قال شيخنا الامام العالم العلامة الحافظ الرحلة الورع برهان الدين أبوالوفا ابراهيم بن محمد بن خليل سبط ابن العجمي الشافعي أمتع الله بحياته وبمحمد وآله.
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
أما بعد فهذا تعليق في أسماء المدلسين كنت قد جمعته قديما في سنة اثنتين وتسعين وسبعماية (٧٩٢ هـ) في تعليق لي على سيرة أبي الفتح اليعمري ثم في تعليق لي على البخاري ثم اني نقلتهم إلى هذا المؤلف المفرد واسماؤهم تحتمل مجلدا إذا ذكرت تراجمهم ولكني اختصرتها الآن جدا ليسهل تحصيلهم وغالبهم في كلام شيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدين خليل العلائي في كتابه " المراسيل " وقد أخبرني به إجازة شيخنا الحافظ سراج الدين بن الملقن القاهري بقراءته له عليه اجمع ببيت المقدس وبعضهم رأيته في قصيد الامام أبي محمود المقدسي أخبرني بأنها له شيخنا بن الملقن وبعضهم ظفرت انا به في تواليف أذكرها في ذكر أسمائهم وقد رأيت في كتاب المراسيل المشار إليه ان الحافظ الذهبي نظم غالبهم في قصيد.
انتهى.
ولم أر هذه القصيد أنا. ثم اعلم أن التدليس على ثلاثة أقسام:
الاول: تدليس الاسناد وهو ان يسقط اسم شيخه الذي سمع منه ويرتقي إلى شيخ شيخه بعن وان وقال أو يسقط أداة الرواية ويسمي الشيخ فقط فيقول فلان مثلا.
[ ١١ ]
واختلف في أهل هذا القسم فقيل يرد حديثهم مطلقا سواء أثبتوا (١) السماع أم لا وان التدليس نفسه جرح والصحيح التفصيل فان صرح بالاتصال كقوله سمعت أو أو أنا فهو مقبول يحتج به وان اتى بلفظ يحتمل فحكمه حكم المرسل.
والقسم الثاني تدليس الشيوخ وهو ان يصف الشيخ المسمع بوصف لا يعرف به من اسم أو كنية أو لقب أو نسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صنعة ونحو ذلك ولم اذكر انا من أهل هذا القسم أحدا. قال بن الصلاح: وأمره أخف يعني من القسم الاول انتهى وقد جزم بن الصباغ (٢) في العدة بان من فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة عند الناس وانما أراد ان يغير اسمه ليقبلوا خبره يجب ان لا يقبل خبره وان كان هو يعتقد فيه الثقة فقد غلط في ذلك لجواز ان يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو وان كان لصغر سنه فهو رواية عن مجهول لا يجب قبول خبره حتى يعرف من روى عنه انتهى.
والقسم الثالث وهو تدليس التسوية ولم يذكره بن الصلاح وقد ذكره غيره وهو ان يروي حديثا عن شيخ ثقة غير مدلس وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة فيأتي المدلس الذي سمع من الثقة الاول غير المدلس فيسقط الضعيف الذي في السند ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل فيستوي الاسناد كله ثقات وهذا أشر الاقسام.
قال شيخنا الحافظ العراقي في " النكت " له على بن الصلاح وهذا قادح فيمن تعمده فعله انتهى.
وقال العلائي في كتاب " المراسيل " ولا ريب في تضعيف من أكثر هذا النوع وقد وقع فيه جماعة من الائمة الكبار ولكن يسيرا كالاعمش والثوري حكاه عنهما الخطيب انتهى وممن نقل عنه فعل ذلك بقية بن.
_________________
(١) في النسخة الظاهرية بينوا هـ م.
(٢) هو أبو نصر عبد السيد بن محمد المعروف بابن الصباغ الشافعي المتوفى سنة ٤٧٧ واسم كتابه كما في كشف الظنون: " عدة العالم والطريق السالم".
[ ١٢ ]
الوليد والوليد بن مسلم والحسن بن ذكوان كما سيأتي وقال الخطيب البغدادي: وكان الاعمش والثوري وبقية يفعلون مثل هذا انتهى وقد تقدم بعض هذا.
ونقل الذهبي عن أبي الحسن بن القطان في بقية انه يدلس عن الضعفاء ويستبيح ذلك وهذا إن صح عنه مفسد لعدالته.
قال الذهبي في الميزان قلت نعم والله صح هذا عنه انه يفعله وصح عن الوليد بن مسلم بل وعن جماعة كبار فعله وهذا بلية منهم ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد وما جوزوا على ذلك الشخص الذي يسقطون ذكره بالتدليس انه تعمد الكذب وهذا أمثل ما يعتذر به عنهم والله اعلم انتهى.
(تنبيه) اعلم ان الشافعي اثبت أصل التدليس بمرة واحدة قال بن الصلاح والحكم بأنه لا يقبل من المدلس حتى يبين قد اجراه الشافعي فيمن عرفناه دلس مرة انتهى وممن حكاه عن الشافعي البيهقي في " المدخل " والله اعلم.
واعلم انه لا يدخل في المدلسين القسم الذين ارسلوا وقد ذكر منهم العلائي في كتابه المراسيل جملة وزدت انا جملة ذكرتهم على هوامش كتابه لكن الفرق بين التدليس وبين الارسال الخفي ان الارسال رواية الشخص عمن لم يسمع منه قال أبو بكر البزار ان الشخص إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم فان ذلك ليس بتدليس على الصحيح المشهور انتهى والتدليس إذا روي بعن أو ان أو قال وكان قد عاصر المروي عنه أو لقيه ولم يسمع منه أو سمع منه ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلسه عنه وقد حكى بن عبد البر في التمهيد عن قوم الذي ذكرته في الارسال انه تدليس فجلعوا التدليس ان يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي تصريحا بالسماع (١) والا لكان كذبا والصحيح الاول وهو الفرق بين التدليس والارسال الخفي والله اعلم.
والله اسأل ان ينفع به قارئه وكاتبه والمنتفع به انه قريب مجيب بمنه وكرمه.
_________________
(١) قال ابن عبد البر: وعلى هذا فما سلم من التدليس أحد لا مالك ولا غيره اهـ من الهامش بخط ابن النصيبي.
[ ١٣ ]