خرج سَلمَة بن الْأَكْوَع وَمَعَهُ غُلَام لَهُ يُقَال لَهُ رَبَاح مَعَ الْإِبِل
[ ١ / ٣٠٦ ]
فَلَمَّا كَانَ بِغَلَس أغار عبد الرَّحْمَن بن عُيَيْنَة على إبل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقتل راعيها وَجعل ينظر فِي أنَاس مَعَه فِي خيل فَقَالَ سَلمَة لرباح اركب هَذَا الْفرس وَأخْبر رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنه قد أغيرعلى سرحه ثمَّ قَامَ سَلمَة على تل وَجعل وَجهه قبل الْمَدِينَة ثمَّ نادة ثَلَاث مَرَّات وَكَانَ صيتًا يَا صَبَاحَاه ثمَّ أتبع الْقَوْم وَمَعَهُ سَيْفه ونبله فَجعل يرميهم وَذَلِكَ حِين كثر الشّجر فَإِذا كرّ عَلَيْهِ الْفَارِس جلس لَهُ فِي أصل شَجَرَة ثمَّ رَمَاه وَلَا يظفر بِفَارِس إِلَّا عقر فرسه فَجعل يَرْمِي وَيَقُول
(أَنا ابْن الْأَكْوَع وَالْيَوْم يَوْم الرضع) وَإِذا كَانَ كثر الشّجر رشقهم بالنيل فاذا تضايقت
[ ١ / ٣٠٧ ]
الشَّجَرَة علا الْجَبَل وَرَمَاهُمْ بِالْحِجَارَةِ فَمَا زَالَ ذَلِك دأبه ودأبهم يرتجز حَتَّى مَا بَقِي من ظهر النَّبِي ﷺ إِلَّا استنقذه من أَيْديهم وَخَلفه وَرَاء ظَهره ثمَّ لم يزل يرميهم حَتَّى طرحوا أَكثر من ثَلَاثِينَ بردة يستخفون بهَا فَكلما ألقوا شَيْئا جمع عَلَيْهِ سَلمَة فَلَمَّا اشْتَدَّ الضُّحَى أَتَاهُم عُيَيْنَة بن حصن بن بدر الغزارى مُمِدًّا لَهُم وهم فِي ثنية ضيقَة فِي علوة الْجَبَل فَقَالَ لَهُم مَا هَذَا الَّذِي أرى قَالُوا لقد لَقينَا من هَذَا يعنون سَلمَة مَا فارقنا مُنْذُ سحر حَتَّى الْآن وَأخذ كل شَيْء من أَيْدِينَا وَخَلفه وَرَاء فَقَالَ عُيَيْنَة لَوْلَا أَن هَذَا يرى وَرَاءه طلبا لقد ترككم فَليقمْ ترككم فَليقمْ إِلَيْهِ نفر مِنْكُم فَقَامَ إِلَيْهِ نفر مِنْهُم أَرْبَعَة وصعدوا فِي الْجَبَل فَقَالَ لَهُم سَلمَة أتعرفونى قَالَ وَمن أَنْت قَالَ ابْن الْأَكْوَع وَالَّذِي كرم وَجه مُحَمَّد ﷺ لَا يطلبني رجل مِنْكُم فيدركني وَلَا أطلبه فيفوتني فَبينا سَلمَة يخاطبهم إِذْ نظر فَرَأى أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ لَحِقُوا يتخللون الشّجر وَإِذا أَوَّلهمْ الأخرم الأسدى وعَلى
[ ١ / ٣٠٨ ]
أَثَره أَبُو قَتَادَة وعَلى أَثَره الْمِقْدَاد الْكِنْدِيّ فولى الْمُشْركُونَ مُدبرين فَنزل سَلمَة من الْجَبَل وَقَالَ يَا أخرم حذر الْقَوْم فَإِنِّي لَا آمن أَن يقتطعوك فاتئد حَتَّى يلْحق رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابه قَالَ يَا سَلمَة إِن كنت تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَتعلم أَن الْجنَّة حق وَالنَّار حق فَلَا تحل بيني وَبَين الشَّهَادَة ثمَّ أرْخى عنان فرسه وَلحق بِعَبْد الرَّحْمَن ابْن عُيَيْنَة ويعطف عَلَيْهِ عبد الرَّحْمَن وَاخْتلف بَينهمَا طعنتان فَقتله عبد الرَّحْمَن وتحول عبد الرَّحْمَن على فرس الأخرم فلحق أَبُو قَتَادَة بِعَبْد الرَّحْمَن وَاخْتلف بَينهمَا طعنتان فعقر بأبى قَتَادَة وَقَتله أوقَتَادَة وتحول أَبُو قَتَادَة على فرس الأخرم ثمَّ خرج سَلمَة يعدو فِي أثر الْقَوْم حَتَّى مَا يرى
