قال البرذعي: وحملت معي من مصر جزءًا بخطى مما أنكرته من حديث أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب أبي عبيد اللَّه ومما لديهم من الأسانيد والمتون، فدفعت الجزء إلى أبي زرعة، وكان علان ابن عبد الرحمن المصري أعطاني حديث موسى بن يعقوب عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن إسحاق ابن عبد اللَّه أبي طلحة، عن أنس "من كذب علي" ذكر أن ابن وهب حدثهم قال: نا موسى بن يعقوب أعطاني علان ذلك، فدفعه بخط ابن أخي ابن وهب، قال لي علان: كتب لي ذلك ابن أخي ابن وهب بخطه وقرأه علي، وحديث الزهري عن سحيم في الخسف، عن ابن وهب،
_________________
(١) الجرح والتعديل [٢/ ٥٥]. وذكر الحافظ في التهذيب أن أبا حاتم قال عنه صدوق.
(٢) سؤالات السجزي للحاكم ص ٨١.
(٣) زيادات أبي سعيد السجزي على سؤالات الحاكم للدراقطني ص ٨٩، والقاضي محمد بن صالح له ترجمة في السير [١٦/ ٢٢٦].
[ ١٠ ]
عن يونس، فدفعت الرقعة أيضًا إلى أبي زرعة فجعل يقرأ ما في الكتاب ويتعجب، ثم قال لي أبو زرعة: لا أرى ظهر بمصر منذ دهر أوضع للحديث، وأجسر على الكذب من هذا، وكان مما كتبت في الجزء ما أنكرت من رواياته عن عمه، عن إبراهيم ابن سعد، عن الزهري، عن النبي -ﷺ-: "من أكل من هذه الشجرة" فقال لي أبو زرعة: أي شيء أنكرت من هذا؟ قلت: أنكرته أنه إنما هو عن سعيد بن المسيب وحده ليس أبو سلمة.
فقال لي: أصبت، ما هذا من حديث أبي سلمة، وأزيدك مما لست أراك أنك تهتدي إليه، قلت: لا أعلم إلا أفي أنكرت فيه زيادته فيه، عن أبي سلمة لأن الحديث رواه جماعة عن إبراهيم بن سعد، فقال لي: رواه جماعة، وابن وهب لا أعلمه حدث عن إبراهيم بن سعيد شيئًا أصلًا، ثم قال لي أبي زرعة: كان أبو حاتم يلقى إلى عنه أحاديث كنت أستحسنها، مثل حديث أبي الزعراء وغيره، فإذا هو آفة من الآفات قلت: فتكتب بخطك إلى أصحابنا بمصر، فكتبت بخطه كلامًا غليظًا يأمر بهجرانه، ومباينته، ونسبه إلى الكذب المصرح وكتب نحو ذلك أبو عبد اللَّه محمد بن مسلم، وأبو حاتم، فانفذت خطوطهم إلى علان، وإبراهيم ابن الأصم ثم قال لي أبو حاتم: شعرت أن ابن أخي ابن وهب كتب إلي وأنت بمصر يشكوك ويقول: إنك تعتب عليه، وكتبت إلي في كتابه حدثنا عمي قال: نا عمر بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-: "لو بغى جبل عن جبل إلا ذل اللَّه الباغي منهما" فلما خرج ابني عبد الرحمن كتبت له إلى يونس، وابن عبد الحكم، ولم أكتب إليه. وقلت لعبد الرحمن: قل له كتبت إلي في أمر البرذعي بما كفيتني مؤنة نفسك عندما ذكرت عن عمك، عن عمر بن محمد حديثًا لا أصل له بهذا الإسناد، فورد كتاب ابن أخي ابن وهب على أبي حاتم بعد أن ابني كتب إليك بهذا الحديث وغلط
[ ١١ ]
في إسناده، وليس هو من حديثي، وأنا أستغفر اللَّه، وما حدثت بهذا الحديث أو نحو ذلك كلام هذا معناه أخبرني به أبو حاتم، وقال لي ألا ترى ما كتب به ابن أخي ابن وهب، وكان معي فضل الصائغ عندما قال لي أبو حاتم هذه المقالة، فقال الفضل فيما أحسب أنه حدثني بهذا الحديث، عن عمه، عن عمر بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-، منذ كذا وكذا، وكان الفضل هناك مع أحمد بن صالح، ثم انصرف الفضل إلى منزله فعاد إلي ومعه كتابه، كتاب عتيق كتبه بمصر عنه فلم نلق هذا الحديث في أصل كتابه.
