إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإنه لا غنى لمشتغل في علم الحديث عن كتاب تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل للحافظ أبي زرعة العراقي (تحفة التحصيل) فهو دليل مشتمل على أسماء رواة الأحاديث التي فيها انقطاع فقد يكون الحديث ظاهره الصحة ولكنه معل بالانقطاع. وقد احتوى تحفة التحصيل على أقوال النقاد في العلل كأحمد بن حنبل والبخاري وابن المديني وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني والذهبي والعلائي وأبي زرعة العراقي. ولما كان لا يخلو شئ سوى كلام الله من نقص لقول ابن عباس الذي رفعه "ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي ﷺ" (المعجم الكبير ١١/ ٣٣٩ رقم ١١٩٤١) فكذلك أقوال النقاد في تحفة التحصيل. إلا أن ذلك لا ينقص ذلك من قيمته ومكانته. فهكذا هم أهل العلم يتعقبون بعضهم بعضًا ويدورون مع الدليل شدًا وجذبًا.
وفي ضوء ما تقدم وبعد انتهائي من مراجعة أقوال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" والذي نتج عنه كتاب "تقريب التقريب" أو "تقريب تقريب التهذيب" وكتاب "العلل الكبير" في أوقات متقاربة، شرعتُ في سبر ومراجعة
[ ١ / ٥ ]
أقوال النقاد في تحفة التحصيل ومستفيدًا من تحقيقات الدكتور نافذ حسين حماد ورفعت فوزي عبد المطلب وعلي عبد الباسط مزيد مع تدوين ما فتح الله عليَ عند كل راوٍ فأبدأ بـ "قال المُراجع" أي عبد الحكيم وأيضًا "فيه نظر" تأدبًا مع النقاد. ولبيان الإضافة العلمية أضفتُ عبارة "ولم يذكر ذلك صاحب التهذيب" أو "وعنه أيضًا" أو "فائدة". هذا وقد أسميته "التكميل على تحفة التحصيل" قاصدًا بهذا فقط خدمة علم الرجال وبنفس الوقت متأدبًا مع العلماء وسائلًا المولى ﷿ القبول والتوفيق. هذا وقد رأيت أن لا حاجة لأن أقدم لتحفة التحصيل فقد قدم له الأساتذة الدكاترة.
وكان منهجي في هذا المُراجعة هو سبر كتب الحديث والرجال عند مراجعة كل راو والبالغ عددهم ١٣٨٦ ثم الترجيح فأذكر أقوال النقاد الذين لم يتم ذكرهم في ترجمة الراوي في تحفة التحصيل بشرط المعاصرة بين الراوي وشيخه وأن لا يكون الراوي متروكًا أو متهمًا أو أذكر الأسانيد التي فيها تصريح راوي الترجمة من شيحه أو النبي بشرط خلوه من التدليس وصحة السند والمعاصرة. وإليك عزيزي القارئ أمثلة تبين القيمة العلمية لهذا العمل:
أولها: قال أبو زرعة العراقي في ٧٦٧: "عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة: قال أبو زرعة: حديثه عن عمر مرسل".
قال المُراجع (أي عبد الحكيم): قول أبي زرعة "حديثه عن عمر مرسل" فيه نظر فقد قال البخاري " أبو ميسرة سمع من عمر بن الخطاب، وابن مسعود" (العلل الكبير ١١٦/ ٢٠٠) ويعضده أمران:
[ ١ / ٦ ]
الأول: عمرو بن شرحبيل ثقة ولم يعرف بالتدليس وقد توفي في ٦٣ هـ (تقريب التهذيب رقم ٥٠٤٨) بينما توفي عمر ﵁ في ٢٣ هـ (تقريب التهذيب رقم ٤٨٨٨)، قال عنه الذهبي "حدث عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم" (سير أعلام النبلاء ٥/ ٧٠)،
والثاني: أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح في مصنفه (١٣/ ٢٣١ رقم ٢٥٣٢٥) وقال: حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل عن عمر … " وصحح الدارقطني هذا الاسناد فقال "والصواب قول من قال عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة عن عمر" (علل الدارقطني ٢/ ١٨٤ رقم ٢٠٧). وكذلك أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١/ ٣٦٧ رقم ٢٥٦).
وثاني هذه الأمثلة، قال أبو زرعة في ١١٧: ثور بن يزيد الكَلَاعي: عن راشد بن سعد عن مالك بن يَخَامِر، قال: رأيت معاذًا يقتل القمل والبراغيث في الصلاة. قال أحمد ابن حنبل: لم يسمع ثور من راشد شيئًا".
قال المُراجع: قول أحمد "لم يسمع ثور من راشد شيئًا" فيه نظر لأمورٍ:
الأول: ثور ثقة ولم يعرف بالتدليس،
والثاني: ثور شامي توفي في ١٥٥ هـ (تقريب التهذيب رقم ٨٦١) وراشد بن سعد شامي توفي في ١١٣ هـ (تقريب التهذيب رقم ١٨٥٤). وقد روى راشد عن خالد بن معدان المتوفي في ١٠٨ هـ (صحيح البخاري ١٠/ ٦٨ رقم ٢٧٠٧ وسير أعلام النبلاء ٤/ ٥٣٦)،
[ ١ / ٧ ]
والثالث: صرح ثور بتحديث راشد بن سعد له في صحيح ابن حبان (١/ ٢٨٠ رقم ٣٠٣) وقال ابن حبان: أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا ثور بن يزيد حدثنا راشد بن سعد عن … الحديث". وأيضًا أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٦ رقم ٧٥٢٢) وقال "هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي.
وختام هذه الأمثلة، قال أبو زرعة في ٢٥١: راشد بن سعد الحمصي: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من ثوبان، وقال أبو زرعة: راشد بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص مرسل.
قال المُراجع: قول أحمد "لم يسمع من ثوبان" فيه نظر فقد قال البخاري "سمع ثوبان" (التاريخ الكبير ٤/ ١٨٧) ويعضد سماعه أمورٌ:
الأول: راشد بن سعد ثقة ولم يعرف بالتدليس،
والثاني: توفي ثوبان ﵁ في ٥٤ هـ في حمص (تقريب التهذيب رقم ٨٥٨) وراشد حمصي في ١٠٨ هـ على الصحيح، وقد رد ابن عساكر من قال أن وفاته في ١١٣ هـ فقال "وهذا القول في وفاته وهم ولا أراه بقي إلى هذا التاريخ إلا أن يكون غير صاحب الترجمة قرأت على أبي غالب بن البنا عن أبي محمد الجوهري أنبأ أبو عمر بن حيوية أنبأ أحمد بن معروف نا الحسين بن الفهم نا محمد بن سعد قال في الطبقة الثالثة من أهل الشام راشد بن سعد الحميري من أهل حمص وكان ثقة مات سنة ثمان ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك قال أبو عبد الله الصوري فيما وجدته بخطه كان في الأصل ثلاث عشرة ومائة
[ ١ / ٨ ]
فضرب عليه وكتبت فوقه سنة ثمان ومائة وقال كذا في كتاب ابن معروف" (تاريخ دمشق ١٧/ ٤٥٠) وأهل بلده أعلم به من غيره،
والثالث: صرح راشد بسماعه من ثوبان ﵁ أخرجه البخاري بسند صحيح في الأدب المفرد (٢٠٣/ ٥٧٩) وقال: حدثنا أحمد بن عاصم قال: حدثنا حيوة قال: حدثنا بقية قال: حدثني صفوان قال: سمعت راشد بن سعد يقول: سمعت ثوبان يقول: قال لي رسول الله ﷺ … الحديث".
وفي أثناء المُراجعة حرصتُ على ما يلي:
أ) التأكد من درجة راوي المرسل توثيقًا أو تضعيفًا، فإذا كان ضعيف جدًا كالمتروك أو المتهم أو المجهول فلا عبرة في تحقيق سماعه فلا يصلح للإعتبار إسناد فيه متروك أو مجهول أو كذاب،
ب) التأكد من خلو الراوي من التدليس، فإذا كان مدلسًا فلا داعي في تحقيق سماع الراوي لأن التدليس انقطاع يخلُ بشرط الاتصال المنصوص عليه،
ت) التأكد من إمكانية المعاصرة بين الراوي وبين شيخه وذلك عن طريق تواريخ ولادته أو الوفاة أو معرفة طبقاتهم مع الاستعانة على أقوال النقاد كالبخاري وأبي حاتم والذهبي وابن حجر.
وقبل أن أطوي أوراق هذه المقدمة أسدي جزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى كل من أعانني على هذا العمل، أسأل المولى جل وعلا أن يجعل ما قدموه في موازين حسناتهم إنه جواد كريم. وختامًا أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يكافئنا بالحسنى وأن يغفر لي وللمسلمين
[ ١ / ٩ ]
وصلا الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وفي الختام من كان عنده أي ملاحظة فلا يتردد بالتواصل معنا على:
هاتف: ٩٧٤٥٥٥٥٧٠٥٨+
البريد الإلكتروني:
123takreeb@gmail.com
كتبه: عبد الحكيم صالح اليزيدي اليافعي
الدوحة - قطر
تم الإنتهاء من المُراجعة في الخميس، ٥ شوّال ١٤٤٦ هـ، الموافق ٣ أبريل ٢٠٢٥ م
* * *
[ ١ / ١٠ ]