أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ الطَّائِيُّ يُخْبِرُ بِإِسْنَادٍ لَيْسَ لَهُ فِي الْقَلْبِ وَقْعٌ ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ ثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ أَمْلاهُ عَلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ ثَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الله عَن بن لأَبِي هَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ وَكَانَ وَصَّافًا مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخْمًا مُفَخَّمًا يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ عَظِيمَ الْهَامَةِ رَجِلَ الشَّعْرِ إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيصَتُهُ فَرَقَ وَإِلا فَلا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ أَزْهَرَ اللَّوْنِ وَاسِعَ الْجَبِينِ أَزَجَّ الحواجب
[ ٢ / ١٤٥ ]
سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرْنٍ بَيْنَهُمَا عرق يدره الْغَضَب أقى الْعِرْنَيْنِ لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ كَثَّ اللِّحْيَةِ سَهْلَ الْخَدَّيْنِ ضَلِيعَ الْفَمِ أَشْنَبَ مُفَلَّجَ الأَسْنَانِ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ سَوَاءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ عَرِيضَ الصَّدْرِ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يجرى كالخط عرى الْيَدَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ أَشْعَرَ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ رَحْبَ الرَّاحَةِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَائِرَ أَوْ سَائِلَ شكّ بن سَعِيدٍ الأَطْرَافِ خُمْصَانَ الأَخْمَصَيْنِ مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ إِذَا زَالَ زَالَ قلعا يخطو تكيفا وَيَمْشِي هَوْنًا ذَرِيعَ الْمِشْيَةِ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا خَافِضَ الطَّرْفِ نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلاحَظَةُ يَسُوقُ أَصْحَابَهُ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَ بِالسَّلامِ قَالَ قُلْتُ صِفْ لِي مَنْطِقَهُ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَاصِلَ الأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ طَوِيلَ السَّكْتِ
[ ٢ / ١٤٦ ]
لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ يَفْتَتِحُ الْكَلامَ وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فَضْلٌ لَا فُضُولَ وَلا تَقْصِيرَ دَمْثٌ لَيْسَ بِالْجَافِي وَلا بِالْمُهِينِ يُعَظِّمُ النِّعْمَةِ وَإِنْ دَقَّتْ لَا يَذُمُّ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذُمُّ ذَوَاقًا وَلا يَمْدَحُهُ وَلا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهَا فَإِذَا نُوزِعَ الْحَقَّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلا يَنْتَصِرُ لَهَا إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا فَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ وَيَفْتُرُ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ قَالَ الْحَسَنُ فَكَتَمَهَا الْحُسَيْنُ زَمَانًا ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتُهُ قَالَ الْحُسَيْنُ فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَانَ دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ نَفْسَهُ ثَلَاثَة أَجزَاء جُزْء لِلَّهِ وَجُزْءًا لأَهْلِهِ وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَزَّأَ جُزْءًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ وَلا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ
[ ٢ / ١٤٧ ]
وَقَسْمُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الديم فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيُشْغِلُهُمْ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَإِلا مَعَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ يُلائِمُهُمْ وَيُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ وَيَقُولُ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ وَأَبْلِغُوا فِي حَاجَةِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغَهَا فَإِنَّ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغَهَا يُثَبِّتُ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلا ذَلِكَ وَلا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ يَدْخُلُونَ رُوَّادًا وَلا يَفْتَرِقُونَ إِلا عَنْ ذواق وَيخرجُونَ أَذِلَّة قَالَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ قَالَ كَانَ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلا فِيمَا يَعْنِيهِ وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلا يُنَفِّرُهُمْ وَيُكْرِمُ كَرِيمَ الْقَوْمِ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ وَيُحَذِّرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُظْهِرَ عَلَى أَحَدٍ بِسِرِّهِ وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ وَيُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوهِنُهُ مُعْتَدِلَ الأَمْرِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ لَا يَغْفَلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفَلُوا أَوْ يَمِيلُوا لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ وَلا يُقَصِّرُ عَنِ الْحَقِّ وَلا يُجَاوِزُهُ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أعمهم نصيحة
[ ٢ / ١٤٨ ]
وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُؤَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً قَالَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَجْلِسُ وَلا يَقُومُ إِلا عَلَى ذِكْرٍ لَا يُوَطِّنُ الأَمَاكِنَ وَيَنْهَى عَنْ إِيطَانِهَا وَإِذَا جَلَس إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ انْتَهَى الْمَجْلِسُ وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ وَيُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ لَا يَحْسِبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ وَمَنْ سَأَلَهُ عَنْ حَاجَةٍ لَمْ يَرُدَّهُ إِلا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ قَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْهُ بَسْطَةٌ وَخِلْقَةٌ فَصَارَ لِلنَّاسِ أَبًا وَصَارُوا فِي الْحَقِّ عِنْدَهُ سَوَاءً مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ لَا ترفع يه الأَصْوَاتُ وَلا تُؤَبَّنُ فِيهِ الْحُرُمُ وَلا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ مُتَعَادِلِينَ يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى مُتَوَاضِعِينَ يُوَقِّرُونَ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ وَيُؤْثِرُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ قَالَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ سِيرَتِهِ فِي جُلَسَائِهِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَائِمَ الْبِشْرِ سَهْلَ الْخُلُقِ لَيِّنَ الْجَانِبِ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ وَلا صَخَّابٍ وَلا فَحَّاشٍ وَلا عَيَّابٍ وَلا مَزَّاحٍ يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يشتهى
[ ٢ / ١٤٩ ]
وَلا يُؤْنَسُ مَعَهُ وَلا يُخَيِّبُ فِئَةً قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاثٍ كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا وَلا يُعَيِّرُهُ وَلا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا على رؤوسهم الطَّيْرُ وَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا وَلا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ مَنْ تَكَلَّمَ صَمَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ جُلُّ حَدِيثِهِ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ أَوَّلِيهِمْ يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ يَتَعَجَّبُ مِمَّا يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ يَسْتَجْلِبُونَهُمْ وَيَقُولُ إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يَطْلُبُهَا فَارْفِدُوهُ وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مكافىء وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُورَهُ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ قَالَ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ كَانَ سُكُوتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ عَلَى الْحِلْمِ وَالْحَذَرِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّفَكُّرِ فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تَسْوِيَةِ النَّظَرِ وَالاسْتِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ وَأَمَّا تَفَكُّرُهُ فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ فِي الصَّبْرِ فَكَانَ لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ وَلا يَسْتَفِزُّهُ وَجُمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِي أَرْبَعَةٍ أَخْذِهِ بِالْحَسَنِ لِيُقْتَدَى بِهِ وَتَرْكِهِ الْقَبِيحَ لِيُتَنَاهَى عَنْهُ وَإِجْهَادِهِ الرَّأْيَ فِيمَا يُصْلِحُ أُمَّتَهُ وَالْقِيَامِ فِيمَا يجمع لَهُم فِيهِ
[ ٢ / ١٥٠ ]
خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ قَالَ أَبُو حَاتِم قد ذكر جمل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من مولد رَسُول اللَّهِ ﷺ ومبعثه وأيامه وهجرته إِلَى أَن قَبضه اللَّه إِلَى جنته ثمَّ إِنَّا ذاكرون بعده الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة بأيامهم وجمل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أخبارهم ليَكُون ذَلِك طَرِيقا للمتأسين بهم إِذْ الْمُصْطَفى ﷺ أَمر بذلك الحَدِيث حَيْثُ قَالَ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي وعضوا عَلَيْهَا بالنواجد وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ جعلنَا اللَّه وَإِيَّاكُم من المتبعين لسنته المبادرين إِلَى لُزُوم طَاعَته إِنَّه الفعال لما يُرِيد بكم آخر مولد رَسُول اللَّهِ ﷺ ومبعثه ويتلوه كتاب الْخُلَفَاء إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى اسْتِخْلَاف أبي بكر بْن أبي قُحَافَة الصّديق ﵁ قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن حبَان أَبُو أَحْمَد النميمي واسْمه عَبْد اللَّه ولقبه عَتيق وَاسم أبي قُحَافَة عُثْمَان بْن عَامر بْن عَمْرو بْن كَعْب بْن سعد بْن تيم بْن مرّة بْن كَعْب بْن لؤَي بْن غَالب بْن فهر بْن مَالك بْن النَّضر بْن كنَانَة بْن خُزَيْمَة بْن مدركة بْن إلْيَاس بْن مُضر بْن نزار بْن معد بْن عدنان وَأم أبي بكر أم الْخَيْر بنت صَخْر بْن عَامر بْن كَعْب أَخُو عَمْرو بن
[ ٢ / ١٥١ ]
كَعْب بْن سعد بْن تيم بْن مرّة بْن لؤَي بْن غَالب أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ اللَّخْمِيُّ بِعَسْقَلانَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله بن عتبَة عَن بن عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ أَتَانِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي مَنْزِلِي عَشَاءً فَقَالَ لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ وَجَاءَهُ رَجُلٌ وَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي سَمِعْتُ فُلانًا يَقُولُ لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَبَايَعْتُ فُلانًا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ وَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْتَصِبُوا الْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رُعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ وَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَقُولَ فِيهِمُ الْيَوْمَ مَقَالَةً لَا يَعُونَهَا وَلا يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا وَأَنْ يَطَّيَّرُوا بِهَا كُلَّ مَطِيرٍ وَلَكِنْ أَمْهِلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ السُّنَّةِ وَدَارُ الْهِجْرَةِ فَتَخْلُصَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَتَقُولُ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا فَيَعُونَ مَقَالَتَكَ وَيَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا قَالَ عُمَرُ أَمَا وَاللَّهِ لأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مقَام أقومه بِالْمَدِينَةِ قَالَ بن عَبَّاسٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ هَجَّرْتُ لَمَّا حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَوَجَدْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجْرَةِ جَالِسًا إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ عَلَيْنَا عُمَرُ فَقُلْتُ وَهُوَ مقبل أما وَالله
[ ٢ / ١٥٢ ]
لَيَقُولَنَّ الْيَوْمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ قَالَ فَغَضِبَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ وَأَيُّ مَقَالٍ يَقُولُ لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ فَلَمَّا ارْتَقَى عُمَرُ الْمِنْبَرَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ قَامَ عُمَرُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعِيَهَا فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رجمنا بَعْدَهُ وَإِنِّي خَائِفٌ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ فَيَقُولُ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ أَلا وَإِنَّ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ إِذَا زَنَى وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَمْلُ أَوِ الاعْتِرَافُ ثُمَّ إِنَّا قَدْ كُنَّا نَقْرَأُ وَلا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ثمَّ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى بن مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ فُلانًا مِنْكُمْ يَقُولُ لَوْ قَدْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلانًا فَلا يَغْتَرَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّ بَيْعَةَ أَبى بكر كَانَت فلتة فد كَانَتْ كَذَلِكَ أَلا وَإِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَدَفَعَ عَنِ الإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ ضُرَّهَا وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ خَيْرِنَا حِين توفى
[ ٢ / ١٥٣ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ تَبِعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ وَتَخَلَّفَتْ عَنَّا الأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الأَنْصَارِ فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ فلقين رجلَيْنِ صالحينن مِنَ الأَنْصَارِ شَهِدَا بَدْرًا فَقَالا أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ قُلْنَا نُرِيد إخوننا هَؤُلاءِ الأَنْصَارَ قَالا فَارْجِعُوا فَأَمْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ فَأَتَيْنَاهُمْ فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ قُلْتُ مَا شَأْنُهُ قَالُوا وَجِعَ فَقَامَ خَطِيبُ الأَنْصَارِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَنَحْنُ الأَنْصَارَ وَكَتِيبَةَ الإِسْلامِ وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَهْطٌ مِنَّا وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْنَا دَافَّةٌ مِنْكُمْ وَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا وَيَحْضُنُونَا بِأَمْرٍ دُونَنَا وَقَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ بِهَا بَيْنَ يَدي أَبى بكر وَكنت أدارىء مِنْ أَبِي بَكْرٍ بَعْضَ الْحَدِّ وَكَانَ أَوْقَرَ مِنِّي وَأَحْلَمَ فَلَمَّا أَرَدْتُ الْكَلامَ قَالَ عَلَى رِسْلِكَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَاللَّهِ مَا تَرَكَ كَلِمَةً قَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُهَا إِلا جَاءَ بِهَا أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا فِي بَدِيهَتِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ يَا معشر الْأَنْصَار
[ ٢ / ١٥٤ ]
فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ هَذَا الأَمْرَ إِلا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَب داراونسا وَلَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ وَأَخَذَ بِيَدِي وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجراح فوَاللَّه ماكرهت مِمَّا قَالَ شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ كُنْتُ لأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لَا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ إِلَى إِثْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا قَضَى أَبُو بَكْرٍ مقَالَته قَامَ رجل من اأنصار فَقَالَ أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَإِلا أَجَلُنَا الْحَرْبُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ خُدْعَةٌ قَالَ مَعْمَرٌ فَقَالَ قَتَادَةُ قَالَ عُمَرُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ سَيْفَانِ فِي غَمْدٍ وَلَكِنْ مِنَّا الأُمَرَاءُ وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ قَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ فَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ بَيْننَا وَكثر اللَّغط حَتَّى شفقت الاخْتِلافَ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَبَايَعَهُ الأَنْصَارُ قَالَ وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ قَتَلْتُمْ سَعْدًا قَالَ قُلْتُ قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا فِيمَا حَضَرْنَا أَمْرًا كَانَ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ
[ ٢ / ١٥٥ ]
خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً فَإِمَّا أَنْ نُتَابِعَهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى وَإِمَّا إنْ نُخَالِفَهُمْ فَيَكُونَ فَسَادًا فَلا يَغُرَّنَّ امْرَأً يَقُولُ كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلا أَنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ يُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يُبَايَعُ هُوَ وَلا الَّذِي بَايَعَهُ بَعْدَهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة أَن الرجلَيْن الَّذين لَقِيَاهُمَا مِنَ الأَنْصَارِ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ وَالَّذِي قَالَ أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ أَبُو حَاتِم نظر الْمُسلمُونَ إِلَى أعظم أَرْكَان الدَّين وعماد الْإِسْلَام للْمُؤْمِنين فوجدوها الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة وَأَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولى أَبَا بكر إِقَامَتهَا فِي الْأَوْقَات المعلومات فَرضِي الْمُسلمُونَ للْمُسلمين مَا رَضِي لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبَايعُوهُ طائعين فِي سَائِر الْأَركان وَبَايَعُوهُ فِي السِّرّ والإعلان فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي قَامَ عمر بْن الْخطاب على الْمِنْبَر فَتكلم قبل أبي بكر فَحَمدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثمَّ قَالَ أيهاالناس إِنِّي قد قلت لكم بالْأَمْس مقَالَة مَا كَانَت إِلَّا مني وَمَا وَجدتهَا فِي كتاب اللَّه وَلَا كَانَت
[ ٢ / ١٥٦ ]
عهدا عده إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَكِنِّي قد كنت أرى أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ سيأمرنا بقول يكون آخِرنَا وَإِن اللَّه قد أبقى فِيكُم كِتَابه الَّذِي بِهِ هدى رَسُوله فَإِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هدَاكُمْ اللَّه لما كَانَ قد هدى بِهِ أَهله وَإِن اللَّه قد جمع أَمركُم على خَيركُمْ صَاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ وَثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار فَقومُوا إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ فَبَايع النَّاس أَبَا بكر بيعَة الْعَامَّة بعد بيعَة السَّقِيفَة ثمَّ تكلم أَبُو بكر فَحَمدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ أَيهَا النَّاس فَإِنِّي قد وليت عَلَيْكُم وَلست بِخَيْرِكُمْ فَإِن أَحْسَنت فَأَعِينُونِي وَإِن أَسَأْت فقوموني الصدْق أَمَانَة وَالْكذب خِيَانَة والضعيف فِيكُم قوى عِنْدِي حَتَّى أُرِيح عَلَيْهِ حَقه إِن شَاءَ اللَّه والقوى فِيكُم ضَعِيف عِنْدِي حَتَّى آخذ الْحق مِنْهُ إِن شَاءَ اللَّه لَا يدع قوم الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه إِلَّا ضَربهمْ بالبلاء وَلَا تشيع الْفَاحِشَة فِي قوم إِلَّا عمهم اللَّه بالبلاء أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللَّه وَرَسُوله فَإِذا عصيت اللَّه وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم قومُوا إِلَى صَلَاتكُمْ يَرْحَمكُمْ اللَّه فَلَمَّا فرغ النَّاس من بيعَة أبي بكر وَهُوَ يَوْم الثُّلَاثَاء أَقبلُوا على جهازه ﷺ فَاخْتَلَفُوا فِي غسله فَقَالُوا وَالله مَا نَدْرِي أنجرد رَسُول اللَّهِ ﷺ من ثيابهكما نجرد مَوتَانا أَو نغسله وَعَلِيهِ ثِيَابه فَلَمَّا اخْتلفُوا ألْقى اللَّه عَلَيْهِم السبات حَتَّى مَا مِنْهُم أحد إِلَّا وذقنه فِي صَدره
[ ٢ / ١٥٧ ]
ثمَّ كَلمهمْ مُتَكَلم من نَاحيَة الْبَيْت لَا يدرى من هُوَ أَن اغسلوا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعَلِيهِ ثِيَابه فَقَامُوا فغسلوه وَعَلِيهِ قَمِيصه فأسنده على إِلَى صَدره فَكَانَ الْعَبَّاس وَالْفضل والقثم يقلبونه وَكَانَ أُسَامَة بْن زيد وشقران موليَاهُ يصبَّانِ عَلَيْهِ المَاء وعَلى يغسلهُ ويدلكه من وَرَائه لَا يفضى بِيَدِهِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُول بِأبي أَنْت وَأمي مَا أطيبك حَيا وَمَيتًا وَلم ير من رَسُول اللَّهِ ﷺ شَيْء مِمَّا يرى من الْمَيِّت ثمَّ كفن رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب بيض سحُولِيَّة لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة أدرج فِيهَا إدراجا ثمَّ دخل النَّاس يصلونَ عَلَيْهِ أرسالابدأ بِهِ الرِّجَال حَتَّى إِذا فرغغوا أَدخل النِّسَاء ثمَّ أَدخل الصّبيان ثمَّ أَدخل العبيد وَلم يؤم النَّاس على رَسُول اللَّهِ ﷺ أحد وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح يحْفر كحفر أهل مَكَّة وَكَانَ أَبُو طَلْحَة زيد بْن سهل يحْفر كحفر أهل الْمَدِينَة وَكَانَ يلْحد فَدَعَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب رجلَيْنِ فَقَالَ لأَحَدهمَا اذْهَبْ إِلَى أبي عُبَيْدَة وَقَالَ للْآخر اذْهَبْ إِلَى أبي طَلْحَة فَقَالَ اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك فَوجدَ صَاحب أبي طَلْحَة أَبَا طَلْحَة فجَاء بِهِ فلحد لرَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ الْمُسلمُونَ اخْتلفُوا فِي دَفنه فَقَائِل يَقُول ندفنه فِي مَسْجده وَقَائِل يَقُول ندفنه مَعَ أَصْحَابه فَقَالَ أَبُو بكر سَمِعت
