أعظم شهداء أحد، وبينه وبين المدينة أزيد من ثلاثة أميال، وأما أحد: فبينهما أربعة وما يقاربها، هو ومصعب بن عمير في قبر واحد، ويقال: إن عبد الله بن جحش بن رباب بن أخت حمزة معهما.
وهناك من الشهداء: قبر عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام أبي جابر، وكانا أولا في قبر واحد، في آخرين كثيرين من الشهداء، وفي أقصى البقيع: أبو سعيد الخدري، وبالبقيع من أصحابنا، قاضي المالكية: الشمس السخاري بالقرب من ضريح إمامه مالك، والشهاب أحمد بن يونس المغربي، وقاضي الحنابلة الشريف محيي الدين الحسني المكي، والشهاب بن أبي السعود، وأم هانئ ابنة ابن ظهيرة، وزوجها ابن عمها أبو الفضل ابن ظهيرة، وأبو الجود الجيعاني في قبة كان دفن زوجته بها، وعلى الدمامي خطيب الأزهر في آخرين ممن يعلم من تراجمهم، وبالجملة: فكل طريق المدينة وفجاجها ودورها وما حولها قد شملته البركة النبوية، فإنهم كانوا يتبركون بدخوله ﷺ منازلهم ويدعونه إليها، وإلى الصلاة في بيوتهم، وشهود جنائزهم، ولهذا امتنع مالك من ركوب دابة فيها، قائلا «لا أطأ بحافر دابة في عراص كان ﷺ يمشي فيها بقدميه الشريفتين» ثم أصحابه الراشدون، والصحابة البررة الكرام، ﵃ أجمعين.
ويحرم-كما الأربعة، إلا أبا حنيفة-صيد حرمها، واصطياده، وقطع شجره، ولكن تجرأ غلام للمغيرة بن شعبة على قتل أمير المؤمنين عمر ﵁، وهو في المحراب يصلي الصبح في آخر سنة ثلاث وعشرين، فكان مبدأ الفتن، فقتل في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ذو النورين عثمان بن عفان حين حصره المصريون ليخلع نفسه من الخلافة، وتجرأ عليه أراذل من رعاع القبائل، بحيث اقتحموا عليه داره وقتلوه.
[ ١ / ٤٣ ]
ثم في سنة ثلاث وستين استبيحت المدينة على يد مسلم بن عقبة المقول له لإسرافه «المسرف» حيث أتى بعسكر مخذول لامتناع أهلها من المبايعة ليزيد بن معاوية، فقاتل أهلها. فهزمهم وقتلهم بحرتها، على ميل من المسجد النبوي، قتلا ذريعا، في بقايا المهاجرين والأنصار، وخيار التابعين، وقراء القرآن، وسائر الناس، واستبيحت الفروج.
فافتضت ألف عذراء، والأنفس والأموال، وجالت الخيل في المسجد النبوي، وخلى من مجمع فيه، بل قال يحيى بن سعيد: إنه لم يترك الصلاة فيه منذ كان النبي ﷺ، إلا ثلاثة أيام يوم قتل عثمان، ويوم الحر، وسمي الثالث-ولم يلبث يزيد، ثم نائبه هذا-أن هلكا، واليوم الثالث المشار إليه هو يوم خرج به أبو حمزة الخارجي بعسكر كبير، والتقوا مع أهل المدينة بقديد في صفر سنة ثلاثين ومائة، فانهزم المدنيون، واستمر داخل المدينة، وأصيب خلق في كلا الموضعين، ولم يلبث أيضا أن هلك.
وكذا حاصر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في سنة إحدى وخمسين ومائتين بحيث مات أهلها جوعا، ولم يصل أحد بالمسجد النبوي، ولم يلبث أن هلك بالجدري.
وفي أيام المعتمد: قام محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة، وشرب الخمر علانية في المسجد النبوي، وفسق فيه بقينة لبعض أهلها، بل قتل أهلها سيفا وجوعا، ولم يصل بها طول مدته فيها جمعة ولا جماعة.
وفي سنة إحدى وسبعين ومائتين: قام محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بها، فقتلا أهلها، وأخذا أموالهم، وخرباها، بحيث انقطعت الصلاة بها شهرا كاملا جمعة وجماعة، بل قتل محمد ثلاثة عشر رجلا من ولد جعفر بن أبي طالب صبرا حسبما يجيء بسط هذا في التراجم.
ثم في سنة أربع وخمسين وستمائة، كان ظهور النار بظاهرها من شرقيها، وكانت من الآيات العظام. أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، ودامت أياما وأشهرا، وظن أهلها أنها القيامة، إلى أن انطفأت عند وصولها إلى حرمها، ولكن لم تمض السنة حتى احترق المسجد النبوي بعد انطفائها ليلة استهلال رمضان، وقيل: هذا كله في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. خرجت نار بالحرة، فجاء إلى تميم الداري فانطلق معه فجعل-أعني تميما- يحوشها بيده، حتى دخلت الشعب، ودخل تميم خلفها، رواها البيهقي في الدلائل.
