أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى ثَنَا أَبُو يَعْلَى بِالْمَوْصِلِ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ ثَنَا سُفْيَان بن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ النَّبِيَّ ﷺ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِي أَقُولُ شَيْئًا قَالَ بَلَى فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ هَذَا سَأَلَنَا صَدَقَةً فِي أَمْوَالِنَا قَالَ وَأَيْضًا وَاللَّهِ قَالَ فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ ففنكره أَن ندعه
[ ١ / ٢١٣ ]
حَتَّى تنظر إِلَى أَي شَيْء بَصِير شَأْنُهُ وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ قَالَ فارهنوا نِسَائِكُم قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَكُنْتَ أَجْمَلَ الْعَرَبِ قَالَ فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا تُسَبُ الدَّهْرَ وَتُعَيَّرُ فَيُقَالُ رَهَنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ أَيِ السِّلاحَ فَأَتَاهُ وَمَعَهُ أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْس بن معَاذ وَعباد
[ ١ / ٢١٤ ]
بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو نَائِلَةَ فَقَالَ لَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِنِّي مُحْبِسٌ رَأْسَهُ وَمُمْسِكُهُ فَإِذَا قُلْتُ اضْرِبُوا فَاضْرِبُوا فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ فَقَالَ نَعَمْ فَمَسَّ وَقَالَ مَا أَطْيَبَكَ وَمَا أَطْيَبَ رِيحَكَ قَالَ عِنْدِي فُلانَةٌ وَهِيَ أَعْظَمُ نِسَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ قَالَ نَعَمْ فَمَسَّ رَأْسَهُ حَتَّى استكمن مِنْهُ قَالَ لَهُمْ اضْرِبُوهُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ فَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ قَالَ خرج كَعْب بْن الْأَشْرَف إِلَى مَكَّة فَقَدمهَا وَوضع رجله عَبْد الْمطلب بْن أبي ودَاعَة السَّهْمِي وَجعل ينشد الْأَشْعَار ويحرض النَّاس على رَسُول اللَّهِ ﷺ ويبكى على قَتْلَى بدر من أَصْحَاب القليب ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة فَبلغ ذَلِك رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ من لكعب بْنِ الأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّه وَرَسُوله فَقَالَ مُحَمَّد بْن مسلمة أَنا إِن تَأذن أَن أَقُول يُرِيد كذبا فِي الْحَرْب فَأذن لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَخرج مُحَمَّد بْن مسلمة وَمَعَهُ أَرْبَعَة نفر أَبُو عبس بْن جبر وَعباد بْن بشر بْن وقش وَأَبُو نائلة سلكان بْن سَلامَة بْن وقش والْحَارث بْن أَوْس بْن معَاذ بن أخي سعد بْن معَاذ فَانْتَهوا إِلَى كَعْب بْن الْأَشْرَف وَهُوَ فِي أَطَم من آطام الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِن مُحَمَّدًا يَأْخُذ صَدَقَة أموالننا وَأَرَادَ المَال مِنْهُ ثمَّ قَالَ لَهُ أَتَيْتُك أستسلفك فأرهن
[ ١ / ٢١٥ ]
السِّلَاح ثمَّ جَاءَ يغمر رَأسه فَلَمَّا استكمن مِنْهُ ضربه وضربوه حَتَّى قتل واحتزوا رَأسه وَجَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ ثمَّ غزا رَسُول اللَّهِ ﷺ غَزْوَة قرقرة الكدر حَامِل لِوَاءُهُ عَليّ بْن أبي طَالب واستخلف على الْمَدِينَة بن أم مَكْتُوم ثمَّ رَجَعَ وَلم يلق كيدا ثمَّ زوج رَسُول اللَّهِ ﷺ أم كُلْثُوم ابْنَته الْأُخْرَى من عُثْمَان بْن عَفَّان فِي أول شهر ربيع الأول ثمَّ غزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزْوَة بِذِي أَمر فِي شهر ربيع الأول فَلَمَّا بلغ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَا أَمر عَسْكَر بِهِ
