لقد تناول اهل هذا الفن من أئمة النقد تدليس السند وأسهبوا في تفصيلاته حتى عدوا حوالى خمسة أو ستة أنواع منه، من ذلك تدليس الاسناد، ومنه تدليس الشيوخ وكذا تدليس التسوية وكذا تدليس القطع وتدليس العطف.
وقد جاء وصف لذلك في كتاب - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس تحقيق الدكتور عبد الغفار البنداري وزيدان - فليراجع.
[إن من يدلس في الاسناد لا يعظم عليه أن يدلس في المتن لان الباعث النفسي واحد - فكما أن هناك من يستبيح تدليس المتن أو تسويته غير أن اكتشاف مدلسي الاسناد سهل بخلاف مدلسي المتن والسبب عدم توجه الاولين بدراسة ومقارنة المتون وإفراد رسائل أو كتب خاصة بعلل المتن مثلما حدث في دراسة الاسانيد. انني لا أستطيع ان أحصي أعداد المصنفات التي تناولت الاسانيد وعللها، وعلى النقيض فلا أكاد أرى أو اقع على مصنفات أو كتب في دراسة المتن وعلله إلا بعض الرسائل التي برز بعضها في شكل فردي بصورة غير متكاملة - بغير قصد لمنهج شامل أو متكامل في هذا المجال - ولاجل هذا امتلات كتب الفقه التي أسست قواعدها الشرعية على أساس الاستدلال بموضوع المتن اختلافا ضاربا ومتشابكا في أصغر المسائل وأكبرها وفي أبسطها وأخطرها - ذلك لانك لو تصورت مثلا أن رواية واحدة جاءت بأكثر من لفظ في بعضها اختصار وفي بعضها إجمال وفي بعضها إبدال وفي بعضها إدراج أو
[ ٦ ]
وهم أو خطأ أو سوء تأويل فلك ان تتخيل كم الخلاف الفقهي الذي سيرتبه كل صاحب مذهب يستدل بجزء من هذه المتون المختلفة للحديث الواحد ولك أيضا أن تسرتسل في الخيال: فكم يكون حجم وشكل المسائل المتضاربة والمتناقضة وبالتالي حجم وكم الاحكام المختلفة المتضاربة في حادثة واحدة لصحابي واحد في مقام واحد.
إن التدليس في المتن يكون: إما في سياق أو في الالفاظ، أما أنواع تدليسات المتن:
١ - تدليس السياق: وهو إيراد الرواية بسياق يفيد المعنى آخر محقق للغرض من ذلك.
٢ - وأما تدليس اللفظ فهو روايته بلفظ مرادف لغرض إحداث قدر من التعمية دون طمس لاصل الحكم لان أصل المعنى موجود ومن أسبابه دخول الشك في سماع أحد اللفظين واستحسان اللفظ المدلس، أو ايراد الرواية بأحد اللفظين لكونه سمعهما مع أنه سمع اللفظ الآخر بتأكيد أكثر إلا أنه لم يورده.
٣ - وأما تدليس التسوية فإسقاط أحد الالفاظ من العبارة تم تسوية طرفي الحديث فيستوي المتن على المعنى المراد.
ومن أمثلة ذلك حديث عبد الله بن عمرو قال [لما نهى النبي عن (…) الاسقية قيل للنبي: ليس كل الناس يجد سقاء فرخص لهم في الجر غير المزفت] .
فقد سقط من الحديث (النبيذ إلا في) وكان ينبغي أن يكون مكانها في الحديث بين القوسين (…): بين لفظي " عن " و" الاسقية " إن هذا الاسقاط أعطى حكما زائفا إذ صور أن المقصود هو النهي عن الاسقية حيث الاصل الواقع عليه النهي " النبيذ إلا في " وسوي المتن - وبرد المحذوف إلى وضعه في الحديث يصير كالآتي: [لما نهى النبي عن (النبيذ إلا في) الاسقية … الخ] الحديث.
[ ٧ ]
وهذا المتن متوافق تماما مع ما رواه مسلم (٦ / ٩٨) ولفظه [قال رسول الله ﷺ نهيتكم عن (النبيذ إلا في) سقاء واشربوا في الاسقية كلها ولا تشربوا مسكرا] من رواية بريدة عن أبيه مرفوعا.
فالحديث الناقص يفيد بأن النبي ﷺ نهى عن الاسقية، والحديث الكامل يفيد بأمره بها إذ النهي عن النبيذ أصلا - فالفرق بين النص ذاته قبل وبعد تسويته بعد الحذف هو الفرق بين الاثبات والنفي. أما كيف عرف ذلك فبمقارنة ألفاظ الرواية كلها النازلة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما مما صح سنده.
