أُحْكم نسْجُ الكتاب بثلاث عُرى: معيار زماني تاريخي (زمن الرواية)، ومعيار مكاني تداولي (مكان الرّواية)، ومعيار الأرومة والنَّسَب (أصول الرواة)، ويبدو من الامتداد الكاليغرافي للنص مُجْمَلًا: أنّه يتوزّع بالسَّويّة تقريبًا على هاته المحاور، على أنّ كلَّ محور يختص ببؤرة تميّزُه، ويكاد عُظم الكتاب يندرج تحتَ أقسام أربعة:
- شق تاريخي أخباري (مبدأ التاريخ عند المسلمين، وسيرة النبي ﷺ والخلفاء والملوك):
ويبدو في هذا الشَّق نماءُ الحس التاريخي ووفرة المادّة الأخبارية في زمن الفلاس، كما يظهر من خلال التراكم الهائل في تاريخ الأمم والملوك لتلميذه الطَّبَري.
تحدث في هذا المقطع عن مبدأ التاريخ عند المسلمين عند قدوم النبي ﷺ مهاجرًا إلى المدينة، ثم تخلّص إلى وفاة النبي وتحقيق تاريخها، مع ذِكْرِ طرفٍ من الشمائل المُصْطَفوية، مُطِيلًا في ذلك كلّه، إذا ما قورن بنَفَس الكتاب المؤسس على الاختصار والاقتصار.
فإذا فرغ من هذا انتقل إلى خلفاء الرسول على ترتيب خلافتهم، فذكر أسماءهم وسنّهم، وتاريخ وفاتهم، وأمَدَ خلافتِهم بالسنة والشهر واليوم، وقد يتفصى من ذلك إلى ذِكْر بعض أوصافهم الخَلْقية، أو الهيئة التي ماتوا عليها، أو كيف اغتيل بعضُهم، ومن صلى عليه … وأهم الوقائع التي عرفتها ولايته بعبارات قاصدة.
[ ١١٩ ]
وقد احترم المؤلّف الخطّ الكرونولوجي، وامتد به إلى مُلك عبد الله المأمون؛ حيث يغطّي هذا الفضلُ الامتداد الزمني من الهجرة إلى سنة ٢٠١ هـ.
ويتعلّق بملاحظة المؤلّف للخَطّ الزمني ورعيه، اهتمامه بذكر الأوائل والأواخر؛ كما في قوله: ومات عبد الرحمن بن القاسم في ولايةِ مَرْوان بن محمد، وهو آخِرُ مَن وَلِيَ من بني أمية، ويتعلّق تنبيهه هذا بدراية الحديث؛ لما ورد أنّ مُلك بني أمية ينقرض لألف شهر.
- شق تاريخي صناعي عام (وهو في جملة مباحثه ذو مهمة نقدية وظيفية، هي ما يهم المحدّث في قراءة الأسانيد وفهمها: الكنى والأسماء، والوفيات، وفيات رواة مدن مخصوصة، الرّواة عن النبي ﷺ من القبائل):
انتقل المؤلّفُ في هذا القسم إلى ذكر أسماء وكنى ووفيات بقية العشرة المبشرين بالجنّة، وغيرهم من الصحابة والتابعين كبارهم وصغارهم، مع التّهمُّم بذكر مُنتَمى الرّاوي ونسبه، ومبلغ عمره، وقد يُشيرُ في تَضاعيف ذلك إلى بعض الوقائع المشهورة والمؤثرة؛ كخُرُوج الحسين، ومقتل الزبير، وقد يطرّزُ ذلك بذكر بعض الأحاديث أو الآثار المناسبة. وهو مُغْرى في كلّ ما مَرّ بالاختصار، ولكنه قد يتخلّى عنه بين الفينة والأخرى، عند ذكره للقامات الطويلة، كسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس بن كَيْسان، ومجاهد بن جبر؛ لأن هؤلاء صنعوا تاريخ أهل الحديث، وصانوا إرْثَ النّبوّة والخلافة الراشدة.
فإذا استوفى ما ذكرنا، انتقل إلى إضافة معيار مكاني، مع التصريح بذكر الأسماء والكنى، وذلك قوله في عنوان الفصل: «ذِكْرُ مَنْ مات من أهل البصرة من الفقهاء: الأسماء والكنى» (^١)، فجمع بين معيار الزمان والمكان. والملاحَظُ أنه تكْثُرُ في هذا
_________________
(١) التاريخ: ١٤ و.
[ ١٢٠ ]
الفصل روايات الفلاس عن شيوخه البصريين، كمعاذ بن هشام، ومعاذ بن معاذ، وابن مهدي، ويزيد بن زُريع، وعبد الله بن يونس بن عبيد، والنضر بن كثير، وابن أبي عدي …؛ لأنّ الأمر يتعلق برواة مدينته، وكثير منهم قريب العهد به، ولأنّ أهل كل صقع أعرفُ برواته كما تقرّر، فلذلك قدم البصرة في الذكر.
