خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ ألف وَثَمَانمِائَة رجل وَسَبْعُونَ بَدَنَة فَأحْرم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمن مَعَه من
[ ١ / ٢٩٥ ]
ذِي الحليفة واستخلف على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم وسَاق أَبُو بكر بدنا وَطَلْحَة بدنا وَسعد بن عبَادَة بدنا فَلَمَّا بلغ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدِير عسقان ذَات الأشطاط لقِيه بسر بن سُفْيَان الكعبي فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذِه قُرَيْش سَمِعت بك وَخرجت قد لبسوا جُلُود النمور يعاهدون الله أَن لَا تدْخلهَا عَلَيْهِم أبدا وَهَذَا خَالِد بن الْوَلِيد فِي خيلهم قد قدموها إِلَى كرَاع الغميم فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَا وَيْح قِرْش لقد أكلتهم الْحَرْب مَاذَا أَرَادوا وَإِن أظهرني الله عَلَيْهِم دخلُوا فِي الْإِسْلَام وآووني وَوَاللَّه لأأزال أجاهد على الَّذِي بَعَثَنِي الله عَلَيْهِ حَتَّى يظهرني الله ثمَّ أَمر النَّاس فسلكوا ذَات الْيَمين بَين ظَهْري الحمض على طَرِيق يُخرجهُ على ثنية المرار مهبط الْحُدَيْبِيَة فَلَمَّا بلغ ﷺ
[ ١ / ٢٩٦ ]
ثنية المرار بَركت نَاقَته فَقَالُوا خلأت الْقَصْوَاء فَقَالَ مَا خلأت الْقَصْوَاء وَمَا هُوَ لَهَا بِخلق وَلَكِن حَبسهَا حَابِس الْفِيل عَن مَكَّة وَالله لَا يدعوني قُرَيْش الْيَوْم إِلَى خطة يَسْأَلُونِي فِيهَا صلَة الرَّحِم إِلَّا أَعطيتهم إِيَّاهَا ثمَّ قَالَ للنَّاس انزلوا فَقَالُوا يارسول الله مَا بالوادي مَا ينزل عَلَيْهِ النَّاس فَأخْرج رَسُول اللَّهِ ﷺ سَهْما من كِنَانَته فَأعْطَاهُ رجلا من أَصْحَابه فَنزل فِي قليب من تِلْكَ الْقلب فغرزه فِي جَوْفه فجأش بِالرَّوَاءِ حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن فَلَمَّا اطْمَأَن رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ بديل بن وَرْقَاء فِي رجال من خُزَاعَة فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَقَوْلِه لشر بن سُفْيَان فَرَجَعُوا إِلَى قُرَيْش فَقَالُوا يَا معشر قُرَيْش إِنَّكُم تعجلون على مُحَمَّد إِن مُحَمَّدًا لم يَأْتِ لقِتَال إِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لهَذَا الْبَيْت فَقَالُوا وَإِن جَاءَ لذَلِك فَلَا وَالله لَا يدخلهَا علينا عنْوَة وَلَا تَتَحَدَّث بذلك الْعَرَب ثمَّ بعثوا مكرز بن حَفْص بن الْأَحْنَف أحد بني عَامر بن لؤَي فَلَمَّا رَآهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وسمل قَالَ هَذَا رجل غادر فَلَمَّا انْتهى إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ كَلمه رَسُول اللَّهِ ﷺ لنَحْو مَا كلم بِهِ أَصْحَابه فَرجع إِلَى قُرَيْش وَأخْبرهمْ بذلك فبعثوا إِلَيْهِ الْحُلَيْس بن عَلْقَمَة الْكِنَانِي وَهُوَ يَوْمئِذٍ سيد الْأَحَابِيش
[ ١ / ٢٩٧ ]
فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ إِن هَذَا من قوم يتألهون فَابْعَثُوا الْهَدْي فِي وَجهه فَلَمَّا رأى الْهَدْي يسير عَلَيْهِ من عرض الْوَادي فِي قلائده قد أكل أوباره من طول الْحَبْس رَجَعَ إِلَى قُرَيْش فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش قد رَأَيْت مَالا يحل صد الْهَدْي فِي قلائده قد أكل أوباره من طول الْحَبْس عَن مَحَله فَقَالُوا اجْلِسْ لَا علم لَك وَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ خرَاش بن أُميَّة الْخُزَاعِيّ إِلَى مَكَّة وَحمله على جمل يُقَال لَهُ الثَّعْلَب فَلَمَّا دخل مَكَّة أَرَادَ قُرَيْش قَتله فَمَنعه الْأَحَابِيش حَتَّى أَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَدَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عمر بن الْخطاب ليَبْعَث إِلَى مَكَّة فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي أَخَاف قُريْشًا على نَفسِي وَلَيْسَ لي بهَا من بني عدي بن كَعْب أحد يَمْنعنِي
[ ١ / ٢٩٨ ]
وَقد عرفت قُرَيْش عَدَاوَتِي إِيَّاهَا وَغِلْظَتِي عَلَيْهَا وَلَكِن أدلك على رجل أعز بهَا مني عُثْمَان بن عَفَّان فَدَعَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَعثه إِلَى قُرَيْش ليخبرهم أَنه لم يَأْتِ لِحَرْب وَإِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لهَذَا الْبَيْت مُعظما لِحُرْمَتِهِ فَخرج عُثْمَان بن عَفَّان حَتَّى أَتَى مَكَّة فَلَقِيَهُ أبان بن سعيد بن الْعَاصِ فَنزل عَن دَابَّته وَحمله بَين يَدَيْهِ وَأَجَارَهُ حَتَّى بلغ رِسَالَة رَسُول اللَّهِ ﷺ وَانْطَلق حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَان وَعُظَمَاء قُرَيْش فَبلغ عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا أرْسلهُ بِهِ فَقَالُوا لعُثْمَان إِن شِئْت أَن تَطوف بِالْبَيْتِ فَطُفْ بِهِ فَقَالَ عُثْمَان مَا كنت لأَفْعَل حَتَّى يطوف بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثمَّ رَجَعَ عُثْمَان
[ ١ / ٢٩٩ ]
وَبعث قُرَيْش سُهَيْل بن عَمْرو أحد بنى عَامر بن لوئ وَقَالُوا ائْتِ مُحَمَّدًا وَصَالَحَهُ وَلَا يكون فِي صلحه إِلَّا أَن يرجع عَنَّا عَامه هَذَا فوَاللَّه لاتتحدث الْعَرَب أَنه دَخلهَا علينا عنْوَة أبدا فَأتى سُهَيْل بن عَمْرو فَلَمَّا رَآهُ النَّبِي ﷺ قَالَ قد أَرَادَ الْقَوْم الصُّلْح حَتَّى بعثوا هَذَا الرجل فَلَمَّا انْتهى إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ تكلم فَأطَال الْكَلَام وتراجعا ثمَّ جرى بَينهمَا الصُّلْح فَلَمَّا التأم الْأَمر ويمل يبْق إِلَّا الْكتاب وثب عمر فَقَالَ يارسول الله أَلَسْت برَسُول الله أَو لسنا بِالْمُسْلِمين أَو لَيْسُوا بالمشركين قَالَ بلَى قَالَ فَلم نعطى الدنية فِي ديننَا قَالَ أَنا عبد الله وَرَسُوله ثمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالَ سُهَيْل لَا أعرف هَذَا وَلَكِن اكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ وَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ
[ ١ / ٣٠٠ ]
اكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله وَسُهيْل ابْن عَمْرو فَقَالَ لَو شهِدت أَنَّك رَسُول الله لم أقاتلك وَلَكِن اكْتُبْ مُحَمَّد بن عبد الله اسْمك وَاسم أَبِيك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اكْتُبْ مُحَمَّد بن عبد الله وَسُهيْل بن عَمْرو فَكتب مُحَمَّد ابْن عبد الله هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله وَسُهيْل بن عَمْرو على وضع الْحَرْب عشر سِنِين يَأْمَن بِهَذَا النَّاس ويكف بَعضهم عَن بعض على أَنه من أَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ من أَصْحَابهم بِغَيْر إِذن وليه رده عَلَيْهِم وَمن جَاءَ قُريْشًا مِمَّن مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لم يردوه وَأَنه لَا أسلال وَلَا أغلال فَلَمَّا فرغ
[ ١ / ٣٠١ ]
من الْكتاب وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي الْحرم وَهُوَ مُضْطَرب فِي الْحل قَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس انحروا واحلقوا فَمَا قَامَ رجل من الْمُسلمين فَدخل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسمل على أم سَلمَة فَقَالَ يَا أم سَلمَة مَا شَأْن النَّاس قَالَت لَهُ يَا رَسُول الله قد أحل بهم مَا رَأَيْت كَأَنَّهُمْ كَرهُوا الصُّلْح فاعمد
[ ١ / ٣٠٢ ]
إِلَى هديك حَيْثُ كَانَ وانحر واحلقفانك لَو فعلت ذَلِك فعلوا فَخرج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يكلم أحدا حَتَّى أَتَى هَدْيه فنحرها ثمَّ جلس فحلق فَقَامَ النَّاس ينحرون ويحلقون فحلق رجال مِنْهُم وَقصر آخَرُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يرحم الله المحلقين قَالُوا يارسول الله والمقصرين قَالَ والمقصرين قَالُوا مَا بَال المحلقين يَا رَسُول الله ذكرت لَهُم الترحم قَالَ لأَنهم لم يشكوا أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ الْبيعَة على النَّاس تَحت الشَّجَرَة هُنَاكَ أَن لَا يَفروا فَبَايعهُ النَّاس كلهم غير الْجد بن قيس اخْتَبَأَ تَحت إبط بعيره فَذَلِك قَول الله ﷿ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحت الشَّجَرَة وَقَالَ ﷺ لن يدْخل النَّار أحد شهد بَدْرًا والحديبة
ثمَّ انْصَرف رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذا كَانَ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فِي وسط الطَّرِيق نزلت عَلَيْهِ سُورَة الْفَتْح إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا إِلَى آخر السُّورَة فَمَا فتح فِي الْإِسْلَام فتح أعظم من نزُول هَذِه السُّورَة
ثمَّ قدم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة وَكَانَت الْهُدْنَة
[ ١ / ٣٠٣ ]
وضعت الْحَرْب أَوزَارهَا وَأمن النَّاس كلهم بَعضهم بَعْضنَا واستفاضوا وَلَا يكلم أحد بِالْإِسْلَامِ يعقل عَنهُ إِلَّا دحل فِيهِ حَتَّى دخل فِيهِ فِي تِلْكَ السّنة من الْمُسلمين قَرِيبا مِمَّا كَانَ قبل ذَلِك وَفِي هَذِه الْعمرَة أصَاب
[ ١ / ٣٠٤ ]
كَعْب بن عجْرَة أَذَى فِي رَأسه فَأمره رَسُول اللَّهِ ﷺ أَن يحلق ويذبح شَاة ويصوم ثَلَاثَة أَيَّام أَو يطعم يتت مَسَاكِين لكل مِسْكين مَدين وَأهْدى الصعب بن جثامة إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ رجل حمَار وَحش فَرده وَقَالَ لم نرده وَلَكنَّا حرم
وَفِي هَذِه الْعمرَة صلى بهم رَسُول اللَّهِ ﷺ الصُّبْح فِي إثى سَمَاء فِي الْحُدَيْبِيَة فَلَمَّا انْصَرف أقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ فَقَالَ أَتَدْرُونَ
[ ١ / ٣٠٥ ]
ماقال ربكُم قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَاتل يَقُول أصبح من عبَادي مُؤمن بِي وَكَافِر بِي فَأَما من قَالَ مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته فَذَلِك مُؤمن بِي كَافِر بالكوكب وَأما من قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا كَذَا وَكَذَا فَذَلِك كَافِر بنى مُؤمن بالكوكب
وَفِي هَذِه الْعمرَة أصَاب النَّاس عَطش شَدِيد فحبسوا فَوضع رَسُول اللَّهِ ﷺ يَده فِي الركوة فثار المَاء مثل الْعُيُون فتوضؤا مِنْهَا وَرووا