وقد كان أبو حاتم كتب إليه معي بلغني أنك رويت عن عمك، عن عيسى بن يونس، حديث عوف بن مالك "تفترق أمتي" وليس هذا من حديث عمك، ولا روى هذا عن عيسى أحد، غير نعيم بن حماد، وكتب إلي أيضًا كهل كان بمصر من أصحابنا يقال له أبو الحسين الأصبهاني، وكان من أصحاب الشافعي، فصرت أنا وأبو الحسن الأصبهاني إلى ابن أخي ابن وهب بكتاب أبي حاتم فقرأه، وقال: جزى اللَّه أبا حاتم خيرًا لقد نصح فوعظته أنا، وقلت له: هذا بحر بن نصر قد رفعه اللَّه بمقدار عشرة آلاف حديث عنده عن عمك، فاتق اللَّه.
فقال لي: ما حدثت بهذا الحديث قط، وأنا أعقله، وليس هذا الحديث من حديثي، ولا حديث عمي، وإنما وضعه لي أصحاب الحديث، ولست أعود إلى روايته حتى ألقى اللَّه، وأنا تائب إلى اللَّه أو نحو ما قال.
فقلت له: ها هنا أحاديث عن هذا قال: فاجمعها، وآتني بها حتى أرجع عنها، فما مضى بي إلا عام، وكنت على أن أعود إليه، ومعي ما ينكر من حديثه حتى أتاني قوم ثقات من أصحابنا فحدثوني أنهم شهدوه في ذلك اليوم يحدث بحديث عيسى بن يونس الدي قال لي ما قال، عن عمه فقصدت الرجل الذي قيل له أنه قرأ عليه الحديث، وكان جرجاني صديق
[ ١٢ ]
لي فقلت له ابن أخي ابن وهب قرأ عليك حديث عيسى بن يونس؟ فقال لي: نعم، أخذ درهمين، وقرأه علي (^١).
قال النسائي: أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب كذاب (^٢).
قال ابن حبان: أحمد بن عبد الرحمن بن وهب يروى عن عمه، حدثنا عنه شيوخنا ابن خزيمة وغيره، وكان يحدث بالأشياء المستقيمة قديمًا حيث كتب عنه ابن خزيمة وذووه، ثم جعل يأتي عن عمه بما لا أصل له، كان الأرض أخرجت له أفلاذ كبدها، روى عمه عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن اللَّه زادكم صلاة إلى صلاتكم وهي الوتر" فيما يشبه هذا مما لا خفاء على من كتب حديث ابن وهب من رواية الثقات (^٣).
قال الحاكم: أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري روى عنه مسلم أحاديث كثيرة احتج بها في المسند الصحيح. قلت لأبي عبد اللَّه محمد بن يعقوب الحاكم: إنه يحدث عن أحمد بن عبد الرحمن؟ فقال: إن أحمد بن عبد الرحمن ابتلى بعد خروج مسلم من مصر، فأما أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب فأنا لا أشك في اختلاطه بعد الخمسين وهو بعد خروج مسلم من مصر، والدليل عليه أحاديث جمعت عليه بمصر لا يكاد يقبلها العقل وأهل الصنعة من تأملها علم أنها مخلوقة أدخلت عليه فقبلها. ثم ذكر خمسة مها.
وقد عرض عليه أبو بكر محمد بن إسحاق منها عدة وأنكر بعضها وأقر له بالبعض.
فأما أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس -رحمنا اللَّه وإياه- فحدثونا عن أبيه
_________________
(١) سؤالات البرذعي لأبي زرعة [٢/ ٧٠٩ - ٧١٦].
(٢) الصعفاء والمتروكين للإمام النسائي.
(٣) المجروحين [١/ ١٤٩].
[ ١٣ ]
أن محمدًا عرض كتاب أبيه إليه على أحمد بن عبد الرحمن يسأله الرجوع عن أحاديث منها، فثبت عليه ولم يرجع عنه.
فما يشبه حال مسلم معه إلا حال المقدمين من أصحاب سعيد بن أبي عروبة (^١).