.. هَل من سَبِيل إِلَى خمر فأشربها
أم هَل سَبِيل إِلَى نصر بن الْحجَّاج
وَنفى عَليّ رض = النُّعْمَان عَن مَلأ من الصَّحَابَة وَنفى حسأن أَيْضا وَالله أعلم فَإِن قيل إِن جمَاعَة وافقوا على حصره وَقَتله فقد روى أَن حُذَيْفَة وَعمَّارًا قَالَا قَتَلْنَاهُ كَافِرًا وَأَن طَلْحَة كَانَ فِيمَن حصره وَأَن عليا أعَان على قَتله وَأَن النَّاس خذلوه وأسلموه إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور قيل هَذَا لَا يَصح عَن حُذَيْفَة وَإِنَّمَا الْمَنْقُول عَنهُ خلاف ذَلِك وَإِنَّمَا هَذَا من كَلَام الرافضة وَأَن نقل ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يخلوا أحد من الصَّحَابَة من حَاسِد وَمِمَّنْ يبغضه فَكيف بعثمان رض = وَهُوَ من أهل السَّابِقَة وَالْفضل والكمال والطعن على عُثْمَان رض = طعن على من تقدمه
وَأما طَلْحَة فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول يَوْم الْجمل اللَّهُمَّ خُذ لعُثْمَان مني حَتَّى ترْضى
وَأما عَليّ رض = فَإِنَّهُ قَالَ غير مرّة اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك من دم عُثْمَان وَقَالَ وَالله مَا قتلت عُثْمَان وَلَا مالأت على قَتله وَلما بلغه قَتله قَالَ اللَّهُمَّ أَنِّي لم أَرض بقتْله وَلم أَمر وَقَالَ فِيهِ كَانَ عُثْمَان من الَّذين أمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ثمَّ أتقوا وأمنوا ثمَّ أتقوا وأحسنوا وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ
وسئلت عَائِشَة عَن عُثْمَان فَقَالَت قتل مَظْلُوما لعن الله قَاتله أقاد الله من أبن أبي بكر وسَاق الله إِلَى أغر بني تَمِيم هوانا وأهرق الله دِمَاء ابْن بديل وسَاق الله إِلَى الأشتر سَهْما من سهامه فوَاللَّه مَا من الْقَوْم أحد
[ ١٩٣ ]
إِلَّا أَصَابَته دعوتها وَأما ترك الصَّحَابَة الْإِنْكَار على من حصره فَلَقَد ناصحوا عَنهُ وَلم يَظُنُّوا أَن الْأَمر يبلغ إِلَى قَتله وَإِنَّمَا ظنُّوا أَنَّهَا تكون معتبة وَمَعَ ذَلِك فَإِن عُثْمَان رض = كَانَ يعزم عَلَيْهِم ليكفوا عَن اقتال وَلَقَد أَنْكَرُوا وبالغوا فِي الأنكار مِنْهُم على وَزيد بن ثَابت وَعبد الله بن سَلام وأبن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة والمغيرة وَالزُّبَيْر وأبن عَامر وَحمل الْحسن بن عَليّ يَوْمئِذٍ جريحا وَلبس أبن الزبير الدرْع مرَّتَيْنِ ﵃ أَجْمَعِينَ
وَعَن أبن عون لقد قتل عُثْمَان رض = وان فِي الدَّار لسبعمائة رجل مِنْهُم االحسن وأبن الزبير رض = وَلَو أذن لَهُم لضربوهم حَتَّى أخرجوهم من الْمَدِينَة وَأما طَلْحَة فَإِنَّهُ أنصرف وَلم يكن فِيمَن حصره كَيفَ وَهُوَ يلعن قَاتله مَعَ عَائِشَة رض = صباحا وَمَسَاء وَكَانَ هُوَ وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَمُعَاوِيَة يطْلبُونَ بدمه فَكيف يعينون عَلَيْهِ وَيطْلبُونَ بدمه هَذَا خلف وَمَعَ هَذَا فَيَنْبَغِي الْكَفّ عَمَّا شجر بَين الصَّحَابَة والأستغفار لَهُم والإمساك عَمَّا نسب إِلَيْهِ من الرذائل وَكَذَلِكَ تبَاع الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا تذكر محاسنهم الَّتِي مدحوا عَلَيْهَا ويمسك عَمَّا سواهَا
فَإِن قيل إِن عُثْمَان رض = حمى الْحمى وَمنع مِنْهُ النَّاس قيل روى أَن المصريين جَاءُوا إِلَى عُثْمَان رض = فَقَالُوا أدع بالمصحف فَدَعَا بِهِ ففتحوا سُورَة يُونُس هَذِه الأية ﴿قل أَرَأَيْتُم مَا أنزل الله لكم من رزق فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا﴾ يُونُس ٥٩ فَقَالُوا لَهُ أَرَأَيْت مَا حميت من الْحمى الله أذن لَك أم على الله تفتري فَقَالَ هَذِه الأية نزلت فِي كَذَا وَكَذَا وَأما الْحمى فقد حمى الْأَئِمَّة قبل لإبل الصَّدَقَة فَلَمَّا زَادَت أبل الصَّدَقَة زِدْت فِي الْحمى فَجعلُوا لَا يأخذونه بِآيَة إِلَّا قَالَ نزلت فِي كَذَا
[ ١٩٤ ]
وَكَذَا حَتَّى أَخذ عَلَيْهِم أَلا يشقوا عَصا الْمُسلمين فَأَقْبَلُوا رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ راضين فَرَأَوْا فِي الطَّرِيق غُلَاما مَعَه كتاب فَرَجَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي لم أَمر بِهِ وَلَا شَعرت بِهِ فحصروه باغين عَلَيْهِ ظالمين لَهُ وَقد حمى النبيي ﷺ نَقِيع الْخضمات لخيل الْمُسلمين
وَقَالَ البُخَارِيّ بلغنَا أَن النَّبِي ﷺ حمى النقيع وَحمى عمر رض = عَنهُ السَّرف والربذة وأستعمال على الْحمى مولى لَهُ يدعى هَنِيئًا فَلم يثبت على عُثْمَان رض = ذَنْب وَلَو ثَبت لما أستحق بذلك الْقَتْل وأنتهاك الْحَرِيم وشق الْعَصَا وتفريق الْجَمَاعَة وَلَكِن الله أكْرمه بِالشَّهَادَةِ وألحقه بِالنَّبِيِّ ﵇ وصاحبيه فِي الْجنَّة حَافِظًا لوَصِيَّة رَسُول الله ﷺ فِي خلع الْقَمِيص
وخطا قَاتلُوهُ بالخزي واللعنة وأنتهاك حُرْمَة الْمَدِينَة فِي الشَّهْر الْحَرَام
فَإِن قيل فقد رويتم عَن االنبي ﷺ أَنه ذكر فتْنَة تكون بعده وَقَالَ فِي عُثْمَان رض = فاتبعوا هَذَا وَأَصْحَابه فَإِنَّهُم على هدى فَأخْبرنَا من أَصْحَابه قيل أَصْحَابه أَصْحَاب رَسُول الله الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ الْمَذْكُور بَعضهم فِي التَّوْرَاة والأنجيل الَّذين من أحبهم سعد وَمن أبْغضهُم شقي مثل عَليّ بن أبي طَالب وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد وَسَعِيد وَغَيرهم من الصَّحَابَة مِمَّن كَانَ فِي وقتهم رض = فَإِنَّهُم كلهم كَانُوا على هدى كَمَا قَالَ النَّبِي صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَكلهمْ أنكر قَتله وَكلهمْ أستعظم مَا جرى على عُثْمَان رض = وشهدوا على قتلته أَنهم فِي النَّار وهم الَّذين تجمعُوا وتألبوا عَلَيْهِ مثل عبد الله بن سبأ وَأَصْحَابه الَّذين أشقاهم الله بقتْله حسدا مِنْهُم لَهُ وبغيا عَلَيْهِ وَإِرَادَة الْفِتْنَة وَأَن يوقعوا الضغائن بَين أمة مُحَمَّد ﷺ لما سبق عَلَيْهِم من الشَّقَاء فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُم فِي الأخرة من الْعَذَاب الْأَلِيم
[ ١٩٥ ]
وأجتهد الصَّحَابَة فِي نصرته والذب عَنهُ وبذلوا أنفسهم دونه فَأَمرهمْ بالكف عَن الْقِتَال وَقَالَ إِنِّي أحب أَن القى الله سالما مَظْلُوما وَلَو أذن لَهُم لقاتلوا عَنهُ
قَالَ إِبْنِ سِيرِين كَانَ مَعَه الدَّار جمَاعَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأَبْنَائِهِمْ فَقَالُوا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خل بَيْننَا وَبينهمْ فعزم عَلَيْهِم أَن يقاتلوا
فَإِن قيل فقد علمُوا أَنه مظلوم وَقد أشرف على الْهَلَاك فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِم أَن يقاتلوا عَنهُ ينصروه وَإِن كَانَ قد مَنعهم قيل أَن الْقَوْم كَانُوا أهل طَاعَة لإمامهم وَقد وفقهم الله تَعَالَى للصَّوَاب من القَوْل وَالْعَمَل وَقد فعلوا مَا يجب عَلَيْهِم بقلوبهم وألسنتهم وعرضهم لنصرته على حِسَاب طاقتهم فَلَمَّا مَنعهم من نصرته علمُوا أَن الْوَاجِب عَلَيْهِم السّمع وَالطَّاعَة لَهُ وَلَا يسعهم مُخَالفَته وَكَانَ الْحق عِنْدهم فِيمَا رَآهُ عُثْمَان رض =
فَإِن قيل فَلم مَنعهم عَن نصرته وَهُوَ مظلوم وَقد علم أَن قِتَالهمْ عَنهُ نهى عَن الْمُنكر وَإِقَامَة حق يقمونه فَالْجَوَاب أَن مَنعه أياهم يحْتَمل وُجُوهًا كلهَا محمودة أَحدهَا علمه بِأَنَّهُ مقتول مَظْلُوما لَا شكّ فِيهِ لِأَن النَّبِي ﵇ قد أعلمهُ أَنه يقتل مَظْلُوما وَأمره بِالصبرِ فَقَالَ أَصْبِر فَلَمَّا أحاطو بِهِ تحقق أَنه مقتول وَأَن الَّذِي قَالَه النَّبِي ﷺ لَهُ حق لَا بُد أَن يكون ثمَّ علم أَنه قد وعد من نَفسه الصَّبْر فَصَبر كَمَا وعد وَكَانَ عِنْده أَن من طلب الأنتصار لنَفسِهِ والذب عَنْهَا فَلَيْسَ هَذَا بصابر إِذْ وعده من نَفسه الصَّبْر
الْوَجْه الثَّانِي أَنه كَانَ قد علم أَن فِي الصحابه قلَّة عدد وَأَن الَّذين يُرِيدُونَ قَتله كثير عَددهمْ فَلَو أذن لَهُم بِالْقِتَالِ لم يَأْمَن أَن يتْلف من أَصْحَابه النَّبِي ﷺ بِسَبَبِهِ كثير فوقاهم بِنَفسِهِ إشفاقا مِنْهُ عَلَيْهِم لِأَنَّهُ رَاع عَلَيْهِم والراعي يجب عَلَيْهِ أَن يحفظ رَعيته بِكُل مَا أمكنه وَمَعَ ذَلِك فقد علم مقتول فصانهم بِنَفسِهِ
[ ١٩٦ ]
الْوَجْه الثَّالِث أَنه لما علم أَنَّهَا فتْنَة وَأَن الْفِتْنَة إِذا سل فِيهَا السَّيْف لم يُؤمن أَن يقتل فِيهَا من لَا يسْتَحق الْقَتْل فَلم يخْتَر لأَصْحَابه أَن يسلوا السَّيْف فِي الْفِتْنَة إشفاقا عَلَيْهِم نعم وَتذهب فِيهَا الْأَمْوَال ويهتك فِيهَا الْحَرِيم فصانهم عَن جَمِيع هَذَا
وَوجه رَابِع وَهُوَ أَنه يحْتَمل أَن يكون رض = صَبر عَن لانتصار لتَكون الصَّحَابَة رض = شُهُودًا على من ظلمه وَخَالف أمره وَسَفك دَمه بِغَيْر حق لِأَن الْمُؤمنِينَ شُهَدَاء الله فِي أرضه وَمَعَ ذَلِك فَلم يحب أَن يهرق بِسَبَبِهِ دم مُسلم وَلَا يخلف النَّبِي ﷺ فِي أمته بسفك دم رجل مُسلم وَكَانَ عُثْمَان رض = بِهَذَا الْفِعْل موفقا مَعْذُورًا رشيدا محبورا وَكَانَ الصَّحَابَة فِي عذر وشقي قَاتله وخاذله وَالله أعلم