.
٤ - أنّ الناسخ لم يُحَلَّ صاحب الوقت، بغير «الحاكم المعظم الأسنى»، ولم يسمه أميرًا ولا خليفةً ولا ملكًا ولا سلطانًا، وفي هذا ما فيه.
٥ - أنّ الدُّعاء بضَرِيبٍ قوله: «أحيا الله ذِكْرَه، وبلّغه أمله»، «وأدام سعادته»، لا تُناسب سلطانًا دانت له الأمور، وتفنّن في تصاريفها، وقُوبل بالخوف والرهبة والخُنُوع، بقدر ما توافق أميرًا متغلّبًا حديث عهد بحكم، أو ثائرًا مستبدًا ينازعه الناسُ المُطَاوعة، لكنّه يتألّفُ قلوبهم حتى تُمْكِنَه منهم الفُرْصة، ولا ذِكْر تبعًا لذلك لتحليات «أمير المومنين» أو «الخليفة» أو «الملك» أو «السلطان» (^١)، فإن انضاف إلى
_________________
(١) ن نماذج عن تحليات السلاطين في تضاعيف العز والصولة للنقيب ابن زيدان، بجزئيه.
[ ١٧٦ ]
هذا دعاء الناسخ في آخِرِ الأمْرِ بقوله: «عرفنا الله خيره، ووقانا شرّه»، عُلم أنّ النّاسخ لم يرتسم بالخطة كما هي العادة، ولا له فيها باع؛ إذ ليس من الآداب السلطانية ولا خدمة الملوك ذِكْرُ الشَّر بإثر ذكرهم؛ لما فيه من قلة الأدب وسوء الفأل.
ولعلّ مَرَدَّ ما وقع للناسخ من اضطراب أنه وَجَدَ نفْسَه في ظرْفِ اسْتثنائي، صار بموجبه ناسخًا لثائر متمرّد، انفرد عن السلطة المركزية بحكم مُراكش، أو أمير نوزع الملك، فأعوزته خِبرة الخدمة، أو أخطأته الكياسة، فنَسَخَ مثلما ينسخ لعامة النّاس، وزاد فترك الكتاب خِلْوًا من عُنوان وترجمة، بل عناوين فصول، وتَرَدَّدَ في الختم، وأفصحت يده الرَّعِشة عَنْ خَوْفٍ دَفين.
ولكن قلَمَ الناسخ - على ما أسلفتُ - أفصح في حيّزه اليسير عن أمر لا يُفهم إلا بمعرفة حال المغرب - ومراكش تحديدًا - في تلك الفترة، فنطقت عباراته بالدلالة على أنّ الزّمن كان زمَنَ فتنة، أو على الأقل لم يكن زمن استقرار، وأنّ استتباب الأمن إِنْ وقع، فإنّما يعِدُ بأيام نحسات، وأنّ المنتَسخَ أَنْجِزَ في وضع خاص.
ومع هذا الاستنتاج الملح، لم يناسب أن يكون المقصود بالحاكم المعظم الأسنى أبا زكرياء يحيى الحفصي (تولى سنة ٦٢٥ هـ، إلى حدود وفاته سنة ٦٤٧ هـ) (^١)؛ فإنّه
_________________
(١) من قرائن استبعاد هذا الاحتمال بالكلية: اتساع الهوة بين صنيع ناسخنا وبين صنيع أحد نساخ أمراء الدولة الحفصية، فبينا تضاءل حجم الإجادة عند الأول، ترقى الآخر سلم الرسوخ، فيصف الباحثون نسخة دار الكتب المصرية رقم ٢٣٤٦ أدب، من لزوميات أبي العلاء المعري بقولهم بعد كلام: «كتبها من يُدعى عبد الواحد بن عبد الرفيع، لمكتبة الأمير الأجل المرتضى أبي زكريا بن الشيخ المعظم أبي محمد بن الشيخ المعظم أبي حفص، وفرغ منها في أواسط شهر صفر سنة ٦٣٩ هـ … ثم قابلها على أصله حسب طاقته. وتمتلئ النسخة بالشروح القيمة التي تدل على قدرة صاحبها اللغوية الفائقة … كذلك تكشف النسخة عن قدرة كبيرة تمتع بها الناسخ في يقظة التتبع، ودقة الضبط، وجمال الخط». =
[ ١٧٧ ]
ما من مائة تربط النسخة بتونس، وصاحب تونس «عادةً لا يُدعى بالحاكم المعظم؛ فهو إما السلطان، أو الأمير، أو أمير المؤمنين». كما عبر صديقنا المؤرّخ التونسي د. إبراهيم جدلة (^١).
_________________
(١) = من مقدمة اللزوميات (١/ ٦ - ٧). وليس من نسبة بين العملين، فيفت هذا في عضد عد الأول من نساخ الحفصيين. ومن قبيله أيضًا ما نجده في ختام رسالة الصاهل والشاحج، لأبي العلاء المعري، من نسخة الخزانة الحسنية بالقصر الملكي بالرباط رقم ٨٠٢، وهي مما كُتِب برسم الخزانة الحفصية، وهي نسخة «عالية المستوى في الضبط والإتقان والتجويد، ويشهد ضبطها بتمكن من العربية ودراية بسياق النص»، على حدّ تعبير دة. عائشة عبد الرحمن رحمها الله (مقدمتها: ٦٥)، ووقع في تقييد الختم تأريخها في أول العشر لمحرّم، عام ثمانية وثلاثين وست مئة أي سنة قبل التي قبلها، وهذا من عجيب الاتفاق .. مع عبارة الناسخ: «كتبها بخطه للأمير الأجل، الملك الميمون المبارك، الأسعد المؤيّد المنصور أبي زكريا بن الشيخ المكرّم المعظم المقدّس الأطهر أبي حفص، أيّد الله أمْرَهم، وأعزّ نصرهم، وأوْزَعَ الكافةَ شكْرَهم، كما طيب في الأفواه ذكرهم: عبدهم المسْتَرَق، ومملوكهم المستحق، يحيى بن إبراهيم بن (…). ثم قابلها وقيد شرحها وطُرَرَها على حسب طاقته، وضبطها بقدر استطاعته». ون صورة هذا التقييد في مطبوعة رسالة الصاهل والشاحج: (٨٣). وثالث الأمثلة ما تجده في نسخة دار الكتب المصرية (٧٩٤) حديث طلعت من كتاب المفصح المفهم لابن هشام الخضراوي الأندلسي (ت ٦٤٦ هـ)، المكتوبة برسم أبي زكريا الحفصي؛ فإنها بخط صحيح متقن. ن الكتاب: ٢٠ - ٢١.