[ ٢ / ١٥٨ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُول مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ يقبض فَرفع فرَاش رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّذِي توفّي عَلَيْهِ فحفر أَبُو طَلْحَة تَحْتَهُ ثمَّ دفن ﷺ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء حِين زاغت الشَّمْس وَنزل فِي قبر رَسُول اللَّهِ ﷺ على بْن أبي طَالب وَالْفضل بْن الْعَبَّاس وَقثم بْن الْعَبَّاس وشقران مولى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَطرح تَحْتَهُ قطيفة وَكَانَ آخِرهم عهدا بِهِ قثم بْن الْعَبَّاس وَكَانَ الْمُغيرَة بْن شُعْبَة يَقُول لَا بل أَنا وَكَانَ يحْكى قصَّة ثمَّ قَامَ أَبُو بكر فِي النَّاس خَطِيبًا بعد خطبَته الأولى فَقَالَ الْحَمد لله حَمده وأومن بوحدانيته وَأَسْتَعِينهُ على أَمركُم كُله سره وعلانيته ونعوذ بِاللَّه مِمَّا يَأْتِي بِهِ اللَّيْل وَالنَّهَار وترتكب عَلَيْهِ السِّرّ والجهار وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّه حَافِظًا ونصيرا وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا قُدَّام السَّاعَة فَمن أطاعه رشد وَمن عَصَاهُ هلك وشرد فَعَلَيْكُم أَيهَا النَّاس بتقوى اللَّه فَإِن أَكيس الْكيس التَّقْوَى وَإِن أَحمَق الْحمق الْفُجُور فاتبعوا كتاب اللَّه واقبلوا نصيحته وَاقْتَدوا بِسنة رَسُوله وخذوا شَرِيعَته فَإِن اللَّه يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السيآت وَهُوَ الْحَكِيم
[ ٢ / ١٥٩ ]
الْعَلِيم وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ من بعد مَا قَنطُوا الْآيَة واحذروا االخطايا الَّتِي لكل بني آدم فِيهَا نصيب ة وتزودوا للآخرة فَإِن الْمصير إِلَيْهَا قريب وَلَكِن خَيركُمْ من اتبع طَاعَة اللَّه واجتنب مَعْصِيَته فاحذروا يَوْمًا لَا ينفع فِيهِ من حميم وَلَا شَفِيع وَلَا حميم يطاع وليعمل عَامل مَا اسْتَطَاعَ من عمل يقربهُ إِلَى ربه وَاعْمَلُوا من قبل أَن لَا تقدروا على الْعَمَل وَإِن اللَّه لَو شَاءَ خَلقكُم سدى وَلَكِن جعلكُمْ أَئِمَّة هدى فاتبعوا مَا أَمركُم الله بِهِ واجتنبواما نهاكم عَنهُ وَاعْمَلُوا الْخَيْر فَإِن قَلِيله كثير نَام مبارك وَاتَّقوا الله حق تُقَاته واحذروا ماحذركم فِي كِتَابه وتوقوا مَعْصِيَته خشيَة من عِقَابه فَلَيْسَ فِيهَا رَغْبَة لأحد واستعفوا عَمَّا حرم اللَّه وَأمر باجتنابه وَإِيَّاكُم والمحقرات فَإِنَّهَا تقرب إِلَى الموجبات وَاعْمَلُوا قبل أَن لَا تعملوا وتوبوا من الْخَطَايَا الَّتِي لَا يغسلهَا إِلَّا اللَّه برحمته وصلوا على نَبِيكُم كَمَا أَمركُم ربكُم ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِن الَّذِي رَأَيْتُمْ مني لم يكن على حرص على ولايتكم وَلَكِنِّي خفت الْفِتْنَة وَالِاخْتِلَاف فَدخلت فِيهَا وهأنذا وَقد رَجَعَ الْأَمر إِلَى أحْسنه وَكفى اللَّه تِلْكَ الثائرة وَهَذَا أَمركُم إِلَيْكُم توَلّوا من أَحْبَبْتُم من النَّاس وَأَنا أُجِيبكُم على ذَلِك وأكون كأحدكم فَأَجَابَهُ النَّاس رَضِينَا بك قسما وحظا إِذْ أَنْت ثَانِي اثْنَيْنِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَالسَّلَام على مُحَمَّد وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك
[ ٢ / ١٦٠ ]
ونستغفرك ونثني عَلَيْك وَلَا نكفرك ونؤمن بك ونخلع من يكفرك ثمَّ نزل واستقام لَهُ الْأَمر بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَايَعَهُ النَّاس وَرَضوا بِهِ وسموه خَليفَة رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَّا شرذمة مَعَ عَليّ بْن أبي طَالب تخلفوا عَن بيعَته وَكَانَ أُسَامَة بْن زيد يَقُول أَمرنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن أغير صباحا على أهل أننى ثمَّ أَمر أَبُو بكر أَن يبعثوا بعث أُسَامَة بْن زيد فَقَالَ لَهُ النَّاس إِن الْعَرَب قد انتقضت عَلَيْك وَإنَّك لَا تصنع بتفرق الْمُسلمين عَنْك شَيْئا قَالَ وَالَّذِي نفس أبي بكر بِيَدِهِ لَو ظَنَنْت أَن السبَاع أكلتني بِهَذِهِ القية لأنفذت هَذَا الْبَعْث الَّذِي أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بإنفاذه ثمَّ قَالَ أَبُو بكر لأسامة إِن تخلف معي عمر بْن الْخطاب فافعل فَأذن لَهُ أُسَامَة فَتخلف عمر مَعَ أبي بكر وَمضى أُسَامَة حَتَّى أوطأهم ثمَّ رَجَعَ فَسمع بِهِ الْمُسلمُونَ فَخَرجُوا مسرورين بقدومه ولواءه مَعْقُود حَتَّى دخل الْمَسْجِد فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ دخل بَيته ولواءه مَعْقُود وَيُقَال إِنَّه لم يحل اللِّوَاء حَتَّى توفى وَوَضعه
[ ٢ / ١٦١ ]
فِي بَيته ثمَّ كتب أَبُو بكر الصّديق كتابا إِلَى معَاذ بْن جبل يُخبرهُ بِمَوْت رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَعثه مَعَ عمار بْن يَاسر وَقد كَانَ معَاذ أَتَى الْيمن فِينَا هُوَ ذَات لَيْلَة على فرَاشه إِذا هُوَ بهاتف يَهْتِف عِنْد رَأسه يَا معَاذ كَيفَ يهنئك الْعَيْش وَمُحَمّد فِي سَكَرَات الْمَوْت فَوقف فَزعًا مَا ظن إِلَّا أَن الْقِيَامَة قد قَامَت فَلَمَّا رأى السَّمَاء مصحية والنجوم ظَاهِرَة استعاذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ثمَّ نُودي اللَّيْلَة الثَّانِيَة يَا معَاذ كَيفَ يهنئك الْعَيْش وَمُحَمّد بَين أطباق الثرى فَجعل معَاذ يَده على رَأسه وَجعل يتَرَدَّد فِي سِكَك صنعاء وينادي بِأَعْلَى صَوته يَا أهل الْيمن ذروني لَا حَاجَة لي فِي جواركم فَمَا شَرّ الْأَيَّام يَوْم جِئتُكُمْ وَفَارَقت رَسُول اللَّهِ ﷺ فَخرج الشبَّان من الرِّجَال والعواتق من النِّسَاء وَقَالُوا يَا معَاذ مَا الَّذِي دهاك فَلم يلْتَفت إِلَيْهِم وأتى منزله وَشد على رَاحِلَته وَأخذ جرابا فِيهِ سويق وإداوة من مَاء ثمَّ قَالَ لَا أنزل عَن نَاقَتي هَذِه إِن شَاءَ اللَّه إِلَّا لوقت صَلَاة حَتَّى آتى الْمَدِينَة فَبينا هُوَ على ثَلَاثَة مراحل من الْمَدِينَة إِذْ لقِيه عمار فَعرفهُ بالبعير قالاعلميامعاذ أَن مُحَمَّدًا قد ذاق الْمَوْت وَفَارق الدُّنْيَا فَقَالَ معَاذ يَا أَيهَا الْهَاتِف فِي هَذَا اللَّيْل القار من أَنْت يَرْحَمك اللَّه قَالَ أَنا عمار بْن يَاسر قَالَ وَأَيْنَ تُرِيدُ قَالَ هَذَا كتاب أبي بكر إِلَى معَاذ يُعلمهُ أَن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَفَارق الدُّنْيَا قَالَ معَاذ فَإلَى من المهتدى والمشتكى فَمن لِلْيَتَامَى والأرامل والضعفاء
[ ٢ / ١٦٢ ]
ثمَّ سَار وَرجع عمار مَعَه وَجعل يَقُول نشدتك بِاللَّه كَيفَ أَصْحَاب مُحَمَّد قَالَ تَركتهم كغنم بِلَا رَاع قَالَ كَيفَ تركت الْمَدِينَة قَالَ تركتهَا وَهِي أضيق على أَهلهَا من الْخَاتم فَلَمَّا كَانَ قَرِيبا من الْمَدِينَة سَمِعت عجوزا وَهِي تذكر رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهِي تبْكي فَقَالَت يَا عَبْد اللَّه لَو رَأَيْت ابْنَته فَاطِمَة وَهِي تبْكي وَتقول يَا أبتاه إِلَى جِبْرِيل ننعاه يَا أبتاه انْقَطع عَنَّا أَخْبَار السَّمَاء وَلَا ينزل الْوَحْي إِلَيْنَا من عِنْد اللَّه أبدا فَدخل معَاذ الْمَدِينَة لَيْلًا وأتى بَاب عَائِشَة فدق عَلَيْهَا الْبَاب فَقَالَت من هَذَا الَّذِي يطْرق بِنَا لَيْلًا قَالَ أَنا معَاذ بْن جبل ففتحت الْبَاب فَقَالَ يَا عَائِشَة كَيفَ رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْد شدَّة وَجَعه قَالَت يَا معَاذ لَو رَأَيْت رَسُول اللَّهِ ﷺ يصفار مرّة ويحمار أُخْرَى يرفع يدا وَيَضَع أُخْرَى لما هَنَّأَك الْعَيْش طول أَيَّام الدُّنْيَا فَبكى معَاذ حَتَّى خشِي أَن يكون الشَّيْطَان قد استفزه ثمَّ استعاذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وأتى أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ثمَّ ظهر طليحة فِي أَرض بني أَسد ومالت فَزَارَة فِيهَا عُيَيْنَة بْن حصن بْن بدر مرتدين عَن الْإِسْلَام وَبَايَعَهُ بَنو عَامر على مثل ذَلِك وتربصوا ينظرُونَ الْوَقْعَة بَين الْمُسلمين وَبَين بني أَسد وفزارة وَقد كَانَ أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّذين بَعثهمْ على الصَّدقَات قد جمعُوا
[ ٢ / ١٦٣ ]
مَا كَانَ على النَّاس مِنْهَا فَلَمَّا بَلغهُمْ وَفَاة رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَما عدي بْن حَاتِم فتمسك بِالْإِسْلَامِ وَبَقِي فِي يَده الصَّدقَات وَكَذَلِكَ الزبْرِقَان بْن بدر وَأما مَالك بْن نُوَيْرَة فَأرْسل مَا فِي يَده وَقَالَ لِقَوْمِهِ قد هلك هَذَا الرجل فشأنكم بأموالكم وَقد كَانَت طىء وَبَنُو سعد كلمهما عدي بْن حَاتِم والزبرقان بْن بدر فَقَالَا وهما كَانَا أحزم رَأيا وَأفضل فِي الْإِسْلَام رَغْبَة من مَالك بْن نُوَيْرَة لقومهما لَا تعجلوا فَإِنَّهُ لَيَكُونن لهَذَا الْأَمر قَائِم فَإِن كَانَ ذَلِك كَذَلِك ألقاكم وَلم تبدلوا دينكُمْ وَلم تعزلوا أَمركُم وَإِن كَانَ الَّذِي تطلبون فلعمري إِن ذَلِك أَمْوَالكُم بِأَيْدِيكُمْ لَا يغلبنكم عَلَيْهَا أحد غَيْركُمْ وسكناهم بذلك حَتَّى أَتَاهُم خبر النَّاس واجتماعهم على أبي بكر بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ وبيعة الْمُسلمين إِيَّاه فبعثا مَا بِأَيْدِيهِم من الصَّدَقَة إِلَى أبي بكر فَلم يزل أَبُو بكر يعرف فضلهما على من سواهُمَا من الْمُسلمين وَجَاء الْعَبَّاس وَفَاطِمَة إِلَى أبي بكر يلتمسان ميراثهما من النَّبِي ﷺ وهما حِينَئِذٍ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خَيْبَر فَقَالَ لَهما أَبُو بكر إِنِّي سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل مُحَمَّد من هَذَا المَال وَإِنِّي وَالله لَا أدع أمرا رَأَيْت رَسُول اللَّهِ ﷺ يصنعه فِيهِ إِلَّا صَنعته فِيهِ فَهجرَته
[ ٢ / ١٦٤ ]
فَاطِمَة وَلم تكَلمه حَتَّى مَاتَت ثمَّ جهز أَبُو بكر الْجَيْش لِيُقَاتل من كفر من الْعَرَب فَترك إِعْطَاء الصَّدقَات وارتد عَن الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ عمر كَيفَ تقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَقد سَمِعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُول أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على اللَّه فَقَالَ أَبُو بكر وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالَّذِي نفس أبي بكر بِيَدِهِ لَو مَنَعُونِي عقَالًا أَو عنَاقًا كَانُوا يؤدونها إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لقاتلتهم عَلَيْهِ حَتَّى آخذها قَالَ عمر فَلَمَّا رَأَيْت شرح صدر أبي بكر لقتالهم علمت أَنه الْحق فَأمر أَبُو بكر على النَّاس خَالِد بْن الْوَلِيد وَأمر ثَابت بْن قيس بْن شماس على النَّاس الْأَنْصَار وَجمع أَمر النَّاس إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد ثمَّ أَمرهم أَن يَسِيرُوا وَسَار مَعَهم مشيعا حَتَّى نزل ذَا الْقِصَّة من الْمَدِينَة على بريد وأميال فَضرب مُعَسْكَره وعبأ جَيْشه ثمَّ تقدم إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد وَقَالَ إِذا عشيتم دَار من دور النَّاس فسمعتم أذانا للصَّلَاة فأمسكوا عَنْهَا حَتَّى تسألوهم مَا الَّذِي يعلمُونَ وَإِن لم تسمعوا الْأَذَان فَشُنُّوا الْغَارة واقتلوا وحرقوا ثمَّ أَمر خَالِد بْن الْوَلِيد أَن يصمد لطليحة وَهُوَ على
[ ٢ / ١٦٥ ]
مَاء من مياه بني أَسد وَكَانَ طليحة يدعى النُّبُوَّة وينسج للنَّاس الأكاذيب والأباطيل وَيَزْعُم أَن جِبْرِيل يَأْتِيهِ وَكَانَ يَقُول للنَّاس أَيهَا النَّاس إِن اللَّه لَا يصنع بتعفير وُجُوهكُم وقبح أدباركم شَيْئا واذْكُرُوا اللَّه قعُودا وقياما وَجعل يعيب الصَّلَاة وَيَقُول إِن الصَّرِيح تَحت الرغوة وَكَانَ أول مَا ابتلى من النَّاس طليحة أَنه أَصْلَب هُوَ وَأَصْحَابه الْعَطش فِي منزلهم فِيهِ فَقَالَ طليحة فِيمَا شجع لَهُم من أباطيله اركبوا علالا يَعْنِي فرسا واضربوا أميالا تَجدوا قلالا فَفَعَلُوا فوجدوا مَاء فَافْتتنَ الْأَعْرَاب بِهِ ثمَّ قَالَ أَبُو بكر لخَالِد بْن الْوَلِيد لآتيك من نَاحيَة خَيْبَر إِن شَاءَ اللَّه فِيمَن بَقِي من الْمُسلمين وَأَرَادَ بذلك أَبُو بكر أَن يبلغ الْخَبَر النَّاس بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِم ثمَّ ودع خَالِدا وَرجع إِلَى الْمَدِينَة وَمضى خَالِد بِالنَّاسِ وَكَانَت بَنو فَزَارَة وَأسد يَقُولُونَ وَالله لَا نُبَايِع أَبَا الفصيل يعنون أَبَا بكر وَكَانَت طىء على إسْلَامهَا لم تزل عَنهُ مَعَ عدي بْن حَاتِم ومكنف بْن زيد الْخَيل فَكَانَا يكالبانها ويقولان لبني فَزَارَة وَالله لَا نزال نقاتلكم إِن شَاءَ اللَّه فَلَمَّا قرب خَالِد بْن الْوَلِيد من الْقَوْم وَبعث عكاشة
[ ٢ / ١٦٦ ]
بْن مُحصن وثابت بْن أقرم أَخا بني العجلان طَلِيعَة أَمَامه وَخرج طليحة بن خويلد المتنبىء وَأَخُوهُ سَلمَة بْن خويلد أَيْضا طَلِيعَة لمن وراءهما فَالْتَقَيَا عكاشة بْن مُحصن وثابت بْن أقرم فَانْفَرد طليحة بعكاشة وَسَلَمَة بْن خويلد بِثَابِت فَأَما سَلمَة فَلم يلبث ثَابتا أَن قَتله ثمَّ صرخَ طليحة وَقَالَ يَا سَلمَة أَعنِي على الرجل فَإِنَّهُ قاتلي فاكتنفا عكاشة حَتَّى قتلاه وكرا رَاجِعين إِلَى من وراءهما فَلَمَّا وصل خَالِد والمسلمون إِلَى ثَابت بْن أقرم وعكاشة بْن مُحصن وهما قتيلان عظم ذَلِك على الْمُسلمين وَرَاءَهُمْ ثمَّ مضى خَالِد حَتَّى نزل على طىء فِي خللهم سلمى فَضرب مُعَسْكَره وانضم إِلَيْهِ من كَانَ من الْمُسلمين فِي تِلْكَ الْقَبَائِل ثمَّ تهَيَّأ لِلْقِتَالِ وَسَار إِلَى طليحة وَهُوَ على مَائه والتقى مَعَه طليحة فِي سَبْعمِائة رجل من بني فَزَارَة فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا وطليحة متلفف فِي كسَاء لَهُ بِفنَاء بَيت لَهُ من شعر يتنبأ ويسجع فهز عُيَيْنَة بْن حصن الْحَرْب وَشد الْقِتَال ثمَّ كرّ على طليحة فَقَالَ هَل جَاءَك جِبْرِيل بعد قَالَ لَا فَرجع عُيَيْنَة وَقَاتل حَتَّى إِذا هزته الْحَرْب كرّ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَقَالَ لَا أَبَا لَك هَل جَاءَك جِبْرِيل بعد قَالَ نعم قَالَ فَمَاذَا قَالَ لَك قَالَ قَالَ لي إِن لَك
[ ٢ / ١٦٧ ]
رحى كرحاه وحديثا لَا تنساه قَالَ عُيَيْنَة أَظن اللَّه أَنه قد علم أَنه سَيكون لَك حَدِيث لَا تنساه يَا بني فَزَارَة هَكَذَا فانصرفوا فَهَذَا وَالله كَذَّاب فَانْصَرف وانصرفت مَعَه فَزَارَة وَانْهَزَمَ النَّاس وَكَانَ طليحة قد أعد فرسا لَهُ عِنْده وهيأ بَعِيرًا لامْرَأَته النوار ثمَّ اجْتمعت إِلَيْهِ فَزَارَة وهم مبارزون فَقَالُوا مَا تَأْمُرنَا فَلَمَّا سمع مِنْهُم ذَلِك اسْتَوَى على فرسه وَحمل امْرَأَته على الْبَعِير ثمَّ نجا بهَا وَقَالَ لَهُم من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يفعل كَمَا فعلت وينجو بأَهْله فَلْيفْعَل ثمَّ سلك الحوشية حَتَّى لحق بِالشَّام وانصرفت فَزَارَة وَقتل مِنْهُم من قتل ثمَّ دخلت الْقَبَائِل فِي الْإِسْلَام على مَا كَانُوا عَلَيْهِ من قبل فَلَمَّا فرغ خَالِد من بيعتهم أوثق عُيَيْنَة بْن حصن وقرة بْن هُبَيْرَة بْن سَلمَة وَبعث بهما إِلَى أبي بكر فَلَمَّا قدما عَلَيْهِ قَالَ قُرَّة يَا خَليفَة رَسُول اللَّه إِنِّي كنت مُسلما وَإِن عِنْد عَمْرو بْن الْعَاصِ من إسلامي شَهَادَة قد مر بِي فأكرمته وقربته وَكَانَ عَمْرو بْن الْعَاصِ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِخَبَر الْأَعْرَاب وَذَلِكَ أَن عمرا كَانَ على عمان فَلَمَّا أقبل رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة مر بهوازن وَقد انتقضوا وَفِيهِمْ سيدهم قُرَّة بْن هُبَيْرَة فَنزل عَلَيْهِ عَمْرو بْن الْعَاصِ فَنحر لَهُ وَأَقَرَّاهُ وأكرمه فَلَمَّا أَرَادَ عَمْرو الرحيل خلى بِهِ قُرَّة بْن هُبَيْرَة وَقَالَ يَا عَمْرو إِنَّكُم معشر قُرَيْش إِن أَنْتُم كففتم
[ ٢ / ١٦٨ ]
عَن أَمْوَال النَّاس وتركتموها لَهُم يُرِيد الصَّدقَات فقمن أَن يسمع لكم النَّاس ويطيعوا فَإِن أَنْتُم ابيتم إِلَّا أَخذ أماولهم فَإِنِّي وَالله مَا أرى الْعَرَب مقرة بذلك لكم وَلَا صابرة عَلَيْهِ حَتَّى تنازعكم أَمركُم ويطلبوا مَا فِي أَيْدِيكُم فَقَالَ عَمْرو بْن الْعَاصِ أبالعرب تخوفنا موعدك أقسم اللَّه لأوطئنه عَلَيْك الْخَيل ثمَّ مضى عَمْرو حَتَّى قدم الْمَدِينَة على أبي بكر وَأخْبرهُ الْخَبَر قبل خُرُوج خَالِد إِلَيْهِم فَتَجَاوز أَبُو بكر عَن قُرَّة بْن هُبَيْرَة وعيينة بْن حصن وحقن لَهما دماءهما وَلما فرغ خَالِد بْن الْوَلِيد من بيعَة بني عَامر وَبني أَسد قَالَ إِن الْخَلِيفَة قد عهد إِلَى أَن أَسِير إِلَى أَرض بني غَانِم فَسَار حَتَّى نزل بأرضهم وَبث فِيهَا السَّرَايَا فَلم يلق بهَا جمعا وأتى بِمَالك بْن نُوَيْرَة فِي رَهْط من بني تَمِيم وَبنى خنظلة فَأمر بهم فَضربت أَعْنَاقهم وَتزَوج مَكَانَهُ أم تَمِيم امْرَأَة مَالك بْن نُوَيْرَة فَشهد أَبُو قَتَادَة لمَالِك بْن نُوَيْرَة بِالْإِسْلَامِ عِنْد أبي بكر ثمَّ رَجَعَ خَالِد يؤم الْمَدِينَة فَلَمَّا قدمهَا دخل الْمَسْجِد وَعَلِيهِ درع معتجرا بعمامة وَعَلِيهِ قبَاء عَلَيْهِ صدأ الْحَدِيد قد غرز فِي عمَامَته أسهما فَقَامَ إِلَيْهِ عمر بْن الْخطاب فَانْتزع الأسهم من رَأسه فحطمها ثمَّ قَالَ أقتلت امْرأ مُسلما مَالك بْن نُوَيْرَة ثمَّ تزوجت امْرَأَته وَالله لنرجمنك بأحجارك وخَالِد
[ ٢ / ١٦٩ ]
بْن الْوَلِيد لَا يكلمهُ وَلَا يظنّ إِلَّا أَن رأى أبي بكر على مثل رأى عمر حَتَّى دخل على أبي بكر فَأخْبرهُ الْخَبَر وَاعْتذر إِلَيْهِ أَنه لم يعلم فعذره أَبُو بكر وَتجَاوز عَنهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي حربه تِلْكَ فَخرج خَالِد من عِنْده وَعمر جَالس فِي الْمَسْجِد فَقَالَ هَلُمَّ إِلَى بن أم شملة فَعرف أَن أَبَا بكر قد رضى عَنهُ فَلم يكلمهُ فَقَامَ فَدخل بَيته ثمَّ مَاتَت فَاطِمَة بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ بعد أَبِيهَا بِسِتَّة أشهر فدفنها على لَيْلًا وَلم يُؤذن بِهِ أَبَا بكر وَلَا عمر وَكَانَ لعَلي جِهَة من النَّاس حَيَاة فَاطِمَة فَلَمَّا توفيت فَاطِمَة انصرفت وُجُوه النَّاس عَن على فَلَمَّا رأى انصراف النَّاس ضرع على إِلَى مصالحة أبي بكر فَأرْسل إِلَى أبي بكر أَن ائتنا وَلَا تأتنا مَعَك بِأحد وَكره أَن يَأْتِيهِ عمر لما علم من شدته فَقَالَ عمر لَا تأتهم وَحدك فَقَالَ أَبُو بكر وَالله لآتينهم وحدى وَمَا عَسى أَن يصنعوا بِي فَانْطَلق أَبُو بكر وَحده حَتَّى دخل على عَليّ وَقد جمع بني هَاشم عِنْده فَقَامَ عَليّ وَحمد اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أما بعد فَإِنَّهُ لم يمنعنا أَن نُبَايِعك إنكارا لفضيلتك وَلَا نفاسة عَلَيْك بِخَير سَاقه اللَّه إِلَيْك وَلَكنَّا كُنَّا نرى أَن لنا فِي هَذَا الْأَمر حَقًا
[ ٢ / ١٧٠ ]
فاستبددت بِهِ علينا ثمَّ ذكر قرَابَته من رَسُول اللَّهِ ﷺ وحقهم وَلم يزل على يذكر ذَلِك حَتَّى بَكَى أَبُو بكر فَلَمَّا صمت على تشهد أَبُو بكر فَحَمدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ وَالله لقرابة رَسُول اللَّهِ ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي وَإِنِّي وَالله مَا أعلم فِي هَذِه الْأُمُور الَّتِي كَانَت بيني وَبَين عَليّ إِلَّا الْخَيْر وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُول لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد من هَذِه المَال قوتا وَإِنِّي وَالله لَا أدع أمرا صنع فِيهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَّا صَنعته إِن شَاءَ اللَّه ثمَّ قَالَ موعدك العشية لِلْبيعَةِ فَلَمَّا صلى أَبُو بكر الظّهْر أقبل على النَّاس ثمَّ عذر عليا بِبَعْض مَا اعتذر بِهِ ثمَّ قَامَ عَليّ فَعظم من حق أبي بكر وَذكر فضيلته وسابقته ثمَّ مضى إِلَى أبي بكر فَبَايعهُ وَأَقْبل النَّاس على عَليّ فَقَالُوا أصبت وأحسنت ثمَّ توفّي عَبْد اللَّه بْن أبي بكر الصّديق وكطان أَصَابَهُ سهم بِالطَّائِف مَعَ النَّبِي ﷺ رَمَاه بْن محجن ثمَّ دمل الْجرْح فَمَاتَ فِي شَوَّال بعد الظّهْر وَنزل حفرته عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي بكر وَعمر بْن الْخطاب وَطَلْحَة بْن عبيد اللَّه وَدخل عمر على أبي بكر وَهُوَ آخذ بِلِسَانِهِ ينصنصه
[ ٢ / ١٧١ ]
فَقَالَ لَهُ عمر يَا خَليفَة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّه اللَّه فَقَالَ أَبُو بكر هَذَا أوردني الْمَوَارِد فَلَمَّا دخل شهر ذِي الْحجَّة حج عمر بْن الْخطاب سنة إِحْدَى عشرَة وَاشْترى مَوْلَاهُ أسلم فِي حجَّته تِلْكَ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ وَجه أَبُو بكر خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى الْيَمَامَة وَكَانَ مُسَيْلمَة قد تنبأ بهَا فِي حَيَاة رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أمره ضَعِيفا ثمَّ وَفد إِلَى النَّبِي ﷺ وَرَجَعَ إِلَى قومه فَشهد رجال بْن عنفوة لأهل الْيَمَامَة أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قد أشركه فِي الْأَمر فَعظم فتْنَة عَلَيْهِم وَخرج خَالِد بْن الْوَلِيد بالمهاجرين وَالْأَنْصَار حَتَّى إِذا دنا من الْيَمَامَة نزل وَاديا من أَوْدِيَتهمْ فَأصَاب فِي ذَلِك الْوَادي مجاعَة بْن مرَارَة فِي عشْرين رجلا مِنْهُم كَانُوا خَرجُوا يطْلبُونَ رجلا من بني تَمِيم وَكَانَ أصَاب لَهُم دَمًا فِي الْجَاهِلِيَّة فَلم يقدروا عَلَيْهِ فَبَاتُوا بذلك الْوَادي فَلم ينبههم إِلَّا خيل الْمُسلمين قد وقفت عَلَيْهِم فَقَالُوا من الْقَوْم فَقَالُوا بَنو حنيفَة قَالَ فَلَا أنعم لكم علينا ثمَّ نزلُوا فاستوثقوا مِنْهُم فَلَمَّا أصبح دعاهم خَالِد بْن الْوَلِيد فَقَالَ يَا بني حنيفَة مَا تَقولُونَ فَقَالُوا منا نبيء ومنكم نبىء فعرضهم
[ ٢ / ١٧٢ ]
خَالِد على السَّيْف حَتَّى بَقِي سَارِيَة بْن عَامر ومجاعة بْن مرَارَة فَقَالَ لَهُ سَارِيَة يَا أَيهَا الرجل إِن كنت تُرِيدُ هَذِه الْقرْيَة فَاسْتَبق هَذَا الرجل وأوثق مجاعَة فِي الْحَدِيد وَدفعه إِلَى أم تَمِيم امْرَأَته وَقَالَ استوصي بِهِ خيرا وَضرب عنق سَارِيَة بْن عَامر ثمَّ سَار بِالْمُسْلِمين حَتَّى نزل على كثيب مشرف على الْيَمَامَة وَضرب مُعَسْكَره هُنَاكَ وَخرج أهل الْيَمَامَة مَعَ مُسَيْلمَة وتصاف النَّاس وَكَانَ خَالِد جَالِسا على سَرِيره ومجاعة مكبل عِنْده وَالنَّاس على مَصَافهمْ إِذْ رأى بارقة فِي بني حنيفَة فَقَالَ خَالِد أَبْشِرُوا يَا معشر الْمُسلمين قد كفاكم اللَّه عَدوكُمْ وَاخْتلف الْقَوْم فكر مجاعَة إِلَيْهِ وَهُوَ مكبل فَقَالَ كلا وَالله إِنَّهَا الهندوانية خَشوا من تحطمها فأبرزوها للشمس لتلين لَهُم فَكَانَ كَمَا قَالَ فَلَمَّا التقى النَّاس كَانَ أول من خرج رجال بْن عنفوة فَقتل واقتتل الْمُسلمُونَ قتالاشديدا حَتَّى انهزم الْمُسلمُونَ وخلص أَصْحَاب مُسَيْلمَة إِلَى الرّحال ودخلوا فسطاط خَالِد بْن الْوَلِيد وَفِيه مجاعَة مكبلا عِنْد أم تَمِيم امْرَأَة خَالِد فَحمل عَلَيْهَا رجل بِالسَّيْفِ فَقَالَ مجاعَة أَنا لَهَا جَار فنعمت الْحرَّة عَلَيْكُم بِالرِّجَالِ فرحبلوا الْفسْطَاط بِالسَّيْفِ ثمَّ إِن الْمُسلمين تداعوا فَقَالَ ثَابت بْن قيس بن شماس
[ ٢ / ١٧٣ ]
بئْسَمَا عودتم أَنفسكُم يَا معشر الْمُسلمين اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا يصنع هَؤُلَاءِ الْمُسلمُونَ ثمَّ أَخذ سَيْفه حَتَّى جالد بِهِ حَتَّى قتل وَرَأى زيد بْن الْخطاب انكشاف الْمُسلمين عَن رحالهم فَتقدم فقاتل حَتَّى قتل وَقَامَ الْبَراء بْن مَالك أَخُو أنس بْن مَالك وَكَانَ الْبَراء فِيمَا يُقَال إِذا حضر الْبَأْس أَخذه انتفاض حَتَّى يقْعد عَلَيْهِ الرِّجَال ثمَّ يَبُول فِي سراويله فَإِذا بَال صَار مثل السَّبع فَلَمَّا رأى مَا صنع الْمُسلمُونَ من الانكشاف وَمَا رأى من أهل الْيَمَامَة أَخذه الَّذِي كَانَ يَأْخُذهُ حَتَّى قعد عَلَيْهِ الرِّجَال فَلَمَّا بَال وثب فَقَالَ أَيْن يَا معشر الْمُسلمين أَنا الْبَراء بْن مَالك هلموا إِلَيّ فَاجْتمع عِنْده جمَاعَة من الْمُسلمين فقاتل الْقَوْم قتالا شَدِيدا حَتَّى خلصوا إِلَى مُحكم الْيَمَامَة وَهُوَ مُحكم بْن الطُّفَيْل فَلَمَّا بلغه الْقِتَال قَالَ يَا معشر بني حنيفَة الْآن وَالله تستحقب الكرائم غير رضيات وينكحن غير حظيات فَمَا كَانَ عنْدكُمْ من حسب فأخرجوه ثمَّ تقدم فقاتل قتالا شَدِيدا فَرَمَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي بكر بِسَهْم فَوَضعه فِي نَحره فَقتله وزحف الْمُسلمُونَ حَتَّى ألجأوهم إِلَى الحديقة وفيهَا مُسَيْلمَة فَقَالَ الْبَراء بْن مَالك يَا معشر الْمُسلمين ارموني عَلَيْهِم فِي الحديقة فَقَالَ النَّاس لَا تفعل يَا برَاء فَقَالَ وَالله
[ ٢ / ١٧٤ ]