والفارق بين الاسقاط (الحذف) وبين إسقاط التسوية أنك تلمح في السياق بعد المقارنة براعة التسوية بين طرفي الحديث.
إن أي عاقل أو مسلم متبصر يأبى أن يستدل بالحديث الناقص بعد التأكد من اعتلاله لانه حتما مناقض لمراد الله وحكمة لان المراد النهي عن الانتباذ والمحرف هو النهي عن الاسقية وشتان بينهما.
٤ - ومن التدليس أيضا تدليس الحذف إذ يتصرف أحد الرواة بحذف ألفاظ أو عبارات من النصوص وإليك أمثلة من هذا الحذف:
روى البخاري في صحيحه (٣٩١ - فتح الباري) من حديث ميمون بن سياه عن أنس مرفوعا [من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته] .
وهذا لفظ مختصر محذف منه ما جاء كاملا في السياق التالي فقد روى البخاري (٣٩٣ - فتح الباري) نفس الرواية من نفس حديث ميمون بن سياه عن أنس بن مالك (يسأله) قال: يا أبا حمزة ما يحرم دم العبد وماله فقال: من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم] فحذف من أول الحديث في الرواية السابقة قوله
[ ٨ ]
" من شهد ان لا إله إلا الله " واستبدل في الحديث الثاني قوله: [له ما للمسلم وعليه ما على المسلم] بمعناها في الحديث الاول [له ذمة الله وذمة رسوله] وزاد فلا تخفروا الله في ذمته والراجح أنها من إدراج أنس.
وهكذا فقد تبين أن الحديث قد يصح سنده ويعتل متنه بإحدى العلل التي غالبا ما تكون من تصرف أحد الرواة كالايجاز والاختصار والرواية بالمعنى أو بالمفهوم أو بالابدال أو أن يدخل متنها التدليس فأنت ترى أن ابن جريج مع كونه ثقة إلا أنه دلس المتن في حديث (من مات مرابطا مات شهيدا) فرواة: (من مات مريضا مات شهيدا) .
وتوجد هناك أنواع اخرى سنتناولها في كتبنا قريبا ان شاء الله.
وهكذا مما سنتابع بإذن الله ومشيئته تفصيله وذكره بعد ذلك.
ولك ان تعلم كيف كانت قضية السند من حيث صحتها ليست كافية وحدها للحكم على الحديث بمطلق الصحة فقد قال السيوطي وابن الصلاح (ليس كل ما صح سنده يصح متنه) .
فمن كتاب علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح ص ٦ قال الحافظ ابن الصلاح:
ومتى قالوا هذا حديث صحيح فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الاوصاف المذكورة (أي في علم الرجال) وليس من شرطه ان يكون مقطوعا به في نفس الامر (أي في صحة المتن) وكذلك إذ قد يكون صدقا في نفس الامر (أي المتن) انما المراد إسناده على الشرط المذكور (أي في علم الاسناد) .
وكذلك نقل ابن الصلاح في فتاويه قال - وقد قالت الائمة في الحديث: حديث صحيح الاسناد ضعيف المتن، وحديث ضعيف الاسناد صحيح المتن.
[ ٩ ]
وكذلك قال الزين العراقي للمتوفى سنة ٨٠٦ هـ في ص ١٢ من فتح المغيث بشرح ألفية الحديث قال أهل الحديث: هذا الحديث صحيح فمرادهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الاسناد لا أنه مقطوع بصحته في نفس الامر لجواز الخطأ والنسيان في الثقة.
وكذلك ذكر السمعاني في القواطع: إن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط وإنما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة.
وكذلك النووي في لاكثر المحققين: إن صحة الحديث لا توجب القطع به في نفس الامر لجواز الخطا والنسيان على الثقة وعزاه لاكثر المحققين.
والله أسأل أن تتنبه أمة الاسلام إلى أهمية هذا المنهج وخطورة أن يغفل ومدى تأثيره في ضبط الفقه ونصوص الشرع على الذي نزل به الوحي والمطابق لارادة الله تعالى والخارج من فم النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى. وللاسف الشديد لقد غفل بعض الناس عن هذه الحقيقة وكأن العلماء لم يذكروا عنها شيئا. ولاجل اظهار العلم الذي ذكره العلماء سنتابع النشر في هذا الموضوع ولقد أعددنا عدتنا له كما أنني والزميل الدكتور عبد الغفار سليمان البندري أعددنا كتبا تناولنا فيها المنهج وستنشر قريبا ان شاء الله، فالله وحده نسأل ان يحق الحق، إن الله على ما يشاء قدير، وما توفيقي إلا بالله.
المحقق
يحيى شفيق حسن
مؤسس المدرسة الظاهرية بمصر
[ ١٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم