- نسختُ الكتاب وأعدت عِرَاضَه على أصله غيْرَ مرّة، وفقرْته بتُؤَدة وأناة؛ للإيغال الرفيق إلى الصواب؛ لأنه قد لا يقع الفضل في النسخة بين أسماء مختلفة، فيظهر بادي الرأي - لانْسِبَاكها جملةً - أنها اسم راو واحد، فيوقعُ الإيهام بالاتصال المحقق في عُسْرِ من أمره، مثاله ما وقع في الأصل: «أبو غادية عصام أبو عبد الله بن عصام الأبجر» أو ابن الأبجر؛ فإن مساق الكلام يوحي باتحاد الراوي، فيما أن الأمر يتعلق
_________________
(١) ابتدأت نسخ الكتاب بنية تحقيقه يوم السبت، أول ليلة من العشر الأواخر من شهر أمة سيدنا محمد ﷺ، من سنة ١٤٣٢ هـ، الموافق لـ ٢٠ غشت ٢٠١١ م، ووافق فراغي من معارضة الفرع المنتسخ بأصله، وتصحيحُ النسخة الأولى بقدر الطاقة، يوم الاثنين ٢٤ من رمضان الأبرك، لسنة ١٤٣٣ هـ، الموافق ١٤ غشت ٢٠١٢ م، وانتهيت من التعليق على النص عدا تخريج بعض الأحاديث وكتابة غالب مباحث التقديم، يوم ١٤ غشت ٢٠١٣، الموافق ٠٦ شوال ١٤٣٤ هـ؛ ووقع لي نفْضُ اليدِ من الكتاب بإتمام مباحثه وخدمة متنه آخر يناير ٢٠١٤ م، الموافق لربيع الأول ١٤٣٥ هـ؛ فلله الحمد على ما ألهم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم. والله المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، ونورًا يسعى بين يدي، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
[ ٢٠٠ ]
بثلاثة رواة: «أبو غادية، وعصام أبو عبد الله بن عصام، والأبجر أو ابن الأبجر». وقد يقع عكس ذلك، فيقع الفضل في موضع الاتصال، وكلّ ذلك يلزمه حيطةٌ وتفرّس.
- استصحبت مع تحقيق النّصّ ذِكرَ أرقام أوراق النّسْخة.
- صححت أوهام النسخة الكثيرة، وتلافَيْتُ أسْقاطها، وقوّمْتُ من منآدها، حتى عادت إلى الجدد، وأسْعَف بكثير من ذلك تناثُرُ قطع من الكتاب في تضاعيف أُمَّات المصادر. ولم يكن المفْزَعُ قط في فك مغلقات هذه النسخة، معاجم الرجال وحدها، وإنّما أسعفتنا على الحقيقة كتب المتون؛ فهاته بأسانيدها تمثل ثروة لا نهاية لغناها، وقد كانت حقيقةً بأن تجلّي كلّ غموض، وأن ترفع كلّ لَبْس، وقد كنا نجد عُسْرًا بالغًا في التصحيح والترميم حين تعوزنا، ولولاها لظل الكتاب في نسخته اليتيمة في عَمَهِ لا بصيص معه.
- وهذا القدر الذي وقع من كلام المؤلّف للنّقلة عنه، عددناه نسخةً ثانية، وعارضناه بما في الأصل، مُعْمِلين ترجيح الأولى الذي شايعته الجماعة، مكتفينَ بتوثيق مكان النقل، دون الاستزادة من الإحالة على المصادر إلا فيما ندر؛ لكشْفِ اضطراب، أو إزاحة إشكال، أو تفصيل مجمل، أما ما عدا ذلك فإني أخليه من التعليق. وما لم يقع نقله - فيما بلغنا - فزِعْنا في تصحيحه إلى مادته في المصادر، واقتصرنا في الدّلالة عليه على أقلّ ما يجزئ من ذلك، لا للاستيفاء؛ إذْ هذا متعذر حتى مع زَعْمه، ولكن ليحصل ثلج اليقين بما وقع في الأصل، وأنّ له على الأقل موافقين أو ثلاثةً من جلّة كبار المحدثين، كالبخاري وابن أبي حاتم. وأما ما لم نقف على نقله من كلام المؤلّف لنعارضه به، ولم تذكره المصادر التي وقعت باليد، ولم ينقدح بإجالة النظر فيه لحوقُ التصحيف به؛ فإننا نتوقف فيه ونثبته على حاله ساكتين عنه، فيكون ذلك لتساوي صحته وعدمها.