[ ١ / ٢١٦ ]
ذَا من غطفان أصَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ مطر فَبل ثَوْبه ثمَّ نزع ثِيَابه فعلقها على شَجَرَة ليستجفها ونام تحتهَا فَقَالَت غطفان لدعثور بْن الْحَارِث وَكَانَ شجاعا تفرد مُحَمَّد من أَصْحَابه وَأَنت لَا تَجِد أخلى مِنْهُ السَّاعَة فَأخذ سَيْفا صَارِمًا ثمَّ انحدر ورَسُول اللَّهِ ﷺ مُضْطَجع ينْتَظر جفوف ثِيَابه فَلم يشْعر إِلَّا بدعثور بْن الْحَارِث وَاقِف على رَأسه بِالسَّيْفِ وَهُوَ يَقُول من يمنعك مني يَا مُحَمَّد فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّه وَدفعه جِبْرِيل فِي صَدره فَوَقع السَّيْف من يَده فَأخذ رَسُول اللَّهِ ﷺ السَّيْف ثمَّ قَامَ على رَأسه وَقَالَ من يمنعك مني قَالَ لَا أحد فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ قُم فَاذْهَبْ لشأنك فَلَمَّا ولى قَالَ أَنْت خير نَبِي يَا مُحَمَّد قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنا أَحَق بذلك مِنْك فَلَمَّا سَمِعت الْأَعْرَاب من غطفان برَسُول اللَّهِ ﷺ لحقت بِذِي الْجبَال فَلَمَّا أعجزوه رَجَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة وَولد السَّائِب بْن يزِيد بْن أُخْت نمر
[ ١ / ٢١٧ ]
وغزا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي شهر جُمَادَى الأولى بحران مَعْدن بِنَاحِيَة الْفَرْع ثمَّ رَجَعَ رَسُول ﷺ وَلم يلق كيدا ثمَّ كَانَت سَرِيَّة الفردة وَذَلِكَ أَن قُريْشًا قَالَت قد عور علينا مُحَمَّد متجرنا وَهُوَ على طريقنا وَإِن أَقَمْنَا بِمَكَّة أكلنَا رُؤُوس أَمْوَالنَا فَقَالَ أَبُو زَمعَة بْن الْأسود بْن الْمطلب أَنا أدلكم على رجل يسْلك بكم طَرِيقا ينكب عَن مُحَمَّد وَأَصْحَابه لَو سلكها مغمض الْعَينَيْنِ لَا هتدى فَقَالَ صَفْوَان بْن أُميَّة من هُوَ قَالَ فرات بْن حَيَّان الْعجلِيّ وَكَانَ دَلِيلا فاستأجره صَفْوَان بْن أُميَّة وَخرج بهم فِي الشتَاء وسلك بهم على ذَات عرق
[ ١ / ٢١٨ ]
ثمَّ على غمرة فَلَمَّا بلغ الْخَبَر إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بعث زيد بْن حَارِثَة فِي جُمَادَى الأولى فَاعْترضَ العير فظفر بهَا وأفلت أَعْيَان الْقَوْم وَأسر فرات بْن حَيَّان الْعجلِيّ وَكَانَ لَهُ مَال كثير وأواقي من فضَّة فقسم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَنَائِم على من حضر الْوَاقِعَة وَأخذ الْخمس عشْرين ألفا وَأطلق رَسُول اللَّهِ ﷺ فرات بْن حَيَّان فَرجع إِلَى مَكَّة ثمَّ تزوج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بحفصة بنت عمر بْن الْخطاب قَالَ عمر بْن الْخطاب لما تأيمت حَفْصَة لقِيت عُثْمَان بن عَفَّان فعرضتها
[ ١ / ٢١٩ ]
عَلَيْهِ فَقَالَ إِن شِئْت زَوجتك حَفْصَة قَالَ سَأَنْظُرُ فِي ذَلِك فَمَكثَ لَيَال ثمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ بَدَأَ لي أَن لَا أتزوجيومى هَذَا قَالَ عمر فَلَقِيت أَبَا بكر فَقلت لَهُ إِن شِئْت زَوجتك حَفْصَة فَصمت أَبُو بكر وَلم يرجع إِلَى بِشَيْء فَكنت على أبي بكر أوجد مني على عُثْمَان ثمَّ مكثت لَيَال فَخَطَبَهَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَنْكحهَا إِيَّاه فلقيني أَبُو بكر فَقَالَ لَعَلَّك وجدت فِي نَفسك فَقلت نعم فَقَالَ أَبُو بكر لم يَمْنعنِي أَن أراجع إِلَيْك فِيهَا بِشَيْء إِلَّا