وينضافُ إلى هذا تلازم صفتي الفقيه والمحدّث عند الفلاس، وهو اقتران مقصود ودال، يُفضي إلى تواشج الوظيفتين وتكاملهما، بما يؤدي إلى فقه للسنّة، وهو اصطلاح عارض وَقَعَ في كلام للمؤلّف (^١).
وقد تزيد درجة الدقة في الاحتياط بتاريخ الوفاة، حين يكون المقصود بصريا من شيوخ المؤلّف، فيكون كلام صاحبنا أصلًا يُفْزَعُ إليه في معرفة تاريخهم؛ كقوله عن حَمَّادُ بن زيد: «ومات حَمَّادُ بن زَيْد سنة تسع وسبعين في رَمَضَان، لسبْعَ عشرةَ ليلة مضت منه، يوم الجمعة، صلّى عليه إسحاق بن سليمان. قال الفَلاس: وصلَّيْتُ عليه» (^٢). فأفاد تاريخ الوفاة بالسنة والشهر واليوم، وذَكَرَ من تولى الصلاة عليه، وزاد فذكر أنه حضر الجنازة، ومثْلُه مُسْتفاد من قوله: «وسمعت معتمر بن سليمان في جنازة يزيدَ بْنِ زُرَيْع يقول: …» (^٣)؛ فإن فيها أنهما معًا حَضَرا الجنازة، وكقوله في ترجمة خالد بن الحارث: «ورأيْتُ معْتَمِرًا وبِشْرَ بْنَ المُفَضَّل في جنازته» (^٤).
ومن تدقيقه في تواريخ الوفيات: أنه غالبًا ما يُرْدِفُ التاريخ بزيادة بيان تفيدُ تحديدًا أخص؛ كقوله: «مات خالدٌ الحَذَاء سنة اثنين وأربعين ومئة. ومات في
_________________
(١) سنرجئ الحديث عن هاته النقطة؛ لأنها تحتاج إلى إنعام نظر وطول نفس لا تسعه هاته العجالة.
(٢) التاريخ: ١٧ ظ.
(٣) التاريخ: ١٤ ظ.
(٤) التاريخ: ١٨ و.
[ ١٢١ ]
أوَّلها» (^١)، وكقوله: «مات عبد العزيز بْنُ مُسْلِم سنة سبع وستين في آخِرِها … ومات مُعْتَمِرُ بْنُ سُليمان سنة سبع وثمانين في صَفَر … وهو ابنُ إحدى وثمانين سنة» (^٢)، وكقوله: «سمعْتُ يَحْيَى بْنَ سعيد يقول: وُلِدْتُ سنةَ عشرين في أوّلها، ووُلِد معاذُ ابْنُ مُعاذ سنةَ تسْعَ عشْرَة في آخرها، وهو أسَنُّ منّي بشهرين» (^٣).
وهو حين يَعْدِمُ تاريخ وفاة الرّاوي على التعيين، يُورد ما يشي بالتحديد التقريبي، وإثبات السّماع من قبل ذلك، كقوله عن معمر بن راشد: «فُقِدَ سنةَ ثلاث وخمسين ومئة … [و] سمعْتُ يزيدَ بْنَ زُرَيْع يقول: سمعْتُ أَيُّوبَ قبل الطَّاعون يقول: حدّثني معمر» (^٤)، فأفاد أن أيوب السختياني سمع من معمر قبل سنة ١٣١ هـ. ومن هنا يُعلم أن تاريخ المحدث أخص من التاريخ العام؛ لأن هذا خادم له.
وفي هذا الشق، ذَكَرَ أسماء أصحاب الكنى من أهل العلم، فإن كان صاحب الكنية مشهورًا اكتفى بذكر اسمه وكنيته، وإلا استصحب ذِكْرَ ما يُجَلِّي حقيقته ويدفع الاشتباه عنه بغيره، كقوله عن أبي حاجب هو «الذي روى عنه عاصم الأحول، وعِمْران بن حُدَير» (^٥)، كما يرد في الأسانيد الدّائرة بين أيدي أصحاب الحديث.
صلى الله وأردف هذا الفصل بتسمية منْ يُعرَف بالكنى من أصحاب النبي (^٦)، ومادة التراجم فيه مختصرة للغاية، قلما تتجاوز ذكر الكنية والاسم، خلاف ما ذكرنا في فضل فقهاء البصرة.
ثم انتقل إلى الحديث عن أسماء التابعين ممن يُعرف بالكنى (^٧)، ويمتاز هذا
_________________
(١) ١٧ و. التاريخ
(٢) ١٧ ظ. التاريخ
(٣) ١٨ و. التاريخ
(٤) ١٧ و. التاريخ
(٥) ١٩ و. التاريخ
(٦) ١٩ و. التاريخ
(٧) ١٩ ظ. التاريخ
[ ١٢٢ ]
بأنه يتضمّن بعض أسْئلةِ المؤلّف لشيوخه عن أسماء رُواة معيّنين؛ كسُؤاله يحيى ابن سعيد عن اسم أبي الأعور الْجُشَمي (^١) وأبي الزَّعْراء (^٢)، وعزوه إفادات الأسماء لمن سمعها منهم، كوكيع (^٣) ومعتمر (^٤).
