أَحْوَال الْمُحدثين فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل مِمَّا يدْرك بِالِاجْتِهَادِ وَيعلم بِضَرْب من النّظر وَوجه ذَلِك أَن الْإِنْسَان إِذا جَالس الرجل وتكررت محادثته لَهُ وإخباره إِيَّاه بِمثل مَا يخبر نَاس عَن الْمعَانِي الَّتِي يخبر عَنْهَا تحقق صَدَقَة وَحكم بتصديقه فَإِن اتّفق لَهُ أَن يخبر فِي يَوْم من الْأَيَّام أَو وَقت من الْأَوْقَات بِخِلَاف مَا يخبر النَّاس عَن ذَلِك الْمَعْنى أَو بِخِلَاف مَا علم مِنْهُ الْمخبر أعتقد فِيهِ الْوَهم والغلط وَلم يُخرجهُ ذَلِك عِنْده عَن رُتْبَة الصدْق الَّذِي ثَبت من حَاله وعهد من خَبره وَإِذا أكثرت مجالسة آخر وَكَثُرت محادثته لَك فَلَا يكَاد أَن يُخْبِرك بِشَيْء إِلَّا ويخبرك أهل الثِّقَة وَالْعَدَالَة عَن ذَلِك الْمَعْنى بِخِلَاف مَا أخْبرك بِهِ غلب على ظَنك كَثْرَة غلطه وَقلة استثباته واضطراب أَقْوَاله وَقلة صدقه ثمَّ بعد ذَلِك قد يتَبَيَّن لَك من حَاله الْعمد أَو الْغَلَط وبحسب ذَلِك تحكم فِي أمره فَمن كَانَ فِي أحد هذَيْن الطَّرفَيْنِ لَا يخْتَلف فِي جرحه أَو تعديله وَمِمَّنْ كَانَ بَين الْأَمريْنِ مثل أَن يُوجد مِنْهُ الْخَطَأ والإصابة وَقع الترجح فِيهِ وعَلى حسب قلَّة أحد الْأَمريْنِ مِنْهُ وكثرته يكون الحكم فِيهِ فَكَذَلِك الْمُحدث إِذا حَدثَك عَن الزُّهْرِيّ مثل زَمعَة بن صَالح بن الْأَخْضَر أَو مُحَمَّد بن إِسْحَاق وحدثك عَنهُ بذلك الحَدِيث مَالك وَعبيد الله بن عمر وَمعمر وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمن أشبههم من الأيمة الْحفاظ المتقنين الَّذين علم حفظهم حَدِيث الزُّهْرِيّ وإتقانهم لَهُ وَاتَّفَقُوا على خلاف مَا حدث أَو خَالفه أحد هَؤُلَاءِ الأيمة وَكثر ذَلِك فَإِنَّهُ يحكم بضعفه
[ ١ / ٢٨٠ ]
واضطراب حَدِيثه وَكَثْرَة خطئه فَإِن انضاف إِلَى ذَلِك أَن ينْفَرد بالأحاديث الْمَنَاكِير عَن مثل الزُّهْرِيّ وَكثر ذَلِك مِنْهُ جرح إِلَى أَن يُقَال فِيهِ مُنكر الحَدِيث مَتْرُوك الحَدِيث وَرُبمَا كثر ذَلِك مِنْهُ حَتَّى يتَبَيَّن تَعَمّده فينسب إِلَى الْكَذِب وَإِذا رَأَيْته لَا يُخَالف هَؤُلَاءِ الأيمة المتقنين الْحفاظ وَلَا يخرج عَن حَدِيثهمْ حكم بِصَدقَة وَصِحَّة حَدِيثه فهذان الطرفان لَا يخْتَلف فِي من وجد أَحدهمَا مِنْهُ وَمن وجد مِنْهُ الْمُوَافقَة والمخالفة وَقع التَّرْجِيح فِيهِ على كَثْرَة أحد الْأَمريْنِ مِنْهُ وقلته وعَلى قدر مَا يحْتَملهُ حَاله فِي علمه وَدينه وفضله وَلذَلِك يخْتَلف أهل الْجرْح وَالتَّعْدِيل فِي الرجل فيوثقه يحيى بن سعيد الْقطَّان ويضعفه عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ويوثقه شُعْبَة ويجرحه مَالك وَكَذَلِكَ سَائِر من يتَكَلَّم فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل مِمَّن هُوَ من أهل الْعلم بذلك يَقع اخْتلَافهمْ فِي ذَلِك على هَذَا الْوَجْه وَقد روى أَبُو حَاتِم بن حبَان البستي قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أبي شيخ الْمَلْطِي قَالَ جَاءَ يحيى بن معِين إِلَى عَفَّان يسمع مِنْهُ حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة فَقَالَ سمعته من غَيْرِي فَقَالَ نعم سمعته من سَبْعَة عشر رجلا فَأبى أَن يحدثه بِهِ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ دِرْهَم وَانْحَدَرَ إِلَى الْبَصْرَة وأسمعه من التَّبُوذَكِي فَقَالَ لَهُ التَّبُوذَكِي سمعته من غَيْرِي فَقَالَ نعم سمعته من سَبْعَة عشر رجلا فَقَالَ مَا تُرِيدُ بذلك قَالَ أُرِيد أَن أميز خطأ حَمَّاد بن سَلمَة من خطأ من روى عَنهُ فَإِذا اتّفق لي الْجَمِيع على خطإ عرفت أَنه من حَمَّاد بن سَلمَة وَإِذا انْفَرد بِهِ بعض الروَاة عَنهُ عرفت أَنه مِنْهُ
[ ١ / ٢٨١ ]