[ ٢٠١ ]
- أفردْتُ حواشي تصحيح النّص وعِراضه على أصله ومظان النقل عنه، عن حواشي التعليق والتخريج؛ ليكون ذلك أدعى للقارئ لتبين الجهد المبذول في التصحيح، ناهيك عمَّا ينشأ عن هذا الصَّنيع من مشهد للعَيْن بديع.
- ألزمتُ نفسي بحكاية كل ما خالفتْ فيه النسخة الرّسم القياسي، أو ادعي فيه التصحيف؛ لإفساح نَظَرِ القارئ البصير الناقد، حتى لا يذهب عنا شيء مما قد يصح في أصله، وجازَ علينا الْخَطأ في تَوْهيمه، وما ذلك كله إلا لمكان النسخة من العتاقة والنذرة، ولمكانِ النّصّ من التأصيل، ولما قد يقع في كلام الفلاس مما هو مورده الأَوْحَد، فيُفْسِدُه طي حالِه الأولى بدعوى تحريف لم يصح.
- جعلنا توثيق النقل عن الكتاب مختصًا بأوّل كلمة من الخبر، والتعليق على كلام المؤلف مختصًا بآخر كلمةٍ منه؛ وهكذا دوالَيْكَ إلا فيما نَدَر.
- وقد أدُلُّ على مؤضع فيه بعض رواية الراوي، إذا لم يقع في ترجمته بالكتب التي نظرْتُ فيها، التصريح بالراوية عمن عَيّن الفلاسُ الرواية عنه؛ للدلالة على أنه المقصود، ربطًا للمعلومات النقدية بأصولها في الأسانيد، ومثاله: أنّ عبد الله بن بَابَاهِ مُدْرَجُ في تسمية من روى عن ابن عباس ممن سكن مكة، غير أنّ المصادر لم تُسم ابن عباس فيمن أسْمَعه، فاضطررنا لجلْبِ َبعْضِ روايته عن ابن عباس، أثبتها الفاكهي في أخبار مكة (^١)، وهو شاهد عيني لكلام المؤلف.
- إذا تكرر ذكر الراوي اكتفينا بالتوثيق مرّةً واحدة، وأحَلْنا في بقية موارده على ما تقدم.
- جعلْتُ المعكّفين لما زاد على الأصل ولا مناص منه، ولا أزيده إلا بالاتكاء
_________________
(١) (٤/ ٢٧٠؛ رح: ٢٦٥٣؛ ٤/ ٣١٦؛ رح: ٢٧٥٠).
[ ٢٠٢ ]
على أثارةٍ من علم، أو يكون مكانه لوْ عَرِيَ عنه الأصْلُ ظاهر التضحيف، نابيًا بالسياق، وأَنَطْتُ الزيادة أيًا كانت بتسمية محلها.
- وأما توثيق ما نقله الناسُ عنْ صاحبنا، فإنِ اسْتَوَتِ الكتب المسمّاةُ فِي الْقدْر المنقول، قدّمْتُ الأقدمَ فالأقدم، وإن وقع الكلامُ في الأقدم مختصرًا، وفي المتأخّر تامًا، قدّمْتُ الأتم نقلًا؛ لاعتبار كمال النّص وفائدته للتحقيق، وقد أقدم غيرهما إذا سيق فيه الكلام بنصه وفصه خلافًا لهما، فإن استوى الجميع في النقل، رجعت إلى إعمال التاريخ.
وإذا صدّرْتُ الكتاب في التوثيق، فالقصد أنه حوى كلام الفلاس بالحرف.
فإنْ أرْدفْتُه بالإحالة على بعض الكُتُب مصدّرة باختصار النظر «ن»، فمعناه أنها لمْ تتضمن كلام الفلاس كما هو، بل اختصرَتْ، أو قدّمتْ وأخرتْ من غير عزو ظاهر، وأنص على كل ذلك في كلّ موطن.