وينبه في هذا الفصل خاصةً إلى من يشتبه من الرّاوة لاتفاق الكنية؛ كقوله: «أبو خُشَيْنَةَ، صاحبُ الزّيادي، هو عبدِ الله بن الصُّغْدِي؛ سَأَلْتُ ابْنَ ابْنته عن اسمه. وأبو خشينة، صاحبُ الحكم بن الأعرج، هو حاجب بن عُمر، وهو أخو عيسى بن عُمر النحوي» (^٥). وكقوله: «وأبو سنان، صاحب عبدِ الله بْنِ أَبِي الْهُذيل، اسْمه: ضِرار ابْن مُرّةٍ، شَيْبَاني. وأبو سنان الشيباني، صاحب الضحاك، اسمه: سعِيدُ بن سنان» (^٦).
- شق نقدي صناعي خاص (مشرد بالرواة عن ابن عبّاس على اختلاف المدن، أو لِنَقُلْ: دَوَرانُ الرّواية على ابن عباس في المدينة ومكة، والبصرة والكوفة):
وأمّا إفْرادُه ابنَ عبّاس دون غيره من الصحابة بذِكْر حَرَكَة الرواية عنه في عواصم الرواية حينها: المدينة ومكة، والبصرة والكوفة؛ فلعلمه الغزير، ولأنّ قدرًا عظيمًا من الأسانيد كان مدارها عليه، ثمّ هو من كبار علماء الصحابة الذين وَرَدوا على البصرة وبثوا علمهم بها، استعمله عليها عليّ ﵁ بعد وَقْعة الجمل، ولم يخرج منها إلا إلى صفين، ثم رجع بعدها «إلى البصرة فأقام بها، فلم يزل بها حتى قُتِل علي ﵀» (^٧)؛ فيكون قد مكث ثلاث سنين بالبصرة، من سنة ٣٧ إلى ٤٠ هـ، وهي مدة كافية لانتقال علم أهل مكة إلى البصرة، ويدلُّ له ما رواه ابن سعد
_________________
(١) التاريخ: ١٩ ظ.
(٢) التاريخ: ٢٠ و.
(٣) التاريخ: ٢٠ و.
(٤) التاريخ: ٢٠ و.
(٥) التاريخ: ٢٢ و.
(٦) التاريخ: ٢٢ و.
(٧) الطبقات الكبير: (٦/ ٣٣٨؛ رح: ٧١٨٢).
[ ١٢٣ ]
في الطبقات الكبير (^١)، مُسْنَدًا إلى الحسن، قال: «أوَّلُ منْ عُرّف بالبصرة عبد الله بن عبّاس، قال: وكان مثجة كثير العلم، قال: فقرأ سُورة البقرة ففسرها آيةً آيةً». ويفيد الخبر أنَّ ابن عباس كان مكينَ القدر في البصرة، وأنه بثّ فيها علمه.
وقد استقر علم ابن عباس بعد موته، وأمن عليه من الضياع لا بالرواية الشفوية فحسب وكثرة التلاميذ، بل أيضًا بتقييده في كتب معروفة، وما انقضى القرن الأوّل حتى عُرفتْ كتبه لا بمكة وحدها، ولكن بالمدينة أيضًا، ولك أن تقيس عليها البصرة وما صاقبها، قال موسى بن عقبة: «وَضَعَ عندنا كُريب حِمْلَ بعير أَوْ عِدْلَ بعير مِنْ كُتُبِ ابن عبّاس. قال: فكان علي بن عبد الله بن عبّاس إذا أراد الكتاب كتَبَ إِلَيْه: ابعثْ إِليَّ بصحيفة كذا وكذا. قال: فينسخُهَا، فيبعثُ إِليْه بإحداهما» (^٢).
ولكننا بعد هذا كله، قدرنا أن ورود ابن عبّاس على البصرة لم يكنْ أمْرًا انْفَرَد به، بل شركه فيه صحابة آخرون عددهم ابن سعد في كبرى طبقاته (^٣)، من أبرزهم: أنس بن مالك وأبو موسى الأشعري، ولا دعوى في إفراده دونهم على الحقيقة إلا إرادة إرضاء خلفاء بني العباس، وإليه يؤول جذمهم، وفي تزداد ذِكْره والإشادة - عن حق - بعلمه، ترفيع بهم، وإعلاء من شأنهم، ومنه يظهر أن الدوافع السياسية في بعض الاختيارات ممّا لم يخْلُ منه الكتاب، وهو نوع من الدهاء والمداراة قد يكون أمن به من البطشة الكبرى في فتنة خلق القرآن، والله أعلم.