أفعل فَاحْتمل حَتَّى أشرف على الْجِدَار فاقتحم فَقَاتلهُمْ حَتَّى فتحهَا اللَّه للْمُسلمين وَدخل عَلَيْهِم الْمُسلمُونَ وَقتل مُسَيْلمَة اشْترك وَحشِي بْن حَرْب مولى جُبَير بْن مطعم وَرجل من الْأَنْصَار فِي قَتله فَرَمَاهُ وَحشِي بحربته وضربه الْأنْصَارِيّ بِسَيْفِهِ فَكَانَ وَحشِي يَقُول رَبك أعلم أَيّنَا قَتله قلت خير النَّاس وَشر النَّاس فَلَمَّا فرغ الْمُسلمُونَ من مُسَيْلمَة وأتى خَالِدا الْخَبَر فَخرج بمجاعة فِي الْحَدِيد يرسف مَعَه ليدله على مُسَيْلمَة وَكَانَ يكْشف الْقَتْلَى حَتَّى مر بمحكم بْن الطُّفَيْل وَكَانَ رجلا جسيما وسيما فَقَالَ خَالِد هَذَا صَاحبكُم فَقَالَ مجاعَة لَا هَذَا وَالله خير مِنْهُ وَأكْرم هَذَا مُحكم الْيَمَامَة ثمَّ دخلُوا الحديقة وَقَلْبًا الْقَتْلَى فَإِذا رويجل أصيفر أخينس فَقَالَ مجاعَة انه وَالله مَا جَاءَك إِلَّا سرعَان النَّاس فِي الْحُصُون قَالَ وَيلك مَا تَقول قَالَ وَالله إِن ذَلِك لحق فَهَلُمَّ أصالحك على قومِي فَصَالحه خَالِد بْن الْوَلِيد على الصَّفْرَاء والبيضاء وَالْحَلقَة وَنصف السَّبي ثمَّ قَالَ لمجاعة امْضِ إِلَى الْقَوْم فاعرض مَا صنعت فَانْطَلق إِلَيْهِم ثمَّ قَالَ للنِّسَاء البسن الْحَدِيد ثمَّ أشرفن على الْحُصُون ثمَّ انْتهى إِلَى خَالِد قَالَ إِنَّهُم لم يرْضوا على مصالحتك عَلَيْهِ وَلَكِن إِن شِئْت شَيْئا صنعت وَعرضت على الْقَوْم قَالَ مَا هُوَ قَالَ تَأْخُذ ربع السَّبي ربعا قَالَ خَالِد
[ ٢ / ١٧٥ ]
قد فعلت قَالَ قد صالحتك فَلَمَّا فرغا دخلُوا الْحصن فَإِذا لَيْسَ رجل وَاحِد رماهم إِلَّا النِّسَاء وَالصبيان فَقَالَ خَالِد لمجاعة خدعتني قَالَ قومِي ثمَّ بعث أَبُو بكر إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد بسلمة بْن سَلامَة بْن وقش يَأْمُرهُ أَن لَا يستبقي من بني حنيفَة رجلا قد أنبت فَأَتَاهُ سَلمَة وَقد فرغ خَالِد من الصُّلْح ثمَّ إِن خَالِدا قد بعث وَفْدًا من بني حنيفَة إِلَى أبي بكر فقدموا عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو بكر وَيحكم مَا هَذَا الرجل الَّذِي استنزل مِنْكُم مَا استنزل قالزا يَا خَليفَة رَسُول اللَّه قد كَانَ الَّذِي بلغك وكاتن امْرأ لم يُبَارك اللَّه لَهُ وَلَا لعشيرته فِيهِ قَالَ أَبُو بكر على ذَلِك مَا دعَاكُمْ إِلَيْهِ قَالُوا كَانَ يَقُول يَا ضفدع نقي نقي لَا الشَّرَاب تمنعين وَلَا المَاء تكدرين لنا نصف الأَرْض ولقريش نصف الأَرْض وَلَكِن قُريْشًا قوم يعتدون فَقَالَ أَبُو بكر سُبْحَانَ اللَّه سُبْحَانَ اللَّه فَلَمَّا فرغ خَالِد من الصُّلْح نزل وَاديا من أَوديَة الْيَمَامَة فَبَيْنَمَا هُوَ قَاعد
[ ٢ / ١٧٦ ]
إِذْ دخل عَلَيْهِ رجل من بني حنيفَة يُقَال لَهُ سَلمَة بْن عُمَيْر فَقَالَ لمجاعة اسْتَأْذن لي على الْأَمِير فَإِن لي إِلَيْهِ حَاجَة فَأتى عَلَيْهِ مجاعَة ثمَّ قَالَ مجاعَة إِنِّي وَالله لَا أعرف الشَّرّ فِي وَجهه ثمَّ نظر فَإِذا هُوَ مُشْتَمل على السَّيْف فَقَالَ مَا لَك لعنك اللَّه أردْت أَن تستأصل بني حنيفَة وَالله لَئِن قتلته مَا ترك فِي بني حنيفَة صَغِير وَلَا كَبِير إِلَّا قتل فَانْقَلَبَ الرجل وَمَعَهُ سَيْفه فَوَقع فِي حَائِط من حَوَائِط الْيَمَامَة وَحبس بِهِ الْمُسلمُونَ فَدَخَلُوا خلف الْحَائِط فَقتل وَكَانَ من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم الْيَمَامَة من قُرَيْش مِمَّن يحضرنا ذكرهم أَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وشجاع بْن وهب بْن ربيعَة وَمَالك بْن عَمْرو وَيزِيد بْن قيس وَصَفوَان بْن أُميَّة بْن عَمْرو وَأَخُوهُ مَالك بْن أُميَّة والطفيل بْن عَمْرو الدوسي وَجبير بْن مَالك وَأمه بُحَيْنَة وة يزِيد بن أَوْس وحيى بْن حَارِثَة والوليد بْن عَبْد شمس بْن الْمُغيرَة وَحَكِيم بْن حزَام بْن أبي وهب وَزيد بْن الْخطاب بْن نفَيْل وَعبد اللَّه بْن عَمْرو بْن بجرة وَعبد اللَّه بْن الْحَارِث بْن قيس وَأَبُو قيس بْن الْحَارِث وَعبد اللَّه بْن مخرمَة بْن عبد الْعُزَّى وَعبد الله
[ ٢ / ١٧٧ ]
بْن سهل بْن عَمْرو وسليط بْن سليط بْن عَمْرو وَعَمْرو بْن أَوْس بْن سعد بْن أبي سرح وَرَبِيعَة بْن أبي خَرشَة ومنقذ بْن عَمْرو بْن عَطِيَّة وَعبد اللَّه بْن الْحَارِث بْن رحضة وَاسْتشْهدَ من الْأَنْصَار يَوْم الْيَمَامَة ثَابت بْن قيس بْن شماس وَعباد بْن بضر بْن وقش وَرَافِع بْن سهل وَعبد اللَّه بْن عتِيك وحاجب بْن زيد وَسَهل بْن عدي وَمَالك بْن أَوْس ومعن موليان لَهُم وفروة بْن الْعَبَّاس وكليب بْن تَمِيم وعامر بْن ثَابت وَبشر بْن عَبْد اللَّه وَعبد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أبي بْن سلول وَعبد اللَّه بْن عتْبَان وثابت بْن هزال وَأسيد بْن يَرْبُوع وَأَوْس بْن ورقة وَسعد بْن حَارِثَة بْن لوذان وَسماك بْن خَرشَة أَبُو دُجَانَة وَسعد بْن حمَار وَعقبَة بْن عَامر بْن نابي وضمرة بْن عِيَاض وَعبد اللَّه بْن أنيس ومسعود بْن سِنَان وحبِيب بْن زيد وَأَبُو حَبَّة بْن غزيَّة بْن عَمْرو وَعمارَة بْن حزم بن زيد
[ ٢ / ١٧٨ ]
وَيزِيد بْن ثَابت بْن الضَّحَّاك بْن زيد رمى بِسَهْم فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وثابت بْن خَالِد بْن عَمْرو بْن خنساء وفروة بْن النُّعْمَان بْن الْحَارِث وعائذ بْن ماعص الزرقي وحبِيب بْن عَمْرو بْن مُحصن ثمَّ انْصَرف خَالِد بْن الْوَلِيد بِالْمُسْلِمين حَتَّى قدم الْمَدِينَة على أبي بكر وارتدت ربيعَة بِالْبَحْرَيْنِ فِيمَن ارْتَدَّ من العربإلا الْجَارُود بْن عَمْرو بْن خنش بْن مُعلى فَإِنَّهُ ثَبت على الْإِسْلَام فِيمَن تبعه من قومه وَقَالَت ربيعَة بَعْضهَا لبَعض نرد الْملك إِلَى الْمُنْذر بْن سَاوَى وَكَانَ الْمُنْذر ملكهم فِي حَيَاة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ فَأسلم الْمُنْذر وَأقَام الْعَلَاء بهَا إِلَى أَن قبض رَسُول اللَّهِ ﷺ فَملك ربيعَة الْمُنْذر بْن النُّعْمَان بْن الْمُنْذر بْن سَاوَى وَجمع جمعهم على الارتداد فَلَمَّا بلغ أَبَا بكر خبرهم بعث إِلَيْهِم الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ وَأمره بثمامة بْن أَثَال الْحَنَفِيّ وَكَانَ قد أسلم ثُمَامَة وَأسلم بَنو سحيم مَعَه فَلَمَّا مر الْعَلَاء بثمامة بْن أَثَال مَعَه من اتبعهُ من قومه من بني سحيم وسارت ربيعَة إِلَيْهِم فحاصروهم بجواثا
[ ٢ / ١٧٩ ]
حصن بِالْبَحْرَيْنِ وَأصَاب الْمُسلمُونَ شَهدا شَدِيدا من الْجُوع حَتَّى كَادُوا أَن يهْلكُوا فَخرج عَبْد اللَّه بْن حذف لَيْلَة من اللَّيَالِي يتجسس أخبارهم وَيَجِيء الْمُسلمين بالْخبر فَأتى الْحصن واحتال فِي دُخُوله فَوَجَدَهُمْ سكارى فَرجع فَأخْبر الْمُسلمين أَن الْقَوْم سكارى لَا عناء بهم فبيتهم الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ فِيمَن مَعَه من الْمُسلمين وقاتلوهم قتالا شَدِيدا حَتَّى فتح اللَّه على الْمُسلمين حصنهمْ وَقسم الْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ الْغَنِيمَة بِالْبَحْرَيْنِ وَجمع بهَا صَلَاة الْجُمُعَة وَخرج الْأسود بْن كَعْب الْعَنسِي فِي كِنْدَة فَبَاعَ النَّاس وَالْمُهَاجِر بْن أبي أُميَّة أميرها وَسمعت كِنْدَة بذلك واتفقت أَيْضا مَعَ من اتبع الْأسود على نَصره وَكَانَ على حَضرمَوْت زِيَاد بْن لبيد البياضي فَلَمَّا رأى ذَلِك مِنْهُم بَيتهمْ بِاللَّيْلِ وَقتل مِنْهُم أَرْبَعَة من الْمُلُوك فِي محاجرهم جمدا ومحوصا ومشرحا وأبضعة ثمَّ كتب المُهَاجر بْن أبي أُميَّة إِلَى أبي بكر يُخبرهُ بانتقاض النَّاس ويستم مِنْهُ فَبعث أَبُو بكر عِكْرِمَة بْن أبي جهل فِي حُبَيْش مَعَه إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَت قِطْعَة من كِنْدَة ثبتَتْ على الْإِسْلَام مَعَ زِيَاد بْن لبيد وَقطعَة مَعَ المُهَاجر بْن أبي أُميَّة وَزِيَاد
[ ٢ / ١٨٠ ]
ابْن أبي لبيد بِالْحَرْبِ فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِم الْحصار نزل إِلَيْهِم الْأَشْعَث بْن قيس وسألهم الْأمان على دَمه وَأَهله وَمَاله وَحَتَّى يقدموه على أبي بكر فَيرى فِيهِ رَأْيه وَأَن يفتح النُّجَيْر فَفَعَلُوا ذَلِك وَفتح النُّجَيْر واستنزلوا من فِيهِ من الْمُلُوك وَضربت أَعْنَاقهم واستوثقوا من الْأَشْعَث بْن قيس وبعثوا بِهِ إِلَى أبي بكر مَعَ السَّبي وَقتل الْأسود بْن كَعْب الْعَنسِي فِي بَيته فَلَمَّا قدم الْأَشْعَث على أبي بكر قَالَ أَبُو بكر فَمَا تَأْمُرنِي أَن أصنع فِيك فَإنَّك فعلت مَا علمت قَالَ الْأَشْعَث تمن على وتفكني من الْحَدِيد وَتَزَوَّجنِي أختك فَإِنِّي قد راجعت وَأسْلمت قَالَ أَبُو بكر قد فعلت فَزَوجهُ أُخْته فَرْوَة بنت أبي قُحَافَة ثمَّ قدم أهل الْبَحْرين على أبي بكر يفتدون سباياهم أَرْبَعمِائَة فَخَطب أَبُو بكر النَّاس فَقَالَ أَيهَا النَّاس ردوا على النَّاس سباياهم لَا يحل لامرىء يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يغيب عَنهُ مِنْهُم أحد ثمَّ جَاءَ جَابر بْن عَبْد اللَّه أَبَا بكر فَقَالَ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ إِن جَاءَنَا مَال من الْبَحْرين أعطيناك هَكَذَا وَهَكَذَا فحرز لَهُ أَبُو بكر هَكَذَا خَمْسمِائَة دِرْهَم فَأعْطَاهُ من مَال الْبَحْرين ألفا وَخَمْسمِائة دِرْهَم ثمَّ اعْتَمر أَبُو بكر فِي رَجَب وَخرج هُوَ وَعبد الرَّحْمَن بْن صَبِيحَة على راحلتين واستخلف على
[ ٢ / ١٨١ ]
الْمَدِينَة عمر بْن الْخطاب وقدما مَكَّة ضحوة وَخرج مِنْهَا قبل اللَّيْل وَمَات أَبُو مرْثَد الغنوي حَلِيف حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب وَتزَوج عمر بْن الْخطاب عَاتِكَة بنت زيد بْن عَمْرو بْن نفَيْل ثمَّ خرج أَبُو بكر سنة اثْنَتَيْ عشرَة واستخلف على الْمَدِينَة عُثْمَان بْن عَفَّان وَخرج لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْقعدَة وَأحرم من ذِي الحليفة وَقدم مَكَّة لسبع خلون من ذِي الْحجَّة وَكَانَ قد سَاق مَعَه عشر بدنات فخطبهم قبل التَّرويَة بِيَوْم فِي مَسْجِد الْحَرَام وَأمرهمْ بتقوى اللَّه ونهاهم عَن مَعْصِيَته وَعظم عَلَيْهِم حرمه الْإِسْلَام وَأمرهمْ بِالْقَصْدِ فِي مَسِيرهمْ والترفق وتلا عَلَيْهِم آيَات من الْقُرْآن ثمَّ قَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُصَلِّي الظّهْر بمنى غَدا فَلْيفْعَل ثمَّ حج لَهُم وَنحر الْبدن وَرمى الْجمار مَاشِيا ذَاهِبًا وجائيًا وَمَات أَبُو الْعَاصِ بْن الرّبيع فِي ذِي الْحجَّة وَكَانَ يُسمى جرو الْبَطْحَاء وَأوصى إِلَى الزبير بْن الْعَوام فزوج الزبير ابْنَته عَليّ بْن أبي طَالب ثمَّ قفل أَبُو بكر من الْحَج إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا قدمهَا كتب إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد يُرِيد الْعرَاق وَقد قيل إِنَّه قد قدم الْمَدِينَة ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق فَلَمَّا بلغ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى قريات من السوَاد يُقَال لَهُنَّ بانقياء باروسما وأليبس صَالح أَهلهَا وَكَانَ الَّذِي صَالحه عَلَيْهَا بن صلوبا
[ ٢ / ١٨٢ ]
فَقبل مِنْهُم الْجِزْيَة وَكتب لَهُ كتابا بِسم الله الرَّحْمَن الرخحيم هَذَا كتاب من خَالِد بْن الْوَلِيد لِابْنِ صلوبا السوادي ومنزله بشاطىء الْفُرَات أَنَّك آمن بِأَمَان اللَّه مِمَّن حقن دَمه بِإِعْطَاء الْجِزْيَة وَقد أَعْطَيْت عَن نَفسك وَمن كَانَ فِي قريتك ألف دِرْهَم فقبلناها وَرَضي من معي من الْمُسلمين بهَا عَنْك فلك ذمَّة اللَّه وَذمَّة مُحَمَّد ﷺ وذمم الْمُسلمين على ذَلِك وَشهد هِشَام بْن الْوَلِيد ثمَّ أقبل خَالِد حَتَّى نزل الْحيرَة وَكَانَ عَلَيْهَا قبيصَة بْن إِيَاس بْن حَيَّة الطَّائِي أَمِير الكسرى فَخرج إِلَيْهِ بأشرافهم فَقَالَ لَهُم خَالِد أدعوكم إِلَى اللَّه وَإِلَى الْإِسْلَام فَإِن أجبتم إِلَيْهِ فَأنْتم من الْمُسلمين لكم مَا لَهُم وَعَلَيْكُم مَا عَلَيْهِم وَإِن أَبَيْتُم فالجزية فَإِن أَبَيْتُم الْجِزْيَة فقد أتيتكم بِأَقْوَام أحرص على الْمَوْت مِنْكُم على الْحَيَاة جاهدناكم حَتَّى يحكم اللَّه بَيْننَا وَبَيْنكُم فَقَالَ لَهُ قبيصَة بْن إِيَاس مَا لنا بحربك من حَاجَة بل نُقِيم على ديننَا ونعطيك الْجِزْيَة فَصَالحهُمْ على تسعين ألف دِرْهَم كل سنة فَكَانَت أول جِزْيَة وَقعت بالعراق هَذِه وَالَّتِي صَالح عَلَيْهَا بن صلوبا وَبعث أَبُو بكر بعد قفوله من الْحَج الْجنُود إِلَى الشَّام فَبعث عَمْرو
[ ٢ / ١٨٣ ]
بْن الْعَاصِ إِلَى فلسطين فَأخذ طَرِيق المعرقة على أَيْلَة وَبعث يزِيد بن أَبى سُفْيَان وَعبيدَة بْن الْجراح وشرحبيل بْن حَسَنَة إِلَى الشَّام وَأمرهمْ أَن يسلكوا التبوكية على البلقاء من علياء الشَّام وَبعث خَالِد بْن سعيد بْن الْعَاصِ على ربع من الأرباع فَلم يزل عمر بْن الْخطاب بِأبي بكر حَتَّى عَزله وَأمر مَكَانَهُ بن أبي سُفْيَان وَخرج أَبُو بكر مَعَ يزِيد بْن أبي سُفْيَان يوصيه وَيزِيد رَاكب قَالَ أيه الْأَمِير إِمَّا أَن تركب وَإِمَّا أَن أنزل فَقَالَ مَا أَنْت بنازل وَلَا أَنا بِرَاكِب أليست خطاي هَذِه فِي سَبِيل اللَّه ثمَّ قَالَ يَا يزِيد إِنَّكُم ستقدمون بلادًا فَإِذا أكلْتُم الطَّعَام فسموا اللَّه على أَولهَا واحمدوه على آخرهَا وستجدون قوما حبسوا أنفسهم فِي الصوامع فدعوهم وَمَا حبسوا أنفسهم وستجدون أَقْوَامًا قد اتخذ الشَّيْطَان على رؤوسهم مقاعد يَعْنِي الشمامسة فاضربوا تِلْكَ الْأَعْنَاق وَلَا تقتلن كَبِيرا هرمًا وَلَا امْرَأَة وَلَا وليدًا وَلَا تعقرن بَهِيمَة إِلَّا لنفع وَلَا تخربن عمرانًا وَلَا تقطعن بحرًا إِلَّا لنفع وَلَا تغل
[ ٢ / ١٨٤ ]
وَلَا تغدر وَلَا تخن وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لقوى عَزِيز أقرئك السَّلَام وأستودعك اللَّه ثمَّ انْصَرف أَبُو بكر وَمضى يزِيد بن أَبى سُفْيَان وَتَبعهُ شُرَحْبِيل بن حَسَنَة وَأَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح فَردا فَردا وَنزل عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي قصره بغمر العربات وَنزل الرّوم بثنية جلق بِأَعْلَى فلسطين فِي سبعين ألفا عَلَيْهِم تذارق أَخُو هِرقل لِأَبِيهِ وَأمه فَكتب عَمْرو بْن الْعَاصِ إِلَى أبي بكر يذكر لَهُ أَمر الرّوم ويستمده فَكتب أَبُو بكر إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد وَهُوَ يَأْمُرهُ أَن يمد أهل الشَّام فِيمَن مَعَه من أهل الْقُوَّة ويستخلف على ضعفة النَّاس رجلا مِنْهُم فَلَمَّا أَتَاهُ كتاب أبي بكر قَالَ خَالِد هَذَا عمل الأعيسر بن أم شملة يَعْنِي عمر بْن الْخطاب حسدني أَن يكون فتح الْعرَاق على يَدي فَسَار خَالِد بِأَهْل الْقُوَّة من النَّاس ورد الضُّعَفَاء وَالنِّسَاء إِلَى الْمَدِينَة وَأمر عَلَيْهِم عُمَيْر بْن سعد الْأنْصَارِيّ واستخلف على من أسلم بالعراق من ربيعَة
[ ٢ / ١٨٥ ]
وَغَيرهم المثني بْن حَارِثَة الشَّيْبَانِيّ فَلَمَّا بلغ خَالِد بِمن مَعَه عين التَّمْر أغار على أَهلهَا فَأصَاب مِنْهُم ورابط حصنًا بهَا فِيهِ مقاتله لكسرى حَتَّى اسْتَنْزَلَهُمْ وَضرب أَعْنَاقهم وسبى مِنْهُم سَبَايَا كَثِيرَة وَكَانَ من تِلْكَ السبايا أَبُو عمْرَة وَالِد عَبْد الْأَعْلَى بْن أبي عمْرَة ويسار جد مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وحمران بْن أبان مولى عُثْمَان وَأَبُو عبيد مولى الْمُعَلَّى وَخير مولى أبي دَاوُد الْأنْصَارِيّ وَأَبُو عَبْد اللَّه مولى زهرَة فَأَرَادَ خَالِد الْمسير وَالْتمس دَلِيلا فَدلَّ على رَافع بن عميرَة الطَّائِي فَقَالَ لَهُ خَالِد انْطلق بِالنَّاسِ فَقَالَ لَهُ رَافع إِنَّك لَا تطِيق ذَلِك بالجنود والأثقال وَالله إِن الرَّاكِب المفرذ ليخافها على نَفسه وَمَا يسلكها إِلَّا مغررًا إِنَّهَا لخمس لَيَال جِيَاد وَلَا يصاب فِيهَا مَاء مَعَ مضلتها قَالَ لَهُ خَالِد وَيحك أَلا بُد لي مِنْهَا إِنَّه قد أَتَانِي من الْأَمِير عزمه بذلك فَمر بِأَمْرك فَقَالَ رَافع استكثروا من المَاء من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يصر أذن نَاقَته على مَاء فَلْيفْعَل فَإِنَّهَا المهالك إِلَّا مَا دفع اللَّه فتأهب الْمُسلمُونَ وَسَار خَالِد بِمن مَعَه فَلَمَّا بلغُوا آخر يَوْم
[ ٢ / ١٨٦ ]
من الْمَفَازَة قَالَ خَالِد لرافع بْن عميرَة وَيحك يَا رَافع مَا عنْدك قَالَ أدْركْت الرّيّ إِن شَاءَ اللَّه فَلَمَّا دنا من العلمين قَالَ رَافع للنَّاس انْظُرُوا هَل ترَوْنَ شجيرة من عوسج كعقدة الرجل فَلم يرَوا شَيْئا فَقَالَ أَنا لله وَأَنا إِلَيْهِ رَاجِعُون هلكتم وَالله إِذا وَهَلَكت انْظُرُوا فاطلبوها فطلبوا فوجدوها قد قطعت وَبَقِي مِنْهَا بَقِيَّة فَلَمَّا رَآهَا الْمُسلمُونَ كبروا وَكبر رَافع بْن عميرَة ثمَّ قَالَ احفروا فِي أَصْلهَا فَحَفَرُوا فَاسْتَخْرَجُوا عينا فَشَرِبُوا حَتَّى رُوِيَ النَّاس ثمَّ اتَّصل بعد ذَلِك لخَالِد الْمنَازل فَقَالَ رَافع فوَاللَّه مَا وَردت هَذَا المَاء قطّ إِلَّا مرّة وَاحِدَة وردتها مَعَ أَبى وَأَنا غُلَام فَلَمَّا بلغ لخَالِد والمسلمون إِلَى سوى أغار على أَهله وهم بهراء قبيل الصُّبْح وَإِذا جمَاعَة مِنْهُم يشربون الْخمر فِي جَفْنَة لَهُم قد اجْتَمعُوا عَلَيْهَا ومغنيهم يَقُول أَلا عللاني قبل جَيش أبي بكر لَعَلَّ منايانا قريب وَلَا نَدْرِي فَقَتلهُمْ خَالِد بْن الْوَلِيد وَقتل مغنيهم وسال دَمه فِي تِلْكَ الْجَفْنَة ثمَّ سَار خَالِد حَتَّى أغار على غَسَّان بمرج راهط حَتَّى نزل على قناة بصرى وَعَلَيْهَا
[ ٢ / ١٨٧ ]
أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح وشرحبيل بن حَسَنَة وَيزِيد بْن أبي سُفْيَان وَخرج خَالِد بْن سعيد بْن الْعَاصِ بمرج الصفر فِي يَوْم مطير يستمطر فِيهِ فتعاوى عَلَيْهِ أعلاج الرّوم فَقَتَلُوهُ وَاجْتمعَ خَالِد بن الْوَلِيد وشرحبيل بن حَسَنَة وَيزِيد بْن أبي سُفْيَان مَعَهم حَتَّى صالحته بصرى على الْجِزْيَة وَفتحهَا اللَّه للْمُسلمين فَكَانَت تِلْكَ أول مَدِينَة فتحت بِالشَّام ثمَّ سَارُوا جَمِيعًا إِلَى فلسطين مدَدا لعَمْرو بن الْعَاصِ وَعَمْرو مُقيم بالعربات من غور فلسطين وَسمع الرّوم باجتماع الْمُسلمين لعَمْرو بْن الْعَاصِ فانكشفوا عَن جلق إِلَى أجنادين وأجنادين بلد بَين الرملة وَبَيت جبرين من أَرض فلسطين وَسَار الْمُسلمُونَ إِلَى أجنادين وَكَانَ الْأُمَرَاء أَرْبَعَة وَالنَّاس أَربَاعًا إِلَّا عَمْرو بْن الْعَاصِ كَانَ يزْعم أَنه جَمِيعهم فَلَمَّا اجْتمعت العساكر وتدانت بعث صَاحب الرّوم رجلا عَرَبيا ليَأْتِي بِخَبَر الْمُسلمين فَخرج الرجل وَدخل مَعَ الْمُسلمين
[ ٢ / ١٨٨ ]
وَأقَام فيهم يَوْمًا وَلَيْلَة لَا يُنكر ثمَّ أَتَى الرّوم فَقَالُوا لَهُ مَا وَرَاءَك فَقَالَ أما بِاللَّيْلِ فرهبان وَأما بِالنَّهَارِ ففرسان وَلَو سرق بن ملكهم قطعُوا يَده وَلَو زني رَجَمُوهُ لإِقَامَة الْحق فيهم ثمَّ تزاحف النَّاس فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا فَقَالَ صَاحبهمْ لَهُم لفوا رَأْسِي فِي ثوب قَالُوا لَهُ وَلم قَالَ يَوْم موقف البئيس لَا أحب أَن أرَاهُ مَا رَأَيْت فِي الدُّنْيَا أَشد مِنْهُ وَكَانَت الْهَزِيمَة على الرّوم فَلَقَد قتل صَاحبهمْ وَإنَّهُ لملفف فِي ثَوْبه وَكَانَ لليلتين بَقِيَتَا من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث عشرَة فَقتل بأجنادين من الْمُسلمين نعيم بْن عَبْد اللَّه النحام وَهِشَام بْن العَاصِي بْن وَائِل وَعَمْرو بْن عِكْرِمَة والطفيل بْن عَمْرو الدوسي وَعبد اللَّه بْن عَمْرو حَلِيف لَهُم وجندب بن عَمْرو بن حممسة الدوسي وَضِرَار بن
[ ٢ / ١٨٩ ]
الْأَزْوَر وطليب بْن عَمْرو بْن وهب ومسلمة بْن هِشَام بْن الْمُغيرَة وجار بْن سُفْيَان بْن الْأسود والْحَارث بْن الْحَارِث وَالْحجاج بْن الْحَارِث وَقيس بن صَخْر ونعيم بْن عَامر اسْتِخْلَاف عمر بْن الْخطاب ﵁ وَهُوَ عمر بْن الْخطاب بْن نفَيْل بْن عَبْد الْعُزَّى بْن رَبَاح بْن عَبْد اللَّه بْن قرط بْن رزاح بْن عدي بْن كَعْب بْن لؤَي بْن غَالب بْن فهر بْن مَالك بْن النَّضر بْن كنَانَة بْن خُزَيْمَة بْن مدركة بْن إلْيَاس بْن مُضر بْن نزار بْن معد بْن عدنان أَبُو حَفْص الْعَدوي وَأم عمر حنتمة بنت هِشَام بْن الْمُغيرَة بْن عَبْد اللَّه بْن عمر بْن مَخْزُوم أُخْت أبي جهل بْن هِشَام حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الدَّقَّاقُ بِالْمِصِّيصَةِ ثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ثَنَا هَارُونُ بْنُ زِيَادٍ الْحِنَّائِيُّ ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بعدِي أَبى بكر وَعمر
[ ٢ / ١٩٠ ]
قَالَ أَبُو حَاتِم فَلَمَّا حانت منية أبي بكر رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ اغْتسل قبلهَا يَوْم الْإِثْنَيْنِ لسبع خلون من جُمَادَى الْآخِرَة وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا فَحم خَمْسَة عشر يَوْمًا حَتَّى قطعته الْعلَّة عَن حُضُور الصَّلَاة وَكَانَ يَأْمر عمر بْن الْخطاب أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَكَانَ النَّاس يعودونه وَهُوَ فِي منزله الَّذِي أقطع لَهُ النَّبِيَّ ﷺ وسلو وجاه دَار عُثْمَان بْن عَفَّان الْيَوْم فَبينا هُوَ فِي لَيْلَة من اللَّيَالِي عِنْد نِسَائِهِ أَسمَاء بنت عُمَيْس وحبيبة بنت خَارِجَة بْن زيد بْن أبي زُهَيْر وَبنَاته أَسمَاء وَعَائِشَة وَابْنه عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي بكر إِذْ قَالَت عَائِشَة أَتُرِيدُ أَن تعهد إِلَى النَّاس عهدا قَالَ نعم قَالَت فَبين للنَّاس حَتَّى يعرفوا الْوَالِي بعْدك قَالَ نعم قَالَت عَائِشَة إِن أولى النَّاس بِهَذَا الْأَمر بعْدك عمر وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي بكر إِن قُريْشًا تحب ولَايَة عُثْمَان بْن عَفَّان وَتبْغض ولَايَة عمر لغلظه فَقَالَ أَبُو بكر نعم الوالى عمر وم هُوَ بِخَير لَهُ أَن يَلِي مر أمه مُحَمَّد أما إِنَّه لَا يقوى عَلَيْهِم غَيره إِن عمر رَآنِي لينًا فَاشْتَدَّ وَلَو كَانَ واليا للان لأهل اللين وَاشْتَدَّ على هَل الريب فَلَمَّا أصبح دَعَا نَفرا من الْمُهَاجِرين ولأنصار يستشيرهم فِي عمر مِنْهُم عُثْمَان بْن عَفَّان وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسعد بْن أبي وَقاص وَسَعِيد بْن زيد فَقَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف
[ ٢ / ١٩١ ]
يَا أَبَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن عمر فَقَالَ يَا خَليفَة رَسُول الله هُوَ واالله أفضل من رَأْيك فِيهِ من رجل وَلَكِن فِيهِ غلظة فَقَالَ لعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف ذَلِك لِأَنَّهُ رَآنِي لينًا فَاشْتَدَّ وَلَو آل إِلَيْهِ الْأَمر لترك كثيرا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْم إِنِّي إِذا غضِبت على الرجل أَرَانِي الرِّضَا عَنهُ وَإِذا لنت لَهُ أَرَانِي الشدَّة عَلَيْهِ لَا تذكر يَا أَبَا مُحَمَّد مِمَّا ذكرت لَك شَيْئا قَالَ نعم ثمَّ دَعَا عُثْمَان بْن عَفَّان فَقَالَ يَا أَبَا عَبْد اللَّه أَخْبرنِي عَن عمر فَقَالَ أَنْت أخبر بِهِ فَقَالَ أَبُو بكر فعلي ذَلِك قَالَ إِن علمي أَن سَرِيرَته خير من عى لانيته وَأَن لَيْسَ فِينَا مثله قَالَ يَرْحَمك اللَّه يَا أَبَا عَبْد اللَّه لَا تذكر مِمَّا ذكرت لَك شَيْئا قَالَ أفعل فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر لَو تركته مَا عدوتك وَمَا أَدْرِي لعَلي تَاركه والخيرة لَهُ أَن لَا يَلِي أَمركُم ولوددت أَنى خلو من أَمركُم وَأَنِّي كنت فِيمَن مضى من سلفكم ثمَّ قَالَ لعُثْمَان اكْتُبْ هَذَا مَا عهد عَلَيْهِ أَبُو بكر بْن أبي قُحَافَة إِلَى الْمُسلمين أما بعد ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ فَذهب عَنهُ فَكتب عُثْمَان أما بعد فقد اسْتخْلفت عَلَيْكُم عمر بْن الْخطاب وَلم ألكم خيرا ثمَّ أَفَاق أَبُو بكر فَقَالَ اقْرَأ على فَقَرَأَ عَلَيْهِ ذكر عمر فَكبر أَبُو بكر فَقَالَ جَزَاك اللَّه عَن الْإِسْلَام خيرا ثمَّ رفع أَبُو بكر يَدَيْهِ
[ ٢ / ١٩٢ ]
فَقَالَ اللَّهُمَّ وليته بِغَيْر أَمر نبيك وَلم أرد بذلك إِلَّا صَلَاحهمْ وَخفت عَلَيْهِم الْفِتْنَة فَعمِلت فيهم بِمَا أَنْت أعلم بِهِ وَقد حضر من أَمْرِي مَا قد حضر فاجتهدت لَهُم الرَّأْي فوليت عَلَيْهِم خَيرهمْ لَهُم وَأَقْوَاهُمْ عَلَيْهِم وأحرصهم على رشدهم وَلم أرد محاماة عمر فاجعله من خلفائك الرَّاشِدين يتبع هدى بنى الرَّحْمَة وَهدى الصَّالِحين بعده وَأصْلح لَهُ رَعيته وَكتب بِهَذَا الْعَهْد إِلَى الشَّام إِلَى الْمُسلمين إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن قد وليت عَلَيْكُم خَيركُمْ وَلم آل لنَفْسي وَلَا للْمُسلمين خيرا وَأوصى أَن تغسله أَسمَاء بنت عُمَيْس ثمَّ نَادَى عمر بْن الْخطاب فَقَالَ لَهُ إِنِّي مستخلفك على أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ يَا عمر إِن لله حَقًا فِي اللَّيْل لَا يقبله فِي النَّهَار وَحقا فِي النَّهَار لَا يقبله فِي اللَّيْل وَإِنَّهَا لَا تقبل نَافِلَة حَتَّى تُؤدِّي الْفَرِيضَة يَا عمر إِنَّمَا ثقلت مَوَازِين من ثقلت مَوَازِينه يَوْم الْقِيَامَة باتبَاعهمْ الْحق وَثقله عَلَيْهِم وَحقّ لِمِيزَانٍ لَا يوضع فِيهِ غير الْحق أَن يكون ثقيلا يَا عمر
