وهم الآن أربعون فأزيد، ما بين حبشي، ورومي، وتكروري، وهندي، وهو الأكثر.
وشيخهم لم يزل منهم إلا في هذه الأزمان المتأخرة، فكان يلي المشيخة الفحول.
وأول من علمته من الفحول: المولوي ابن قاسم المحلي، استقر به الأشرف برسباي في تسع وثلاثين بعد بشير التيمي بسؤال منه. ثم صرف في اثنتين وأربعين بفارس الأشرف الرومي، ثم عزل بقيرقر الركني سنة خمس وأربعين، ثم بعد موته استقر جوهر التمرازي، وتوجه إليها في سنة تسع وأربعين. فلم يلبث أن مات في أواخر التي تليها، فأعيد فارس، ثم عزل بسرور الطربائي، ثم بعد موته مرجان التقوى، وكلهم طواشيون، ثم انفصل باينال الإسحاقي، فكان أول تركي فحل وليها، ثم بعد موته قاسم الفقيه، ثم بعد موته الشجاعي الجمالي، ثم انفصل قليلا بالطواشي إياس الأشرفي الأبيض، ثم بعد موته أعيد شاهين، وهو أشبههم طريقة، فلم يلها مثله فضلا وعقلا ورتبة، كما سيأتي ترجمته، ولذا
[ ١ / ٣٤ ]
طالت مدته، واختص عمن قبله بوضع مفتاح حاصل الحرم تحت يده دون القضاء.
وقد وصفهم ابن جبير في رحلته: بالسدنة الحارسين للمسجد، وأنهم فتيان أحابيش، وصقالبة ظراف الهيئات، نظاف الملابس والشارات.
وقال ابن النجار، إنه في سنة أربع وخمسين وخمسمائة: أنزل بيان الأسود الخصي أحد خدام الحجرة لكشفها، لأمر اقتضاه.
وقال أبو عمر بن عات إنه قد سمعت في نحو سنة سبعين وخمسمائة تقريبا هدة بالحجرة النبوية، فاختير للنزول لكشف ذلك بدر الضعيف، شيخ فاضل يقوم الليل ويصوم النهار، من فتيان بني العباس، وأحد القومة بالمسجد، فكأنه هذا وأحد الوصفين في اسمه غلط، أو حادثة أخرى.
وروى ابن عساكر في تاريخه-بسنده إلى أبي القاسم ثابت بن أحمد البغدادي-أنه رأى رجلا بالمدينة حين أذن الصبح، يقول عند القبر الشريف: «الصلاة خير من النوم»، فجاءه خادم من خدمة المسجد، فلطمه وذكر حكاية. ولولا ما يطرقها من احتمال أن لا يكون خصيا-مع نجده-لكانت أقدم ما وقفنا عليه في قدمهم.
(وعلى كل حال فلم يكونوا بهذا العدد).
ومما وقف عليهم نقادة وسنديس، المحتمل كونهما من تحبيس الناصر محمد بن قلاوون، والمباشر لهما الآن: المحب محمد بن محمد بن محمد بن أحمد المحرثي، متلقيا لذلك عن أبيه عن جده عن الشهاب السنديوني، المتوفى سنة سبع وتسعين وسبعمائة، كما أشير إليه فيما تقدم، والناظر عليهما الآن الزمام. أما أفتيانا: فالنظر لشيخهم أولا، وهو زائد الإجحاف في صرفها، ثم رأيت ابن فرحون، قال: «إن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب هو الذي ثبت قاعدة الخدام في الحرم النبوي، وأوقف عليهم الأوقاف»، وكتاب الوقف موجود عندهم إلى يومه، وكان الموقوف عليهم: نحو عشرين خادما معينين، ثم من بعدهم على خدام الحرم النبوي، ثم أوقف عليهم الصالح بن الناصر محمد بن قلاوون وقفا آخر، فلهم منذ تقرروا في الحرم بالجامكية نحو مائتي سنة، يعني من تاريخه، انتهى.
ومن وظائفهم: حفظ المسجد نهارا، ومباشرة قفل أبوابه، والمبيت فيه لحراسته، مما هو الأصلي في ابتكارهم، وتنزيل القناديل وتعليقها للتعمير والوقود، وغسلها أو مسحها، وإسراج ما يوقد منها سحرا، والدوران بعد صلاة العشاء بالقناديل، لتفقد من يخشى من مبيته، ويرجعون عليه بالمنع، ولا يبيت فيه إلا الفراش لطفي القناديل، وفتح الأبواب،
[ ١ / ٣٥ ]
والمؤذنون، وكنس المسجد والروضة، والحجرة كل جمعة، وعلوة خاصة، مع مسح الجدر كل سنة، وفرش بساط أمير المدينة، ولبخور المسجد أيام الجمع خادم يخصه نيابة عن صاحب الوظيفة مالكي مكة. مما هو مستمر، وكذا للبخور عقب طفي القناديل، صونا لتلك الرائحة، لكنها مهجورة.
والمباشرون لما يدخل المسجد من مال، وقناديل وزيت، وشمع، وآلات، وغيرها:
أربعة.
وبه من الدروس المختصر الأشرفي، والمعروف بالنقاش حديث وليلبغا الناصري، أو العمري للحنفية، ولأيتمش صاحب المدرسة بباب الوزير للحنفية أيضا، ولخير بك من حديد للشافعية والحنفية سوى سبع له، ولأبي يزيد بن عثمان ملك الروم لهما مع طلبة، وللمالكي، والحنبلي بدون طلبة، والأربعة مستمرة، وكذا، أربعة له ولوزيره داود وإبراهيم مجددا، وكذا محمد باشا، ولمحمود باشا أربعة قبلهم.
ومن التصوفات والأسباع ونحوها: للظاهر جقمق دشيشة، وللأشرف قايتباي مصحف بجانب المنبر، وللزيني بن مزهر ربعة، ولعبد القادر بن الجيعان سورة الكهف يوم الجمعة، وللبدر بن شحنا الوناي سبع، جدده عام تسعمائة، وسبع قديم للسلعوس هجر لأجل عدم توالي معلومه، وآخر ينسب للشريف الطباطبي متطوع به.