[ ١ / ٤٤ ]
وبعد هذا كله بدهر: احترق المسجد في رمضان سنة ست وثمانين وثمانمائة بنزول صاعقة احترق بنارها سقفه، وحواصله وخزائن كتبه، وربعاته، وهلال منارته الرئيسية، ولم يبق من قناطره وأساطينه إلا اليسير جدا، وصار كالتنور، مع جماعة كثيرين من الأعيان وغيرهم، حسبما شرحته في الحوادث، وقال الشعراء في ذلك، فأكثروا، وكان من قديمه.
لم يحترق حرم النبي لريبة … يخشى عليه، وما به من عار
لكنه أيدي الروافض لا مست … تلك الرسوم فطهرت بالنار
وفي ذي الحجة سنة خمسين وسبعمائة: نهب الطفيل بن منصور بن جماز المدينة حين بلغه صرفه عنها قبل مجيئ المتولي بأيام.
وفي ذي الحجة سنة ستين وثمانمائة: تسور بعض الأشراف من بني حسين لسطح الحجرة النبوية، وسرق من قناديلها الذهب والفضة جملة، ولم يفطن لذلك إلا في السنة التي تليها، فاسترجع منه ما أمكن، وصلب الفاعل وقتل آخرون.
ثم في سنة إحدى وتسعمائة: اقتحمها حسن بن زبيري أيام نيابته بها، وكسر قبة الزيت، وأخذ ما كان بها من نقد وقناديل، وغير ذلك، وكان سبقه لنظير فعله: جماز بن هبة، فإنه-حين بلغه عزله في سنة إحدى عشرة وثمانمائة-كسر القبة، وأخذ ما فيها من قناديل ذهب وفضة، وثياب لتكفين الموتى، وذلك شيء كثير إلى غيره، ولم يلبث أن مات في التي تليها، وكذا هجم على المدينة من أمرائها: عجلان بن نعير، في سنة ثلاثين أواخر التي قبلها، كما في ثابت بن نعير أخيه، واستباحها ثلاثة أيام بمعاونة ذربان الحسيني الطفيلي. كما أعان ابنه مشاري حسنا، مع كون والده زبيري هو القاتل لذربان، وكذا هجم قبل ذلك في سنة أربع وعشرين: ابن عزيز بن هيازع، أحد أمرائها، وأخذ من الحاصل شيئا كثيرا.
ورام ضيغم الاقتداء بهم، فكفه الله، كما سيأتي في تراجمهم، وكذا شامان بن زهير، خال صاحب الحجاز، والد أمير المدينة فارس، هجما في جمع كثير، فكف أيضا، بل: في زبيري أنه تعصب مع بعض الرافضة في ضرب بعض أهل السنة، حتى مات.
وأبشع من هذا كله: الاطلاع في سنة سبع وخمسين وخمسمائة على رجلين من النصارى راما نقل من في الحجرة النبوية، ورأى السلطان نور الدين محمود الشهيد مناما، اقتضى له سرعة المجيء، حتى ظهر له منهما ذلك، فضرب أعناقهم ثم احترقا، كما سيأتي في ترجمته،
[ ١ / ٤٥ ]
مع ما نقل من كون الحاكم صاحب مصر رام النقل للمشار إليهم بمصر. فكفه الله بحوله وقوته، كما أهلك من رام إخراج الشيخين خاصة، حسبما يجيء في ترجمة لهرون بن عمر.
ولما رام الخليفة-في سنة خمسين-نقل المنبر النبوي إلى الشام، محتجا بكون عثمان قتل بالمدينة بمواطأة أهلها، فلما حرك المنبر كسفت الشمس، بحيث رؤيت النجوم نهارا بادية، فتركه، وزاد في درجة واعتذر عما هم به، ثم رام عبد الملك بن مروان نقله، فذكره بعض جلسائه بما تقدم، فكف، ثم هم ابنه الوليد بذلك، فحذر منه فترك، ثم إن سليمان بن عبد الملك قيل له ما وقع من أبيه وأخيه، فقال: مالنا ولهذا أخذنا الدنيا فهي في أيدينا، ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه فنحمله هذا ما لا يصلح، والمعجزة فوق هذا.
إلى غير هذا من تعرض بعض الرافضة لبعض أهل السنة بالقتل والاتلاف، بحيث أتلفهم الله تعالى، وأجرى أهل السنة على ما تفضل الله عليهم به بدعاء صاحبها ﷺ، ومما اتفق: أنهم بينما هم في العمارة، بعد الحريق الثاني المشار إليه، إذ دخل جمل -كان ضعف عن العمل، فراموا نحره-إلى المسجد النبوي. شبه المستجير به، فأمر ناظر العمارة بعدم التعرض له وإعفائه من غير قطع لعلفه وسقيه، بل في مصر ثلاثين وسبعمائة:
جيء إلى مكة مع الركب العراقي بفيل، وأحضر المشاعر، ثم مضوا به إلى المدينة النبوية، فمات بقربها بعد عجزهم عن التقدم إليها خطوة، وقريب مما قبله: الجمل الذي رام صاحبه ذبحه لسنه، فإنه فر إلى المسجد الحرام، وعجزوا عن إخراجه منه، وباتوا يحرسونه خوفا على المطاف منه. فلما كان الثلث الأخير هجم فدخله، فطاف ثلاث أشواط ثم ذهب الثالث إلى جهة المقام الحنفي، فسقط ميتا، فدفن مكانه، ولكن تعجبت من دفنه هناك.