[ ٢ / ١٩٣ ]
إِنَّمَا خفت مَوَازِين من خفت مَوَازِينه يَوْم الْقِيَامَة باتبَاعهمْ الْبَاطِل وَحقّ لِمِيزَانٍ لَا يوضع فِيهِ غير الْبَاطِل أَن يكون خَفِيفا يَا عمر إِنَّمَا نزلت آيَة الرخَاء مَعَ آيَة الشدَّة وَآيَة الشدَّة مَعَ آيَة الرخَاء ليَكُون الْمُؤمن رَاغِبًا رَاهِبًا فَلَا ترغب رَغْبَة فتتمنى على اللَّه فِيهَا مَا لَيْسَ لَك وَلَا ترهب رهبة تلقى فِيهَا يَديك يَا عمر إِنَّمَا ذكر اللَّه أهل النَّار بِأَسْوَأ أَعْمَالهم ردا عَلَيْهِم مَا كَانَ من خير فَإِذا ذكرتهم قلت لأرجو أَن لَا أكون مِنْهُم وَإِنَّمَا ذكر أهل الْجنَّة بِأَحْسَن أَعْمَالهم لِأَنَّهُ تجَاوز لَهُم عَمَّا كَانَ من سيء فَإِذا ذكرتهم قلت أَي عمل من أَعْمَالهم أعمل فَإِن حفظت وصيتي فَلَا يكونن غَائِب أحب إِلَيْك من الْحَاضِر من الْمَوْت وَلست بمعجزة وَتُوفِّي أَبُو بكر ﵁ لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ لسبع عشرَة خلت من جُمَادَى الْآخِرَة وَله يَوْم مَاتَ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سنة وكتانت خِلَافَته سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَكَانَ مَرضه خمس عشرَة
[ ٢ / ١٩٤ ]
لَيْلَة وغسلته أَسمَاء بنت عُمَيْس وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب وَنزل فِي قَبره عمر بْن الْخطاب وَعُثْمَان بْن عَفَّان وَطَلْحَة بْن عبيد اللَّه وَعبد الرَّحْمَن بْن أبي بكر وَدفن لَيْلًا بِجنب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَرَادَ بن عمر أَن ينزل قبر أبي بكر مَعَ أَبِيه فَقَالَ لَهُ عمر قد كفيت وَكَانَ أَبُو قُحَافَة بِمَكَّة فَسمع الهائعة فَقَالَ مَا هَذَا فَقيل مَاتَ ابْنك فَقَالَ رزء جليل فالى من عهد قَالُوا لعمر قَالَ صَاحبه وَورثه أَبُو قُحَافَة السُّدس وَكَانَ من عُمَّال أبي بكر يَوْم توفى عتاب بن أسيد على مَكَّة وَعُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ على الطَّائِف والْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ على الْبَحْرين ويعلى بْن أُميَّة على خولان ومهاجر بْن أبي أُميَّة على صنعاء وَزِيَاد بْن لبيد على حَضرمَوْت وَعَمْرو بْن الْعَاصِ على فلسطين وعَلى الشَّام أَرْبَعَة نفر من الأجناد خَالِد بْن الْوَلِيد وَأَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح وشرحبيل بن حَسَنَة وَيزِيد بْن أبي سُفْيَان وَمَات أَبُو كَبْشَة مولى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْيَوْم الَّذِي دفن فِيهِ أَبُو بكر
[ ٢ / ١٩٥ ]
ثمَّ قَامَ عمر بْن الْخطاب فِي النَّاس خَطِيبًا وَهِي أول خطْبَة خطبهَا بعد مَا اسْتخْلف فَحَمدَ اللَّه وأثني عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي لَا أعلمكُم من نَفسِي شَيْئا تجهلونه أَنا عمر بْن الْخطاب وَقد علمْتُم من هيئتي وشأني وَإِن بلَاء اللَّه عِنْدِي فِي الْأُمُور كلهَا حسن وَقد فارقني رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عني رَاض بِحَمْد اللَّه لم يجد عَليّ فِي شَيْء من خلقي وَأَنا أسعد النَّاس بذلك إِن شَاءَ اللَّه وَقمت لخليفته من بعده بِحَق الطَّاعَة وأحسنت لَهُ المؤازرة وَلم أحرص على الْقيام عَلَيْكُم كَالَّذي حرص عَليّ وَلَكِن خليفتكم المتوفي أوصى إِلَى بالخلافة عَلَيْكُم برضي مِنْكُم وآلوه الهمة ذَلِكُم وَإِيَّاكُم وَلَوْلَا الَّذِي أَرْجُو أَن يأجرني اللَّه فِي قيامي عَلَيْكُم لم أقِم عَلَيْكُم ولنحيته عَن نَفسِي ووليته غَيْرِي وَقد كنت أرى فِيكُم أمورًا على عهد نَبِيكُم ﷺ كدت أكرهها ويسوءني مِنْكُم فقد رَأَيْتُمْ تشددي فِيهَا وَالْأَمر الَّذِي أَمر بِهِ من فَوقِي أُرِيد طَاعَة اللَّه وَإِقَامَة الدَّين فأطعتكم قد علمْتُم أَو من علم ذَلِك مِنْكُم أَنِّي قد كنت أفعل ذَلِك وَلَيْسَ لي عَلَيْكُم من سلطاتن وأكن أهن فِي شَيْء مِنْهُ وَقد ولاني اللَّه الْيَوْم أَمركُم وَلَقَد علمت أَنِّي أَنْفَع بحضرتكم لكم فانى أسأَل الله رَبِّي أَن يعيننى عَلَيْهِ
[ ٢ / ١٩٦ ]
وَأَن يحرسنى عِنْد مَا بَقِي كَمَا حرسني عِنْد غَيره وَأَن يلقننى الْعقل فِي قسمكم كَالَّذي أَمر بِهِ ثمَّ إِنِّي مُسلم وَعبد من عبيده ضَعِيف إِلَّا مَا أعَان اللَّه وَلنْ يُغير الَّذِي وليت من خلافتكم من خلقي شَيْئا إِن شَاءَ اللَّه وَإِنَّمَا العظمة لله لَيْسَ للعباد مِنْهَا شَيْء فَلَا يَقُولَن أحد مِنْكُم إِن عمر بْن الْخطاب تغير لما ولى أَمر الْمُسلمين فَمن ظلمته مظْلمَة فَإِنِّي أعْطِيه الْحق من نَفسِي وأتقدم عَلَيْكُم وَأبين لكم أَمْرِي أَيّمَا رجل كَانَت لَهُ حَاجَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَو ظلم بمظلمة أَو عتب علنيا فِي حق فليؤذنى فانما أَنا امْرُؤ مِنْكُم وَلم يحملني سلطاني الَّذِي أَنا عَلَيْهِ أَن أتعظم عَلَيْكُم وأغلق بَابي دونكم وأترك مظالمكم بَيْنكُم وَإِذا منع اللَّه أهل الْفَاقَة مِنْكُم الْيَوْم شَيْئا بعد الْيَوْم فانما هُوَ فيئ اللَّه الَّذِي أفاءه عَلَيْكُم لست وَإِن كنت أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلنْ أخْفى إبْقَاء إمن كَانَ بيني وَبَين أحد مِنْكُم خُصُومَة أقاضيه إِلَى أحدكُم ثمَّ أقنع بِالَّذِي يقْضِي بَيْننَا فأعلموا ذَاك وَإِنَّكُمْ قوم مُسلمُونَ على شَرِيعَة الْإِسْلَام ثمَّ عَلَيْكُم بتقوي اللَّه فِي سركم وعلانيتكم وحرماتكم الَّتِي حرم اللَّه عَلَيْكُم من دمائكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ وأعطوا الْحق من أَنفسكُم وَلَا يحملن بَعْضكُم بَعْضًا إِلَى أَن يُوقع إِلَى السُّلْطَان شَأْنه فليستعذ بِي فَإِنَّهُ لَيْسَ بيني وَبَين أحد من النَّاس هوادة من
[ ٢ / ١٩٧ ]
منع من نَفسه حَقًا وَاجِبا عَلَيْهِ أَو اسْتحلَّ من دِمَاء الْمُسلمين واعراضهم وأبشارهم فَأَنا أقتص مِنْهُ وَإِن كَانَ يُدْلِي إِلَى بِقرَابَة قريبَة ثمَّ إِنَّكُم معشر الْعَرَب فِي كثير مِنْكُم جفَاء فِي الدَّين وخرق فِي الْأُمُور إِلَّا من عصمه اللَّه برحمة وَإِنِّي قد جعلت بسبيل أَمَانَة عَظِيمَة انا مسؤل عَنْهَا وَإِنَّكُمْ أَيهَا النَّاس لن تغنوا عني من اللَّه شَيْئا وَإِنِّي حثيث على صلاحكم عَزِيز على مَا عنتم حَرِيص على معافاتكم وَإِقَامَة أُمُوركُم وَإِنَّكُمْ إِنَاء من حصل فِي سَبِيل اللَّه عامتكم أهل بلد لَا زرع فِيهَا وَلَا ضرع إِلَّا مَا جَاءَ اللَّه بِهِ إِلَيْهِ وَإِن اللَّه قد وَعدكُم كَرَامَة كَبِيرَة وَدُنْيا بسيطة لكم وإننى مسؤل عَن أمانتى مَا أَنا فِيهِ وَلَا أَسْتَطِيع مَا بعد مِنْهَا إِلَّا بالأمناء وَأهل النصح مِنْكُم للشَّاهِد وَالْغَائِب وَلست أجعَل أمانتى إِلَى أحد لَيْسَ لَهَا بِأَهْل وَلنْ أوليه ذَلِك وَلَا أجعله إِلَّا من تكون رغبته فِي أَدَاء الْأَمَانَة والتوقير للْمُسلمين أُولَئِكَ أَحَق بهَا مِمَّن سواهُم اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَلما ورد كتاب أبي بكر الشَّام على أُمَرَاء الأجناد باستخلاف عمر بَايعُوهُ وأطاعوه ثمَّ سَارُوا إِلَى فَحل من أَرض الردن وَقد اجْتمع
[ ٢ / ١٩٨ ]
بهَا الرّوم والمسلمون عَلَيْهِم الْأُمَرَاء الْأَرْبَعَة وخالدبن الْوَلِيد على مُقَدّمَة النَّاس فَلَمَّا نزلت الرّوم بيسان بثقوا أنهارها وَهِي أَرض سبخَة فَكَانَت وحلة فغشيها الْمُسلمُونَ وَلم يعلمُوا بِمَا فعلت الرّوم فزلقت فِيهَا خيولهم ثمَّ سلمهم اللَّه والتقوا هم وَالروم بفحل فَاقْتَتلُوا فهربت الرّوم وَدخل الْمُسلمُونَ فحلا وانكشفت الرّوم إِلَى دمشق وغنم الْمُسلمُونَ غَنَائِم كَثِيرَة وَكتب خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى عمر أَن النَّاس قد اجترؤا على الشَّرَاب فَاسْتَشَارَ عمر أَصْحَابه عليا وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وسعدا فال عَليّ إِذا شرب سكر وَإِذا سكر افترى وَإِذا افترى فَعَلَيهِ ثَمَانُون فَأثْبت عمر الْحَد ثَمَانِينَ ثمَّ كَانَت وقْعَة الجسر وَذَلِكَ أَن المثني بْن حَارِثَة الشَّيْبَانِيّ قدم على عمر بْن الْخطاب من الْعرَاق وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّا بِأَرْض فَارس قد نلنا مِنْهُم واجترأنا عَلَيْهِم وَمَعِي من قومِي جمَاعَة فَابْعَثْ معي نَاسا من الْمُجَاهدين وَالْأَنْصَار يجاهدون فِي سَبِيل اللَّه فَقَامَ عمر بْن الْخطاب
[ ٢ / ١٩٩ ]
فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ دَعَا النَّاس إِلَى الْجِهَاد ورغبهم فِيهِ وَقَالَ إِنَّكُم أَيهَا النَّاس قد أَصْبَحْتُم فِي دَار غير مقَام بالحجاز وَقد وَعدكُم اللَّه على لِسَان نبيه كنوز كسْرَى وَقَيْصَر فسيروا إِلَى أَرض فَارس فَسكت النَّاس لما ذكرت فَارس فَقَامَ أَبُو عبيد بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا أول من انتدب من النَّاس حَتَّى اجْتَمعُوا وَأَجْمعُوا على الْمسير ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اجْتمع النَّاس أَمر عَلَيْهِم رجلا من الْمُهَاجِرين أَو من الْأَنْصَار فَقَالَ لَا أومر عَلَيْهِم إِلَّا أول من انتدب مِنْهُم فَأمر أَبَا عُبَيْدَة فَقَالَ إِنَّه لم يَمْنعنِي أَن اسْتعْمل عَلَيْهِم سليط بْن قيس إِلَّا أَنه رجل فِيهِ عجلة إِلَى الْقِتَال فَأَخَاف أَن يُوقع النَّاس موقعًا يهلككم فاستشره ثمَّ سَار أَبُو عبيد مَعَ المثني بْن حَارِثَة الشَّيْبَانِيّ والمسلمون مَعَهُمَا حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى بِلَاد قومه قَامَ مَعَه ربيعَة فَسَار بهم وَسَار أَبُو عبيد بِالنَّاسِ حَتَّى نزلُوا بِالْيمن وفيهَا مصلحَة الْأَعَاجِم فَاقْتَتلُوا بهَا قتالا شَدِيدا فانهزمت الْعَجم ثمَّ بعث أَبُو عُبَيْدَة بِمن مَعَه من الْمُسلمين فَالْتَقَيَا فَاقْتَتلُوا فَهزمَ الجالنوس وَأَصْحَابه وَدخل أَبُو عبيد باروسما حصنًا لَهُم وَنزل هُوَ وَأَصْحَابه فِيهِ
[ ٢ / ٢٠٠ ]
ثمَّ بعث الْأَعَاجِم ذَا الْحَاجِب وَكَانَ رَئِيس الْأَعَاجِم رستم فَلَمَّا بلغ أَبَا عبيد مَسِيرهمْ إِلَيْهِ انحاز بِالنَّاسِ حَتَّى عبر الْفُرَات فَنزل فِي المروحة وَأَقْبَلت الْأَعَاجِم حَتَّى نزلت خلف الْفُرَات ثمَّ إِن أَبَا عبيد حلف ليقطعن إِلَيْهِم الْفُرَات فَنَاشَدَهُ سليط بْن قيس وَقَالَ أنْشدك اللَّه فِي الْمُسلمين فِي تدخلهم هَذَا الْمدْخل فَإِن الْعَرَب تَفِر وتكر فَاجْعَلْ للنَّاس مجالا فَأبى أَبُو عبيد وَقَالَ جبنت وَالله يَا سليط قَالَ وَالله مَا جبنت وَلَكِن قد أَشرت عَلَيْك بِالرَّأْيِ فَاصْنَعْ بِمَا بدا لَك فَعمد أَبُو عبيد إِلَى الجسر الَّذِي عقد لَهُ بن صلوبا فَعبر عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ فَلَمَّا الْتَقَوْا شدّ عَلَيْهِم الْفِيل فَلَمَّا رأى أَبُو عبيد مَا يصنع الْفِيل قَالَ هَل لهَذِهِ الدَّابَّة من مقتل قَالُوا نعم إِذا قطع مشفرها مَاتَت فَشد على الْفِيل فَضرب مشفره فبرك عَلَيْهِ الْفِيل فَقتله وهرب الْمُسلمُونَ منهزمين فسبقهم عَبْد الله بن مرْثَد الْخَثْعَمِي إِلَى الجسر فَقَطعه فَقَالَ لَهُ النَّاس لم فعلت هَذَا قَالَ لتقاتلوا عَن أميركم وَلما قتل أَبُو عبيد أَخذ الرَّايَة الْمثنى بْن حَارِثَة فانحازوا وَرجعت الْفرس وَنزل المثتى بن حَارِثَة أَلَيْسَ وتفرق النَّاس وَلَحِقُوا بِالْمَدِينَةِ
[ ٢ / ٢٠١ ]
فَأول من قدم الْمَدِينَة بِخبْز النَّاس عَبْد اللَّه بْن حُصَيْن الخطمي فجزع الْمُسلمُونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار بالفرار وَكَانَ عمر يَقُول لَا تجزعوا أَنا فِئَتكُمْ إِنَّمَا انحرتم إِلَيّ وَكَانَ مِمَّن قتل بالجسر أَبُو عبيد بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ وَابْنَة جبر بْن أبي عبيد وأسعد بْن سَلامَة وَسَلَمَة بْن أسلم بْن حريش والْحَارث بْن عدي بْن مَالك والْحَارث بْن مَسْعُود بْن عَبدة وَمُسلم بْن أسلم وَخُزَيْمَة بْن أَوْس وأنيس بْن أَوْس بْن عتِيك بْن عَامر وَعمر بْن أبي الْيُسْر وَسَلَمَة بن قيس وَزيد بن سراقَة بْن كَعْب وَالْمُنْذر بْن قيس وضمرة بْن غزيَّة بْن عَمْرو وَسَهل بْن عتِيك وثعلبة بْن عَمْرو بْن مُحصن وَحج بِالنَّاسِ عمر بْن الْخطاب السّنة الرَّابِعَة عشرَة فَلَمَّا دخلت السّنة الرَّابِعَة عشرَة سَار الْمُسلمُونَ إِلَى دمشق وخَالِد بْن الْوَلِيد على مُقَدّمَة النَّاس وَقد اجْتمعت الرّوم إِلَى رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ باهان بِدِمَشْق فعزل عمر بْن الْخطاب خَالِد بْن الْوَلِيد وَأمر أَبَا عُبَيْدَة
[ ٢ / ٢٠٢ ]
بْن الْجراح على جَمِيع النَّاس فاستحى أَبُو عُبَيْدَة أَن يقري خَالِدا الْكتاب وَقَالَ أَصْبِر حَتَّى يفتح اللَّه دمشق فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا وَانْهَزَمَ الرّوم وتحصنوا فرابطها الْمُسلمُونَ حَتَّى فتحت صلحا وأعطوا الْجِزْيَة وَكَانَ قد أَخذ الْأَبْوَاب عنْوَة وَجرى الصُّلْح على يَدي خَالِد وَكتب الْكتاب وَلحق باهان بهرقل وَكَانَ ذَلِك فِي رَجَب وَمُدَّة حصاره دمشق سِتَّة أشهر فَلَمَّا فرغ الْمُسلمُونَ من دمشق أَقرَأ أَبُو عُبَيْدَة خَالِدا الْكتاب فَانْصَرف خَالِد إِلَى الْمَدِينَة وَقد قيل إِن الصُّلْح جرى على يَد أبي عُبَيْدَة ثمَّ خرج عمر على النَّاس فَقَالَ إِنِّي وجدت من عبيد اللَّه ابْني ريح شراب وَإِنِّي سَائل عَنهُ فَإِن كَانَ مُسكرا جلدته قَالَ السَّائِب بْن يزِيد فشهدته بعد ذَلِك يحده وَكَانَ الَّذِي حَده عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد ثمَّ ضرب أَبَا محجن الثقفى وَرَبِيعَة بْن أُميَّة بْن خلف المَخْزُومِي وحدهم فِي الْخمر ثمَّ أَمر عدمر من كَانَ بالبلدان الَّتِي افتتحت أَن يصلوا فِيهَا التَّرَاوِيح فِي شهر رَمَضَان وَصلى بِالنَّاسِ بِالْمَدِينَةِ كَذَلِك ثمَّ قدم جرير بْن عَبْد اللَّه البَجلِيّ من الْيمن على عمر فِي ركب من
[ ٢ / ٢٠٣ ]
بجيلة فَقَالَ لَهُم عمر إِنَّكُم قد علمْتُم مَا كَانَ من الْمُصِيبَة فِي إخْوَانكُمْ بالعراق فسيروا إِلَيْهِم وَأَنا أخرج لكم من كَانَ مِنْكُم فِي قبائل الْعَرَب قَالُوا نَفْعل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأخْرج إِلَيْهِم قيسا وَكِنْدَة وعرينة وَأمر عَلَيْهِم جرير بْن عَبْد اللَّه البَجلِيّ فَسَار بهم إِلَى الْكُوفَة فَلَمَّا بلغ قَرِيبا من الْمثنى بن حَارِثَة كتب لَهُ المثني أقبل إِلَيّ إِنَّمَا أَنْت لي مدد فَكتب إِلَيْهِ جرير إِنِّي لست فَاعِلا إِلَّا أَن يَأْمُرنِي بذلك أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت أَمِير وَأَنا أَمِير ثمَّ سَار جرير نَحْو الجسر فَلَقِيَهُ مهْرَان بْن باذان عِنْد النخيلة فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا وَشد الْمُنْذر بْن حسان على مهْرَان فطعنه فَوَقع عَن دَابَّته واقتحم عَلَيْهِ جرير بْن عَبْد اللَّه فاحتز رَأسه فاشتركا جَمِيعًا فِي سلبه ثن إِن عمر بْن الْخطاب أَمر سعد بْن أبي وَقاص على الْعرَاق وَمَعَهُ سِتَّة آلَاف رجل وَكتب إِلَى المثني بْن حَارِثَة وَجَرِير بْن عَبْد اللَّه أَن اجْتمعَا إِلَى سعد فَسَار سعد بِالْمُسْلِمين وَسَار الْمُنْذر وَجَرِير إِلَيْهِ حَتَّى نزل سعد بشراف وشتا بهَا وَاجْتمعَ إِلَيْهِ النَّاس وَتزَوج سعد امْرَأَة المثني سلمي بنت حَفْصَة ثمَّ حج بِالنَّاسِ عمر بن الْخطاب
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فَلَمَّا دخلت السّنة الْخَامِسَة عشرَة كَانَ فِيهَا وقْعَة اليرموك وَذَلِكَ أَن الرّوم سَار بهم هِرقل حَتَّى نزل أنطاكية وَمَعَهُ من المستعربة لخم وجذام وبلقين وبلي وعاملة وغسان وَمن مَعَه من أهل أرمينية بشر كثير فَأَقَامَ بأنطاكية وَسَار أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح فِي الْمُسلمين إِلَيْهِم فِي أَرْبَعَة وَعشْرين ألفا وَكَانَ الرّوم مائَة ألف فَالْتَقوا باليرموك فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا حَتَّى كَانَت نسَاء قُرَيْش يضربن باتلسيوف وَكَانَ أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب تَحت راية ابْنه يزِيد فَجعل يُنَادي فِي المعركة يَا نصر اللَّه اقْترب حَتَّى أنزل اللَّه نَصره وَهزمَ الرّوم فَقتل من الرّوم وَمن مَعَه من أهل أرمينية والمستعربة سَبْعُونَ ألفا وَقتل اللَّه الصقلار وباهان رئيسين لَهُم ثمَّ بعث أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح عِيَاض بْن غنم فِي طَلَبهمْ فسلك الأعماق حَتَّى بلغ ملطية فَصَالح أَهلهَا على الْجِزْيَة فَسمع هِرقل بذلك فَبعث إِلَى ملطية فساق من فِيهَا من الْمُقَاتلَة وَأمر بهَا فأحرقت
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وَكَانَ مِمَّن قتل باليرموك من الْمُسلمين عَمْرو بْن سعيد بْن الْعَاصِ وَأَبَان بْن سعيد بْن الْعَاصِ وَعبد اللَّه بْن سُفْيَان بْن عَبْد الْأسد وَسَعِيد بْن الْحَارِث بْن قيس وَلما حسر عَن سعد بْن أَبِي وَقاص الشتَاء سَار بِالْمُسْلِمين يُرِيد الْقَادِسِيَّة وَكتب إِلَى عمر بْن الْخطاب ﵁ يستمده فَبعث إِلَيْهِ عمر الْمُغيرَة بْن شُعْبَة فِي أَرْبَعمِائَة رجل مدَدا لسعد من الْمَدِينَة وَكتب إِلَى أبي عُبَيْدَة بْن الْجراح أَن أمد سَعْدا بِأَلف رجل من عنْدك فَفعل أَبُو عُبَيْدَة ذَلِك وَأمر عَلَيْهِم عِيَاض بْن غنم الفِهري وَسمع بذلك رستم فَخرج بِنَفسِهِ مَعَ من عِنْده من الْأَعَاجِم يُرِيد سَعْدا وَحج عمر بِالنَّاسِ فَلَمَّا كَانَت السّنة السَّادِسَة عشرَة أَرَادَ عمر بن الْخطاب أَن يكْتب التأريخ فَاسْتَشَارَ أَصْحَاب النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُم من قَالَ من النُّبُوَّة وَمِنْهُم من قَالَ من الْهِجْرَة وَمِنْهُم من قَالَ من الْوَفَاة فَأَجْمعُوا على الْهِجْرَة وَكتب التَّارِيخ لسنة سِتّ عشرَة من الْهِجْرَة فَلَمَّا وصل إِلَى سعد بْن أبي وَقاص الْمُغيرَة بْن شُعْبَة سَار بِالْمُسْلِمين إِلَى رستم حَتَّى نزل قادس قَرْيَة إِلَى جنب العذيب وَأَقْبل
[ ٢ / ٢٠٦ ]
رستم فِي سِتِّينَ ألفا من الجموع مِمَّن أحصى فِي ديوانه سوى التبع وَالرَّقِيق حَتَّى نزل الْقَادِسِيَّة وَبينهمْ وَبَين المسليمن جسر الْقَادِسِيَّة وَسعد فِي منزله وجع قد خرج بِهِ قرح شَدِيد فَبعث رستم إِلَى سعد أَن أبْعث إِلَى رجلا جلدا ُأكَلِّمهُ فَبعث إِلَيْهِ الْمُغيرَة بْن شُعْبَة فَفرق الْمُغيرَة رَأسه أَربع فرق ثمَّ عقص شعره وَلبس برديه وَاقْبَلْ حَتَّى انْتهى إِلَى رستم من وَرَاء الجسر مِمَّا يَلِي الْعرَاق والمسلمون من النَّاحِيَة الْأُخْرَى مِمَّا يَلِي الْحجاز فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ الْمُغيرَة قَالَ لَهُ رستم إِنَّكُم معشر الْعَرَب كُنْتُم أهل شقاء وَجهد وكنتم تأتوننا من بَين تَاجر وأجير ووافد فأكلتم من طعامنا وشربتم من شرابنا واستظللتم بظلالنا فذهبتم فدعوتم أصحابكم وجئتم تؤذوننا وَإِنَّمَا مثلكُمْ مثل رجل لَهُ حَائِط من عِنَب فَرَأى فِيهِ أثر ثَعْلَب فَقَالَ وَمَا بثعلب وَاحِد فَانْطَلق ذَلِك الثَّعْلَب حَتَّى دَعَا الثعالب كلهَا إِلَى ذَلِك الْحَائِط فَلَمَّا اجْتَمعْنَ فِيهِ جَاءَ صَاحب الْحَائِط فرآهن فسد الْحجر الَّذِي دخلن مِنْهُ ثمَّ قتلهن جَمِيعًا وَأَنا أعلم إِنَّمَا حملكم على هَذَا معشر الْعَرَب الْجهد الَّذِي أَصَابَكُم فَارْجِعُوا عَنَّا عامكم هَذَا فَإِنَّكُم شغلتمونا عَن عمَارَة بِلَادنَا وَنحن نوقر لكم ركائبكم قمحا وَتَمْرًا ونأمر لكم بكسوة فَارْجِعُوا عَنَّا فَقَالَ
[ ٢ / ٢٠٧ ]
الْمُغيرَة بْن شُعْبَة لَا يذكر منا جهد إى وَقد كُنَّا فِي مثله أَو أَشد أفضلنا فِي أَنْفُسنَا عَيْشًا الَّذِي يقتل بن عَمه وَيَأْخُذ مَاله فيأكله نَأْكُل الْميتَة وَالدَّم وَالْعِظَام فَلم نزل على ذَلِك حَتَّى بعث اللَّه فِينَا نَبينَا وَأنزل عَلَيْهِ الْكتاب فَدَعَانَا إِلَى اللَّه وَإِلَى مَا بَعثه بِهِ فَصدقهُ بِهِ منا مُصدق وَكذبه بِهِ منا مكذب فقاتل من صدقه من كذبه حَتَّى دَخَلنَا فِي دينه منن بَين موقن ومقهور حَتَّى استبان لنا أَنه صَادِق وَأَنه رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأمرنَا أَن نُقَاتِل من خَالَفنَا وَأخْبرنَا أَنه من قتل منا على ذَلِك فَلهُ الْجنَّة وَمن عَاشَ ملك وَظهر على من خَالفه وَنحن ندعوك إِلَى أَن تؤمن بِاللَّه وبرسوله وَتدْخل فِي ديننَا فَإِن فعلت كَانَت لَك بلادك وَلَا يدْخل عَلَيْك فِيهَا إِلَّا من أَحْبَبْت وَعَلَيْك الزَّكَاة وَالْخمس وَإِن أَبيت ذَلِك فالجزية وَإِن أَبيت ذَلِك قَاتَلْنَاك حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَبَيْنك قَالَ لَهُ رستم مَا كنت أَظن أَن أعيش حَتَّى أسمع هَذَا مِنْكُم معشر الْعَرَب لَا أَمْسَى غَدا حَتَّى أفرغ مِنْكُم وأقتلكم كلكُمْ ثمَّ أَمر بالمعبر أَن يسكر فَبَاتَ ليلته يسكر بالزرع والقصب وَالتُّرَاب حَتَّى أصبح وَقد تَركه جِسْرًا وعبأ سعد بْن أبي وَقاص الْجَيْش فَجعل خَالِد بْن عرفطة على جمَاعَة النَّاس وَجعل على الميمنة جرير بْن عبد الله البَجلِيّ
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وعَلى الميسرة قيس بْن مكشوح الْمرَادِي وزحف إِلَيْهِم رستم وزحف إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَكَانَ سعد فِي الْحصن مَعَه أَبُو محجن الثَّقَفِيّ مَحْبُوس حَبسه سعد فِي شرب الْخمر فاقتتل الْمُسلمُونَ قتالا شَدِيدا والخيول تجول وَكَانَ مَعَ سعد أم وَلَده فَقَالَ لَهَا أَبُو محجن وَسعد فِي راس الْحصن ينظر إِلَى الْجَيْش كَيفَ يُقَاتلُون أطلقيني وَلَك عهد اللَّه وميثاقه لَئِن لم أقتل لأرجعن إِلَيْك حَتَّى تجعلي الْحَدِيد فِي رجْلي فأطلقته وَحَمَلته على فرس لسعد بلقاء وخلت سَبيله فَجعل أَبُو محجن يشد على الْعَدو ويكر وَسعد ينظر فَوق الْحصن يعرف فرسه وينكره وَكَانَ همرو بن معد يكرب مَعَ الْمُسلمين فَجعل يحرض على النَّاس الْقِتَال وَيَقُول يَا معشر الْمُسلمين كونُوا أسودًا إِن الْفَارِسِي تَيْس وَكَانَ فِي الأعلاج رجل لَا يكَاد يسْقط لَهُ نشابة فَقيل لعَمْرو بْن معد يكرب يَا أَبَا ثَوْر اتَّقِ ذَلِك الْفَارِسِي فَإِنَّهُ لَا تسْقط لَهُ نشابة فقصد نَحوه وجاءه الْفَارِسِي ورماه بنشابة فأصابت ترسه وَحمل عَلَيْهِ عَمْرو فاعتنقه وذبحه فاستلبه سِوَارَيْنِ من ذهب ومنطقة من ذهب ويلمقا من ديباج وَحمل رستم على الْمُسلمين فقصده هِلَال بن عَلْقَمَة التَّمِيمِي
[ ٢ / ٢٠٩ ]
فَرَمَاهُ رستم بنشابة فَأصَاب قدمه فشكها إِلَى ركاب سَرْجه وَحمل عَلَيْهِ هِلَال بْن عَلْقَمَة فَضَربهُ فَقتله وأحتز رَأسه وَوَلَّتْ الْفرس وَاتَّبَعتهمْ الْمُسلمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ فَلَمَّا رأى أَبُو محجن الْهَزِيمَة رَجَعَ إِلَى الْقصر وَأدْخل رجلَيْهِ فِي قَيده فَلَمَّا نزل سعد من رَأس الْحصن رأى فرسه قد عرفت فَعرف أَنَّهَا قد ركبت فَسَأَلَ أم وَلَده عَن ذَلِك فَأَخْبَرته خبر أبي محجن فخلى سَبيله ونهض سعد بِالْمُسْلِمين خَلفهم وانْتهى الْفرس إِلَى دير قُرَّة فَنزل عَلَيْهِم سعد بِالْمُسْلِمين ووافى عِيَاض بْن غنم فِي مدده من أهل الشَّام وهم ألف رجل فَأَسْهم لَهُ سعد ولأصحابه من الْمُسلمين مِمَّا أَصَابُوا بالقادسية وَكَانَ النَّاس قد أجبنوا سَعْدا وَقَالُوا أجبنت عَن محاربة الْأَعْدَاء فَاعْتَذر إِلَى النَّاس وأراهم مَا بِهِ من القروح فِي فَخذيهِ حَتَّى سكت النَّاس ثمَّ انهزم الْفرس من دير قُرَّة إِلَى الْمَدَائِن وحملوا مَا مَعَهم من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَرِير والديباج وَالسِّلَاح وخلوا مَا سوى ذَلِك فَبعث سعد خَالِد بْن عرفطة فِي طَلَبهمْ مَعَه أَصْحَابه وأردفه بعياض بْن غنم فِي أَصْحَابه وَجعل على مُقَدّمَة النَّاس هَاشم بْن عتبَة بْن أبي وَقاص وعَلى ميمنتهم جرير بْن عَبْد اللَّه البَجلِيّ وعَلى ميسرتهم زهرَة بْن حوية التَّمِيمِي وتخلف عَنْهُم بِنَفسِهِ لما بِهِ من الوجع ثمَّ أَفَاق سعد من وَجَعه وبرىء وَاتبع النَّاس بِمن مَعَه من الْمُسلمين فأدركهم دون دجلة
[ ٢ / ٢١٠ ]