[ ١ / ٣٠٩ ]
من غُبَار أَصْحَاب النَّبِي ﷺ شَيْئا فَلم يقرب غيبوبة الشَّمْس وَقرب الْمُشْركُونَ من شعب فِيهِ مَاء يُقَال لَهُ ذُو قرد فأرادوا أَن يشْربُوا مِنْهُ فالتفتوا فَأَبْصرُوا سَلمَة وَرَاءَهُمْ فَعَطَفُوا عَن المَاء وشدوا فِي الثَّنية وغربت الشَّمْس فلحق سَلمَة رجل مِنْهُم فَرَمَاهُ بهم قَالَ خُذْهَا
(وَأَنا ابْن الْأَكْوَع الْيَوْم يَوْم الرضع)
قَالَ يَا ثكل أمِّياه أكوع بكرَة قلت نعم أَي عَدو نَفسه وَكَانَ الذى رَمَاه بكرَة وَأتبعهُ سهم اآخر فَأثْبت فِيهِ سَهْمَيْنِ وخلفوا فرسين فجَاء بهما يسوقهما ورَسُول اللَّهِ ﷺ على المَاء الَّذِي خَلفهم عِنْد ذِي قرد وَإِذا بِلَال قد بَحر جزورا مِمَّا خَلفه بسهمه وَهُوَ يشوي لرَسُول اللَّهِ ﷺ من كَبِدهَا وسنامها فَقَالَ سَلمَة يَا رَسُول الله خَلِّنِي فأنتخب من أَصْحَابك مائَة رجل وأتبع الْكفَّار
[ ١ / ٣١٠ ]
حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُم مخبر إِلَّا قتلته قَالَ أَكنت فَاعِلا ذَلِك قَالَ نعم وَالَّذِي أكْرم وَجهك فَضَحِك رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه فجَاء رجل من غطفان فَقَالَ مر الْمُشْركُونَ على فلَان الْغَطَفَانِي فَنحر لَهُم جزورا ثمَّ خَرجُوا هرابا فَلَمَّا أصبح رَسُول اللَّهِ ﷺ انْصَرف إِلَى الْمَدِينَة وَجعل يَقُول خير فرساننا الْيَوْم أوقَتَادَة وَخير رجالتنا سَلمَة فَأعْطى سملة ذَلِك الْيَوْم سهم الراجل والغارس جَمِيعًا
ثمَّ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ أردفه وَرَاءه على العضباء فَلَمَّا كَانَ بَينهم وَبَين الْمَدِينَة قريب وَفِي الْقَوْم رجل من الْأَنْصَار كَانَ لَا يسْبق فَجعل ينارى هَل من مسابق أَلا رجل يسابق إِلَى الْمَدِينَة فَقلت يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي خلنى فلأ سَابق الرجل قَالَ إِن شِئْت قلت أذهب إِلَيْك فطفر عَن رَاحِلَته وثنيت رجْلي فطفرت عَن النَّاقة ثمَّ إنى ربطت عيله شرفا أَو شرفين يَعْنِي استبقيت نَفسِي ثمَّ عدوت حَتَّى لحقته فأصكه بَين كَتفيهِ بيَدي وَقلت سبقت وَالله
[ ١ / ٣١١ ]
حَتَّى قدمنَا الْمَدِينَة ثمَّ توفيت أم رُومَان امْرَأَة أبي بكر الصّديق أم عبد الرَّحْمَن وَعَائِشَة فى ذى الْحجَّة
[ ١ / ٣١٢ ]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم