عشرون وظيفة. لكل منارة خمسة. وعددهم يزيد على ذلك بالنظر للاشتراك.
وإمامه الأصلي: شافعي. وأول أئمتها وخطبائها وقضاتها من أهل السنة: السراج عمر بن أحمد بن الخضري الأنصاري الدمنهوري الشافعي. وكانت الخطابة قبله بأيدي آل سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الشريف الحسيني، بل وكان الحكم مرجعه إليهم. فلم يكن لأهل السنة خطيب ولا حاكم منهم.
قال ابن فرحون: والظاهر أن ذلك منذ استيلاء العبيديين على مصر والحجاز. فإن الخطبة في المدينة كانت بأيديهم. فلما تغلب الخلفاء العباسيون على الحجاز، وأقيمت الخطبة لهم إلى يومنا، أخذت الخطابة خاصة من آل سنان سنة اثنتين وثمانين وستمائة. واستقر فيها من المنصور قلاون الصالحي: السراج عمر المذكور. فكان أول من خطب بها لأهل السنة.
واستمرت الإمامة معهم. ولكن لأهل السنة إمام يصلي بهم الصلوات فقط.
ثم صار السلطان يرسل في كل سنة من الحاج شخصا يقيم لأهل السنة الخطابة والإمامة. فيقيم نصف سنة، ثم يأتي في رجب مع الرجيبية إلى ينبع. ثم يليها غيره. وكل من يجيء لا يقدر على الإقامة إلا بكلفة ومشقة، لتسلط الإمامية-مع الأشراف وغيرهم- عليه.
ثم خطب بعد السراج: الشمس الحلبي. ثم الشرف السنجاري. ثم أعيد السراج.
وكان يقاسي من الإمامية من الأذى ما لا يصبر عليه غيره وهو صابر محتسب. بحيث كانوا يلطخون بابه بالقاذورات، بل كانوا يرجمونه بالحصا، وهو على المنبر يخطب. فلما كثر منهم ذلك، تقدم الخدام، وجلسوا بين يديه صفا، وخلفهم علماؤهم وعبيدهم، خدمة وحماية ونصرا للشريعة. وهو يعذرهم بخروج المنصب عنهم بعد توارثهم له، إلى أن صاهر رئيس الإمامية وفقيهها. فانكف عنه الأذى قليلا. وصار يخطب ويصلي من غير حكم ولا أمر ولا نهي.
ثم أضيف إليه-مع الخطابة والإمامة-: القضاء، من الناصر محمد بن قلاوون.
واشترط عليهم منصور بن جماز الأمير: أن لا يغير شيئا من أحكامهم ولا حكامهم، بحيث اقتصر على الحكم بين المجاورين وأهل السنة.
وناب عنه في القضاء: الشهاب أحمد الصنعاني اليماني.
[ ١ / ٢٨ ]
وآل سنان يحكمون في بلادهم في جماعتهم على عادتهم، بل ومن دعى من أهل السنة إليهم. أمر الحبس راجع إليهم، والأعوان تختص بهم. والإسجالات تثبت عليهم، والسراج يستعين بأعوانهم وحسبهم. ودام نيفا على أربعين سنة، إلى أن سافر بحرا للتداوي. فمات قبل وصوله لمصر سنة ست وعشرين وسبعمائة.
فاستقر في القضاء بعده من كان نائبه في الوظائف، وهو العلم يعقوب بن جمال القرشي الهاشمي المقري. فكان يشدد في الأحكام، سيما على الخدام. فإنه منعهم من الشمع والدراهم، وغير ذلك مما يجمعونه في صندوق النذور أيام الموسم. قائلا لهم: إن هذا يجري في مصالح الحرم. فلا يجوز لكم قسمته بينكم، وما هو محق فيه. فتضايقوا من ذلك وعز عليهم. فغلبهم عليه ولم يصرف لهم منه شيئا.
وأما الخطابة والإمامة: فاستقر فيهما-بعد السراج-البهاء بن سلامة المصري. فأقام فيهما سنتين. ثم استعفى، لكونه لم ير نفسه أهلا لما شرطه الواقف من معرفة الفرائض والقراءات.