على بهرسير فطلبوا المخاضة فَلم يهتدوا لَهَا فَقَالَ علج من أهل الْمَدَائِن لسعد أَنا أدلكم على مخاضة تدركونهم قبل أَن يمنعوا السّير فَخرج بهم على مخاضة فَكَانَ أول من خَاضَ المخاضة هَاشم بْن عتبَة بْن أبي وَقاص فِي رجله فَلَمَّا جَازَ تبعه خيله ثمَّ أحاز عِيَاض بْن غنم بخيله ثمَّ تتَابع النَّاس فخاضوا حَتَّى جاوزوا وَيُقَال إِن تِلْكَ المخاضة لم تعرف إِلَى السَّاعَة فَبلغ الْمُسلمُونَ إِلَى ساباط طَوِيل مظلم وخشوا أَن يكون فِيهِ كمين لِلْعَدو فَأخذُوا يتجابنون فَكَانَ أول من دخله بجيشه هَاشم بْن عتبَة بْن أبي وَقاص فَلَمَّا جَازَ لَاحَ للنَّاس بِسَيْفِهِ فعرفوا أَنه لَيْسَ فِيهِ شَيْء يخافونه ثمَّ أجَاز خَالِد بْن عرفطة بخيله ثمَّ لحق سعد بِالنَّاسِ حَتَّى انْتَهوا إِلَى جَلُولَاء وَبهَا جمَاعَة من الْفرس وَكَانَت بهَا وقْعَة جَلُولَاء وَهزمَ اللَّه الْفرس وَأصَاب الْمُسلمُونَ بهَا من الْغَنَائِم أَكثر مِمَّا أَصَابُوا بالقادسية وَكتب سعد إِلَى عمر بْن الْخطاب يخبر بِفَتْح اللَّه على الْمُسلمين فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن قف مَكَانك وَلَا تطلب غير ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ سعد إِنَّمَا هِيَ سربة أدركناها وَالْأَرْض بَين أَيْدِينَا فَكتب إِلَيْهِ عمر أقِم
[ ٢ / ٢١١ ]
مَكَانك وَلَا تتبعهم وَأعد للْمُسلمين دَار هِجْرَة ومنزل جِهَاد وَلَا تجْعَل بيني وَبَين الْمُسلمين بحرًا فَنزل سعد بالأنبار فاجتووها وأصابهم بهَا الْحمى فَكتب إِلَى عمر يُخبرهُ بذلك فَكتب إِلَى سعد أَنه لَا يصلح الْعَرَب إِلَّا حَيْثُ يصلح الْبَعِير وَالشَّاء فِي منابت العشب فَانْظُر فلاه إِلَى جنب بَحر فَأنْزل الْمُسلمين بهَا وَاجْعَلْهَا دَار هِجْرَة فَسَار سعد حَتَّى نزل بكويفه فَلم يُوَافق النَّاس الْكَوْن بهَا من كَثْرَة الذُّبَاب والحمى فَبعث سعد عُثْمَان بْن حنيف فارتاد لَهُم مَوضِع الْكُوفَة الْيَوْم فنزلها سعد بِالنَّاسِ وَخط مَسْجِدهَا وَاخْتَلَطَ فِيهَا للنَّاس الخطط وكوف الْكُوفَة وَاسْتعْمل سعد على الْمَدَائِن رجلا من كِنْدَة يُقَال لَهُ شُرَحْبِيل بْن السمط ثمَّ كتب عمر إِلَى سعد أَن ابْعَثْ إِلَى أَرض الْهِنْد يُرِيد الْبَصْرَة جندًا لينزلوها فَبعث إِلَيْهَا سعد عتبَة بْن غَزوَان فِي ثَمَانمِائَة رجل حَتَّى نزلها وَهُوَ الَّذِي بصر الْبَصْرَة وَاخْتَلَطَ الْمنَازل وَبنى مَسْجِد الْجَامِع بالقصب وَكَانَ فتح الْبَصْرَة صلحا وافتتح عتبَة بْن غَزوَان الأبلة والفرات
[ ٢ / ٢١٢ ]
وميسان وَمن سبى ميسَان وَالِد الْحسن وأرطبان جد بن عون ثمَّ خرج عتبَة حَاجا وَأمر الْمُغيرَة بْن شُعْبَة أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِلَى أَن يرجع فحج وَرجع فَمَاتَ فِي الطَّرِيق قبل أَن يصل إِلَى الْبَصْرَة فَأقر عمر الْمُغيرَة بْن شُعْبَة على الصَّلَاة وَولد عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي بكرَة بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ أول مَوْلُود ولد بهَا وَخرج عمر بْن الْخطاب وَخلف عُثْمَان بْن عَفَّان على الْمَدِينَة فَلَمَّا قدم الشَّام نزل بالجابية فَقَامَ فِيهَا خَطِيبًا لَهُم ثمَّ أَرَادَ عمر الرُّجُوع إِلَى الْحجاز فَقَالَ لَهُ رجل من الْيَهُود يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا ترجع إِلَى بلادك حَتَّى يفتح اللَّه عَلَيْك إيلياء فَبينا عمر كَذَلِك إِذْ نظر إِلَى كرْدُوس خيل مقبل فَلَمَّا دنوا من الْمُسلمين سلوا السيوف فَقَالَ عمر هم قوم يستأمنون فآمنهوهم فَأَقْبَلُوا وَإِذا هم أهل إيلياء فصثالحوه على الْجِزْيَة وفتحوها لَهُ وَكتب لَهُم عمر كتاب عهد بذلك ورجم بالجابية امْرَأَة أقرَّت على نَفسهَا بِالزِّنَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَدون لَهُم الدِّيوَان وَغرب أَبَا محجن الثَّقَفِيّ إِلَى باضع وَتزَوج عمر صَفِيَّة بنت أبي عبيد على مهر أَرْبَعمِائَة
[ ٢ / ٢١٣ ]
دِرْهَم وَحج بِالنَّاسِ عمر اسْتخْلف على الْمَدِينَة زيد بْن ثَابت فَلَمَّا دخلت السّنة السَّابِعَة عشرَة كتب عمر إِلَى الْبلدَانِ بمواقيت الصَّلَاة وَوضع مَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة مياها للسابلة وَاتخذ دَارا بِالْمَدِينَةِ وَجَهل فِيهَا الدَّقِيق والسويق للمتقطع والضيف إِذا نزل وَولي عمر الْمُغيرَة على الْبَصْرَة فَسَار الْمُغيرَة إِلَى الأهواز فَصَالَحُوهُ على ألفي ألف دِرْهَم وَثَمَانمِائَة ألف دِرْهَم ثمَّ ارْتَدُّوا فغزاهم بعد ذَلِك أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ إِلَى أَن افتتحها يُقَال عنْوَة وَقد قيل صلحا وَبعث أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح عَمْرو بْن الْعَاصِ غلى قنسرين فَصَالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية وافتتح سَائِر أَرض قَيْصر عنْوَة وَيُقَال إِن فِي هَذِه السّنة افْتتح أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الرهاء وسميساط صلحا ثمَّ أَرَادَ عمر الْخُرُوج إِلَى الشَّام فَخرج حَتَّى إِذا بلغ سرغ لقِيه أُمَرَاء الأجناد أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح وَيزِيد بْن أبي سُفْيَان وشرحبيل بْن حَسَنَة وَأَخْبرُوهُ أَن الأَرْض وبية فَقَالَ عمر لِابْنِ عَبَّاس اجْمَعْ إِلَى الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين فَجَمعهُمْ لَهُ واستشارهم فَاخْتَلَفُوا
[ ٢ / ٢١٤ ]
عَلَيْهِ فَمنهمْ الْقَائِل خرجت لوجه تُرِيدُ فِيهِ اللَّه وَالدَّار الْآخِرَة وَلَا نرى أَن نصدك عَنهُ وَمِنْهُم من يَقُول لَا نرى أَن تقدم عَلَيْهِ وَتقدم النَّاس فَلَمَّا اخْتلفُوا عَلَيْهِ قَالَ قومُوا عني ثمَّ جمع الْأَنْصَار واستشارهم فسلكوا طَرِيق الْمُهَاجِرين فَلَمَّا اخْتلفُوا عَلَيْهِ قَالَ قومُوا عني ثمَّ جمع مهاجرة الْفَتْح فاستشارهم فَلم يخْتَلف عَلَيْهِ مِنْهُم اثْنَان قَالُوا جَمِيعًا ارْجع بِالنَّاسِ فَإِنَّهُ بلَاء وفناء فَقَالَ عمر لِابْنِ عَبَّاس أخبر النَّاس أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول إِنِّي مصبح على ظهر فَأَصْبحُوا عَلَيْهِ فَأصْبح عمر على ظهر وَأصْبح النَّاس عَلَيْهِ فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي رَاجع فَارْجِعُوا فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجراح يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أفرارا من قدر اللَّه قَالَ نعم نفر من قدر اللَّه إِلَى قدر اللَّه لَو غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة أَرَأَيْت لَو أَن رجلا هَبَط وَاديا لَهُ عَدو ثَان إِحْدَاهمَا خصبة وَالْأُخْرَى جدبة أَلَيْسَ يرْعَى من يرْعَى الجدبة بِقدر اللَّه ويرعى من يرْعَى الخصبة بِقدر اللَّه ثمَّ خلا بِهِ بِنَاحِيَة دون النَّاس فَبينا النَّاس على ذَلِك إِذْ لحقهم عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف وَكَانَ متحنفا وَلم يشْهد مَعَهم يومهم بالْأَمْس فَقَالَ مَا شَأْن النَّاس فَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ عِنْدِي من هَذَا علم فَقَالَ عمر مَا عنْدك فَقَالَ سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول إِذا سَمِعْتُمْ بهذاالوباء بِبَلَد فَلَا تقدمُوا عَلَيْهِ وَإِذا وَقع وَأَنْتُم بِهِ فَلَا تخْرجُوا فِرَارًا مِنْهُ لَا يخرجنكم إِلَّا ذَلِك فَقَالَ عمر فَللَّه الْحَمد فانصرفوا
[ ٢ / ٢١٥ ]
أَيهَا النَّاس فَانْصَرف بهم وَرجع أُمَرَاء الأجناد إِلَى أَعْمَالهم ثمَّ اعْتَمر عمر فِي رَجَب وَأمر بتوسيع الْمَسْجِد وتجديد أنصاب الْحرم وَتزَوج بِمَكَّة بنت حَفْص بْن الْمُغيرَة فَأخْبر أَنَّهَا عَاقِر فَطلقهَا قبل أَن يدْخل بهَا وَأقَام بِمَكَّة عشْرين لَيْلَة وَرجع إِلَى الْمَدِينَة وَبعث أَبُو عُبَيْدَة خَالِد بْن الْوَلِيد فغلب على أَرض الْبِقَاع فَصَالحه أهل بعلبك ثمَّ خرج أَبُو عُبَيْدَة يُرِيد حمص وَقدم خَالِدا أَمَامه فَقَاتلُوا قتالا شَدِيدا ثمَّ هزمت الرّوم حَتَّى دخلُوا مدينتهم فَحَاصَرَهُمْ الْمُسلمُونَ فَسَأَلُوهُ الصُّلْح عَن أَمْوَالهم وأنفسهم وكنائسهم فَصَالح الْمُسلمُونَ حمص على مائَة ألف دِينَار وَسبعين ألف دِينَار وَأخذ سَائِر مَدَائِن حمص عنْوَة وَبعد موت عتبَة بْن غَزوَان والى الْبَصْرَة أَمر عمر على الْبَصْرَة أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ الْمُغيرَة على الصَّلَاة بهَا فَشهد أَبُو بكرَة وشبل بْن معبد البَجلِيّ وَنَافِع بْن كلدة وَزِيَاد على الْمُغيرَة بِمَا شهدُوا فَبعث عمر إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَن أشخص إِلَى الْمُغيرَة فَفعل ذَلِك أَبُو مُوسَى ثمَّ تزوج عمر أم كُلْثُوم بنت عَليّ بْن أبي طَالب وَهِي من فَاطِمَة وَدخل بهَا فِي شهر ذِي الْقعدَة ثمَّ حج واستخلف على الْمَدِينَة زيد بْن ثَابت
[ ٢ / ٢١٦ ]
فَلَمَّا دخلت السّنة الثَّامِنَة عشرَة أصَاب النَّاس مجاعَة شَدِيدَة فَاسْتَسْقَى لَهُم عمر وَأخذ يَد الْعَبَّاس وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نستسقي بعم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَا زَالَ الْعَبَّاس قَائِما إِلَى جنبه وَعَيناهُ تهملان وَعمر يلح فِي الدُّعَاء حَتَّى سقوا فَسمى هَذِه السّنة سنة الرَّمَادَة وأجرى عمر الأقوات على الْمُسلمين وَكَانَ يرْزق الضُّعَفَاء الْقُوت ونهاى عَن الحكرة حَاطِبًا وَغَيره وَكَانَ طاعون عمواس فتفانى النَّاس فِيهِ فَكتب عمر إِلَى أبي عُبَيْدَة إِنَّك أنزلت النَّاس أَرضًا عميقة فارفعهم إِلَى أَرض مُرْتَفعَة فَسَار أَبُو عُبَيْدَة بِالنَّاسِ حَتَّى نزل بالجابية ثمَّ قَامَ أَبُو عُبَيْدَة خَطِيبًا فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن هَذَا الوجع رَحْمَة ربكُم ودعوة نَبِيكُم وَمَوْت الصَّالِحين قبلكُمْ وَإِن أَبَا عبيد يسْأَل اللَّه أَن يقسم لَهُ مِنْهُ حَظه فَمَاتَ من يَوْمه واستخلف على النَّاس معَاذ بْن جبل فَقَامَ معَاذ خَطِيبًا بعده فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن هَذَا
[ ٢ / ٢١٧ ]
الوجع رَحْمَة ربكُم ودعوة نَبِيكُم وَمَوْت الصَّالِحين قبلكُمْ إِن معَاذًا يسْأَل اللَّه أَن يقسم لَهُ حَظه ثمَّ لأهل بَيته فطعن ابْنه عَبْد الرَّحْمَن بْن معَاذ فَمَاتَ ثمَّ طعن معَاذ فِي رَاحَته فَكَانَ يقبل ظهر كَفه وَكَانَ يَقُول مَا أحب أَن لي بِمَا فِيك من الدُّنْيَا شَيْئا ثمَّ مَاتَ واستخلف على النَّاس عَمْرو بْن الْعَاصِ فَقَامَ فيهم خَطِيبًا فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن هَذَا الوجع إِذا وَقع يشتعل اشتعال النَّار فَارْتَفعُوا عَنهُ فِي الْجبَال فَمَاتَ فِي طاعون عمواس يزِيد بْن أبي سُفْيَان والْحَارث بْن هِشَام بْن الْمُغيرَة وَسُهيْل بْن عَمْرو وَعتبَة بْن سُهَيْل فَلَمَّا بلغ عمر بْن الْخطاب موت أبي عُبَيْدَة بْن الْجراح وَيزِيد بْن أبي سُفْيَان أَمر مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان على جند دمشق وخراجها وَأمر شُرَحْبِيل بْن حَسَنَة على جند الْأُرْدُن وخراجها وَغرب عمر بْن ربيعَة بْن أُميَّة إِلَى خَيْبَر وَلحق بِأَرْض الرّوم وَتَنصر فَلم يغرب عمر بعد ذَلِك فِي رجلا شَيْء من عمله وَلَا عَن عمر بَين رجل وَامْرَأَته وَرجع ساحرا بِالبَقِيعِ ثمَّ حج عمر بِالنَّاسِ فَلَمَّا قدم بِمَكَّة أخر الْمقَام مقَام إِبْرَاهِيم وَكَانَ مُلْصقًا بِالْبَيْتِ فِي مَوْضِعه الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْم وَرجع إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا دخلت السّنة التَّاسِعَة عشرَة كتب عمر إِلَى سعد بْن أبي وَقاص أَن ابْعَثْ من عنْدك جندا إِلَى الجزيرة وَأمر عَلَيْهِم أحد الثَّلَاثَة خَالِد بْن عرفطة أَو هَاشم بْن عتبَة بْن أبي وَقاص أَو عِيَاض بْن غنم فَلَمَّا قَرَأَ سعد الْكتاب قَالَ لم يُؤَخر أَمِير الْمُؤمنِينَ عِيَاض بْن غنم آخر الثَّلَاثَة إِلَّا أَن لَهُ فِيهِ هوى فولاه جَيْشًا وَبعث مَعَه عمر بْن سعد وَعُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ فَخرج عِيَاض بْن غنم إِلَى الجزيرة وَنزل بجنده
[ ٢ / ٢١٨ ]
على الرهاء وَصَالح أَهلهَا على الجزيرة وصالحت حران حِين صَالحه الرهاء وَوجه عِيَاض عمر بْن سعد إِلَى رَأس الْعين وَسَار بِنَفسِهِ فِي بَقِيَّة النَّاس إِلَى دَارا ونصيبين فَنزل عَلَيْهِمَا حَتَّى افتتحهما ثمَّ افْتتح الْموصل صَالحه عَلَيْهَا أَهلهَا وَزَاد عمر فِي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ زَاد فِيهِ من نَاحيَة دَار مَرْوَان وَأدْخل فِيهِ دَار الْعَبَّاس وَسوى أعمدته وسقفه وَبعث سعد جرير بْن عَبْد اللَّه البَجلِيّ إِلَى حلوان فافتتحها عنْوَة وافتتح هَاشم بْن عتبَة ماسبذان عنْوَة وَفِي هَذِه السّنة فتح أَبُو مُوسَى جنديسابور والسوس صلحا ثمَّ أَمر عمر أَبَا مُوسَى بجرير بْن عَبْد اللَّه فافتتحوا رامهرمز صلحا ثمَّ سَار أَبُو مُوسَى إِلَى التستر حَتَّى فتحهَا وافتتح فَم وقاشان ثمَّ افْتتح مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان قيسارية والرملة وَمَا بَينهمَا فأقره عمر عَلَيْهِمَا وَحج بِالنَّاسِ عمر وَفِي هَذِه السّنة افتتحت تكريت فَلَمَّا دخلت سنة عشْرين رجفت الْمَدِينَة بالزلزلة وشكى أهل الْكُوفَة
[ ٢ / ٢١٩ ]
سَعْدا وَزَعَمُوا أَنه لَا يحسن يُصَلِّي فاستقدمه عمر وَسَأَلَهُ فَقَالَ إِنِّي أركن فِي الْأَوليين وأحذف فِي الآخرتين فَقَالَ كَذَاك الظَّن فِيك يَا أَبَا إِسْحَاق ثمَّ عزل عمر قدامَة بْن مَظْعُون عَن الْبَحْرين وَدخل أَبُو بحريّة الْكِنْدِيّ عَبْد اللَّه بْن قيس بِلَاد الرّوم وأغار وَهُوَ أول من دَخلهَا وافتتح مصر والإسكندرية عَمْرو بْن الْعَاصِ عنْوَة وَقد فتحت سنة إِحْدَى وَعشْرين وغنم بهَا غَنَائِم كَثِيرَة ثمَّ رَجَعَ فَلَمَّا بلغ بلهيب قَرْيَة من قرى الرِّيف أرسل صَاحب الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى عَمْرو بْن الْعَاصِ أَنِّي قد كنت أخرج الْجِزْيَة إِلَى من هُوَ أبْغض غلى مِنْكُم فَارس وَالروم فَإِن أَحْبَبْت أَن أُعْطِيك الْجِزْيَة على أَن ترد عَليّ من السَّبي فعلت فَبعث إِلَيْهِ عَمْرو بْن الْعَاصِ إِن من ورائي أَمِيرا لَا أَسْتَطِيع أَن أنفذ أمرا دونه فَإِن شِئْت أَن أمسك عَنْك وَتمسك عني حَتَّى أكتب إِلَيْهِ بِالَّذِي عرضت عَليّ فعلت فَإِن قبل ذَلِك قبلته وَإِن أَمرنِي بِغَيْر ذَلِك مضيت لأَمره فَقَالَ نعم فَكتب عَمْرو إِلَى عمر فَكتب إِلَيْهِ عمر أما بعد فقد جَاءَنِي كتابك تذكر فِيهِ أَن صَاحب الْإسْكَنْدَريَّة عرض عَلَيْك الْجِزْيَة على أَن ترد عَلَيْهِ مَا أصبت من سبي أرضه ولعمرى
[ ٢ / ٢٢٠ ]
لجزية قَائِمَة تكون لنا وَلمن بَعدنَا من الْمُسلمين أحب إِلَيّ من فيئ يقسم ثمَّ كَأَنَّهُ لم يكن فاعرض على صَاحب الْإسْكَنْدَريَّة أَن يعطيك الْجِزْيَة على أَن تخَيرُوا من فِي أَيْدِيكُم من سَبْيهمْ بَين الْإِسْلَام وَبَين دين قَومهمْ فَمن اخْتَار الْإِسْلَام فَهُوَ من الْمُسلمين لَهُ مَا لَهُم وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم وَمن اخْتَار دين قومه وضع عَلَيْهِ من الْجِزْيَة مَا يوضع على أهل دينه وَأما من تفرق من سَبْيهمْ فَبلغ الْمَدِينَة وَمَكَّة واليمن فانا لَا نقدر على ردهم فَلَا نحب أَن نصالحهم على مَا لَا نفي بِهِ فَبعث عَمْرو بن الْعَاصِ غلى صَاحب الْإسْكَنْدَريَّة يُعلمهُ بِالَّذِي كتب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ قد قبلت فَجمعُوا مَا بِأَيْدِيهِم من السَّبي وَاجْتمعت النَّصَارَى فَكَانُوا يخيرون الرجل بَين الْإِسْلَام والنصرانية فَإِن اخْتَار الْإِسْلَام كبر الْمُسلمُونَ وانحاز إِلَيْهِم وَإِن اخْتَار النَّصْرَانِيَّة نخرت النَّصَارَى ثمَّ حازوه إِلَيْهِم وَوَضَعُوا عَلَيْهِم الْجِزْيَة ثمَّ كتب عَمْرو بْن الْعَاصِ إِلَى عمر أما بعد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فانا قَدرنَا على الْبَحْر وَإِن شِئْت أَن تركبه ركبت فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن صف لي كَيفَ حَاله وَحَال من رَكبه فَكتب إِلَيْهِ عَمْرو بْن الْعَاصِ أَنه خلق شَدِيد يحل فِيهِ خلق ضَعِيف دود على عود إِن استمسك بِهِ فزع وَإِن خر غرق فَكتب إِلَى عَمْرو بْن الْعَاصِ مَا كَانَ اللَّه ليسألني عَن أَمْرِي مكن الْمُسلمين الَّذين حملتهم فِيهِ لَا حَاجَة لنا بِهِ
[ ٢ / ٢٢١ ]
وَتُوفِّي بِلَال بْن رَبَاح مُؤذن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِمَشْق وَدفن فِي الْمقْبرَة عِنْد بَاب الصَّغِير ثمَّ أخرج عمر يهود الْحجاز من نَجْرَان إِلَى الْكُوفَة وَقَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول لَئِن عِشْت لأخْرجَن الْيَهُود من جَزِيرَة الْعَرَب ثمَّ قَالَ لَهُم من كَانَ لَهُ مِنْكُم عهد من رَسُول اللَّهِ ﷺ فليأت بعهده حَتَّى ننفذه وَمن لم يكن لَهُ عهد فَإِنِّي أجليه لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ أقركم مَا أقركم اللَّه وَقد أذن اللَّه بإجلائكم إِلَّا أَن يَأْتِي رجل مِنْكُم بِعَهْد أَو بَيِّنَة من النَّبِي ﷺ أَنه أقره فأقره وَقد فَعلْتُمْ بمظهر بْن رَافع الْحَارِثِيّ مَا فَعلْتُمْ وَذَلِكَ أَن مظهر بْن رَافع خرج بأعلاج لَهُ من الشَّام حَتَّى إِذا كَانَ بِخَيْبَر دخل قوم من الْيَهُود وأعطوا غلمانه السِّلَاح وحرضوهم على قَتله فَقَتَلُوهُ فَأجلى عمر الْيَهُود من الْحجاز وَقسم خَيْبَر على ثَمَانِيَة عشر سَهْما ثمَّ بعث إِلَى فدك أَبَا حَبِيبَة الْحَارِثِيّ وَمضى إِلَى وَادي الْقرى وأنفذ ظعن خَيْبَر ووادي الْقرى على مَا كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ سَمَّاهَا إِلَّا أَنه فرقها وَصَارَت فِي أَيدي أَهلهَا تبَاع وتورث بَدَأَ بِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ فَفرض لكل امْرَأَة مِنْهُنَّ
[ ٢ / ٢٢٢ ]
اثْنَي عشر ألفا وَفرض لأهل بدر صبيهم وحليفهم ومولاهم خَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف وَفرض للْأَنْصَار صبيهم وحليفهم ومولاهم أَرْبَعَة آلَاف أَرْبَعَة آلَاف ثمَّ مَاتَ أسيد بْن حضير فِي شعْبَان وَدفن بِالبَقِيعِ وَمَات هِرقل ملك الرّوم وأقعد مَكَانَهُ قسطنطين ثمَّ أغارت الْحَبَشَة على أهل بلجة فأصابوهم وَقدم الصَّرِيخ على عمر فَبعث عَلْقَمَة بْن مجزر المدلجي فِي عشْرين مركبا إِلَى إِلَى الْحَبَشَة فَأَغَارُوا عَلَيْهِم وَلم يحمل بعْدهَا مُسلما فِي الْبَحْر ثمَّ عزل عمر أَبَا مُوسَى عَن الْبَصْرَة وولاها عُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ وَأَمرهمَا أَن يطاوعا فَنزل عُثْمَان توج ومصرها وَبعث سوار بْن همام الْعَبْدي إِلَى سَابُور فَقتل بعقبة الطين ثمَّ مَاتَت زَيْنَب بنت جحش زَوْجَة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عمر من يغسلهَا فَقَالَت أَزوَاج النَّبِي ﷺ نَحن نغسلهَا فغسلناها وَصلى عَلَيْهَا عمر وَكبر أَرْبعا فَلَمَّا أَتَى بسريرها أَمر عمر بِثَوْب فَمد على قبرها وَأمر أُسَامَة بْن زيد وَابْن أَخِيهَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن
[ ٢ / ٢٢٣ ]
جحش وَمُحَمّد بْن طَلْحَة بْن عبيد اللَّه فَدَخَلُوا قبرها ولحدوا لَهَا وَقَامَ عمر على قبرها حَتَّى سوى عَلَيْهَا ورش على قبرها المَاء ثمَّ انْصَرف وَحج عمر بِالنَّاسِ فَلَمَّا دخلت السّنة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ مَاتَ خَالِد بْن الْوَلِيد بحمص وَأوصى إِلَى عمر بْن الْخطاب ثمَّ كَانَ فتح نهاوند وأميرها النُّعْمَان بْن مقرن وَذَلِكَ أَن أهل الرّيّ وأصبهان وهمذان ونهاوند تعاقدوا وتعاهدوا وَقَالُوا أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ نَبِي الْعَرَب الَّذِي أَقَامَ لَهَا دينهَا مَاتَ وَإِن ملكهم من بعده ملك يَسِيرا يَعْنِي أَبَا بكر ثمَّ هلك وَإِن عمر قد طَال ملكه ومكثه وَتَأَخر أمره حَتَّى جَيش إِلَيْكُم الجيوش فِي بِلَادكُمْ وَلَيْسَ بمنقطع عَنْكُم حجتي تسيروا إِلَيْهِم فِي بِلَادهمْ فتقتلوهم فَلَمَّا بلغ الْخَبَر أهل الْكُوفَة من الْمُسلمين كتبُوا إِلَى عمر فَلَمَّا أَخذ عمر الصَّحِيفَة مَشى بهَا إِلَى مِنْبَر رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ باك وَجعل يُنَادي أَيْن الْمُسلمُونَ أَيْن الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار من هَهُنَا من الْمُسلمين فَلم يزل يُنَادي حَتَّى امْتَلَأَ عَلَيْهِ الْمَسْجِد رجالاثم صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد أَيهَا النَّاس فَإِن الشَّيْطَان قد جمع لكم جموعا كَثِيرَة
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وَأَقْبل بهَا عَلَيْكُم أَلا وَإِن أهل الرّيّ وأصبهان وَأهل همذان وَأهل نهاوند أُمَم مُخْتَلفَة ألوانها وأديانها أَلا وَإِنَّهُم تعاقدوا وتعاهدوا على أَن يَسِيرُوا إِلَيْكُم فيقتلوكم أَلا وَإِن هَذَا يَوْم لَهُ مَا بعده من الْأَيَّام أَلا فأشيروا على برأيكم فَقَامَ طَلْحَة بْن عبيد اللَّه فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد حنكتك البلايا وعجمتك التجارب وَقد ابْتليت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ واختبرت فَلم ينْكَشف شَيْء من عواقب قَضَاء اللَّه لَك إِلَّا عَن خِيَار وَأَنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَيْمُون النقيبة مبارك الْأَمر فمرنا نطع وادعنا نجب واحملنا نركب فَأثْنى عمر على طَلْحَة خيرا ثمَّ جلس فَقَامَ عُثْمَان بْن عَفَّان فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي أرى أَن تكْتب إِلَى أهل الشَّام فيسيرون إِلَيْك من شامهم وتكتب إِلَى أهل الْيمن فيسيرون من يمنهم وتسير أَنْت بِمن مَعَك من أهل هذَيْن الْحَرَمَيْنِ إِلَى هذَيْن المصرين فَإنَّك لَو فعلت ذَلِك كنت أَنْت الْأَعَز والأكبر وَإِن هَذَا يَوْم لَهُ مَا بعده من الْأَيَّام وَأثْنى عَلَيْهِ عمر فَجَلَسَ فَقَامَ عَليّ بْن أبي طَالب فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإنَّك إِن تكْتب إِلَى أهل الشَّام أَن يَسِيرُوا
[ ٢ / ٢٢٥ ]
إِلَيْك من شامهم إِذا تسير الرّوم إِلَى ذَرَارِيهمْ فتسبيهم وَإِن تكْتب إِلَى أهل الْيمن أَن يَسِيرُوا إِلَيْك من يمنهم إِذا تسير الْحَبَشَة إِلَى ذَرَارِيهمْ فتسبيهم وَإِن سرت أَنْت بِمن مَعَك من أهل هذَيْن الْحَرَمَيْنِ إِلَى هذَيْن المصرين إِذا وَالله انتقضت عَلَيْك الأَرْض من أقطارها وأكنافها وَكَانَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من تخلف وَرَاءَك من العورات والعيالات أهم إِلَيْك مِمَّا بَين يَديك من الْعَجم ولالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَن الْعَجم نظرُوا إِلَيْك عيَانًا إِذا لقالوا هَذَا عمر هَذَا إريس الْعَرَب وَكَانَ وَالله أَشد لحربهم وجرأتهم عَلَيْك وَأما مَا كرهت من مسير هَؤُلَاءِ الْقَوْم فَإِن اللَّه أكره لمسيرهم مِنْك وهوأقدر على تَغْيِير مَا كره وَأما مَا ذكرت من كثرتهم فَإنَّا كُنَّا مَا نُقَاتِل مَعَ نَبينَا بِالْكَثْرَةِ وَلَكنَّا نُقَاتِل مَعَه بالنصرة من السَّمَاء وَأَنا أرى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَأيا من تِلْقَاء نَفسِي رَأْيِي أَن تكْتب إِلَى أهل الْبَصْرَة فيفترقوا على ثَلَاث فرق فرقة تقيم فِي أهل عهودهم بِأَن لَا ينتقضوا عَلَيْهِم وَفرْقَة تقيم من ورائهم فِي ذَرَارِيهمْ وَفرْقَة تسير إِلَى إخْوَانهمْ بِالْكُوفَةِ مدَدا لَهُم فطبق عمر ثمَّ أهل مكبرا يَقُول اللَّه أكبر اللَّه أكبر هَذَا رأى هَذَا رأى كنت أحب أَن أتابع صدق بْن أبي طَالب لَو خرجت بنفسي لنقضت على
[ ٢ / ٢٢٦ ]
الأَرْض من أقطارها وَلَو أَن الْعَجم نظرُوا إِلَيّ عيَانًا مَا رالوا عَن العرص حَتَّى يقتلوني أَو أقتلهم أشر على يَا عَليّ بْن أبي طَالب بِرَجُل أوليه هَذَا الْأَمر قَالَ مَالِي وَلَهُم هم أهل الْعرَاق وفدوا عَلَيْك ورأوك ورأيتهم وتوسمتهم وَأَنت أعلمنَا بهم قَالَ عمر إِن شَاءَ اللَّه لأولين الرَّايَة غَدا رجلا يكون لأوّل أسنة يلقاها وَهُوَ النُّعْمَان بْن مقرن الْمُزنِيّ ثمَّ دَعَا عمر السَّائِب بْن الْأَقْرَع الْكِنْدِيّ فَقَالَ يَا سائب أَنْت حفيظ على الْغَنَائِم بِأَن تقاسمها فَإِن اللَّه أغنم هَذَا الْجَيْش شَيْئا فَلَا تمنعوا أحدا حَقًا هُوَ لَهُ ثكلتك أمك يَا سائب وَإِن هَذَا الْجَيْش هلك فَاذْهَبْ عني فِي عرض الأَرْض فَلَا أنظر إِلَيْك بِوَاحِدَة فَإنَّك تجيئني بِذكر هَذَا الْجَيْش كلما رَأَيْتُك ثمَّ كتب إِلَى أهل الْكُوفَة سَلام عَلَيْكُم أما بعد فقدج اسْتعْملت عَلَيْكُم النُّعْمَان بْن مقرن الْمُزنِيّ فَإِن قتل النُّعْمَان فَعَلَيْكُم حُذَيْفَة بْن الْيَمَان الْعَبْسِي فَإِن قتل حُذَيْفَة فَعَلَيْكُم عَبْد اللَّه بْن قيس الْأَشْعَرِيّ أَبُو مُوسَى فَإِن قتل أَبُو مُوسَى فَعَلَيْكُم جرير بْن عَبْد اللَّه البَجلِيّ فَإِن قتل جرير فَعَلَيْكُم الْمُغيرَة بْن شُعْبَة الثَّقَفِيّ فَإِن قتل الْمُغيرَة فَعَلَيْكُم الْأَشْعَث بْن قيس الْكِنْدِيّ ثمَّ كتب عمر إِلَى النُّعْمَان بْن مقرن فَإِن فِي جندك رجلَيْنِ عَمْرو بْن معد يكرب المدحجي وطليحة بْن خويلد الْأَسدي فأحضرهما