أَن النَّبِي ﷺ قد كَانَ ذكرهَا فَلم أكن أفشى سره وَلَو تَركهَا قبلتها ثمَّ تزوج رَسُول اللَّهِ ﷺ زَيْنَب بنت خُزَيْمَة من بني هِلَال الَّتِي يُقَال لَهَا أم الْمَسَاكِين وَدخل بهَا حَيْثُ تزَوجهَا فِي أول شهر رَمَضَان وَكَانَت قبله تحفت الطُّفَيْل بْن الْحَارِث فَطلقهَا ثمَّ ولد الْحسن بْن عَليّ بْن أبي طَالب فِي النّصْف من شهر رَمَضَان وعق عَنهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بكبشين وَحلق رَأسه وَأمر أَن يصدق بِوَزْن شعره فضَّة على الأوقاص من الْمَسَاكِين
[ ١ / ٢٢٠ ]
ثمَّ كَانَت غَزْوَة أحد وَذَلِكَ أَن أَبَا سُفْيَان لما وجع بعيره إِلَى مَكَّة قَالَ عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعَة المَخْزُومِي وَعِكْرِمَة بْن أبي جهل وَرِجَال من قُرَيْش مِمَّن أُصِيب آباؤهم وإخوانهم ببدر يَا معشر قُرَيْش إِن مُحَمَّدًا قد وتركم وَقتل خياركم فأعينونا على حربه لَعَلَّنَا أَن ندرك مِنْهُ بعض مَا أصَاب منا فاجتمعت قُرَيْش على الْمسير إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بأحابيشها وَمن أطاعها من قبائل مَكَّة وَغَيرهَا وَخَرجُوا مَعَهم بالظعن فَخرج أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب بهند بنت بنت عتبَة بْن ربيعَة أم مُعَاوِيَة وَخرج عِكْرِمَة بْن أبي جهل بِأم حَكِيم بنت الْحَارِث بْن هِشَام وَخرج الْحَارِث بْن هِشَام بفاطمة بنت الْوَلِيد بْن الْمُغيرَة وَخرج صَفْوَان بْن أُميَّة ببرة انه مَسْعُود بْن عَمْرو وَهِي أم عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان وَخرج عَمْرو بْن الْعَاصِ بريطة ابْنة مُنَبّه بْن الْحجَّاج السَّهْمِي وَهِي أم عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَخرج طَلْحَة بْن أبي طَلْحَة بسلافة بنت سعد بْن شَهِيد أحد بني عُرْوَة بْن عَوْف مَعَ نسْوَة غَيْرهنَّ ودعا جُبَير بْن مطعم غُلَامه وحشيا فَقَالَ إِن
[ ١ / ٢٢١ ]
قتلت عَم مُحَمَّد حَمْزَة بعمى طعيمة بْن عدي فَأَنت عَتيق فَخرجت قُرَيْش تُرِيدُ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى نزلُوا بعينين جبل بِبَطن السبخة على شَفير الْوَادي مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة وهم ثَلَاثَة آلَاف رجل مَعَهم من الْخَيل مِائَتَا فرس وَمن الظعن خَمْسَة عشر امْرَأَة فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لما سمع بهم إِنِّي رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم فِي ذُبَاب سَيفي ثلمة وَرَأَيْت بقرة نحرت وَرَأَيْت كَأَنِّي أدخلت يَدي فِي درع حَصِينَة فتأولتها الْمَدِينَة وَكره رَسُول اللَّهِ ﷺ الْخُرُوج إِلَيْهِم فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أبي بْن سلول يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا تخرج إِلَيْهِم فو الله مَا خرجنَا إِلَى عَدو قطّ إِلَّا أصَاب منا وَمَا دَخلهَا علينا إِلَّا أصبناه فَقَالَ رجال من الْمُسلمين مِمَّن كَانَ فاتهم بدر يَا رَسُول اللَّه اخْرُج بِنَا إِلَى أَعدَاء اللَّه لَا يرَوْنَ أَنا جبنا عَنْهُم أَو ضعفنا فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أبي يَا رَسُول اللَّه أقِم فان أَقَامُوا أَقَامُوا بشر مجْلِس وَإِن دخلُوا علينا قَاتلهم الرِّجَال فِي وُجُوههم وَرَمَاهُمْ النِّسَاء وَالصبيان بِالْحِجَارَةِ من فَوْقهم فَلم يزل برَسُول اللَّهِ ﷺ الَّذين كَانَ من أَمرهم حب لِقَاء الْقَوْم حَتَّى دخل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلبس
[ ١ / ٢٢٢ ]
لأمته ثمَّ خرج عَلَيْهِم وَقد نَدم النَّاس وَقَالُوا استكرهنا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلم يكن لنا ذَلِك ثمَّ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه استكرهناك وَلم يكن لنا ذَلِك إِن شِئْت فَاقْعُدْ صلى اللَّه عَلَيْك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يَنْبَغِي لنَبِيّ إِذا لبس لأمته أَن يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتل فَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّال يَوْم السبت فِي ألف رجل واستخلف على الْمَدِينَة بْن أم مَكْتُوم وَصلى الْمغرب بالشيخين فِي طرف الْمَدِينَة وَقد قيل بِالشَّوْطِ
[ ١ / ٢٢٣ ]
ثمَّ عرض الْمُقَاتلَة فَأجَاز من أجَاز ورد من رد فَكَانَ فِيمَن رد زيد بن ثابات وَعبد اللَّه بْن عمر وَأسيد بْن ظهير والبراء بْن عَازِب وعرابة بْن أَوْس الْحَارِثِيّ وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأَجَازَ سَمُرَة بْن جُنْدُب وَأما رَافع بْن خديج فَإِن رَسُول اللَّهِ ﷺ استصغره فَقَامَ على خُفَّيْنِ وتطاول على أَطْرَافه فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أجَازه وَكَانَ دَلِيل النَّبِيَّ ﷺ أَبُو حثْمَة الْحَارِثِيّ فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أبي لمن مَعَه أطاعهم رَسُول اللَّهِ ﷺ وعصاني وَالله مَا نَدْرِي على مَا نقْتل أَنْفُسنَا مَعَه أَيهَا النَّاس ارْجعُوا فعزل من الْعَسْكَر ثَلَاثمِائَة رجل مِمَّن تبعه وَرجع بهم الْمَدِينَة وَمضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَبْعمِائة رجل وسلك حرَّة بني حَارِثَة ثمَّ نزل حَتَّى مضى بِالشعبِ من أحد فِي عدوة الْوَادي وَجعل ظَهره إِلَى أحد وَقَالَ لَا يقاتلنن أحد حَتَّى آمره ثمَّ أَمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على الرُّمَاة عَبْد اللَّه بْن جُبَير أحد بني عَمْرو بْن عَوْف وهم خَمْسُونَ رجلا وَقَالَ انْضَحْ عَنَّا الْخَيل لَا يَأْتُونَا من خلفنا إِن كَانَت علينا أَو لنا فَاثْبتْ مَكَانك لَا نُؤْتَيَنَّ من قبلك ثمَّ ظَاهر رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي درعين وَأعْطى اللِّوَاء على
[ ١ / ٢٢٤ ]
بْن أبي طَالب وَقَالَ من يَأْخُذ مني هَذَا السَّيْف بِحقِّهِ قَالَ أَبُو دُجَانَة سماك بْن خَرشَة وَمَا حَقه يَا رَسُول اللَّه قَالَ تضرب بِهِ فِي الْعَدو حَتَّى ينحني فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَنا آخذه بِحقِّهِ فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَكَانَ أَبُو دُجَانَة رجلا شجاعا يختال عِنْد الْحَرْب وَكَانَ إِذا أعلم بعصابة لَهُ حَمْرَاء يعصب بهَا رَأسه فَإِذا رَأَوْا ذَلِك علمُوا أَنه سيقاتل فَأخذ السَّيْف من رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأخرج عِصَابَة فعصب بهَا رَأسه ثمَّ أَخذ يتبختر بَين الصفين فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّهَا لمشية يبغضها اللَّه إِلَّا فِي هَذَا الموطن وتعبأت قُرَيْش وَجعلُوا على ميمنة الْخَيل خَالِد بْن الْوَلِيد وعَلى ميسرتها عِكْرِمَة بْن أبي جهل وَقَالَ أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب لأَصْحَابه أَنكُمْ قد وليتم لواءنا يَوْم بدر فأصابنا مَا قد رَأَيْتُمْ وَإِنَّمَا يُؤْتى النَّاس من قبل راياتهم إِذا مالوا فاما أَن تكفونا لواءنا وَإِمَّا أَن تخلوا بَيْننَا وَبَينه فنكفيكموه فَهموا بِهِ وتواعدوه وَقَالُوا نَحن نسلم إِلَيْك ستعلم كَيفَ نصْنَع وَجَاءَت هِنْد بنت عتبَة والنسوة اللواتي مَعهَا يحرضنهم على الْقِتَال وَتقول فِيمَا تَقول