فاستقر بعده فيهما: الشرف أبو الفتح محمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم العثماني اللخمي الأميوطي. ثم أضيف إليه القضاء بعد ابن جماز. فشدد على الأشراف وسقاهم المر، وأذاقهم الصبر. وسطا على الإمامية، ووبهم في المحافل، وسبهم على المنبر، بحيث نزل مرة من المنبر لضرب واحد منهم تنفل كهيئة الظهر، وأبطل صلاة ليلة نصف شعبان المبتدعة، مع بدع كثيرة، وأيد السنة، ومع ذلك فلم ينهض لرفع أحكام الإمامية.
واستناب صهره البدر حسن الآتي، والفقيه أحمد الخراساني الفاسي، ثم أبو العباس أحمد التادلي، ثم عزله واستناب الجمال المطري في جميع الوظائف وفي الإمامة والخطابة-حين غيبته بالقاهرة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة-المقري إبراهيم بن سعود السروري، ودام الشرف في القضاء سبع عشر سنة، ومات سنة خمس وأربعين، فولي الثلاثة بعده: الثقي عبد الرحمن بن عبد المؤمن الهوريني، وقدمها في ذي الحجة، ولحسن سياسة نائبه-البدر عبد الله بن محمد بن فرحون-أعرض الناس عن قضاة الإمامية واعتزلوهم، ووقع التشديد عليهم في نكاح المنعة، والتنكيل بفاعلها وعزز من تكلم في الصحابة، وأخمدت البدعة وأظهرت السنة.
ثم سافر الهوريني مع الركب من السنة التي تليها ليداوي بصره أيضا، فصرف عن الثلاثة بعمر بن الصدر المتوفى سنة خمسين، ثم عيد عن قرب، قاله شيخنا، والأشبه: أن عزله إنما كان بصهر الشرف الأميوطي، البدر حسن بن أحمد القيسي.
وقدم المدينة في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين، ورام اقتفاء صهره في التشديد على
[ ١ / ٢٩ ]
الأشراف، فهدده طفيل أميرها، فبادر لمكة معتمرا، واستناب البدر بن فرحون، فلم يلبث أن عزل طفيل، وعاد البدر حسن إلى المدينة على وظائفه، ثم إلى القاهرة، فمات في أثناء سنة إحدى وخمسين.
واستقر بعده فيها الشمس محمد بن عبد المعطي الكناني العسقلاني المضري بن السبع، فتعرضوا لنقصه في العلم، وعدم اجتماع شروط الخطباء به، ورسوم ما تولاه مع سياسته ومداراته، فصرف أثناء سنة أربع وخمسين بالبدر إبراهيم بن أحمد القرشي المخزومي بن الخشاب، وقدمها في موسمها ذي الحجة، ثم أعيد ابن السبع في آخر التي تليها، وقدم في سنة ست، قدام إلى ربيع الثاني سنة تسع وخمسون، فصرف بعود الهوريني، وناب عنه البدر بن فرحون ولم يلبث أن مات الهوريني في أول التي تليها.
فاستقر فيها التاج محمد بن عثمان الخضري الأنصاري الصرخدي الكركي، ووصل في أثنائها فلم يسلم من كلام كثير، وعزل ابن فرحون من النيابة، فجاءه توقيع بإجرائه على عادته، وسافر التاج في موسم سنة خمس وستين، واختار الإقامة بمصر، فاستقر فيها الشمس محمد بن سليمان الحكري المقري، وقدمها في ذي الحجة من التي تليها إلى أن انفصل بالشمس محمد بن أحمد بن عبد الرحمن القرشي الجعبري، ثم الدمشقي ابن خطيب بيروه، وباشر نحو سنتين فاستقر، وأعيد ابن الخشاب في سنة اثنتين وسبعين، ورجع ليتداوى، فمات بحرا في أثناء سنة خمس وسبعين.
فاستقر المحب أحمد بن أبي الفضل محمد بن أحمد بن عبد العزيز القرشي الهاشمي العقيلي النويري المكي. وقدمها في مستهل شعبان منها، ثم صرف عن الخطابة والإمامة بصهر الشهاب الصقلي، ثم أعيدتا له، وناب عنه فيها التقي المقري محمد بن صالح المدني، إلى أن صرف المحب عن الجميع في جمادي الأولى سنة ثماني وثمانين بالزين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، ثم صرف الزين في شوال سنة إحدى وتسعين بالشهاب أحمد بن محمد بن عمر الدمشقي السلاوي، ثم في التي تليها بالزين عبد الرحمن بن علي بن خلف الفارسكوري، ثم انفصل قبل مباشرته بنفسه، ولكن بمباشرة نائبه ناصر الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن صالح في ذي العقدة منها، مع إضافة نظر المسجد إلى الوظائف الثلاثة، وكان أول من استقل بالقضاء من أهل المدينة، ثم صرف عنها بالجمال محمد بن علي بن أحمد القرشي الهاشمي العقيلي النويري المكي في سنة خمس وثمانمائة، ولكنه لم يباشره، لكونه كان بمكة، فناب عنه الرضى أبو حامد المطري، وكان في هذه المدة- أيام الظاهر برقوق-النظر مع الشهاب السنديوني.
