يُخطئ من يظن أن مناط التأليف في هذا العصر، غَشيم يُعْوزُه النظر المحكك، بالنظر إلى أنّ الفترة كانت فترة ضَبْطِ معاقِدِ الفنّ لا بالتلقي للضوابط جاهزةً كما صارَ عليه الحالُ بعْدُ بقرنين تقريبًا، ولكن باستخراجها من المتون عبر آليتين شديدتي التعقيد: آلية الاستقراء بجمع الطَّرُق، وآلية الاختيار والحكم النقدي، بإعمال قواعد الجرح والتعديل.
ويظهرُ الأمران بشكل متداخل وواضح في لوائح الرواة عن النبي ﷺ، من بني هاشم، وبني أُمَيَّةَ وبني نَوْفَل، وبني زُهْرَةَ، وَبَنِي تَيْمِ بنِ مُرَّةَ، وبني مخْزُومٍ، وبني عدي بن كعب، وبني سَهْم، وبني فِهْرٍ، ومن موالي قريش وحُلفائهم، ومِنْ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَة، وجُهَيْنَةَ، وبني تَمِيم، وربيعةَ، ومُزَيْنَةَ، وَقَيْسِ عَيْلان، وبني لَيْثِ ابْنِ بَكْر، وبَني الدِّيلِ، وبني غِفَارِ، وبني أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَة، وأَسْلَم، وبَجِيلَةَ، وخُزَاعَةَ، والْأَشْعَريِّين، ومَنْ رَوَى عنِ النّبي مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ سَكَنَهَا، وَمَنْ روى عنه مِمَّنْ سكَن مَكَّةَ، وَمَنْ روى عنه ممّنْ سكَن الْكُوفةَ، وَمَنْ روى عنه ممَّنْ سَكَنَ الشّامَ … ولوائحِ الرّواة عن ابن عباس بالمدينة ومكة، والبصرة والكوفة، والرواة الذين روى عنهم سعيد بن أبي عروبة وحميد الطويل. بل إنه ليظهر قبل ذلك في حِرْصِ المؤلّف في مناسبات متباينة على إيراد النظائر والأشباه، والتمييز بينها،
_________________
(١) التاريخ: ٤٤ ظ.
(٢) التاريخ: ٤٥ ظ.
(٣) التاريخ: ٤٦ و.
[ ١٢٥ ]
والاسْتطراد لذِكْر ما يمُتُ بصلة لمعلومة حديثية وإن كانت خارجة عن مقصود الفضل المعقود.
ويظهر ما ألمعنا إليه أيضًا في منهج تحققه من الأسامي والكنى والنسب، فقد سأل أهل كثير من الرواة عن حقيقة أسمائهم ولأي شيء نُسِبوا … ومثل هذا استفيد من الفلاس أصالة، وهو ممّا يُغالى بقيمته؛ لأنه من أركان تأسيس المعرفة بالرواة، وحلّ مشاكل كثيرة في الأسانيد.
وتؤول تلويناتُ المنهج في ملاكها إلى دور تعليمي بيداغوجي، هو تسهيل قراءة الأسانيد على الطالب، وأي تغييب لهذا المعنى، يضيع البوصلة الهادية، ويدفع عن النّاظر فَهُمَ منْطِقِ التّصنيف الذي يظهر من خلال ما يلي:
- اعتماده على استقراء المتون، كما دلّ عليه التتبع:
ينْظُرُ الفلاسُ وهو يصنّف الكتاب، إلى الأسانيد، ويفيد من حفظه، وبه يُفهم كيْف إنّه يذْكُر راويًا بعينه، ثم يذكر بعده من يروي عنه، أو مَنْ يسبقه غالبًا في سلاسل الإسناد.
- يظهر أنه يعتمدُ أيضًا في معرفة الرّجال لا على ما توارد الشيوخ على ذكره عنهم، بل أيضًا على استقراء الأسانيد؛ ويدلّ له قوله في ترجمة «مرة الهمداني: وهو مُرّةً بن شَرَاحِيل؛ مُسمّى في غير حديث» (^١). وقوله في ترجمة أبي عطية الوَادِعِيّ: «هو مالك بن عامر، يُسَمِّيه محمّدُ بْنُ سِيرين في حديثه» (^٢).
ومنه بالتبع أنه يلتفت إلى تعيين أصحاب الآحاد، وهو حضر لمجال الرواية،
_________________
(١) التاريخ: ٢٠ و.
(٢) التاريخ: ٢٠ و.
[ ١٢٦ ]
فيقول عن «عروة الفُقَيْمي أبي غَاضِرَة، أنه يُروى له حديث واحد» (^١). ويقول عن أبي سفيان، الذي روى عنه الأعمش: «قد سمع منه شعبة حديثًا واحدًا» (^٢)، ثمّ يرويه بإسناده. وهو يعين من لم يُرْوَ عنه شيء أيضًا، ممن تتفق أسماؤهم مع أسماء بعض الرواة، لقصد التمييز؛ كقوله: «وأخوه [يقصد بلالًا] خَالِدُ بنُ رَبَاح؛ ولمْ يُرْوَ عنه شيء» (^٣)؛ وقوله: «وأخوه [يعني: مُجَاشِعًا] مُجَالِدُ بن مسعود؛ لم يرو عن النبي ﷺ شيئًا» (^٤). وقال نزلةً أخرى: «وأخوه مُجَالِدُ بْنُ مَسْعود. ماتا بالبصرة، وقبْراهُما في بني سُلَيْم، ولا يُحْفَظُ عنْ مُجَالد شيء» (^٥)؛ «الْحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن، روى عنه، وليس عندنا له سماع» (^٦)؛ «وأبو قلابة، وليس عندنا له سَماع» (^٧)؛ «قال أبو حفص: ما سمعْتُ أحدًا قطَّ حَدّث عن سَلْم بن أبي الذيال إلا المعتمر. وهو رجل من أهل البصرة، صحِبَه في البحر مُعتمر، وساءله (^٨) وحدثه. ليس في حديثه شيءٌ منكر» (^٩).