[ ١ / ٢٢٥ ]
.. إِن تقبلُوا نعانق ونفرش النمارق أَو تدبروا نفارق فِرَاق غير وامق وَأول من خرج من الْمُشْركين أَبُو عَامر عمر بْن أُميَّة فِي الْأَحَابِيش وَقَالَ يَا معشر الْأَوْس أَنا أَبُو عَامر قَالُوا فَلَا أنعم اللَّه بك عينا ثمَّ راضخ الْمُسلمين بِالْحِجَارَةِ وَقَاتلهمْ قتالا شَدِيدا وَقَاتل أَبُو دُجَانَة فِي رجال من الْمُسلمين حَتَّى حميت الْحَرْب وَأنزل اللَّه النَّصْر وكشفهم الْمُسلمُونَ عَن معسكرهم وَكَانَت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم فَلم يكن بَين أَخذ الْمُسلمين هندا وصواحبها إِلَّا شَيْء يسير وَقتل عَليّ بْن أبي طَالب طَلْحَة وَهُوَ حَامِل لِوَاء قُرَيْش وَأَبا الحكم بْن الْأَخْنَس بْن شريق وَعبيد اللَّه بْن جُبَير بْن أبي زُهَيْر وَأُميَّة بْن أبي حُذَيْفَة بْن الْمُغيرَة وَأخذ اللِّوَاء بعد طَلْحَة أَبُو سعد فَرَمَاهُ سعد بْن أبي وَقاص فَقتله وبقى اللوء صَرِيعًا لَا يَأْخُذهُ
[ ١ / ٢٢٦ ]
أحد فَتقدم رجل من الْمُشْركين يُقَال لَهُ صَوَاب فَأخذ اللِّوَاء وأقامه لقريش فكر الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ حَتَّى قطعُوا يَدَيْهِ ثمَّ قتل وصرع اللِّوَاء فَلَمَّا رأى الرُّمَاة الَّذين خلف رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن الْمُشْركين قد انْهَزمُوا وَتركُوا تركُوا مَصَافهمْ يُرِيدُونَ النهب وخلوا ظُهُور الْمُسلمين للخيل وأتاهم الْمُشْركُونَ من خَلفهم وصرخ صارخ أَلا إِن مُحَمَّدًا قد قتل فانكشف الْمُسلمُونَ فصاروا بَين قَتِيل وجريح ومنهزم حَتَّى خلص الْعَدو إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأُصِيبَتْ رباعيته فَجعل يمسح الدَّم عَن وَجهه وَيَقُول كَيفَ يفلح قوم خضبوا وَجه نَبِيّهم ثمَّ قَامَ زِيَاد بْن السكن فِي خَمْسَة من النصار فَقَاتلُوا دون رَسُول اللَّهِ ﷺ رجلا رجلا حَتَّى قتلوا وَكَانَ آخِرهم زِيَاد بْن السكن فأثبتته الْجراحَة وَجَاء الْمُسلمُونَ فأجهضوهم عَنهُ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ادنوه مني فوسده قدمه حَتَّى مَاتَ فِي حجره وترس أَبُو دُجَانَة دون رَسُول اللَّهِ ﷺ بِنَفسِهِ فَكَانَت النبل تقع فِي ظَهره وَهُوَ ينحني عَلَيْهِ حَتَّى كثرت فِيهِ النبل وَقَاتل
[ ١ / ٢٢٧ ]
مُصعب بْن عُمَيْر دون رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى قتل أَصَابَهُ بْن قميئة اللَّيْثِيّ وَهُوَ يظنّ أَنه رَسُول اللَّهِ ﷺ ثمَّ رَجَعَ إِلَى قُرَيْش وَقَالَ قتلت مُحَمَّدًا والتقى حَنْظَلَة بْن أبي عَامر وَأَبُو سُفْيَان فاستعلى حَنْظَلَة أَبَا سُفْيَان بِالسَّيْفِ فَلَمَّا رَآهُ بْن شعوب أَن أَبَا سُفْيَان قد علاهُ حَنْظَلَة بِالسَّيْفِ ضربه فَقتله فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ صَاحبكُم لتغسله الْمَلَائِكَة وَخرج حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب فَمر بِهِ سِبَاع بْن عَبْد الْعُزَّى الْخُزَاعِيّ وَكَانَ يكنى أَبَا نيار فَقَالَ هَلُمَّ يَا بن مقطعَة البظور فَالْتَقَيَا فَضَربهُ حَمْزَة فَقتل ثمَّ جعل يرتجز وَمَعَهُ سيفان إِذْ عثر دَابَّته فَسقط على قَفاهُ وانكشف الدرْع عَن بَطْنه فَانْتزع وَحشِي حربته فهزها ورماها فبقر بهَا بدنه ثمَّ أَخذ حربته وتنحاه وَقد انْتهى أنس بْن النَّضر عَم أنس بْن مَالك إِلَى عمر بْن الْخطاب وَطَلْحَة بْن عبيد اللَّه وَرِجَال من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار قد أسقطوا مَا فِي أَيْديهم وألقوا بايديهم فَقَالَ مَا يجلسكم قَالُوا قتل رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بعده قومُوا فموتوا على
[ ١ / ٢٢٨ ]
مَا مَاتَ عَلَيْهِ ثمَّ اسْتقْبل الْقَوْم فقاتل حَتَّى قتل وَوجد فِيهِ سَبْعُونَ ضَرْبَة بِالسَّيْفِ وَالرمْح وَكَانَ أول من عرف رَسُول اللَّهِ ﷺ حَيْثُ كَانَت الْهَزِيمَة كَعْب بن مَالك قَالَ عرفت عَيْنَيْهِ تزهران من تَحت المغفر فناديت بصوتي يَا معشر الْمُسلمين أَبْشِرُوا فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا عرف الْمُسلمُونَ رَسُول اللَّهِ ﷺ نهضوا إِلَيْهِ فيهم أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد والْحَارث بن الصمَّة فَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يناول النبل سَعْدا وَيَقُول ارْمِ فدَاك أبي وَأمي ثمَّ أدْرك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبي بن خلف وَهُوَ يَقُول يَا مُحَمَّد لَا نجوت إِن نجوت فَقَالَ الْقَوْم يَا رَسُول الله أيعطف عَلَيْهِ رجل منا فَقَالَ دَعوه فَلَمَّا دنا تنَاول رَسُول اللَّهِ ﷺ الحربة من الْحَارِث بن الصمَّة ثمَّ انتفض بهَا انتفاضة ثمَّ استقبله وطعنه بهَا فَمَال عَن فرسه وَقد كَانَ أبي بن خلف يلقى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَكَّة فَيَقُول إِن عِنْدِي الْعود أعلفه كل يَوْم فرقا من ذرة أَقْتلك عَلَيْهِ فَيَقُول رَسُول اللَّهِ ﷺ بل أَنا اقتلك
[ ١ / ٢٢٩ ]
إِن شَاءَ الله فَرجع أبي بن خلف إِلَى الْمُشْركين وَقد خدشته حَرْبَة رَسُول اللَّهِ ﷺ خدشا غير كَبِير فَقَالَ قتلني وَالله مُحَمَّد فَقَالُوا ذهب وَالله فُؤَادك وَالله إِن بك من بَأْس فَقَالَ إِنَّه قد كَانَ يَقُول بِمَكَّة إِنِّي أَقْتلك وَالله لَو بَصق عَليّ لَقَتَلَنِي فَمَاتَ بسرف وهم قافلون إِلَى مَكَّة فَانْتهى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمن مَعَه من أَصْحَابه إِلَى الشّعب وَمر عَليّ بن أبي طَالب حَتَّى مَلأ درقته من المهراس وَجَاء بهَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَرَادَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَرَادَ رَسُول اللَّهِ ﷺ شربه فَوجدَ لَهُ فعافه فَلم يشرب مِنْهُ وَغسل عَن وَجهه الدَّم وصب على رَأسه وَقَالَ اشْتَدَّ غضب الله على من دمّى وَجه رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّخْرَة ليعلوها فَلَمَّا ذهب لينهض لم يسْتَطع ذَلِك فَجَلَسَ طَلْحَة تَحْتَهُ فَنَهَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَوَى على الصَّخْرَة ثمَّ قَالَ أوجب طَلْحَة الْجنَّة وَكَانَت هِنْد واللاتي مَعهَا جعلن يمثلن بالقتلى من أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ يجدعن الآذان والآناف حَتَّى اتَّخذت هِنْد قلائد من آذان الْمُسلمين وآنفهم وبقرت عَن كبد حَمْزَة
[ ١ / ٢٣٠ ]
فلاكته فَلم تستطعه فلفظته ثمَّ علت صَخْرَة مشرفة فصرخت بِأَعْلَى صَوتهَا بِشعر لَهَا طَوِيل أكره ذكره فَقتل من الْمُسلمين سَبْعُونَ رجلا فِي ذَلِك الْيَوْم مِنْهُم أَرْبَعَة من الْمُهَاجِرين وَكَانَ الْمُسلمُونَ قتلوا الْيَمَان أَبَا حُذَيْفَة وهم لَا يعرفونه فَأَمرهمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن يخرجُوا دِيَته وَقتل من الْمُشْركين ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ رجلا ثمَّ أَن أَبَا سُفْيَان أَرَادَ النصراف فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوته الْحَرْب سِجَال أعلُ هُبل يَوْم بِيَوْم بدر فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثمَّ نَاحيَة الله أَعلَى وَأجل لَا سَوَاء قَتْلَانَا فِي الْجنَّة وَقَتلَاكُمْ فِي النَّار فَقَالَ أَبُو سُفْيَان
[ ١ / ٢٣١ ]
يَا عمر أنْشدك الله أقتلنا فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا وَإنَّهُ ليسمع كلامك فَقَالَ أَنْت أصدق عِنْدِي من بن قميئة وَلَكِن مَوْعدكُمْ بدر فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ بَيْننَا وَبَيْنكُم رَحل أَبُو سُفْيَان بالمشركين فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لعَلي بن أبي طَالب اخْرُج فِي آثَار الْقَوْم فَإِن كَانُوا قد اجتنبوا الْخَيل وامتطوا الْإِبِل فَإِنَّهُم يُرِيدُونَ مَكَّة وَإِن ركبُوا الْخَيل وَإِن ركبُوا الْخَيل وَسَاقُوا الْإِبِل فَإِنَّهُم يُرِيدُونَ الْمَدِينَة وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن أرادوها لأسيرن إِلَيْهِم فِيهَا ثمَّ لأنجزتهم فَخرج فِي آثَارهم فَأَرَاهُم قد اجتنبوا الْخَيل وامتطوا الْإِبِل ووجهوا إِلَى مَكَّة فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبرهُ وَفرغ النَّاس لقتلاهم وَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ يلْتَمس حَمْزَة فَوَجَدَهُ بِبَطن الْوَادي قد بقر بَطْنه عَن كبده وَمثل بِهِ فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ لَولَا أَن تحزن صَفِيَّة أَن تكون سنة بعدِي مَا غيبته ولتركته حَتَّى يكون فِي بطُون السبَاع وَالطير وَلَئِن أظهرني الله عَلَيْهِم لَأُمَثِّلَن
[ ١ / ٢٣٢ ]
فَأنْزل الله وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا الْآيَة ثمَّ أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ فسبحى بِبُرْدَةٍ ثمَّ قَالَ ﷺ من رجل ينظر مَا فعل سعد بن الرّبيع أَفِي الْأَحْيَاء هُوَ أم فِي الْموَات فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار أَنا يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فنظره فَوَجَدَهُ جريحا فِي الْقَتْل وَبِه رَمق فَقَالَ لَهُ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمرنِي أَن أنظر فِي الْأَحْيَاء أَنْت أم فِي الْأَمْوَات فَقَالَ أَنا فِي الْأَمْوَات أبلغ رَسُول اللَّهِ ﷺ عني السَّلَام وَقل لَهُ إِن سعد بن الرّبيع يَقُول جَزَاك الله عَنَّا خير مَا جزى نَبِي عَن أمته وأبلغ قَوْمك السَّلَام وَقل لَهُم إِن سَعْدا يَقُول لكم إِنَّه لَا عذر لكم عِنْد الله إِن خلص إِلَى نَبِيكُم وَفِيكُمْ عين تطرف ثمَّ مَاتَ فجَاء إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأخْبرهُ وَاحْتمل النَّاس قتلاهم فَأمر رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن يدفنوهم حَيْثُ صرعوا بدمائهم وَأَن لَا يغسلوا وَلَا يصلى عَلَيْهِم فَكَانَ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد فِي ثوب وَاحِد وَيَقُول وأيهم أَكثر أَخذ لِلْقُرْآنِ فَإِذا أُشير إِلَيْهِ بِأَحَدِهِمَا قدمه فِي اللَّحْد وَقَالَ أَنا شَهِيد على هَؤُلَاءِ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ انْظُرُوا عَمْرو بن الجموح وَعبد الله بن
[ ١ / ٢٣٣ ]