(٢) من رسالة جوابية لفضيلته، بتاريخ ٢٣ مارس ٢٠١٣. ون فخامة التحليات في تقييد ختام المخطوطتين المذكورتين أعلاه.
[ ١٧٨ ]
وكلُّ ما يلابس النسخة يُفْصِحُ عن أنّها مغربيّةُ الدّار، مراكشية القرار، وأوّل ذلك: أن نسختَنا ثاوية ببلدنا، محبّسة على جامع مِنْ عريق جوامعه. وثانيها: أن شبهة الانتماء تقوى بما نعلم أنَّ تاريخ أبي حفص الفلاس كان من ذخائر الخزانة الموحدية، وأنه مما فاخر بتملكه من الأصول أبو الحسن ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ) في بيان الوهم والإيهام (^١)، فناسب أن لا يُعْدَمَ عنها فرع. وثالثها: أننا نرجّح أن يكون الأميرُ المقصود أبا زكريا يحيى (المعتصم) بن محمد (الناصر) بن يعقوب المنصور الخليفة الموحدي (ولايته: ٦٢٤ - ٦٣٣ هـ)؛ فإنَّ هذا بويع على استحياء وتردُّد من شيوخ الموحدين وهو غُلام حَزَوَّر، بعد بيعتهم للمأمون وقتلهم للعادل، وامتنع من هذه البيعة عرب الخلط وقبائلُ هَسْكُورَة، ولم يستتب له الأَمْرُ قَطُّ؛ إِذْ لَمْ يَزِلْ مدتَه في منازعة للمأمون وولده الرشيد، إلى أنْ قُتِل (^٢). وهو يوم مات، تَرَكَ البلاد تضطرم نارًا، قد توالى عليها الخراب والفتن، والْقحْطُ والغَلاء الشديد، والخوفُ بالطَّرُقات، وقدْ تكالب العدو على أكثر بلاد المسلمين بالأندلس، وبنو حفص قد استبدوا بإفريقية، وبنو مَرِين قد دخلوا المغرب واستحوذوا على جميع بواديه، وأخرجوا عليها عمالهم وحفاظهم» (^٣). وأعْرَبَ عن الحال بألخص مما مَرَّ ابْنُ أَبِي زَرْعٍ حين قال عن المأمون: «وكانتْ أَيَّامُهُ كلّها شقيّةً في مُنَازعة يحيى، افترق الموحدون فيها فرقتين، فصارت الدّولة دولتين» (^٤).
ثم إننا نظرنا إلى تاريخ تقييد الفراغ، فأفضى بنا إلى استحالة أن يكون تاريخ النسخة المنقول عنها؛ لأنّها تؤُوبُ إلى عصر الأمير أبي زكريا يحيى الموحدي،
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام: (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧؛ ر: ١٩٣٢).
(٢) ن تفصيل ذلك في الأنيس المطرب لابن أبي زرع: (٣٢٥ - ٣٢٧).
(٣) المصدر نفسه (٣٢٨).
(٤) المصدر نفسه (٣٣٣).
[ ١٧٩ ]
وهذا تُوفّي سنة ٦٣٣ هـ، فترْجعُ النسخة قطعًا إلى تاريخ أقدم، ويبقى باليد أنّ النّاسخ نَقَلَ كلَّ ما ألفاه في النسخة الأصل، عدا تاريخ نهاية النسخ؛ فإنّه لم يجده أو لم ينقله كما هو، وأثبت تاريخ النسخ الحقيقي ٧٧٤ هـ، ثمّ تقلبت الأحوال بعد ذلك بالنّسخة على وجهِ لا نعْلمُه، لِتَستقرَّ بواحدٍ من المساجد العُتُق في مراكش.
ولكي لا تذهب بالقارئ المذاهب، يتحصل لدينا مما مر تقديرًا: أنَّ أصلًا باذخًا من الكتاب احتفظ بتعاليق رواته الأندلسيين (^١)، كان في خزانة الموحدين بمراكش، ثمّ انتُسِخ عنه فرع برسم الأمير أبي زكريا لم يتم انتساخُه لاضطراب الأحوال، ثمَّ وُجِدَ هذا الفرع على علاته فنقله ناسخ مبتدئ حسبما وَجَدَه، ونسخة هذا الكتاب هي التي آلت إلى الأمير الأسعد عبد الله بن محمد الشيخ الشريف الحسني، فحبسها سنة ٩٨٧ هـ على «خزانة الجامع الكبير الجديد … بحضرة مراكش» (^٢)، وبَسَطَ يدَ قاضي الجماعة بحضرة مراكش محمد بن عبد الرحمن على حَوْزِهِ، فَحَازَه للجامع المذكور (^٣).
_________________
(١) ن وصف النسخة.
(٢) وقفية الكتاب.
(٣) وقفية الكتاب.
[ ١٨٠ ]