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وشاورهما فِي الْحَرْب وَإِيَّاك أَن توليهما عملا فَإِن كل صانع أعلم بصناعته فَلَمَّا ورد عَلَيْهِ الْكتاب سَار بِالنَّاسِ فَالتقى الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بنهاوند فَأقبل الْمُشْركُونَ يحْمُونَ أنفسهم وخيولهم ثَلَاثًا ثمَّ نَهَضَ إِلَيْهِم الْمُسلمُونَ يَوْم الْأَرْبَعَاء فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا حَتَّى كثرت الْقَتْلَى وفشت الجرخى والصرعى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ثمَّ حجز بَينهمَا اللَّيْل وَرجع الْفَرِيقَانِ إِلَى عسكريهما وَبَات الْمُسلمُونَ وَلَهُم أَنِين من الْجِرَاحَات يعصبون بالخرق ويبكون حول مصاحفهم وَبَات الْمُشْركُونَ فِي معازفهم وخمورهم ثمَّ غدوا يَوْم الْخَمِيس فاقتتل الْمُشْركُونَ وقاتلوا قتالا شَدِيدا حَتَّى كثرت الْقَتْلَى وفشت الْجَرْحى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ثمَّ حجز بَينهمَا اللَّيْل وَرجع الْفَرِيقَانِ إِلَى عسكريهما وَبَات الْمُسلمُونَ لَهُم أَنِين من الْجِرَاحَات يعصبون بالخرق ويبكون حول مصاحفهم وَبَات الْمُشْركُونَ فِي معازفهم وخمورهم ثمَّ غَدا النُّعْمَان بْن مقرن يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ رجلا قَصِيرا أَبيض على برذون أَبيض قد أعلم بالبياض فَجعل يَأْتِي راية راية يحرضهم على الْقِتَال
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وَيَقُول اللَّه اللَّه فِي الْإِسْلَام أَن تخذلوه فانكم بَاب بَين الْمُسلمين وَبَين الْمُشْركين فَإِن كسر هَذَا الْبَاب دخلُوا على الْمُسلمين يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي هاز لكم الرَّايَة مرّة فليتعاهد الرجل الْخَيل فِي حزمها وأعنتها أَلا وَإِنِّي هاز لكم الثَّانِيَة فَلْينْظر كل رجل مِنْكُم إِلَّا موقف فرسه ومضرب رمحه وَوجه مقاتله أَلا وَإِنِّي هاز لكم الثَّالِثَة ومكبر فكبروا اللَّه واذكروه ومستنصر فاستنصروه أَلا فحامل فاحملوا فَقَالَ رجل قد سمعنَا مَقَالَتك وحفظنا وصيتك فَأخْبرنَا بِأَيّ النَّهَار يكون ذَلِك حَتَّى يَكُونُوا على آلَة وعدة قَالَ النُّعْمَان لَيْسَ بِمَعْنى أَن يكون ذَلِك من أول النَّهَار إِلَّا شَيْء شهدته من رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذا غزا فَلم يُقَاتل أول النَّهَار لم يعجل بِالْقِتَالِ حَتَّى تَزُول الشَّمْس وتهب الرِّيَاح ويطيب الْقِتَال وتحضر الصَّلَاة وَينزل النَّصْر من السَّمَاء مَعَ مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي الأَرْض فَمَكثَ الْمُسلمُونَ ينظرُونَ إِلَى الرَّايَة ويراعونها حَتَّى إِذا زَالَت الشنس عَن كبد السَّمَاء هز النُّعْمَان الرَّايَة هزة فانتزعوا المخالي عَن الْخُيُول وقرطوها الأعنة وَأخذُوا أسيافهم بأيمانهم والأترسة بشمائلهم وَصلى كل رجل مِنْهُم رَكْعَتَيْنِ يُبَادر بهما ثمَّ هز النُّعْمَان الرَّايَة ثَانِيًا فَوضع كل رجل مِنْهُم رمحه بَين أُذُنِي فرسه ولزمت
[ ٢ / ٢٢٩ ]
الرِّجَال مِنْهُم نحور الْخَيل وَجعل كل رجل يَقُول لصَاحبه أَي فلَان تَنَح عني لأوطئك بفرسي إِنِّي أرى وَجه مقاتلي إِنِّي غير رَاجع إِن شَاءَ اللَّه حَتَّى أقتل أَو يفتح اللَّه عَليّ ثمَّ هز الثَّالِثَة فَكبر فَجعل النَّاس يكبرُونَ الأول فَالْأول الْأَدْنَى فالأدنى وَقذف اللَّه الرعب فِي قُلُوب الْمُشْركين حَتَّى أَن أَرجُلهم كَانَت تخفق فِي الركب فَلم يسْتَطع مِنْهُم أحد أَن يُوتر قوسه ثمَّ ولوا مُدبرين وَحمل النُّعْمَان وَحمل النَّاس فَكَانَ النُّعْمَان أول قَتِيل قتل من الْمُسلمين جَاءَهُ سهم فَقتله فجَاء أَخُوهُ معقل بْن مقرن فَغطّى عَلَيْهِ بردا لَهُ ثمَّ أَخذ الرَّايَة وَإِنَّهَا لتنضح دَمًا من دِمَاء من قَتله بهَا النُّعْمَان قبل أَن يقتل فَهزمَ اللَّه الْمُشْركين وَفتح على الْمُسلمين وَبَايع النَّاس لِحُذَيْفَة بْن الْيَمَان فَجمع السَّائِب بْن الْأَقْرَع الْغَنَائِم كَأَنَّهَا الآكام فَجَاءَهُ دهقان من دهاقينهم فَقَالَ هَل لَك أَن تؤمنني على دمي وَدم أهل بَيْتِي وَدم كل ذِي رحم لي وأدلك على كنز عَظِيم قَالَ نعم قَالَ خُذُوا المكاتل والمعاول فامشوا فَمَشَوْا مَعَه حَتَّى انْتهى إِلَى مَكَان قَالَ احفروا فَحَفَرُوا فَإِذا هم بصخرة قَالَ اقلعوها فقلعوا فَإِذا هم بسفطين من فصوص يضيء ضوءها كَأَنَّهَا شهب تتلألأ فَأعْطى السَّائِب كل ذِي حق حَقه من الْغَنَائِم وَحمل السفطين
[ ٢ / ٢٣٠ ]
حَتَّى قدم بهما على عمر فَلَمَّا نظر عمر إِلَى السَّائِب ولى باكيا ثمَّ أقبل يَقُول يَا سائب وَيحك مَا وَرَاءَك مَا فعلت مَا فعل الْمُسلمُونَ قَالَ السَّائِب خير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هزم اللَّه الْمُشْركين وَفتح للْمُسلمين قَالَ وَيحك يَا سائب وَالله مَا أَتَت لَيْلَة بعد لَيْلَة بَات فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبَيْنَا مَيتا مثل البارحة لَا وَالله مَا بت البارحة إِلَّا تَقْديرا فَمَا فعل النُّعْمَان بْن مقرن قَالَ اسْتشْهد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَبكى عمر ثمَّ قَالَ يرحم اللَّه النُّعْمَان ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ مَه قَالَ لَا وَالَّذِي أكرمك بالخلافة وساقها إِلَيْك مَا قتل بعد النُّعْمَان أحد نعرفه فَبكى عمر بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ الضُّعَفَاء لَكِن اللَّه أكْرمهم بِالشَّهَادَةِ وساقها إِلَيْهِم أدفنتم إخْوَانكُمْ لَعَلَّكُمْ غلبتم على أَجْسَادهم وخليتم بَين لحومهم وَالْكلاب وَالسِّبَاع أخْشَى أَن يَكُونُوا أصيبوا بِأَرْض مضيعة قَالَ السَّائِب هون عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد أكْرمهم اللَّه بِالشَّهَادَةِ وساقها إِلَيْهِم ثمَّ قَالَ عمر أَعْطَيْت كل ذِي حق حَقه فَقَالَ نعم فنفض عمر رِدَاءَهُ ثمَّ ولى باكيا فَأخذ السَّائِب بِطرف رِدَائه ثمَّ قَالَ اجْلِسْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ وَمَا حَاجَتك ألم تُخبرنِي أَنَّك أَعْطَيْت كل ذِي حق حَقه قَالَ بلَى قَالَ فَمَا حَاجَتك إِلَى فأبدى لَهُ عَن السفطين فصوصهما كَأَنَّهَا شهب تتلألأ فَقَالَ عمر
[ ٢ / ٢٣١ ]
مَا هَذَا فَأخْبرهُ السَّائِب خبر الدهْقَان فَصَعدَ فِيهَا بَصَره وخفضه ثمَّ قَالَ ادْع لي عليا وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَابْن مَسْعُود وَعبد اللَّه بْن الأرقم فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْده قَالَ السَّائِب لم يكن لي هم إِلَّا أَن أنفلت من عمر فركبت رَاحِلَة لي وأتيت الْكُوفَة فوَاللَّه مَا جَفتْ بردعة رَاحِلَتي حَتَّى أَتَانِي كتاب عمر عزمت عَلَيْك إِن كنت قَاعِدا لَا قُمْت وَإِن كنت قَائِما لَا قعدت إِلَّا على راحلتك ثمَّ الْعجل الْعجل فَقلت للرسول هَل كَانَ فِي الْإِسْلَام حدث قَالَ لَا قلت فَمَا حَاجته إِلَى قَالَ لَا أَدْرِي فركبت رَاحِلَتي حَتَّى أتيت عمر فَلَمَّا نظر إِلَى أقبل على بدرته يضربني بهَا حَتَّى سبقته إِلَى غَيره وَهُوَ يَقُول مَا لي وَلَك يَا بن أم مليكَة أعن ديني تُفَارِقنِي أم النَّار توردني قلت دَعْنِي عَنْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تقتلني غما قَالَ عمر فَإنَّك لما خرجت من عِنْدِي فأويت إِلَى فِرَاشِي جَاءَنِي مَلَائِكَة من عِنْد رَبِّي فِي جَوف اللَّيْل فرموني بسفطين هذَيْن فَإِذا حملتهما فَإِذا نَار توقد على جَنْبي فَجعلت أتأخر وَجعلُوا يدفعونني إِلَيْهِمَا حَتَّى تعاهدت رَبِّي فِي هَذَا إِن هُوَ تركني حَتَّى أصبح لأقسمن على من أَفَاء اللَّه عَلَيْهِ أخرج بهما من عِنْدِي لَا حَاجَة لي بهما بهما
[ ٢ / ٢٣٢ ]
بعطية الْمُقَاتلَة والذرية فَإِن لم تصب إِلَّا عَطِيَّة أحد الْفَرِيقَيْنِ فبع ثمَّ اقسمهما على من أَفَاء اللَّه عَلَيْهِ وَالله لَئِن شكا الْمُسلمُونَ قبل أَن تقسم بَينهم لأجعلنك نكالا لمن بعْدك قَالَ السَّائِب فَخرجت بهما من عِنْده حَتَّى قدمت الْكُوفَة فأخرجتهما إِلَى الزحمة فأبديت عَنْهُمَا فلاح ضوءهما كَأَنَّهُمَا شهب تتلألأ فَجعل لَا يَأْتِي عَلَيْهِمَا قوم إِلَّا صفقوا تَعَجبا مِنْهُمَا حَتَّى أَتَانِي عَمْرو بْن حُرَيْث فَلَمَّا نظر إِلَيْهِمَا استامني بهما فَقلت بعطية الْمُقَاتلَة والذرية فَمَا كلمني حَتَّى صفق على يَدي وأوجبت لَهُ البع فَخرج بهما إِلَى الْحيرَة فَبَاعَ أَحدهمَا بعطية الْمُقَاتلَة والذرية واستفضل الآخر ربحا فَكَانَ أول شَيْء اعتقله بِالْكُوفَةِ مَالا ثمَّ سَار الْمُغيرَة بِالْمُسْلِمين إِلَى مَدِينَة أذربيجان فَصَالحه أَهلهَا على ثَمَانمِائَة ألف دِرْهَم فِي كل سنة ثمَّ غزا حُذَيْفَة بْن الْيَمَان الدينور فافتتحها عنْوَة وَكَانَت قبل ذَلِك
[ ٢ / ٢٣٣ ]
فتحت لسعد فانتقضت ثمَّ غزا حُذَيْفَة مَاء سندان فافتتحها عنْوَة وَكَانَت قبل ذَلِك فتح لسعد فانتقضت ثمَّ غزا حُذَيْفَة همذان فافتتحها عنْوَة ثمَّ ولى عمر عمار بْن يَاسر الْكُوفَة على الصَّلَاة وَالْحَرب وَعبد اللَّه بْن مَسْعُود على بَيت المَال وَعُثْمَان بْن حنيف على مساحة الأَرْض فَشَكا أهل الْكُوفَة عمارا وَقَالُوا رجل لَا يعلم فاستعفى عمار ودعا عمر جُبَير بْن مطعم خَالِيا ليوليه الْكُوفَة وَقَالَ لَهُ لَا تذكره لأحد فَبلغ الْمُغيرَة بْن شُعْبَة أَن عمر قد خلا بجبير بْن مطعم فَرجع إِلَى امْرَأَته وَقَالَ لَهَا اذهبي إِلَى امْرَأَة جُبَير بْن مطعم فاعرضي عَلَيْهَا مَتَاع السّفر فأتتها فعرضت عَلَيْهَا فاستعجمت عَلَيْهَا ثمَّ قَالَت ائْتِينِي بِهِ فَلَمَّا استيقن الْمُغيرَة بذلك جَاءَ إِلَى عمر وَقَالَ بَارك اللَّه لَك فِيمَن وليت وَأخْبرهُ أَنه ولى جُبَير بْن مطعم فَقَالَ عمر لَا أدرى مَا أصنع فولى الْمُغيرَة بْن شُعْبَة الْكُوفَة فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن مَاتَ عمر ثمَّ مضى عَمْرو بْن الْعَاصِ إِلَى برقة طرابلس فَفَتحهَا وَصَالح أهل برقة على اثنى عشر ألف دِينَار وَبعث عقبَة بْن نَافِع الفِهري فَافْتتحَ
[ ٢ / ٢٣٤ ]
لعمر زويلة بِالصُّلْحِ وَكَانَ بَين برقة وزويلة صلح للْمُسلمين وَحج عمر بِالنَّاسِ واستخلف على الْمَدِينَة زيد بْن ثَابت فَلَمَّا دخلت السّنة الثَّانِيَة وَالْعِشْرين فتح الْمُغيرَة بْن شُعْبَة أذربيجان صلحا على ثَمَانمِائَة ألف دِرْهَم وَدخل مُعَاوِيَة أَرض الرّوم الصائفة فِي عشرَة آلَاف ثمَّ اعْتَمر عمر وسَاق مَعَه عشر بدنات ونحرها فِي منحر رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ من الصَّحَابَة عبَادَة بْن الصَّامِت وَأَبُو ذَر وَأَبُو أَيُّوب وَشَدَّاد بْن أَوْس وَكَانَ نَافِع بْن عَبْد الْحَارِث عَامله على مَكَّة فَتَلقاهُ نَافِع فَقَالَ عمر من خلفت على أهل الْوَادي فَقَالَ بن رجل من الموَالِي قَالَ عمر أمولى أَيْضا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه قارىء لِلْقُرْآنِ عَالم بالفرائض فَقَالَ عمر سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول إِن اللَّه ﷿ يرفع بِهَذَا الْقُرْآن أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرين فَلَمَّا دخلت السّنة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ فتح مُعَاوِيَة عسقلان صلحا وَقد قيل إِن الَّذِي فتح فِي هَذِه السّنة فتحهَا قرظة بن
[ ٢ / ٢٣٥ ]
كَعْب الْأنْصَارِيّ لعمر وَلَا يَصح عِنْدِي ثمَّ كَانَ غَزْوَة أصطخر الأولى وَذَلِكَ أَن عُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ أَقَامَ يتوج وَتُوفِّي قَتَادَة بْن النُّعْمَان الظفري فصلى عَلَيْهِ عمر وَنزل حفرته أَخُوهُ لأمه أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَمُحَمّد بْن مسلمة والْحَارث بْن خزمة ثمَّ حج بِالنَّاسِ عمر وَأذن لِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ أَن يحججن مَعَه فَبينا هُوَ بِالْأَبْطح إِذْ أقبل رَاكب يسْأَل عَن عمر فَدلَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ بَكَى وَجعل يَقُول جزى اللَّه خيرا من أَمِير وباركت يَد اللَّه فِي ذَاك الْأَدِيم الممزق قضيت أمورا ثمَّ غادرت بعْدهَا بوائج فِي أكمامها لم تفتق أبعد قَتِيل بِالْمَدِينَةِ أظلمت لَهُ الأَرْض تهتز العضاه بأسوق فَمن يسع أَو يركب جناحي نعَامَة ليدرك مَا قدمت بالْأَمْس يسْبق فَمَا كنت أخْشَى أَن تكون وَفَاته بكفي سبنتي أَزْرَق الْعين مطرق
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وَكَانَ جُبَير بْن مطعم يَقُول بَينا أَنا وَاقِف مَعَ عمر بِعَرَفَات إِذْ قَالَ رجل يَا خَليفَة اللَّه فَقَالَ رجل خَلْفي قطع اللَّه لحيتك وَالله لَا يقف أَمِير الْمُؤمنِينَ بعد هَذَا الْعَام أبدا قَالَ جُبَير فَالْتَفت فَإِذا هُوَ رجل من لَهب وَلَهَب بطن من الأزد وَبينا نَحن نرمى الْجمار وَإِذا رمى إِنْسَان فَأصَاب رَأس عمر فَشَجَّهُ فَقَالَ رجل خَلْفي قطع اللَّه لحيتك مَا أرى أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا سيقتل قَالَ جُبَير فَالْتَفت فَإِذا هُوَ ذَلِك اللهبي ثمَّ رَجَعَ عمر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَقَامَ فِي النَّاس فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت كَأَن ديكا أَحْمَر نقرني نقرتين وَلَا أرَاهُ إِلَّا لحضور أجلى ثمَّ خرج يَوْمًا إِلَى السُّوق وَهُوَ متكئ على يَد عَبْد اللَّه بْن الزبير إِذْ لقِيه أَبُو لؤلؤة غُلَام الْمُغيرَة بْن شُعْبَة فَقَالَ لعمر أَلا تكلم مولَايَ أَن يضع عني من خراجي قَالَ وَكم خراجك قَالَ دِينَار قَالَ مَا أفعل إِنَّك لعامل وَإِن هَذَا لشَيْء يسير ثمَّ قَالَ لَهُ عمر أَلا تعْمل لي رحى قَالَ بلي فَلَمَّا ولى عمر قَالَ أَبُو لؤلؤة
[ ٢ / ٢٣٧ ]
أعمل لَك رحى يتحدث بهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب قَالَ بن الزبير فَوَقع فِي قلبِي قَوْله ذَلِك فَلَمَّا كَانَ وَقت النداء بِالْفَجْرِ خرج عمر إِلَى الصَّلَاة وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع لَيَال بَقينَ من ذِي الْحجَّة واضطجع لَهُ أَبُو لؤلؤة فَقَامَ عمر فَجعل يَقُول بَين الصُّفُوف فاستووا اسْتَووا فَلَمَّا كبر طعنه أَبُو لؤلؤة ثَلَاث طعنات فِي وتينه فَقَالَ عمر قتلني الْخَبيث ثمَّ أَخذ بيد عَبْد الرَّحْمَن فقدمه فصلى عَبْد الرَّحْمَن بِالنَّاسِ الصُّبْح وَقَرَأَ انا اعطينك الْكَوْثَر وَإِذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ثمَّ دخل عَبْد الرَّحْمَن على عمر وَعِنْده على وَعُثْمَان وَسعد وَابْن عَبَّاس فَقَالَ يَا بن عَبَّاس من قتلني قَالَ أَبُو لؤلؤة قَالَ عمر الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل موتى بِرَجُل يدعى الْإِسْلَام ثمَّ سكت عمر كالمطرق فَقَالُوا أَلا ننبه للصَّلَاة فَقيل الصَّلَاة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ نعم وَلَا حَظّ فِي الْإِسْلَام لمن ترك الصَّلَاة ثمَّ صلى وجرحه يثعب دَمًا ثمَّ أقبل على عَليّ فَقَالَ اتَّقِ اللَّه يَا عَليّ إِن وليت من أُمُور النَّاس شَيْئا فَلَا تحملن بني هَاشم على رِقَاب النَّاس وَأَنت يَا عُثْمَان إِن وليت من أُمُور النَّاس شَيْئا فَلَا تحملن بني أبي معيط على رِقَاب النَّاس وَأَنت يازبير وَيَا سعد إِن وليتما من أَمر النَّاس فَلَا تحملن أقاربكما على رِقَاب النَّاس ثمَّ قَالَ إِنِّي
[ ٢ / ٢٣٨ ]
نظرت فِي أَمر النَّاس فَلم أر عِنْدهم شقاقا إِلَّا أَن يكون فِيكُم وَإِن الْأَمر إِلَى السِّتَّة نفر عُثْمَان وعَلى وَعبد الرَّحْمَن وَسعد وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر فتشاوروا ثَلَاثًا وَكَانَ طَلْحَة غَائِبا فِي مَال لَهُ فَقَالَ عمر إِنِّي مصرت لكم الْأَمْصَار ودونت لكم الدَّوَاوِين وَإِنِّي تركتكم على الْوَاضِحَة إِنَّمَا أَتَخَوَّف أحد رجلَيْنِ إِمَّا رجل يرى أَنه أَحَق بِالْملكِ من صَاحبه فيقاتله أَو رجل يتَأَوَّل الْقُرْآن فِي كتاب اللَّه الشَّيْخ وَالشَّيْخَة غذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالا من اللَّه وَالله عَزِيز حَكِيم أَلا فَلَا تهلكوا عَن آيَة الرَّجْم فقد رجم رَسُول اللَّهِ ﷺ ورجمنا مَعَه وَلَوْلَا أَن يَقُول النَّاس زَاد عمر فِي كتاب اللَّه لكتبتها بيَدي فقد قرأناها بِكِتَاب اللَّه ثمَّ دَعَا بِكِتَاب بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم من عَبْد اللَّه عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْخَلِيفَة من بعدِي سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد الله الذلا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِنِّي أوصيك بتقوى اللَّه وبالمهاجرين الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالهمْ الْآيَة فتعرف فضيلتهم وتقسم عَلَيْهِم فيئهم وأوصيك بالذين تبوؤا الدَّار والايمان الْآيَة فَهَؤُلَاءِ الْأَنْصَار تعرف فَضلهمْ وتقسم عَلَيْهِم فيئهم وَأُولَئِكَ الَّذِينَ جاءو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لنا الْآيَة
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وَخرج أَبُو لؤلؤة على وَجه يُرِيد البقيع وَطعن فِي طَرِيقه اثنى عشر رجلا فَخرج خَلفه عبيد اللَّه بْن عمر فَرَأى أَبَا لؤلؤة والهرمزان وجفينة وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَهُوَ يتناجون بِالبَقِيعِ فَسقط مِنْهُم خنجر لَهُ رأسان ونصابه فِي وَسطه فَقتل عبيد اللَّه أَبَا لؤلؤة والهرمزان وجفينة ثَلَاثَتهمْ فَجرى بَين سعد بْن أبي وَقاص وَبَين عبيد اللَّه فِي شَأْن جفينة ملاحاة وَكَذَلِكَ بَين عَليّ بْن أبي طَالب وَبَينه فِي شَأْن الهرمزان حَتَّى قَالَ عَليّ بْن أبي طَالب إِن وليت من هَذَا الْأَمر شَيْئا قتلت عبيد اللَّه بالهرمزان ثمَّ أرسل عمر إِلَى عَائِشَة يستأذنها فِي أَن يدْفن مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأبي بكر فَأَذنت لَهُ فَقَالَ عمر أَنا أخْشَى أَن يكون ذَلِك لمَكَان السُّلْطَان مني فَإِذا مت فاغسلوني فكفنوني ثمَّ قفوا بِي على بَيت عَائِشَة وَقُولُوا أيلج عمر فَإِن قَالَت نعم فأدخلوني وَإِن أَبَت فادفنوني بِالبَقِيعِ ثمَّ أرسل عمر فجيء بِلَبن فشربه فَخرج من جرحه فَعلم أَنه الْمَوْت فَقَالَ لعبد اللَّه بْن عمر انْظُر مَا على مكن الدَّين فاحسبه فَقَالَ سِتَّة وَثَمَانُونَ ألفا إِن وَفِي لَهَا مَال آل عمر فأدها عني من أَمْوَالهم
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وَإِلَّا فسل بني عدي بْن كَعْب فَإِن لم تف من أَمْوَالهم فسل قُريْشًا وَلَا تعدهم إِلَى غَيرهم وأدها عني فَتوفي عمر ﵁ وَله خَمْسَة وَسِتُّونَ سنة وَفعل بِهِ مَا أَمر فَأَذنت لَهُ عَائِشَة وَصلى عَلَيْهِ صُهَيْب وَدخل حفرته عُثْمَان بْن عَفَّان وَعبد اللَّه بْن عمر وَكَانَت الْخلَافَة عشر سِنِين وَسِتَّة أشهر وَأَرْبع لَيَال وَكَانَ لَهُ من الْعمَّال وَقت مَا توفّي على الْكُوفَة الْمُغيرَة بْن شُعْبَة وعَلى الْبَصْرَة أَبُو مُوسَى وعَلى حمص أَعمالهَا عُمَيْر بْن سعد الضمرِي وعَلى دمشق مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان وعَلى صنعاء يعلى بْن منية وعَلى الْجند عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعَة وعَلى الطَّائِف سُفْيَان بْن عَبْد اللَّه الثَّقَفِيّ وعَلى مَكَّة نَافِع بْن عَبْد الْحَارِث وعَلى مصر عَمْرو بْن الْعَاصِ رَحِمهم اللَّه تَعَالَى أَجْمَعِينَ آمين اسْتِخْلَاف عُثْمَان بْن عَفَّان رضى اللع تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ عُثْمَان بْن عَفَّان بْن أبي الْعَاصِ بْن أُميَّة بْن عَبْد شمس بْن عَبْد منَاف بْن قصي بْن كلاب بْن مرّة بْن كَعْب بْن لؤَي بْن غَالب بْن فهر بْن مَالك بْن النَّضر بْن كنَانَة بْن خُزَيْمَة بْن مدركة بن إلْيَاس بن
[ ٢ / ٢٤١ ]
مُضر بْن نزار بْن معد بْن عدنان وكنيته أَبُو عَمْرو وَقد قيل أَبُو عَبْد اللَّه وَيُقَال أَبُو ليلى وَأم عُثْمَان أروى بنت كريز بْن ربيعَة بْن حبيب بْن عَبْد شمس وَأمّهَا الْبَيْضَاء أم حَكِيم بنت عَبْد الْمطلب بْن هِشَام بْن عَبْد منَاف أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ بِالْبَصْرَةِ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ الْمَدِينِيِّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنا مَعْمَرٌ عَنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ أُحُدًا ارْتَجَّ وَعَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ اثْبُتْ أُحُدُ فَمَا عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ قَالَ أَبُو حَاتِم لما دفن عمر ﵁ تعمد عُثْمَان بْن عَفَّان وَعلي بْن أبي طَالب وَطَلْحَة بْن عَبْد اللَّه وَالزُّبَيْر بْن الْعَوام وَعبد الرَّحْمَن وَسعد يتشاورون فَأَشَارَ عُثْمَان على عَبْد الرَّحْمَن بِالدُّخُولِ فِي الْأَمر فَأبى عَبْد الرَّحْمَن وَقَالَ لست بِالَّذِي أنافسكم على هَذَا الْأَمر وَإِن شِئْتُم
[ ٢ / ٢٤٢ ]
اخْتَرْت لكم مِنْكُم وَاحِدًا فَجعلُوا ذَلِك إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَلَمَّا ولى ذَلِك مَال النَّاس كلهم إِلَيْهِ وَتركُوا أُولَئِكَ الآخرين فَأخذ عَبْد الرَّحْمَن يتشاور فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاث حَتَّى إِذا كَانَ من اللَّيْلَة الَّتِي بَايع عُثْمَان بْن عَفَّان من غدها جَاءَ إِلَى بَاب الْمسور بْن مخرمَة بعد هوى من اللَّيْل فَضرب الْبَاب وَقَالَ أَلا أَرَاك نَائِما وَالله مَا كحلت مُنْذُ اللَّيْلَة بِكَثِير نوم ادْع لي الزبير وسعدا فدعاهما فشاورهما ثمَّ أرْسلهُ إِلَى عُثْمَان بْن عَفَّان فَدَعَاهُ فناجاه حَتَّى فرقف بَينهمَا الْمُؤَذّن فَلَمَّا صلوا الصُّبْح اجْتَمعُوا وَأرْسل عَبْد الرَّحْمَن إِلَى من حضر من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وأمراء الأجناد ثمَّ خطبهم فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِنِّي نظرت فِي أَحْوَال النَّاس وشاورتهم فَلم أجدهم يعدلُونَ بعثمان ثمَّ قَالَ يَا عُثْمَان نُبَايِعك على سنة رَسُول اللَّهِ ﷺ والخليفتين من بعده قَالَ نعم فَبَايعهُ عَبْد الرَّحْمَن وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار وأمراء الأجناد والمسلمون وَذَلِكَ لغرة الْمحرم وَبعد دفن عمر بِثَلَاثَة أَيَّام فِي هَذِه السّنة كَانَ فتح همذان ثَانِيًا وَكَانَت قد انتقضت على أميرها الْمُغيرَة بْن شُعْبَة على رَأس سِتَّة أشهر من مقتل عمر وَفِي هَذِه السّنة سَار إِلَيْهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بِأَهْل الْبَصْرَة
[ ٢ / ٢٤٣ ]
حَتَّى فتحهَا صلحا مَعَه الْبَراء بْن عَازِب وقرظة بْن كَعْب وَكَانَ عمر بْن الْخطاب قد قتل وَحُذَيْفَة قد افتتحها وجيشه كَانَ عَلَيْهَا ثمَّ انتقضوا حَتَّى غزاهم أَبُو مُوسَى وَخرج عُثْمَان بْن عَفَّان يَوْم الْفطر إِلَى الْمصلى يكبر ويجهر بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى صلى الْعِيد وَانْصَرف وَبعث على الْحَج عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فخطبهم عَبْد الرَّحْمَن قبل التَّرويَة بِيَوْم مَكَّة بعد الظّهْر فَلَمَّا زاغت الشَّمْس خرج إِلَى منى وَحج وَنَفر النَّفر الأول وَكَانَ قد سَاق مَعَه بدنات فنحرها فِي منحر رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا دخلت السّنة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ غزا مُعَاوِيَة أَرض الرّوم وَفتح الْحُصُون وَولد لَهُ ابْنه يزِيد بْن مُعَاوِيَة ثمَّ نقضت الْإسْكَنْدَريَّة الصُّلْح الَّذِي صَالحهمْ عَمْرو بْن الْعَاصِ عَلَيْهِ فغزاهم عَمْرو وظفر بهم وسباهم وَبعث السَّبي إِلَى الْمَدِينَة فردهم عُثْمَان إِلَى ذمتهم وَقَالَ إِنَّهُم كَانُوا صلحا والذرية لَا تنقض الصُّلْح وَإِنَّمَا تنقض الصُّلْح الْمُقَاتلَة وَنقض الْمُقَاتلَة الصُّلْح لَيْسَ يُوقع السَّبي على ذَرَارِيهمْ ثمَّ عزل عُثْمَان بْن عَفَّان عَمْرو بْن الْعَاصِ عَن الْإسْكَنْدَريَّة ومصر وولاهما عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح فَوجدَ عَمْرو من ذَلِك وَكَانَ بَدْء الشَّرّ بَينه وَبَين عُثْمَان عَزله عَن مصر والإسكندرية وَكَانَ عَمْرو قد بعث جَيْشه إِلَى الْمغرب فَأَصَابُوا غَنَائِم كَثِيرَة فَلَمَّا دخل عَبْد اللَّه بْن سعد مصر واليا بعث جرائد الْخَيل إِلَى الْمغرب وَاسْتَشَارَ عُثْمَان فِي إفريقية