عَمْرو فَإِنَّهُمَا كَانَا متصافيين فِي الدُّنْيَا فاجعلوهما فِي قبر وَاحِد ثمَّ قَالَ ﷺ وَإِن الله جعل أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة وتأكل من ثمارها وتأوي إِلَى قناديل من ذهب فِي ظلّ الْعَرْش فَلَمَّا وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وسقياهم قَالُوا يَا لَيْت إِخْوَاننَا يعلمُونَ مَا صنع رَبنَا بِنَا فَأنْزل الله ولاتحسبن الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَة وَكَانَ بن عُمَيْر لم يتْرك إِلَّا بردة وَاحِدَة فَكَانُوا إِذا غطوا رَأسه بَدَت رِجْلَاهُ وَإِذا غطوا رجلَيْهِ بدا رَأسه فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ غطوا رَأسه وَاجْعَلُوا على رجلَيْهِ شَيْئا من الْإِذْخر ثمَّ قدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة بِمن مَعَه من الْمُسلمين فَمر بدار من دور الْأَنْصَار فَسمع الْبكاء على قتلاهم فَقَالَ لَكِن حَمْزَة لَا بواكي لَهُ فَلَمَّا سمع سعد بن معَاذ وَأسيد بن حضير أمرا نسَاء بني عبد الْأَشْهَل أَن يذْهبن فيبكين على عَم رَسُول اللَّهِ
[ ١ / ٢٣٤ ]
ﷺ فَلَمَّا سمع رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ اجْعَل ثمَّ ناول عَليّ بن أبي طَالب سَيْفه فَاطِمَة وَقَالَ اغسلي عَن هَذَا دَمه فو الله لقد صدقني الْيَوْم فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَئِن كنت صدقت الْقِتَال الْيَوْم مَعَك سهل بن حنيف وَأَبُو دُجَانَة فَلَمَّا كَانَ ثَانِي يَوْم أحد أذن مُؤذن رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْخرُوجِ فِي طلب الْقَوْم فَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ واستخلف على الْمَدِينَة بْن أم مَكْتُوم وَقَالَ لَا يخرج مَعنا إِلَّا من حضر يَوْمنَا بالمس وَكَانَ أَكثر أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ جرحى فَمر على رَسُول اللَّهِ ﷺ معبد بن أبي معبد الْخُزَاعِيّ وَكَانَت خُزَاعَة مسلمهم ومشركهم عَيْبَة رَسُول اللَّهِ ﷺ بتهامة فَقَالَ وَالله يَا مُحَمَّد لقد عز علينا مَا أَصَابَك وَلَوَدِدْنَا أَن الله كَانَ أعفاك مِنْهُم ثمَّ خرج فلحق أَبَا سُفْيَان بِالرَّوْحَاءِ وَمن مَعَه من قُرَيْش
[ ١ / ٢٣٥ ]
وَقد أزمعوا الرُّجُوع إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقد توامروا بَينهم وَقَالُوا رَجعْنَا قبل أَن نصطلم أَصْحَاب مُحَمَّد نرْجِع فنكر على بَقِيَّتهمْ فَلَمَّا رأى أَبُو سُفْيَان معبدًا مُقبلا قَالَ مَا وَرَاءَك يَا معبد قَالَ مُحَمَّد قد خرج فِي أَصْحَابه فِي طَلَبكُمْ فَفِي جمع لم أر مثله يتحرقون عَلَيْكُم تحرقا قَالَ وَيلك مَا تَقول وَالله أجمعنا للكرة على أَصْحَابه لنصطلمهم قَالَ فَإِنِّي وَالله أَنهَاك عَن ذَلِك بهم عَلَيْكُم من الْجُود بِشَيْء مَا رَأَيْته بِقوم على قوم قطّ فساءه ذَلِك وَمر بِأبي سُفْيَان ركبة من عبد الْقَيْس فَقَالَ أَيْن تُرِيدُونَ قَالُوا نُرِيد الْمَدِينَة قَالَ وَلم قَالُوا نُرِيد الْميرَة قَالَ فَأخْبرُوا مُحَمَّدًا أَنا قد أجمعنا الكرة عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه لنصطلمهم ثمَّ رَحل أَبُو سُفْيَان راحلا إِلَى مَكَّة وَمر الركب برَسُول اللَّهِ ﷺ فأخبروه ثما قَالَ أَبُو سُفْيَان فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ والمسلمون حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل فَأنْزل الله جلّ وَعلا فِي ذَلِك الَّذين اسْتَجَابُوا الله وَالرَّسُول إِلَى قَوْله وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم
[ ١ / ٢٣٦ ]
لما صرف عَنْهُم من لِقَاء عدوهم إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاء الْآيَة فَأَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِحَمْرَاء الْأسد ثَلَاثًا ثمَّ انْصَرف إِلَى الْمَدِينَة