ﷺ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ بِالصَّيْمَرَةِ ثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ثَنَا إِدْرِيسُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَكْرَهِ وَالْمَنْشَطِ وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ قَالَ أَبُو حَاتِم فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمقبل من حَيْثُ وَاعد الْأَنْصَار رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ يلقوه من الْعَام الْمقبل بِمَكَّة خرج سَبْعُونَ رجلا من الْأَنْصَار فِيمَن خرج من أهل الشّرك من قَومهمْ من
[ ١ / ١٠٦ ]
أهل الْمَدِينَة فَلَمَّا كَانُوا بِذِي الحليفة قَالَ الْبَراء بْن معْرور بْن صَخْر بْن خنساء وَكَانَ كَبِير الْأَنْصَار إِنِّي قد رَأَيْت رَأيا مَا أدرى أتوافقوني عَلَيْهِ أم لَا قد رَأَيْت أَلا أجعَل هَذِه البنية مني بِظهْر وَأَن أصلى إِلَيْهَا بعنى الْكَعْبَة فَقَالُوا لَهُ وَالله مَا هَذَا بِرَأْي وَمَا كُنَّا لنصلي إِلَى غير قبْلَة فَأَبَوا ذَلِك عَلَيْهِ وأبى أَن يُصَلِّي إِلَّا إِلَيْهَا فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس صلى إِلَى الْكَعْبَة وَصلى أَصْحَابه إِلَى الشَّام حَتَّى قدمُوا مَكَّة قَالَ الْبَراء بْن معْرور لكعب بْن مَالك وَالله يَا بن أخي قد وَقع فِي نَفسِي مِمَّا صنعت فِي سفرى هَذَا فَانْطَلق بِنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى أسأله عَمَّا صنعت وَكَانُوا لَا يعْرفُونَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا كَانُوا يعْرفُونَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب لِأَنَّهُ كَانَ يخْتَلف
[ ١ / ١٠٧ ]
إِلَيْهِم إِلَى الْمَدِينَة تَاجِرًا فَخَرجُوا يسْأَلُون عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَكَّة حَتَّى إِذا كَانُوا بالطحاء سَأَلُوا رجلا عَنهُ فَقَالَ هَل تعرفونه قَالُوا لَا قَالَ فَهَل تعرفُون الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب قَالُوا نعم قَالَ فَإِذا دَخَلْتُم الْمَسْجِد فانظروا من الرجل الَّذِي مَعَ الْعَبَّاس جَالس فَهُوَ هُوَ تركته مَعَه الْآن فَخَرجُوا حَتَّى جاؤوا فَسَلمُوا عَلَيْهَا ثمَّ جَلَسُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ للْعَبَّاس هَل تعرف هذَيْن الرجلَيْن قَالَ هَذَا نعم هَذَا الْبَراء بْن معْرور وَهَذَا كَعْب بْن مَالك فَقَالَ لَهُ الْبَراء يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنِّي صنعت فِي سفرى هَذَا شَيْئا قد وَقع فِي نَفسِي مِنْهُ شَيْء فاخبرني عَنهُ رَأَيْت أَن لَا أجعَل هَذِه البنية مني بِظهْر وَصلي إِلَيْهَا فعنفي أَصْحَابِي وخالفوني فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لقد كنت على قبْلَة لَو صبرت عَلَيْهَا وَلم يزدْ على ذَلِك ثمَّ خَرجُوا إِلَى مني فَلَمَّا كَانَ فِي أَوسط
[ ١ / ١٠٨ ]
أَيَّام التَّشْرِيق ذَات لَيْلَة واعدوا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعقبَة فَخَرجُوا فِي جَوف اللَّيْل يَتَسَلَّلُونَ من رِجَالهمْ ويخفون ذَلِك من قَومهمْ من الْمُشْركين فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْد الْعقبَة أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ عَمه الْعَبَّاس فَكَانَ أول من تكلم الْعَبَّاس فَقَالَ يَا معشر الْخَزْرَج إِن مُحَمَّدًا ﷺ فِي مَنْعَة من قومه وبلاده وَقد منعناه مِمَّن لَيْسَ على مثل رَأينَا فِيهِ وَقد أَبى إِلَّا الِانْقِطَاع إِلَيْكُم فَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ توفون لَهُ بِمَا وعدتموه فَأَنت وَمَا جئْتُمْ بِهِ وَإِن كُنْتُم تخافون عَلَيْهِ من أَنفسكُم شَيْئا فَالْآن فاتركوه فَإِنَّهُ فِي عز ومنعة قَالُوا قد سمعنَا مَا قلت ثمَّ تكلم رَسُول اللَّهِ ﷺ وتلا عَلَيْهِم الْقُرْآن ودعاهم إِلَى اللَّه فآمنوا وَصَدقُوهُ ثمَّ تكلم الْبَراء بْن معْرور وَأخذ بيد رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَايعنَا فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُبَايِعكُم على السّمع وَالطَّاعَة فِي المنشط وَالْمكْره وَالنَّفقَة فِي الْعسر واليسر وعَلى الْأَمر