وليس معنى ما مرّ أني ملزم بتتبع النقل في كل موارده، ولكني ما استقام لي بعراضه على أصلين أو ثلاثة اكتفيتُ، ولا أُعْمِل الاستقراء النسبي في الغالب إلا حين تخلو اليد ممّا يقومُ اعوجاج العبارة، فيكون التتبع؛ لمكان التلافي.
- أزلتُ الإبهام عن كلام المؤلّف ما وسعني؛ فشرحْتُ الأغربة، وعرفتُ ببعض المواطن. وخرّجْتُ الأشعار القليلة التي وردت في الأصل، ورسمت حروف القرآن على قلتها برواية ورش عن نافع، وهي مقرأُ المغاربة إلى اليوم، ومقرأُ سلفهم في العدوتين، مُسَاوقةً لجذم النسخة الأندلسي.
- ضبطتُ أسماء وكنى وألقاب الأعلام باطرادٍ على كثرتها؛ لأنّها أولى الأشياء بالضبط؛ لعُرُوها عن ضابط مُطّرد، أو قياس حاكم، ولم ألتفت لترجمة رجال الإسناد إلا إن تعلّق بذلك حكم.
[ ٢٠٣ ]
- شكلتُ من الأسماء ما يُشكل، وبعضُه مما أحلتُ فيه، وعُظْمُه مما لم أفعل؛ ضنانة بالوقت أن يُرجى في غير طائل، سيما وموارد الضبط معلومةٌ مشهورة، أعلاها: إكمال الأمير، وتقييد أبي علي الغساني، وتقريب الحافظ.
- خرجتُ متابعات الأحاديث دون شواهدها - تقصيدًا لوظيفة التخريج النقدي، وإسعافًا بتصحيح المتن؛ إذ طريقه الرّواية أيضًا، ولم أفعل ذلك إلا فيما رواه المؤلف، وأما ما ذكرَ طرَفه أوْ سمّاه لعلّةٍ أخرى، فقد أتممتُ نصه من موارده الخفية، دون تخريجه أو الحكم عليه؛ لأنه عارض.
- بينتُ أوهام العزو، وتصحيفات النقلة، ولربما أجريت الكلام على بعض كلام الفلاس، بإجراء نَظَرِ منْ تلاه من العلماء، بضرب كلامه بكلامهم، وقد أستدرك عليه أو عليهم بحسب ما صح عندي وأيدته قواعد العلم، واعتضد بشاهد ثابت أو ضميمة قويّة.
- قدمت بين يدي النّصّ المحقق تعريفًا بالفلاس، ومدارج سيرته، ومشيخته وتلاميذه، وتآليفه، وأفردتُ شطرًا آخر للكلام عن التاريخ ومنهجه وخصائصه وروايته، وغير ذلك، مع ما ينجرّ إليه من وصف النسخة وذكر سندها ومنهج تخريجنا لها … وهلم جرا.
- صنعتُ فهارس تفصيلية خادمة للكتاب، تجدها بذيله.
وأنا أمتُ في كلّ ما مَرّ بحق الاختصار إلا لضرورة، فإن رابكَ شَيْءٌ من هذا فأنعم نظرًا فيه.
تنبيه نبيه:
وإذ قد يُسْتغرب منا العود إلى أصول مخطوطة لكتب مطبوعة، فالعلة ما اعترى
[ ٢٠٤ ]
هذه من السقط الفادح، والوهم القادح، المفوّت لكثير من الفوائد، وليس هو قطُّ مِنْ قبيل ما درج عليه بعض المحققين، منْ سُلوكهم هذا السبيل لمجرد الإغضاء ممّنْ حققوا هذه الأصول والدفع في صدورهم، وإن كان بلاؤُهم مشكورًا، وجهدهم حميدًا. وبعضُهم يستنكف إن كان المخطوط النادرُ في فنّه الذي برز فيه، أنْ يُبْرزَه غيْرُه، كأنّه حَسيبٌ على كلّ نفيس، موكّل بكلّ عِلْق (^١)، وهؤلاء على الحقيقة بأثرتهم أضرّ على العلم من الْجَهَلَة؛ لأنّهم يحيلونَ الحقائق بواطيل، ويمنعون ما أمر الله به أنْ يُبَثّ، ويقطعون ما أمر به أن يوصل.