[ ١ / ٣٠ ]
ثم بعد موته-سنة سبع وتسعين-مع فتح الدين المحرقي بضم المباشرة لسندبيس ونقادة، الموقوفين على الخدام المستمرة فيهما مع ذريته، بخلاف النظر، فما علمت انتهاء مباشرة له، ثم عزل الجمال النويري، وأعيد ابن صالح، ثم صرف في جمادي الأولى سنة تسع وثمانمائة بالبهاء محمد بن المحب محمد بن علي الأنصاري الزرندي، ثم صرف في ذي الحجة منها بجده الزين أبي بكر بن الحسين العثماني المراغي.
ثم صرف بعد سنة ونصف في صفر سنة إحدى عشرة بزوج ابنته الرضي أبي حامد محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري المطري. ولم يلبث أن مات بعد الحج بمكة في ذي الحجة، فأعيد ابن صالح للخطابة والإمامة خاصة، واستقر الجمال محمد بن أحمد بن محمد لوظيفته، ثم انفصل على القضاء فقط في سنة أربع عشرة، وأعيد الكازروني، ولكنه لم يباشره، لأنه كان بالقاهرة، فناب عنه ابن عمه شرف الدين بن تقي بن عبد العزيز محمد الكازروني، في القضاء في رجب التي تليها. ثم عزل بابن صالح في ذي العقدة منها مضافا لوظيفته، ثم انفصل على القضاء فقط في سنة أربع عشرة، وأعيد الكازروني، ولكنه لم يباشره، لأنه كان بالقاهرة، فناب عنه ابن عمه شرف الدين بن تقي بن عبد العزيز محمد الكازروني، ثم في أحد الجمادين من التي تليها أعيد ابن صالح إلى أن مات في صفر سنة ست وعشرين. فولي بعده ابنه فتح الدين أبو الفتح محمد، ثم ترك-في سنة أربع وأربعين-القضاء خاصة لأخيه الزكوي أبي عبد الله محمد، واقتصر على الخطابة والإمامة والنظر، مع معاونة أخيه له فيها، إلى أن مات في جمادي الأولى سنة ستين، فاستقل بنوه الثلاثة: الصلاحي والزكوي والبرهاني، وبالخطابة والإمامة والنظر.
ودام أبو عبد الله عمهم في القضاء مع معاونتهم في الثلاثة إلى أن أعرض عن القضاء للصلاحي أحدهم، وجاءه التفويض بذلك في ذي الحجة سنة سبع وسبعين حين غيبة أخيه الزكوى في الروم. بسبب النظر في أوقافها، فلما رجع منها لمصر سنة ثمانين، وطلب الصلاحي، وشيخ الخدام مرجان التقوى لمصر، فعزلا، وتوجه الصلاحي إلى اليمن.
واستقر الزكوي في الوظائف الأربع إلى أن قتله الأشراف القيامي، لنسبتهم إلى القيام عليهم في أخذ دراهم، حيث بقروا بطنه بعد خروجه من باب جبريل ذاهبا لمنزله بعد العشاء ليلة ثالث عشرين ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين.
وكان الصلاحي قد قدم من اليمن، فأعيد إلى القضاء في التي تليها، مع مشاركة غيره من إخوانه له فيما عداه، بل وزاحمهم ناصر الدين بن الزكوي، وكانت حركات، بل
[ ١ / ٣١ ]
مشايخ الخدام، بل كان في أيام الظاهر برقوق مع غير القضاة والخطباء، كما أسلفته، وكل هؤلاء الأئمة شافعيون، ثم تجدد بعد الستين وثمانمائة إمام للحنيفة، وهو الجمالي محمد بن إبراهيم بن أحمد الحنفي، واستمر الإمام في ذا المحراب من بعده، كما سيأتي ذكرهم، كما تجدد لهم ولبقية الأئمة قضاة.
فأولهم: النور أبو الحسن علي بن يوسف بن الحسن الأنصاري الزرندي المدني صاحب المفاخرة، وليه مع الحسبة، وأنها لشريفة، مسؤولا في سنة ست وستين وسبعمائة بسعاية يلغبا الناصري، ثم ابنه فتح الدين أبو الفتح محمد، ثم ابنه الآخر أخو الذي قبله، الزين أبو الفرج عبد الرحمن، وانفصل في أثناء مدته قليلا وأعيد، ثم ابن أولهما النور أبو الحسن علي بن فتح الدين، ثم أخوه النجم يوسف، ثم ابن عمه فتح الدين أبو الفتح محمد بن عبد الوهاب بن النور الأول، وكان هو القائم بأعباء الأمر عن الذي قبله، ثم ابنه سعد الدين سعد، ثم أخوه الجمال سعيد، ثم ابنه النور علي، ولم يل كل واحد منهم إلا بعد موت الذي قبله.
ولم تزل الحسبة مضافة لهم، إلا أنها أخرجت عن آخرهم لقريبه نور الدين علي بن يوسف الزرندي. ثم رجعت كما كانت إلى أن خرجت لشيخ الخدام الشجاعي شاهين الجمالي. ومع ذلك ففوضها له ولأخيه فتح الدين أبي الفتح محمد، مع مشاركته في بعض الأمور.
وكانت قبل ذلك-في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة-مع حميدان بن محمد بن مسعود الشكيلي.
وأول قضاة المالكية: البدر أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن فرحون، استقر في سنة خمس وستين وسبعمائة، ثم ابنه المحب: أبو عبد الله محمد، فدام سنين كثيرة، عزل في أثنائها غير مرة، ومات بالقاهرة، فاستقر بعده أخوه الشهاب أبو العباس أحمد، ثم بعد موته: قريبه البرهان إبراهيم بن علي محمد بن أبي القاسم، صاحب الطبقات، ثم ابنه الأمين أبو اليمن محمد، ثم ابنه الشهاب أبو العباس أحمد، ثم ابنه أبو القاسم، ثم قريبهم ناصر الدين أبو البركات محمد بن المحب أولهم، ثم أخوه شيخنا البدر أبو محمد عبد الله، وانفصل قليلا وأعيد، ثم بعد موته التاج عبد الوهاب بن محمد بن يعقوب المدني، ولم يلبث أن مات، فاستقر الشمسي محمد بن أحمد بن موسى السخاوي، وانفصل ثلاثة أشهر أو أربعة، أولها في رمضان سنة تسع وستين بالشهاب أحمد بن أبي الفتح محمد بن عبد الرحمن العثماني الأموي، وأعيد الذي قبله، ثم انفصل في سنة تسع وسبعين بالنجم محمد بن التاج المذكور قبل، وهو قاضي مكة الآن قليلا، ثم أعيد السخاوي إلى أن تعلل، فتركه لابنه خير
[ ١ / ٣٢ ]
الدين محمد، سنة اثنتين وتسعين، واستمر إلى أن مات، (أقول: وكانت وفاته سنة ٩١٣)، ثم وليها ابنه المحب محمد عقب وفاته، واستمر حتى مات في سنة ٩١٧، فوليها بعده ولده الزيني أبو الفضل محمد ومات في سنته، فوليها الشمس محمد في سنة ٩١٨ واستمر حتى عزل مرارا، أولها في سنة ٩٢٨ بالشيخ أحمد المغربي الغرياني، وعزل في التي بعدها، وأعيد القاضي شمس الدين محمد السخاوي، ثم عزل بالشيخ أحمد مرة ثانية في سنته …). واستمر إلى أن مات.
وأول قضاة الحنابلة: القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن أبي الفتح الحسني الفاسي المكي، أحد شيوخنا وليه سنة سبع وأربعين وثمانمائة، مضافا لما كان معه من قضاة مكة، ثم بعد سفوره فيهما مدة ابنه المحيوي عبد القادر، ثم بعده فيهما أيضا الشهاب أحمد بن علي بن أحمد الشيشيني المصري، وقدم مكة في موسم سنة تسع وتسعين.
وأنفعهم في فصل الحكومات والإصلاح: المالكي، وكلهم مقيمون بها إلا الحنبلي. فهو- لكون قضاء مكة معه أيضا-يوزع الإقامة.