[ ١ / ١٠٩ ]
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَأَن لَا تخافوا فِي اللَّه لومة لائم وعَلى أَن تنصروني وتمنعوني بِمَا تمْنَعُونَ بِهِ أَنفسكُم وأزواجكم وأبناءكم وَلكم الْجنَّة فَبَايعُوهُ على ذَلِك فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار بقال لَهُ عَبَّاس بْن عبَادَة بْن نَضْلَة يَا معشر الْأَنْصَار هَل تَدْرُونَ مَا تُبَايِعُونَ عَلَيْهِ هَذَا الرجل إِنَّكُم تبايعونه على حَرْب الْأسود والأحمر فَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ لتوفون بِمَا عاهدتموه عَلَيْهِ فَهُوَ خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَخُذُوهُ وَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ مسلموه إِذا كَانَ ذَلِك فَالْآن فَدَعوهُ فَهُوَ خزى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم بْن التيهَان يَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِن بَيْننَا وَبَين قومه رحما وَإِنَّا قَاطِعُوهَا فِيك فَهَل عَسَيْت إِن نَحن بايعناك وَأَظْهَرَك اللَّه أَن ترجع إِلَى قَوْمك وَتَدعنَا
[ ١ / ١١٠ ]
فَضَحِك رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالَ الدَّم الدَّم الْهدم الْهدم إِنِّي مِنْكُم وَأَنْتُم مني أسالم من سَالَمْتُمْ وأحارب من حَارَبْتُمْ ثمَّ قَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْعَثُوا إِلَى مِنْكُم اثنى عشر نَقِيبًا كفلا على قَومهمْ بِمَا كَانَ مِنْهُم ككفالة الحواريين بِعِيسَى بْن مَرْيَم فَقَالَ أسعد بْن زُرَارَة نعم يَا رَسُول اللَّه فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَنت نقيب على قَوْمك فَقَالَ نعم فَأخذ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُم اثنى عشر نَقِيبًا بني مَالك بْن النجار أَبُو أُمَامَة أسعد بْن زُرَارَة بْن عدس بْن عبيد بْن ثَعْلَبَة بْن غنم بْن مَالك بْن النجار وَكَانَ نقيب بني سَلمَة الْبَراء بْن معْرور وَعبد اللَّه بْن عَمْرو بْن حرَام أَبُو جَابر بْن عَبْد اللَّه وَكَانَ نقيب بني سَاعِدَة الْمُنْذر بْن عَمْرو بْن خُنَيْس وَسعد بْن عبَادَة بْن دليم وَكَانَ نقيب بني زُرَيْق بْن عَامر رَافع بْن مَالك بْن العجلان وَكَانَ نقيب بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة بْن مَالك وَسعد بْن الرّبيع بْن عَمْرو وَكَانَ نقيب القوافل عبَادَة بن الصَّامِت بن قيس
[ ١ / ١١١ ]
وَكَانَ نقيب بني عَبْد الْأَشْهَل أسيد بْن حضير بْن سماك وَأَبُو الْهَيْثَم بْن التيهَان وَكَانَ نقيب بني عَمْرو بْن عَوْف سعد بْن خَيْثَمَة بْن الْحَارِث فَقَالَ عَبَّاس بْن عبَادَة بْن نَضْلَة وَالله يَا رَسُول اللَّه لَئِن شِئْت لنميلن على أهل منى غَدا بأسيافنا فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لم أُؤمر بذلك ارْجعُوا إِلَى رحالكُمْ فَرَجَعُوا إِلَى رحالهم وهم سَبْعُونَ رجلا فَلَمَّا أَصْبحُوا غَدَتْ عَلَيْهِم قُرَيْش قَالُوا يَا معشر الْخَزْرَج إِنَّه قد بلغنَا عَنْكُم شَيْء لَا نَدْرِي أَحَق هُوَ أم بَاطِل إِنَّه لأبغض قوم إِلَيْنَا أَن تنشب الْحَرْب بَيْننَا وَبينهمْ مِنْكُم فَجعل من كَانَ من الْمُشْركين من قَومهمْ يحلفُونَ بِاللَّه مَا علمنَا وَلَا فعلنَا وَصَدقُوا قَالَ كَعْب بْن مَالك فَنَظَرت إِلَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حرَام فَقلت يَا أَبَا جَابر أَنْت شيخ من شُيُوخنَا وَسيد من سَادَاتنَا أَلا تتَّخذ نعلا مثل نَعْلي هَذَا الْفَتى من قُرَيْش يُرِيد الْحَارِث بْن هِشَام فَلَمَّا سَمعه الْحَارِث خلعهما وَرمى بهما
[ ١ / ١١٢ ]
إِلَيْهِ فَقَالَ البسهما قَالَ كَعْب قَالَ وَالله صَالح وَلَئِن صدق لأسلبنه فَرجع الْأَنْصَار إِلَى الْمَدِينَة وَرجع رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّة وَكَانَت هَذِه الْبيعَة فِي ذِي الْحجَّة قبل هِجْرَة النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة بِثَلَاثَة أشهر فَلَمَّا علمت قُرَيْش أَن الْقَوْم قد عاقدوه وَرَأَتْ من اتبعهُ من الْأَنْصَار اجْتمع نفر من أَشْرَاف كل قَبيلَة ودخلوا دَار الندوة ليدبروت أَمرهم فِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فاعترضهم إِبْلِيس فِي صُورَة شيخ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا من أَنْت قَالَ رجل من أهل نجد سَمِعت بِمَا اجْتَمَعْتُمْ لَهُ فَأَرَدْت أَن أحْضركُم وَلنْ يعدمنكم مني رأى ونصح قَالُوا أجل ثمَّ قَالَ انْظُرُوا فِي أَمر هَذَا الرجل فَقَالَ بَعضهم احْبِسُوهُ فِي وثاق تَرَبَّصُوا بِهِ ريب الْمنون حَتَّى يهْلك كَمَا هلك من قبله من الشُّعَرَاء فَإِنَّمَا هُوَ كأحدهم قَالَ النجدي مَا هَذَا بِرَأْي فيخرجنه من محبسه وليوشكن أَن يثبوا
[ ١ / ١١٣ ]
عَلَيْكُم حَتَّى يأخذوه من بَين أَيْدِيكُم ثمَّ لَا آمن أَن يخرج من بِلَادكُمْ انْظُرُوا فِي غير هَذَا قَالَ قَائِل أَخْرجُوهُ من بَين أظْهركُم فَإِنَّهُ إِذا خرج غَابَ أَذَاهُ وشره وأصلحتم أَمركُم بَيْنكُم وخليتم بَينه وَبَين مَا هُوَ فِيهِ قَالَ النجدي مَا هَذَا بِرَأْي ألم تروا حسن حَدِيثه وحلاوة قَوْله وطلاقة لِسَانه وَأخذ الْقُلُوب بِمَا يسمع مِنْهُ وَلَئِن فَعلْتُمْ استعرض وَلَا آمن أَن يدْخل على كل قَبيلَة فَيقبل مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ ثمَّ يسيره إِلَيْكُم حَتَّى ينْزع أَمركُم من أَيْدِيكُم فيخرجكم من بِلَادكُمْ وَيقتل أشرافكم انْظُرُوا رَأيا غير هَذَا قَالَ أَبُو جهل وَالله لأشيرن برأيي عَلَيْكُم مَا أَرَاكُم أبصرتموه بعد قَالُوا وَمَا هُوَ قَالَ نَأْخُذ من كل قَبيلَة غُلَاما شَابًّا ثمَّ نُعْطِيه سَيْفا صَارِمًا حَتَّى يضربوه ضَرْبَة رجل وَاحِد فَإِذا تفرق دَمه فِي الْقَبَائِل فَلَا أَظن أَن بني هَاشم يقدرُونَ على حَرْب قُرَيْش كلهَا فَإِذا أَرَادوا ذَلِك قبلوا الْعقل وَاسْتَرَحْنَا مِنْهُ ثمَّ أصلحتم
[ ١ / ١١٤ ]
أَمركُم فَاجْتمع ملككم على مَا كُنْتُم عَلَيْهِ من دين آبائكم فَقَالَ النجدي القَوْل مَا قَالَ هَذَا الْفَتى لَا رأى غَيره فَتَفَرَّقُوا على ذَلِك وَأَتَاهُ جِبْرِيل وَأمره أَن لَا يبيت فِي مضجعه الَّذِي كَانَ يبيت فِيهِ وَأخْبرهُ بمكر الْقَوْم فَأمر النَّبِي ﷺ عليا فتغشى بردا لَهُ أَحْمَر حضرميا فَبَاتَ فِي مضجعه وَاجْتمعت قُرَيْش لرَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْد بَاب بَيته يَرْصُدُونَهُ فَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَده حفْنَة من تُرَاب فَرَمَاهَا فِي وُجُوههم فَأخذ اللَّه بأعينهم عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبَاتُوا رصدا على بَابه وَانْطَلق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ فَخرج عَلَيْهِم من الدَّار خَارج فَقَالَ مَا لكم قَالُوا نَنْتَظِر مُحَمَّدًا قَالَ قد خرج عَلَيْكُم فانصرفوا يائسين
[ ١ / ١١٥ ]
ينفض كل وَاحِد مِنْهُم التُّرَاب عَن رَأسه قَالَ أَبُو بكر الصّديق أَنا لله وَأَنا إِلَيْهِ رَاجِعُون أخرجُوا نَبِيّهم ليهلكن فَنزلت أذن للَّذين يقتلُون بانهم ظلمُوا وَإِنَّ اللَّهَ على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ فَأمره الله بِالْقِتَالِ ثمَّ أَمر اللَّه ﷿ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهِجْرَةِ إِلَى يثرب