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وعزل عُثْمَان سَعْدا عَن الْكُوفَة وَولي عَلَيْهَا الْوَلِيد بْن عقبَة بْن أبي معيط فَبعث الْوَلِيد سلمَان بْن ربيعَة الْبَاهِلِيّ فِي اثنى عشر ألفا إِلَى برذعة فافتتحها عنْوَة وَقتل وسبى وغزا البيلقان فَصَالَحُوهُ قبل أَن يَجِيء إِلَى برذعة وَبعث خيله إِلَى جرزان فَصَالَحُوهُ وَفِي هَذِه السّنة كَانَت غَزْوَة سَابُور الأولى ثمَّ حج عُثْمَان بِالنَّاسِ فَلَمَّا دخلت السّنة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ قدم مُعَاوِيَة الْمَدِينَة وافدا على عُثْمَان وَبعث عُثْمَان بْن عَفَّان عُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ إِلَى فَارس فَفتح سَائِر الْجنُود وغزا عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح الإفريقية وَمَعَهُ العبادلة عَبْد اللَّه بْن عمر وَعبد اللَّه بْن الزبير وَعبد اللَّه بْن عَمْرو فلقي جرجير فِي مِائَتي ألف بِموضع يُقَال لَهُ سبيطلة على سبعين ميلًا من القيروان فَقتل جرجير وَسبوا وغنموا فَبلغ سهم الْفَارِس ثَلَاثَة آلَاف مِثْقَال ذهب وَسَهْم الراجل ألف مِثْقَال وَصَالَحَهُ أهل تِلْكَ المدن إِلَى قيروان على مائَة ألف رَطْل من ذهب وَاعْتمر عُثْمَان وَدخل مَكَّة لَيْلًا وَكَانَ بَين الصَّفَا والمروة وَحل
[ ٢ / ٢٤٥ ]
قبل أَن يصبح ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَأمر بتوسعة الْمَسْجِد الْحَرَام وتجديد أنصاب الْحرم وَتزَوج عُثْمَان بنت خَالِد بْن أسيد ثمَّ اعْتَمر عُثْمَان فِي رَجَب وَخرج مَعَه عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر وَالْحُسَيْن بْن عَليّ فَمَرض الْحُسَيْن بْن عَليّ فَأَقَامَ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عَلَيْهِ بالسقيا وَبعث إِلَى عَليّ يُخبرهُ بذلك فَخرج عَليّ فِي نفر من بني هَاشم إِلَى السقيا فَلَمَّا دَخلهَا دَعَا بِبدنِهِ فنحرها وَحلق رَأسه وَأقَام عَليّ الْحُسَيْن يمرضه فَلَمَّا فرغ عُثْمَان من عمرته كَلمُوهُ بِأَن يحول السَّاحِل إِلَى جدة وَكَانُوا قبل ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة يرسون بالشعيبة وَقَالُوا جدة أقرب إِلَى مَكَّة وأوسع وَأقرب من كل نَاحيَة فَخرج عُثْمَان إِلَى جدة فرآها وَرَأى موضعهَا وَأمرهمْ أَن يجعلوها بمَكَان الشعيبة فحول السَّاحِل إِلَى جدة وَدخل الْبَحْر وَقَالَ إِنَّه مبارك وَقَالَ لمن مَعَه ادخُلُوا وَلَا يدخلهَا إِلَّا بمئزر ثمَّ خرج عُثْمَان من جدة على طَرِيق يُخرجهُ إِلَى عسفان ثمَّ مضى إِلَى الْجَار فَأَقَامَ بهَا يَوْمًا وَلَيْلَة ثمَّ انْصَرف فَمر بعلي بْن أبي طَالب ﵁ فِي مُنْصَرفه وَهُوَ يمرض الْحُسَيْن مَعَ جمَاعَة من بني هَاشم فَقَالَ عُثْمَان قد أردْت الْمقَام عَلَيْهِ حَتَّى تقدم وَلَكِن الْحُسَيْن عزم عَليّ وَجعل يَقُول امْضِ لرهطك فَقَالَ عَليّ مَا كَانَ ذَلِك بِشَيْء يفوتك هَل كَانَت إِلَّا عمْرَة إِنَّمَا يخَاف الْإِنْسَان فَوت الْحَج فَأَما الْعمرَة فَلَا فَقَالَ عُثْمَان إِنِّي أَحْبَبْت أَن أدْرك عمْرَة
[ ٢ / ٢٤٦ ]
فِي رَجَب فَقَالَ عَليّ بْن أبي طَالب مَا رَأَيْت رَسُول اللَّهِ ﷺ اعْتَمر فِي رَجَب قطّ وَمَا اعْتَمر عمراته الثَّلَاث إِلَّا فِي ذِي الْقعدَة ثمَّ رَجَعَ عُثْمَان إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ مضى عَليّ مَعَ الْحُسَيْن إِلَى مَكَّة وافتتح عُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ سَابُور الثَّانِيَة على ثَلَاثَة آلَاف ألف وثلاثمائة ألف صلحا وَدخل فِي صلحهم كازرون وَبعث عُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ هرم بْن حَيَّان الْعَبْدي إِلَى قلعة بجرة على ذَلِك وَهِي يُقَال لَهَا قلعة الشُّيُوخ فافتتحها عنْوَة وسبى أَهلهَا وَحج بِالنَّاسِ عُثْمَان بْن عَفَّان فَلَمَّا دخلت السّنة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ اسْتَشَارَ عُثْمَان بْن عَفَّان أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي إفريقية فأشاروا عَلَيْهِ بذلك وَكَانَ عُثْمَان يكره ذَلِك لِأَن عمر كَانَ يكرههُ وَيَقُول إِنَّهَا لَا تحمل واليًا مقتصدًا فَخرج عَبْد اللَّه بْن أبي سرح وجلب عُثْمَان إبِلا كَثِيرَة من الربذَة وسرف وَحمل عَلَيْهَا سِلَاحا كثيرا وَسَار الْمُسلمُونَ مَعهَا يلحقون بِعَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح فَلَمَّا التقى الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ألقِي اللَّه فِي قُلُوبهم الرعب وفض ذَلِك الْجمع حَتَّى طلبُوا الصُّلْح فَصَالحهُمْ عَبْد اللَّه بْن أبي سرح على ألفي ألف وَخَمْسمِائة ألف وَعشْرين ألفا فَلَمَّا كَانَ الْعِيد خطبهم عُثْمَان وَكَانَ صَادف الْعِيد يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ من كَانَ من أهل الْعَالِيَة وَأحب أَن يجْتَمع مَعنا فعل وَإِلَّا فليجلس
[ ٢ / ٢٤٧ ]
فِي مَوْضِعه فَافْتتحَ عُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ أرجان ودارابجرد وَصَالح أَهلهَا على ألفي ألف وَمِائَة فَلَمَّا دخلت السّنة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ تزوج عُثْمَان نائلة بنت الفرافصة وَكَانَت على دين النَّصْرَانِيَّة فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ قَالَ لَهَا عُثْمَان إِنِّي شيخ كَبِير كَمَا تَرين قَالَت أَنا من نسَاء أحب الْأزْوَاج إلَيْهِنَّ الكهول قَالَ تقومين إِلَيّ أَو آتِيك قَالَت مَا جِئْت من سماوة كلب إِلَيْك إِلَّا وَأَنا أُرِيد الْقيام إِلَيْك وغزا مُعَاوِيَة الْبَحْر وَمَعَهُ عبَادَة بن الصَّامِت مَعَه امْرَأَته أم حرَام بنت ملْحَان الْأَنْصَارِيَّة فاتى قبرس فَتُوُفِّيَتْ أم حرَام بهَا وقبرها هُنَاكَ ثمَّ كَانَ فتح فَارس الأول على يَدي هِشَام بن عَامر وغزا مُعَاوِيَة قبرس فَلحقه عَبْد اللَّه بْن أبي سرح وَأهل مصر وغنموا غَنَائِم كَثِيرَة وغزا حبيب بْن مسلمة سورية من أَرض الرّوم ثمَّ كَانَت قبرس الْآخِرَة
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أميرها هِشَام بْن عَامر وَاعْتمر عُثْمَان فِي رَجَب وَمَعَهُ عَمْرو بْن الْعَاصِ فَأتى عُثْمَان بِلَحْم صيد فَأَمرهمْ بِأَكْلِهِ فَقَالَ لَهُ عَمْرو بْن الْعَاصِ لَا تَأْكُل وَلَا تَأْمُرنَا بِهِ فَقَالَ عُثْمَان لست آكل مِنْهُ شَيْئا لِأَنَّهُ صيد من أَجلي فَكَانَ بَين عُثْمَان وَعَمْرو كَلَام كَانَ ذَلِك أول ملاحاة كَانَت بَينهمَا وَفِي هَذِه السّنة بني عُثْمَان دَاره بالزوراء ثمَّ حج عُثْمَان بِالنَّاسِ فَلَمَّا دخلت السّنة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ عزل عُثْمَان أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن الْبَصْرَة وَكَانَ عَاملا عَلَيْهَا سبع سِنِين وعزل عُثْمَان بْن أَبى الْعَاصِ عَن فَارس وَولي ذَلِك كُله عَبْد اللَّه بْن عَامر بْن كريز وَهُوَ يَوْمئِذٍ بن خمس وَعشْرين سنة فَقدم الْبَصْرَة ثمَّ خرج عَبْد اللَّه بْن عَامر إِلَى فَارس على مقدمته عبيد اللَّه بْن معمر التَّيْمِيّ فَقتل عبيد اللَّه وَفتح إصطخر الثَّانِيَة عنْوَة فَقتل وسبى فَكَانَ ذَلِك اصطخر الْآخِرَة وَقد قيل فِي هَذِه السّنة فتح سَارِيَة بْن زنيم الدئلي أَصْبَهَان صلحا وعنوة بِأَهْل الْبَصْرَة بَعثه بْن عَامر وضاق مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ على النَّاس فَكَلَّمُوا
[ ٢ / ٢٤٩ ]
عُثْمَان فِي توسعته فَأمر بتوسعته فَكَانَ عُثْمَان يركب على رَاحِلَته وَيقوم على الْعمَّال وهم يعْملُونَ حَتَّى يَجِيء وَقت الصَّلَاة فَيتْرك وَيصلى بهم وَرُبمَا قَالَ فِي الْمَسْجِد ونام فِيهِ حَتَّى جعل أعمدته من حِجَارَة وفرش فِيهَا الرضراض وبناه بِالْحِجَارَةِ المنقوشة والساج وَجعل لَهُ سِتَّة أَبْوَاب ثمَّ نقضت حلوان الصُّلْح فافتتحها بْن عَامر عنْوَة ورجم عُثْمَان امْرَأَة من جُهَيْنَة أدخلت على زَوجهَا فَولدت فِي سِتَّة أشهر من يَوْم أدخلت عَلَيْهِ فَأمر بهَا عُثْمَان فرجمت فَدخل عَليّ على عُثْمَان فَقَالَ لَهُ إِن اللَّه يَقُول حمله وفصله ثلثون شهرا فَأرْسل عُثْمَان فِي طلبَهَا فوجدوها قد رجمت فاعترف الرجل بالغلام وَكَانَ من أشبه النَّاس بِهِ وَفِي السّنة الثَّلَاثِينَ زَاد عُثْمَان النداء الثَّانِي على الزَّوْرَاء حَيْثُ كثر النَّاس وانتقضت أذربيجان فَغَزَاهَا سعيد بْن الْعَاصِ فَفَتحهَا ثمَّ غزا جرجان فَفَتحهَا وَمَات الطُّفَيْل بْن الْحَارِث بْن الْمطلب بْن عَبْد منَاف وَسقط خَاتم رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بِئْر أريس على ميلين من الْمَدِينَة وَكَانَت
[ ٢ / ٢٥٠ ]
من أقل تِلْكَ الْآبَار مَاء فَطلب فَلم يُوجد إِلَى السَّاعَة وغزا بْن عَامر فِي هَذِه السّنة جور فافتتحها وَأصَاب بهَا غَنَائِم كَثِيرَة وافتتح الكاريان والفنسجان من دارابجرد وَلم يَكُونَا أدخلافى علم عُثْمَان بْن أبي الْعَاصِ ثمَّ افْتتح بْن عَامر أردشير خرة عنْوَة فَقتل وسبى وهرب يزدجرد فَاتبعهُ بْن عَامر مجاشع بْن مَسْعُود السّلمِيّ حَتَّى نزل على السيرجان وَبعث رَاشد بْن عَمْرو الجديدي فَفتح هُرْمُز وَوجه بْن عَامر زِيَاد بْن الرّبيع الْحَارِثِيّ إِلَى سجستان فَافْتتحَ زالق وناشروذ ثمَّ بعث زِيَاد بْن الرّبيع إِبْرَاهِيم بْن بسام مولى بني لَيْث حَتَّى حاصر مَدِينَة زرنج فَصَالَحُوهُ على ألف وصيف
[ ٢ / ٢٥١ ]
مَعَ كل وصيف جَام من ذهب وَمَات مَسْعُود بْن الرّبيع وَكَانَ من أهل بدر وَمَات الْحصين بْن الْحَارِث بْن الْمطلب بْن عَبْد منَاف أَخُو الطُّفَيْل بْن الْحَارِث ثمَّ حج عُثْمَان بِالنَّاسِ وَصلى بمنى أَرْبعا وَفِي السّنة الْحَادِيَة وَالثَّلَاثِينَ فتحت أرمينية الْآخِرَة وأميرها حبيب بْن مسلمة الفِهري وَذَلِكَ أَن عُثْمَان كتب إِلَى حبيب بْن مسلمة أَن سر من الشَّام فِي جَيش إِلَى أرمينية فَمضى حبيب بْن مسلمة من نَاحيَة درب الْحَدث فَافْتتحَ خلاط وسراج ووادي المطامير وَمَات أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب وَهُوَ بن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة ثمَّ خرج بْن عَامر إِلَى خُرَاسَان وعَلى مقدمته الْأَحْنَف بْن قيس فلقي أهل هراة فَهَزَمَهُمْ وافتتح أبر شهر صلحا وَقد قيل عنْوَة ثمَّ افْتتح طوس وَمَا حولهَا ثمَّ صَالح أهل سرخس على مائَة ألف وَخمسين ألفا
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وَبعث أَبُو عَامر الْأسود بْن كُلْثُوم الْعَدْوى إِلَى بيهق فافتتحها وَقتل بهَا وَبعث أهل مرو يطْلبُونَ الصُّلْح فَصَالحهُمْ بْن عَامر على ألفي ألف ومائتي ألف وَكَانَ الَّذِي صَالحه ماهويه بْن أوزمهر مرزبان مرو ثمَّ بعث بْن عَامر الْأَحْنَف بْن قيس إِلَى مرو الروذ والفارياب والطالقان وافتتح طخارستان وَقتل مِنْهُم ثَلَاثَة عشر نفسا ثمَّ خرج الْأَحْنَف إِلَى بَلخ فَصَالَحُوهُ على أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم ثمَّ أَتَى خوارزم فَلم يطقها فَرجع وَبعث بْن عَامر خُلَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن زُهَيْر الْحَنَفِيّ إِلَى باذغيس وهراة فافتتحها ثمَّ ارْتَدُّوا بعد وغزا عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح أَرض الرّوم فِي نَاحيَة المصيصة وغنم ثمَّ رَجَعَ وَحج بِالنَّاسِ عُثْمَان وَفِي السّنة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثِينَ مَاتَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بِالْمَدِينَةِ وَدفن بِالبَقِيعِ وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان بْن عَفَّان وَمَات عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَهُوَ بن خمس
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وَسبعين سنة وَمَات الْعَبَّاس بْن عبد الْمطلب وَهُوَ بن خمس وَثَمَانِينَ سنة لِأَن الْعَبَّاس ولد قبل الْفِيل بِثَلَاثَة سِنِين وَمَات عَبْد اللَّه بْن زيد بْن عَبْد ربه الَّذِي أرى النداء وَمَات أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ زيد بْن سهل وغزا مُعَاوِيَة غَزْوَة مضيق الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمَعَهُ امْرَأَته عَاتِكَة بنت قرظة بْن عَبْد عَمْرو بْن نَوْفَل بْن عَبْد منَاف وَقد قيل إِن اسْمهَا فَاخِتَة وفيهَا غزا سعيد بْن الْعَاصِ طبرستان وَفِي السّنة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثِينَ مَاتَ الْمِقْدَاد بْن عَمْرو بْن ثَعْلَبَة على ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال إِلَى الْمَدِينَة وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان بْن عَفَّان وَدفن بِالبَقِيعِ وغزا مُعَاوِيَة ملطية وقرطبة من أَرض الرّوم وَجمع قَارن جمعا كثيرا بباذغيس وهراة وَأَقْبل فِي أَرْبَعِينَ ألفا وَقَامَ
[ ٢ / ٢٥٤ ]
بِأَمْر النَّاس عَبْد اللَّه بْن خازم السّلمِيّ فلقي قَارن وَهزمَ أَصْحَابه وَأَصَابُوا سبيا كثيرا ثمَّ بعث بْن عَامر عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة بْن حبيب إِلَى سجستان فَصَالحه صَاحب زرنج فَأَقَامَ عَبْد الرَّحْمَن بهَا وتحرك أهل إفريقية فزحف إِلَيْهِم عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح فَكَانَت إفريقية الثَّانِيَة وغزا مُعَاوِيَة حصن الْمَرْأَة من بِلَاد الرّوم من نَاحيَة ملطية وَحج بِالنَّاسِ عُثْمَان وَفِي السّنة الرَّابِعَة وَالثَّلَاثِينَ مَاتَ مسطح بْن أَثَاثَة من أهل بدر وغزا عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي صرح الصواري من أَرض مصر وَقَاتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة وَذَلِكَ أَن الْمُسلمين وعدوهم جَمِيعًا كَانُوا فِي الْبَحْر فَالْتَقوا فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا من غير رمى بِالسَّهْمِ وَلَا طعن بِالرُّمْحِ إِنَّمَا كَانَ الضَّرْب بِالسَّيْفِ أَو الطعْن بالخنجر حَتَّى قتل من أَرض الرّوم خلق كثير وَهزمَ اللَّه الرّوم منكوبين وَانْصَرف الْمُسلمُونَ غَانِمِينَ وَمَات
[ ٢ / ٢٥٥ ]
عبَادَة بن الصَّامِت بالرملة وهوالن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة وَمَات عَاقل بْن البكير من بني سعد بْن اللَّيْث من أهل بدر وَمَات أَبُو عبس بْن جبر بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ من أهل بدر وَحج عُثْمَان بِالنَّاسِ وَفِي السّنة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثِينَ خرج جمَاعَة من أهل مصر إِلَى عُثْمَان يَشكونَ بْن أبي سرح ويتكلمون مِنْهُ فَكتب إِلَيْهِ عُثْمَان كتابا وهدده فِيهِ فَأبى بن أبي السَّرْح أَن يقبل من عُثْمَان وَضرب بعض من أَتَاهُ من قبل عُثْمَان متظلما وَقتل رجلا من المتظلمة فَخرج من أهل مصر سَبْعمِائة رجل فيهم أَرْبَعَة من الرؤساء عَبْد الرَّحْمَن بْن عديس الْبلوى وَعَمْرو بْن الْحمق الْخُزَاعِيّ وكنانة بْن بشر بْن عتاب الْكِنْدِيّ وسودان بْن حمْرَان الْمرَادِي فَسَارُوا حَتَّى قدمُوا الْمَدِينَة ونزلوا مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ وَشَكوا إِلَى أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فِي مَوَاقِيت الصَّلَاة مَا صنع بهم بْن أبي سرح فَقَامَ طَلْحَة بْن عبيد اللَّه إِلَى عُثْمَان بْن عَفَّان وَكَلمه الْكَلَام الشَّديد وَأرْسلت إِلَيْهِ عَائِشَة قدم عَلَيْك أَصْحَاب مُحَمَّد وسألوك
[ ٢ / ٢٥٦ ]
عزل هَذَا الرجل فأبيت ذَلِك بِوَاحِدَة وَهَذَا قد قتل مِنْهُم رجلا فأنصفهم من عاملك وَكَانَ عُثْمَان يحب قومه ثمَّ دخل عَلَيْهِ عَليّ بْن أبي طَالب فَقَالَ سألوك رجلا مَكَان رجل وَقد ادعوا قبله دَمًا فاعزله عَنْهُم واقض بَينهم فَإِن وَجب عَلَيْهِ حق فأنصفهم مِنْهُ فَقَالَ لَهُم عُثْمَان اخْتَارُوا رجلا أوليه عَلَيْكُم مَكَانَهُ فَأَشَارَ النَّاس عَلَيْهِ بِمُحَمد بْن أبي بكر فَقَالُوا لعُثْمَان اسْتعْمل علينا مُحَمَّد بْن أبي بكر فَكتب عَهده وولاه مصر فَخرج مُحَمَّد بْن أبي بكر واليا على مصر بعهده وَمَعَهُ عدَّة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ينظرُونَ فِيمَا بَين أهل مصر وَبَين بْن أبي سرح فَلَمَّا بلغُوا مسيرَة ثَلَاثَة لَيَال من الْمَدِينَة إِذا هم بِغُلَام أسود على بعير لَهُ يخبط الْبَعِير خبطا كَأَنَّهُ رجل يطْلب أَو يطْلب فَقَالُوا لَهُ مَا قصتك وَمَا شَأْنك كَأَنَّك هارب أَو طَالب قَالَ أَنا غُلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ وجهني إِلَى عَامل مصر قَالُوا هَذَا عَامله مَعنا قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيد وَمضى فَأخْبر مُحَمَّد بْن أبي بكر بأَمْره فَبعث فِي طلبه أَقْوَامًا فَردُّوهُ فَلَمَّا جاؤوا بِهِ قَالَ لَهُ مُحَمَّد غُلَام من أَنْت فَأقبل مرّة يَقُول أَنا غُلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمرَّة يَقُول أَنا غُلَام مَرْوَان فَعرفهُ رجل مِنْهُم أَنه لعُثْمَان فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بْن أبي بكر لمن أرْسلت قَالَ إِلَى عَامل مصر قَالَ بِمَاذَا قَالَ برسالة قَالَ أَمَعَك كتاب قَالَ
[ ٢ / ٢٥٧ ]
لَا ففتشوه فَلم يَجدوا مَعَه كتابا وكتان مَعَه إداوة قد يَبِسَتْ وفيهَا شَيْء يتقلقل فحركوه ليخرج فَلم يخرج فشقوا الْإِدَاوَة فَإِذا فِيهَا كتاب من عُثْمَان إِلَى بْن أبي سرح فَجمع مُحَمَّد بْن أبي بكر من كَانَ مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَغَيرهم ثمَّ فك الْكتاب بحضرتهم فَإِذا فِيهِ إِذا أَتَاك مُحَمَّد بْن أبي بكر وَفُلَان وَفُلَان فاحتل لقتلهم وأبطل كِتَابه وقر على عَمَلك واحبس من يَجِيء إِلَى يتظلم مِنْك حَتَّى يَأْتِيك رَأْيِي فِي ذَلِك إِن شَاءَ اللَّه فَلَمَّا قرؤوا الْكتاب فزعوا وأزمعوا وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَة وَختم مُحَمَّد بْن أبي بكر الْكتاب بخواتم جمَاعَة من الْمُهَاجِرين مَعَه وَدفع الْكتاب إِلَى رجل مِنْهُم وَانْصَرفُوا إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا قدموها جمع مُحَمَّد بْن أبي بكر عليا وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وسعدا وَكَانَ بهَا من أَصْحَاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثمَّ فك الْكتاب بحضرتهم عَلَيْهِ خَوَاتِم من مَعَه من الْمُهَاجِرين وَأخْبرهمْ بِقصَّة الْغُلَام فَلم يبْق أحد من الْمَدِينَة إِلَّا حنق على عُثْمَان وَقَامَ أَصْحَاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَحقُوا بمنازلهم مَا مِنْهُم أحد إِلَّا هُوَ مُغْتَم وَكَانَت هُذَيْل وَبَنُو زهرَة فِي قلوبها مَا فِيهَا على عُثْمَان لحَال بْن مَسْعُود وَكَانَت بَنو مَخْزُوم قد حنقت على عُثْمَان لحَال عمار بْن يَاسر وَكَانَت بَنو غفار وأحلافها
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وَمن غضب لأبي ذَر فِي قُلُوبهم مَا فِيهَا وأجلب عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن أبي بكر من بني تيم وأعانه على ذَلِك طَلْحَة بْن عبيد اللَّه وَعَائِشَة فَلَمَّا رأى ذَلِك على وَصَحَّ عِنْده الْكتاب بعث إِلَى طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد وعمار وَنَفر من أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ كلهم بدريون ثمَّ جَاءَ مَعَهم حَتَّى دخل على عُثْمَان وَمَعَهُ الْكتاب والغلام وَالْبَعِير فَقَالَ لَهُ هَذَا الْغُلَام غلامك قَالَ نعم قَالَ وَالْبَعِير بعيرك قَالَ نعم قَالَ فَأَنت كتبت هَذَا الْكتاب قَالَ لَا وَحلف بِاللَّه أَنه مَا كتب هَذَا الْكتاب وَلَا أَمر بِهِ فَقَالَ لَهُ على فالخاتم خاتمك قَالَ نعم قَالَ على فَكيف يخرج غلامك على بعيرك بِكِتَاب عَلَيْهِ خاتمك لَا تعلم بِهِ فَحلف عُثْمَان بِاللَّه مَا كتبت هَذَا الْكتاب وَلَا أمرت بِهِ وَلَا وجهت هَذَا الْغُلَام قطّ إِلَى مصر وَأما الْخط فعرفوا أَنه خطّ مَرْوَان فَلَمَّا شكوا فِي أَمر عُثْمَان سَأَلُوهُ أَن يدْفع إِلَيْهِم مَرْوَان فَأبى وَكَانَ مَرْوَان عِنْده فِي الدَّار وَكَانَ خشِي عَلَيْهِ الْقَتْل فَخرج من عِنْده عَليّ وَأَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعَلمُوا أَن عُثْمَان لَا يحلف بَاطِلا ثمَّ قَالُوا لَا نسكت إِلَّا أَن يدْفع إِلَيْنَا مَرْوَان حَتَّى نبحث ونتعرف مِنْهُ ذَلِك الْكتاب وَكَيف يُؤمر بقتل رجل من أَصْحَاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَيْر حق فَإِن يَك عُثْمَان كتب ذَلِك عزلناه وَإِن يَك مَرْوَان كتبه على لِسَان عُثْمَان نَظرنَا
[ ٢ / ٢٥٩ ]
مَا يكون فِي أَمر مَرْوَان ولزموا بُيُوتهم وَفَشَا الْخَبَر فِي الْمُسلمين من أَمر الْكتاب وفقد أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ عَن عُثْمَان وَخرج من الْكُوفَة عدي بْن حَاتِم الطَّائِي وَالْأَشْتَر مَالك بْن الْحَارِث النَّخعِيّ فِي مِائَتي رجل وَخرج من الْبَصْرَة حَكِيم بْن جبلة الْعَبْدي فِي مائَة رجل حَتَّى قدمُوا الْمَدِينَة يُرِيدُونَ خلع عُثْمَان وحوصر عُثْمَان قبل هِلَال ذِي الْقعدَة بليلة وضيق عَلَيْهِ المصريون والبصريون وَأهل الْكُوفَة بِكُل حِيلَة وَلم يَدعُوهُ يخرج وَلَا يدْخل إِلَيْهِ أحد إِلَّا أَن يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن فَيَقُول الصَّلَاة وَقد منعُوا الْمُؤَذّن أَن يَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَكَانَ إِذا جَاءَ وَقت الصَّلَاة بعث أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَرُبمَا أَمر بْن عَبَّاس بذلك فَصَعدَ يَوْمًا عُثْمَان على السَّطْح فَسمع بعض النَّاس يَقُول ابْتَغوا إِلَى قَتله سَبِيلا فَقَالَ وَالله مَا أحل اللَّه وَلَا رَسُوله قَتْلَى سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث كفر بعد إِسْلَام أَو زنا بعد إِحْصَان أَو قتل نفس بِغَيْر نفس وَمَا فعلت من ذَلِك شَيْئا ثمَّ قَالَ لَا أخلف رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أمته بإراقة محجمة دم حَتَّى أَلْقَاهُ يَا معشر أَصْحَاب رَسُول الله
[ ٢ / ٢٦٠ ]
ﷺ أحبكم إِلَى من كف عَنَّا لِسَانه وسلاحه ثمَّ أشرف غليهم فَقَالَ أفيكم على قَالُوا لَا قَالَ أفيكم سعد قَالُوا لَا فَقَالَ أذكركم بِاللَّه هَل تعلمُونَ أَن رومة لم يكن يشرب مِنْهَا أحد إِلَّا بِشَيْء فاتبعتها من مَالِي وجعلتها للغني وَالْفَقِير وَابْن السَّبِيل فَقَالُوا نعم قَالَ فاسقوني مِنْهَا ثمَّ قَالَ أَلا أحد يبلغ عليا فيسقينا مَاء فَبَلع ذَلِك عليا فَبعث إِلَيْهِ بِثَلَاث قرب مَمْلُوءَة فَمَا كَادَت تصل إِلَيْهِ حَتَّى خرج فِي سَببهَا عدَّة من بني هَاشم وَبني أُميَّة حَتَّى وصل المَاء إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ عُثْمَان وَالله لَو كنت فِي أقْصَى دَاري مَا طلبُوا غيرى وَلَو كنت أَدْنَاهُم مَا جازوني إِلَى غيرى سنجتمع نَحن وهم عِنْد اللَّه وسترون بعدِي أمورا تتمنون أَنِّي عِشْت فيهم ضعف أَمْرِي وَالله مَا أَرغب فِي إمارتهم وَلَوْلَا قَول رَسُول اللَّهِ ﷺ لي إِذا ألبسك اللَّه قَمِيصًا وأرادوك على خلعه فَلَا تخلعه لحبست فِي بَيْتِي وتركتكم وإمارتكم وَوَاللَّه لَو فعلت مَا تركوني وَإِنَّهُم قد خدعوا وغروا وَالله لَو أقتل لمت لقد كبر سني ورق عظمي وجاوزت أَسْنَان أهل بَيْتِي وهم على هَذَا لَا يُرِيدُونَ اللَّهُمَّ فشتت
[ ٢ / ٢٦١ ]
أَمرهم وَخَالف بَين كلمتهم وانتقم لي مِنْهُم واطلبهم لي طلبا حثيثا وَقد اسْتُجِيبَ دعاءه فِي كل ذَلِك ثمَّ أَمر عُثْمَان بْن عَفَّان عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس على الْحَج فحج بِالنَّاسِ فَأمره وَبعث إِلَى الأشتر فَدَعَاهُ فَقَالَ يَا أشتر مَا يُرِيد النَّاس قَالَ ثَلَاث لَيْسَ من إِحْدَاهُنَّ بُد إِمَّا أَن تخلع أَمرهم وَتقول هَذَا أَمركُم فَاخْتَارُوا لَهُ من شِئْتُم وَإِمَّا أَن تقص من نَفسك فَإِن أبيتهما فالقوم قاتلوك قَالَ عُثْمَان أما أَن أَخْلَع لَهُم أَمرهم فَمَا كنت لأخلع سربالا سربلنيه اللَّه وَالله لِأَن أقدم فَتضْرب عنقِي أحب إِلَيّ من أَن أَخْلَع أمة مُحَمَّد ﷺ بَعْضهَا على بعض وَأما أَن أقص من نَفسِي فوَاللَّه لقد علمْتُم أَنِّي لم آتٍ شَيْئا يجب على الْقصاص فِيهِ وَأما أَن تقتلوني فوَاللَّه إِن تقتلوني لَا تتحابون بعدِي وَلَا تقتلون بعدِي عدوا جَمِيعًا ولتختلفن حَتَّى تصيروا هَكَذَا يقوم لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ الْآيَة ثمَّ أرسل إِلَى
[ ٢ / ٢٦٢ ]
عَبْد اللَّه بْن سَلام فَجَاءَهُ فَقَالَ الْكَفّ الْكَفّ ثمَّ جَاءَهُ زيد بْن ثَابت فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه الْأَنْصَار بِالْبَابِ فَقَالَ عُثْمَان إِن شاؤوا أَن يَكُونُوا أنصار اللَّه مِنْكُم وَإِلَّا فَلَا ثمَّ جَاءَهُ عَبْد اللَّه بْن الزبير فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اخْرُج فَقَاتلهُمْ فَإِن مَعَك من قد نصر اللَّه بِأَقَلّ مِنْهُم فَلم يعرج على قَول بْن الزبير ثمَّ قَالَ ائْتُونِي بِرَجُل مِنْهُم أَقرَأ عَلَيْهِ كتاب اللَّه فَأتوهُ بصعصعة بْن صوحان وَكَانَ شَابًّا فَقَالَ مَا وجدْتُم أحدا تَأْتُونِي بِهِ غير هَذَا الشَّاب فَتكلم صعصعة بِكَلَام فَقَالَ عُثْمَان أذن للَّذين يقتلُون بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ على نَصرهم لقدير فَلَمَّا اشْتَدَّ بعثمان الْأَمر أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة وَقَالَ إِنِّي رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام فَقَالَ لي يَا عُثْمَان إِنَّك تفطر عندنَا اللَّيْلَة ثمَّ قَالَ على لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن اذْهَبَا بسيفكما حَتَّى تقفا على بَاب عُثْمَان وَلَا تدعا أحدا يصل إِلَيْهِ وَبعث الزبير ابْنه وَبعث طَلْحَة ابْنه وَبعث عدَّة من أَصْحَاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْنَاءَهُم يمْنَعُونَ النَّاس أَن يدخلُوا على عُثْمَان ورماه النَّاس بِالسِّهَامِ حَتَّى خضب الْحسن بالدماء وتخضب مُحَمَّد بن
[ ٢ / ٢٦٣ ]
طَلْحَة وشج قنبر مولى على ثمَّ أَخذ مُحَمَّد بْن أبي بكر بيد جمَاعَة وتسور الْحَائِط من غير أَن يعلم بِهِ أحد من دَار رجل من الْأَنْصَار حَتَّى دخلُوا على عُثْمَان وَهُوَ قَاعد والمصحف فِي حجره وَمَعَهُ امْرَأَته وَالنَّاس فَوق السَّطْح لَا يعلم أحد بدخولهم فَقَالَ عُثْمَان لمُحَمد بْن أبي بكر وَالله لَو رآك أَبوك لساءه مَكَانك مني فَرجع مُحَمَّد وَتقدم إِلَيْهِ سودان بْن رُومَان الْمرَادِي وَمَعَهُ مشقص فوجأه حَتَّى قَتله وَهُوَ صَائِم ثمَّ خَرجُوا هاربين من حَيْثُ دخلُوا وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة لثمان عشرَة لَيْلَة مَضَت من ذِي الْحجَّة وَكَانَ تَمام حصاره خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا وَكَانَت امْرَأَته تَقول إِن شِئْتُم قَتَلْتُمُوهُ وَإِن شِئْتُم تَرَكْتُمُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ يخْتم الْقُرْآن كل لَيْلَة فِي رَكْعَة ثمَّ صعدت إِلَى النَّاس تخبرهم وهمر النَّاس عَلَيْهِ فَدَخَلُوا وَأول من دخل عَلَيْهِ الْحسن وَالْحُسَيْن فزعين وهما لَا يعلمَانِ بالكائنة وَكَانَا مشغولين على الْبَاب ينصرَانِهِ ويمنعان النَّاس عَنهُ فَلَمَّا دخلُوا وجدوا عُثْمَان مذبوحا فانكبوا عَلَيْهِ يَبْكُونَ وَدخل النَّاس فوجا فوجا
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وَبلغ الْخَبَر عَليّ بْن أبي طَالب وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وسعدا فَخَرجُوا مذهلين كَادَت عُقُولهمْ تذْهب لعظم الْخَبَر الَّذِي أَتَاهُم حَتَّى دخلُوا على عُثْمَان فوجدوه مقتولا واسترجعوا وَقَالَ عَليّ لابْنَيْهِ كَيفَ قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ وأنتما على الْبَاب قَالَا لم نعلم قَالَ فَرفع يَده وَلَطم الْحسن وَضرب صدر الْحُسَيْن وَشتم مُحَمَّد بْن طَلْحَة وَعبد اللَّه بْن الزبير ثمَّ خرج وَهُوَ غَضْبَان يسترجع فَلَقِيَهُ طَلْحَة بْن عبيد اللَّه فَقَالَ مَا لَك يَا أَبَا الْحُسَيْن فَقَالَ عَليّ يقتل أَمِير الْمُؤمنِينَ رجل من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ من غير أَن تقوم عَلَيْهِ بَيِّنَة وَلَا حجَّة فَقَالَ لَهُ طَلْحَة لَو دَفعه مَرْوَان إِلَيْهِم لم يقتلوه فَقَالَ على لَو خرج مَرْوَان إِلَيْكُم لقتلتموه قبل أَن يثبت عَلَيْهِ حُكُومَة ثمَّ أَتَى على منزله يسترجع فاشتغل النَّاس بَعضهم بِبَعْض وفزعوا وَلم يتوهموا بِأَن هَذِه الكائنة تكون ثمَّ حمل على سَرِيره بَين الْمغرب وَالْعشَاء وَصلى عَلَيْهِ جُبَير بْن مطعم ودلته فِي قَبره نائلة بنت الفرافصة وَأم الْبَنِينَ بنت عُيَيْنَة بن حصن بن بدر الْفَزارِيّ وَدفن لَيْلَة السبت لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من ذِي الْحجَّة وَكَانَت خِلَافَته اثْنَتَيْ عشرَة سنة إِلَّا اثنى عشر يَوْمًا وَقتل يَوْم قتل عُثْمَان من قُرَيْش عَبْد اللَّه بْن وهب بْن زَمعَة الْأَسدي وَعبد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْعَوام والمغيرة بْن الْأَخْنَس بْن شريق الثَّقَفِيّ
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وَقتل مَعَهم غُلَام لعُثْمَان أسود أَرْبَعَة أنفس وَكَانَ عُمَّال عُثْمَان حِين قتل على الْبَصْرَة عَبْد اللَّه بْن عَامر بْن كريز وعَلى الْكُوفَة سعد بْن أبي وَقاص وعَلى الشَّام مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان وعَلى مصر مُحَمَّد بْن أبي حُذَيْفَة وعَلى مَكَّة عَبْد اللَّه بْن الْحَضْرَمِيّ وعَلى الطَّائِف الْقَاسِم بْن ربيعَة الثَّقَفِيّ وعَلى صنعاء يعلى بْن مُنَبّه وعَلى الْجند عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعَة اسْتِخْلَاف عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ بْن عَبْد الْمطلب بْن هَاشم بْن عَبْد منَاف بْن قصي بْن كلاب بْن مرّة بْن كَعْب بْن لؤَي بْن غَالب بْن فهر بْن مَالك بْن النَّضر بْن كنَانَة بْن خُزَيْمَة بْن مدركة بْن إلْيَاس بْن مُضر بْن نزار بْن معد بْن عدنان أَبُو الْحسن الْهَاشِمِي وَأمه فَاطِمَة بنت أَسد بْن هِشَام بْن عَبْد منَاف وهَاشِم أَخُو هِشَام وَمن زعم أَنه أَسد بْن هَاشم بْن عَبْد منَاف فقد وهم أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ ثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيل
[ ٢ / ٢٦٦ ]
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَيْبَرَ وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ فَقَالَ أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأُعْطيَن الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالُوا هَذَا عَلِيٌّ فَأعْطَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو حَاتِم لما كَانَ من أَمر من عُثْمَان مَا كَانَ قعد عَليّ فِي بَيته وَأَتَاهُ النَّاس يهرعون إِلَيْهِ كلهم يَقُولُونَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ حَتَّى دخلُوا عَلَيْهِ دَاره وَقَالُوا نُبَايِعك فَإِنَّهُ لَا بُد من أَمِير وَأَنت أَحَق فَقَالَ عَليّ لَيْسَ ذَلِك إِلَيْكُم إِنَّمَا ذَلِك لأهل بدر فَمن رَضِي بِهِ أهل بدر فَهُوَ خَليفَة فَلم يبْق أحد من أهل بدر إِلَّا أَتَى عليا يطْلبُونَ الْبيعَة وَهُوَ يَأْبَى عَلَيْهِم فجَاء الأشتر مَالك بْن الْحَارِث النَّخعِيّ إِلَى عَليّ فَقَالَ لَهُ مَا يمنعك أَن تجيب هَؤُلَاءِ إِلَى الْبيعَة فَقَالَ لَا أفعل إِلَّا عَن ملإ وشورى وَجَاء أهل مصر فَقَالُوا ابْسُطْ يدك نُبَايِعك فوَاللَّه لقد قتل عُثْمَان وَكَانَ قَتله لله رضى فَقَالَ عَليّ كَذبْتُمْ وَالله مَا كَانَ قَتله لله رضى لقد قَتَلْتُمُوهُ بِلَا قَود وَلَا أحد وَلَا غَيره وهرب مَرْوَان
[ ٢ / ٢٦٧ ]
فَطلب فَلم يقدر عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى ذَلِك عَليّ مِنْهُم خرج إِلَى الْمَسْجِد وَصعد الْمِنْبَر وَحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس رَضِيتُمْ مني أَن أكون عَلَيْكُم أَمِيرا فَكَانَ أول من صعد إِلَيْهِ الْمِنْبَر طَلْحَة فَبَايعهُ بِيَدِهِ وَكَانَ إِصْبَع طَلْحَة شلاء فَرَآهُ أَعْرَابِي يُبَايع فَقَالَ يَد شلاء وَأمر لَا يتم فتطير عَليّ مِنْهَا وَقَالَ مَا أخلفه أَن يكون كَذَلِك ثمَّ بَايعه الزبير وَسعد وَأَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ثمَّ بلغ عليا أَن سَعْدا وَابْن عمر وَمُحَمّد بْن مسلمة يذكرُونَ هَنَات فَقَامَ عَليّ خَطِيبًا فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم بايعتموني على مَا بايعتم عَلَيْهِ أَصْحَابِي فَإِذا بايعتموني فَلَا خِيَار لكم عَليّ وعَلى الإِمَام الاسْتقَامَة وعَلى الرّعية التَّسْلِيم وَهَذِه بيعَة عَامَّة فَمن ردهَا رغب عَن دين الْمُسلمين وَاتبع غير سبيلهم وَلم تكن بيعَته إيَّايَ فلتة وَلَيْسَ أَمْرِي وأمركم وَاحِدًا أُرِيد اللَّه وتريدونني لأنفسكم وأيم اللَّه لأنصحن الْخصم ولأنصفن الْمَظْلُوم وَقد أَكثر النَّاس فِي قتل عُثْمَان فَمنهمْ من قد زعم أَنه قتل ظَالِما وَمِنْهُم من قد زعم أَنه قتل مَظْلُوما وَكَانَ الْإِكْثَار فِي ذَلِك على طَلْحَة وَالزُّبَيْر قَالَت قُرَيْش أَيهَا الرّجلَانِ إنَّكُمَا قد وقعتما فِي ألسن النَّاس فِي أَمر عُثْمَان فِيمَا وقعتما فِيهِ فَقَامَ طَلْحَة فِي النَّاس فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس مَا قُلْنَا
[ ٢ / ٢٦٨ ]
فِي عُثْمَان أمس إِلَّا نقُول لكم فِيهِ الْيَوْم مثله أَنه خلف الدُّنْيَا بِالتَّوْبَةِ وَمَال عَلَيْهِ قوم فَقَتَلُوهُ وَأمره إِلَى اللَّه ثمَّ قَامَ الزبير فَحَمدَ اتلله وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَصلى على النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن اللَّه اخْتَار من كل شَيْء شَيْئا وَاخْتَارَ من النَّاس مُحَمَّدًا ﷺ أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدَّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ وَاخْتَارَ من الشُّهُور رَمَضَان وَأنزل فِيهِ الْقُرْآن وَفرض فِيهِ الصّيام وَاخْتَارَ من الْأَيَّام يَوْم الْجُمُعَة فَجعله عيدا لأهل الْإِسْلَام وَاخْتَارَ من الْبلدَانِ هذَيْن الْحَرَمَيْنِ مَكَّة وَالْمَدينَة فَجعل بِمَكَّة الْبَيْت الْحَرَام وَجعل بِالْمَدِينَةِ حرم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجعل مَا بَين قَبره ومنبره رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَاخْتَارَ من الشورى التَّسْلِيم كَمَا اخْتَار هَذِه الْأَشْيَاء فأذهبت الشورى بالهوى وَالتَّسْلِيم بِالشَّكِّ وَقد تشاورنا فرضينا عليا وَأما إِن قتل عُثْمَان فَأمره إِلَى اللَّه فَلَمَّا رأى عَليّ اخْتِلَاف النَّاس فِي قتل عُثْمَان صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس أَقبلُوا عَليّ بأسماعكم وأبصاركم إِن النَّاس بَين حق وباطل فلئن عي أَمر الْبَاطِل لقديما مَا فعل وَإِن يكن الْحق قد غَابَ فَلَعَلَّ وَإِنِّي أَخَاف أَن أكون أَنا وَأَنْتُم قد أَصْبَحْنَا فِي فتْنَة وَمَا علينا فِيهَا إِلَّا الِاجْتِهَاد النَّاس اثْنَان وَثَلَاثَة لَا سادس لَهُم ملك
[ ٢ / ٢٦٩ ]
طَار بجناحيه أَو نَبِي أَخذ اللَّه بِيَدِهِ أَو عَامل مُجْتَهد أَو مُؤَمل يَرْجُو أَو مقصر فِي النَّار وَإِن اللَّه أدب هَذِه الْأمة بأدبين بِالسَّيْفِ وَالسَّوْط لَا هوادة عِنْد السُّلْطَان فيهمَا فاستتروا وَاسْتَغْفرُوا اللَّه فأصلحوا ذَات بَيْنكُم ثمَّ نزل وَعمد إِلَى بَيت المَال وَأخرج مَا فِيهِ وفرقه على الْمُسلمين ثمَّ بعث إِلَى سعد بْن أبي وَقاص وَعبد اللَّه بْن عمر وَمُحَمّد بْن مسلمة فَقَالَ لقد بَلغنِي عَنْكُم هَنَات فَقَالَ سعد صدقُوا لَا أُبَايِعك وَلَا أخرج مَعَك حَيْثُ تخرج حَتَّى تُعْطِينِي سَيْفا يعرف الْمُؤمن من الْكَافِر وَقَالَ لَهُ بْن عمر أنْشدك اللَّه وَالرحم أَن تحملنِي على مَا لَا أعرف وَالله لَا أبايع حَتَّى يجْتَمع الْمُسلمُونَ على من جمعهم اللَّه عَلَيْهِ وَقَالَ مُحَمَّد بْن مسلمة إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمرنِي إِذا اخْتلف أَصْحَابه أَلا أَدخل فِيمَا بَينهم وَأَن أضْرب بسيفي صَخْر أحد فَإِذا انْقَطع أقعد فِي بَيْتِي حَتَّى يأتيني يَد خاطئة أَو منية قاضية وَقد فعلت ذَلِك ثمَّ دَعَا عَليّ أُسَامَة بْن زيد وأراده على الْبيعَة فَقَالَ أُسَامَة أما الْبيعَة فإنني أُبَايِعك أَنْت أحب النَّاس إِلَيّ وآثرهم عِنْدِي وَأما الْقِتَال فانى عَاهَدت
[ ٢ / ٢٧٠ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن لَا أقَاتل رجلا يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَلَمَّا رَآهُمْ عَليّ مُخْتَلفين قَالَ أَخْرجُونِي من هَذِه الْبيعَة واختاروا لأنفسكم من أَحْبَبْتُم فَسَكَتُوا وَقَامُوا وَخَرجُوا فَدخل عَلَيْهِ الْمُغيرَة بْن شُعْبَة فَقَالَ يَا أَمِير المؤمين إِنِّي مشير عَلَيْك بخلال ثَلَاث فافعل أَيهَا شِئْت فَقَالَ مَا هِيَ يَا أَعور فَقَالَ إِنِّي أرى من النَّاس بعض التثاقل فِيك فَأرى أَن تَأتي بِحمْل ظهر فتركبه وتركض فِي الأَرْض هَارِبا من النَّاس فَإِنَّهُم إِذا رَأَوْا ذَلِك مِنْك ابتاعوا جمالا أظهر من جمالك وخيولا ثمَّ ركضوا فِي أثرك حَتَّى يدركوك حَيْثُ مَا كنت ويقلدوك هَذَا الْأَمر على اجْتِمَاع مِنْهُم شِئْت أَو أَبيت فَإِن لم تفعل هَذَا فَأقر مُعَاوِيَة على الشَّام كُله واكتب إِلَيْهِ كتابا بذلك تذكر فِيهِ من شرفه وَشرف آبَائِهِ وأعلمه أَنَّك سَتَكُون لَهُ خيرا من عمر وَعُثْمَان واردد عَمْرو بْن الْعَاصِ على مصر وَاذْكُر فِي كتابك شرفه وَقدمه فَإِنَّهُ رجل يَقع الذّكر مِنْهُ موقعا فَإِذا ثَبت الْأَمر أَذِنت لَهما حِينَئِذٍ فِي الْقدوم عَلَيْك تستخبرهما عَن الْبِلَاد وَالنَّاس ثمَّ تبْعَث بعاملين وتقرهما عنْدك فَإِن أَبيت فَاخْرُج من هَذِه الْبِلَاد فَإِنَّهَا لَيست بِبِلَاد كرَاع وَسلَاح فَقَالَ عَليّ أما مَا ذكرت من فراري من النَّاس فطيف أفر مِنْهُم وَقد بايعوني وَمَا أَمر مُعَاوِيَة وَعَمْرو بْن الْعَاصِ فَلَا يسألني اللَّه عَن إقرارهما سَاعَة وَاحِدَة فِي سلطاني وَمَا كنت متخذ المضلين عضدا وَأما خروجي من هَذِه الْبِلَاد إِلَى غَيرهَا فَإِنِّي نَاظر فِي ذَلِك فَخرج من عِنْده الْمُغيرَة ثمَّ عَاد وَهُوَ عازم على الْخُرُوج إِلَى الشَّام واللحوق بِمُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ
[ ٢ / ٢٧١ ]
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَشرت عَلَيْك بالْأَمْس فِي رَأْيِي بِمُعَاوِيَة وَعَمْرو إِن الرَّأْي أَن تعاجلهم بالنزع فقد عرف السَّامع من غَيره وتستقبل أَمرك ثمَّ خرج من عِنْده فَلَقِيَهُ بن عَبَّاس خَارِجا وَهُوَ دَاخل فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ قَالَ رَأَيْت الْمُغيرَة خَارِجا من عنْدك فيمَ جَاءَك قَالَ جَاءَنِي أمس بِرَأْي وَالْيَوْم برأى وَأخْبرهُ بالرأيين فَقَالَ بن عَبَّاس أما أمس فقد نصحك وَأما الْيَوْم فقد غشك قَالَ فَمَا الرَّأْي قَالَ بن عَبَّاس كَانَ الرَّأْي قبل الْيَوْم قَالَ على على ذَلِك قَالَ كَانَ الرَّأْي أَن تخرج إِلَى مَكَّة حَتَّى تدْخلهَا دَارا من دورها وتغلق عَلَيْك بابك فَإِن النَّاس لم يَكُونُوا ليدعوك وَإِن قُريْشًا كَانَت تضرب الصعب والذلول فِي طَلَبك لِأَنَّهَا لَا تَجِد غَيْرك فَأَما الْيَوْم فَإِن بني أُميَّة يستحسنون الطّلب بِدَم صَاحبهمْ ويشبهون على النَّاس بِأَن يلزموك شُعْبَة من أمره ويلطخونك من ذَلِك بِبَعْض اللطخ فهم على بالنهوض إِلَى الشَّام ليزور أَهلهَا وَينظر مَا رأى مُعَاوِيَة وَمَا هُوَ صانع فَجَاءَهُ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ فقا لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَقمت بِهَذِهِ الْبِلَاد لِأَنَّهَا الدرْع الحصينة ومهاجرة للنَّبِي ﷺ وَبهَا قَبره ومنبره ومادة الْإِسْلَام
[ ٢ / ٢٧٢ ]
فَإِن استقامت لَك الْعَرَب كنت فِيهَا كمن كَانَ وَإِن تشعب عَلَيْك قوم رميتهم بأعدائهم وَإِن ألجئت حِينَئِذٍ إِلَى الْمسير سرت وَقد أعذرت فَقَالَ عَليّ إِن الرِّجَال وَالْأَمْوَال بالعراق وَلنْ يصيبنا إِلَّا مَا كتب اللَّه لنا ثمَّ أَخذ بِمَا أَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وعزم على الْمقَام بِالْمَدِينَةِ وَبعث الْعمَّال على الْأَمْصَار فَبعث عُثْمَان بْن حنيف على الْبَصْرَة أَمِيرا وَعمارَة بْن حسان بْن شهَاب على الْكُوفَة وَعبيد اللَّه بْن عَبَّاس على الْيمن وَقيس بْن سعد على مصر وَسَهل بْن حنيف على الشَّام فَأَما سهل بْن حنيف فَإِنَّهُ خرج حَتَّى إِذا كَانَ بتبوك لقِيه خيل من أهل الشَّام فَقَالُوا لَهُ من أَنْت قَالَ أَمِير قَالُوا على أَي شَيْء قَالَ على الشَّام قَالُوا إِن كَانَ عُثْمَان بَعثك فحي هلا بك وَإِن كَانَ بَعثك غَيره فَارْجِع قَالَ مَا سَمِعْتُمْ بِالَّذِي كَانَ قَالُوا بلَى وَلَكِن ارْجع إِلَى بلدك فَرجع إِلَى عَليّ وَإِذا الْقَوْم أَصْحَاب وَأما قيس بْن سعد فَإِنَّهُ انْتهى إِلَى أَيْلَة فَلَقِيَهُ طلائع فَقَالُوا لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا من الْأَصْحَاب الَّذين قتلوا وشردوا من الْبِلَاد فَأَنا أطلب مَدِينَة آوي إِلَيْهَا فَقَالُوا من أَنْت قَالَ أَنا قيس بْن سعد بْن عبَادَة فَقَالُوا امْضِ بِنَا فَمضى قيس حَتَّى دخل مصر وَأظْهر لَهُم حَاله وَأخْبرهمْ أَنه ولي على مصر فافترق عَلَيْهِ أهل مصر فرقا فرقة
[ ٢ / ٢٧٣ ]
دخلت فِي الْجَمَاعَة وبايعت وَفرْقَة أَمْسَكت واعتزلت وَفرْقَة قَالَت إِن قيد من قَتله عُثْمَان فَنحْن مَعَه وَإِلَّا فلافكتب قيس بْن سعد بِجَمِيعِ مَا رأى من أهل مصر إِلَى عَليّ وَأما عبيد اللَّه بْن عَبَّاس فَإِنَّهُ خرج مُنْطَلقًا إِلَى الْيمن لم يعانده أحد وَلم يصده عَنْهَا صَاد حَتَّى دَخلهَا فضبطها لعَلي وَأما عمَارَة بْن حسان بْن شهَاب فَإِنَّهُ أقبل عَامِدًا إِلَى الْكُوفَة حَتَّى إِذا كَانَ بزبالة لقِيه طليحة بْن خويلد الْأَسدي وَهُوَ خَارج إِلَى الْمَدِينَة يطْلب دم عُثْمَان فَقَالَ طليحة من أَنْت قَالَ أَنا عمَارَة بْن حسان بْن شهَاب قَالَ مَا جَاءَ بك قَالَ بعثت إِلَى الْكُوفَة أَمِيرا قَالَ وَمن بَعثك قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ قَالَ الْحق بطيتك فَإِن الْقَوْم لَا يُرِيدُونَ بأميرهم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بَدَلا فَرجع عمَارَة إِلَى عَليّ وَأخْبرهُ الْخَبَر وَأقَام طليحة بزبالة وَأما عُثْمَان بْن حنيف فَإِنَّهُ مضى يُرِيد الْبَصْرَة وَعَلَيْهَا عَبْد اللَّه بْن عَامر بْن كريز وَبلغ أهل الْبَصْرَة قتل عُثْمَان فَقَامَ بْن عَامر فَصَعدَ الْمِنْبَر وخطب وَقَالَ إِن خليفتكم قتل مَظْلُوما وبيعته فِي أَعْنَاقكُم ونصرته مَيتا كنصرته حَيا وَالْيَوْم مَا كَانَ أمس وَقد بَايع النَّاس عليا وَنحن طالبون بِدَم عُثْمَان فأعدوا للحرب عدتهَا فَقَالَ لَهُ حَارِثَة بْن قدامَة يَا بن عَامر إِنَّك لم تملكنا عنْوَة وَقد قتل عُثْمَان بِحَضْرَة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَبَايع النَّاس عليا فَإِن أقرك أطعناك وَإِن عزلك عصيناك فَقَالَ بن عَامر موعدك الصُّبْح فَلَمَّا أَمْسَى تهَيَّأ لِلْخُرُوجِ وهيأ مراكبه
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَاتخذ اللَّيْل جملا يُرِيد الْمَدِينَة واستخلف عَبْد اللَّه بْن عَامر الْحَضْرَمِيّ على الْبَصْرَة فَأصْبح النَّاس يتشاورون فِي بن عَامر وأخبروا بِخُرُوجِهِ فَلَمَّا قدم بن عَامر الْمَدِينَة أَتَى طَلْحَة وَالزُّبَيْر فَقَالَا لَهُ لَا مرْحَبًا بك وَلَا أَهلا تركت الْعرَاق وَالْأَمْوَال وأتيت الْمَدِينَة خوفًا من عَليّ ووليتها غَيْرك واتخذت اللَّيْل جملا فَهَلا أَقمت حَتَّى يكون لَك بالعراق فِئَة قَالَ بْن عَامر فَأَما إِذا قلتما هَذَا فلكما عَليّ مائَة ألف سيف وَمَا أردتما من المَال ثمَّ أَتَت أم كُلْثُوم بنت عَليّ أَبَاهَا وَتَحْت عمر بْن الْخطاب فَقَالَت لَهُ إِن عَبْد اللَّه بْن عمر رجل صَالح وَأَنا أتكفل مَا يَجِيء مِنْهُ لَك فَلَمَّا كَانَ من قدوم بن عَامر الْمَدِينَة جَاءَ بن إِلَيْهَا فَقَالَ يَا أُمَّاهُ نك قد كفلت فِي وَأَنا أُرِيد الْخُرُوج إِلَى الْعمرَة السَّاعَة وَلست بداخل فِي شَيْء يكرههُ أَبوك غير أَنِّي مُمْسك حَتَّى يجْتَمع النَّاس فَإِن شِئْت فأذني وَإِن شِئْت فابعثيني إِلَى أَبِيك قَالَت لَا بل اذْهَبْ فِي حفظ الله وَتَحْت كنفه وَانْطَلق بن عمر مُعْتَمِرًا فَلَمَّا أصبح النَّاس أَتَوا عليا فَقَالُوا قد حدث البارحة حدث هُوَ أَشد من طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَمُعَاوِيَة قَالَ عَليّ وَمَا ذَاك قَالُوا خرج بن عمر إِلَى الشَّام فَأتى على السُّوق وَجعل يعد طلابا ليرد بن عمر فَسمِعت
[ ٢ / ٢٧٥ ]
أم كُلْثُوم بذلك فركبت بغلتها حَتَّى أَتَت أَبَاهَا فَقَالَت إِن الْأَمر على غير مَا بلغك وحدثته بِمَا ذكر لَهَا بْن عمر فطابت نفس عَليّ بذلك فَمَا انصرفوا من السُّوق حَتَّى جَاءَهُم بعض القدام من الْعمرَة وَأَخْبرُوهُ أَنهم رَأَوْا بن عمر وَآخر مَعَه على حِمَارَيْنِ محرمين بكساءين ثمَّ كتب عَليّ غلى مُعَاوِيَة يسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم من عَبْد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِنَّهُ قد بلغك مَا كَانَ من مصاب عُثْمَان وَمَا اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ من بيعتي فَادْخُلْ فِي السَّلَام كَمَا دخل النَّاس وَإِلَّا فَأذن بِحَرب كَمَا يُؤذن أهل الْفرْقَة وَالسَّلَام وَبعث كِتَابه مَعَ سُبْرَة الْجُهَنِيّ وَالربيع بْن سُبْرَة فَلَمَّا قدم سُبْرَة بِكِتَاب عَليّ وَدفعه إِلَى مُعَاوِيَة جعل يتَرَدَّد فِي الْجَواب مُدَّة فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ دَعَا مُعَاوِيَة رجلا من عبس يدعى قبيصَة فَدفع إِلَيْهِ طومارا مَخْتُومًا عنوانه من مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب وَقَالَ لَهُ إِذا دخلت الْمَدِينَة فاقبض على أَسْفَل الطومار وأبرزه وأوصاه بِمَا يَقُول ويعثه مَعَ سُبْرَة رَسُول عَليّ فَقدما الْمَدِينَة فَرفع الْعَبْسِي الطومار كَمَا أَمر مُعَاوِيَة فَخرج النَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ وَعَلمُوا حِينَئِذٍ أَن مُعَاوِيَة معترض معاند فَلَمَّا دخلا على عَليّ دفع إِلَيْهِ الْعَبْسِي الطومار ففض عَن خَاتمه فَلم يجد فِي جَوْفه شَيْئا فَقَالَ لسبرة مَا وَرَاءَك قَالَ تركت قوما لَا يرضون إِلَّا بالقود وَقد تركت سِتِّينَ ألف شيخ يَبْكُونَ تَحت قَمِيص عُثْمَان
[ ٢ / ٢٧٦ ]
فَقَالَ عَليّ أمني يطْلبُونَ دم عُثْمَان ثمَّ كتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ على الْكُوفَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن قيس الْأَشْعَرِيّ سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِنَّهُ قد بلغك مَا كَانَ من مصاب عُثْمَان وَمَا اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ من بيعتي فَادْخُلْ فِيمَا دخل فِيهِ النَّاس وَرغب أهل ملكك فِي السّمع وَالطَّاعَة واكتب إِلَيّ بِمَا كَانَ مِنْك وَمِنْهُم إِن شَاءَ اللَّه وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَبعث الْكتاب مَعَ معبد الْأَسْلَمِيّ فَلَمَّا قدم معبد الْكُوفَة دَعَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ النَّاس إِلَى طَاعَة عَليّ فَأَجَابُوهُ طائعين وَكتب إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم لعبد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ من عَبْد اللَّه بْن قيس سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فقد قَرَأت كتابك ودعوت من قبلي الْمُسلمين فَسَمِعُوا وأطاعوا وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته وَدفع كِتَابه إِلَى معبد وَكَانَت عَائِشَة خرجت معتمرة فَلَمَّا قَضَت عمرتها نزلت على بَاب الْمَسْجِد وَاجْتمعَ إِلَيْهَا النَّاس فَقَالَت أَيهَا النَّاس إِن الغوغاء من أهل الْأَمْصَار وَعبيد أهل الْمَدِينَة اجْتَمعُوا على هَذَا الرجل الْمَقْتُول بالْأَمْس ظلما وَاسْتَحَلُّوا الْبَلَد الْحَرَام وسفكوا الدَّم الْحَرَام فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَامر هَا أَنا ذَا أول طَالب بدمه فَكَانَ أول من انتدب لذَلِك وَلما كثر الِاخْتِلَاف بِالْمَدِينَةِ اسْتَأْذن طَلْحَة وَالزُّبَيْر عليا فِي الْعمرَة
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فَقَالَ لَهما مَا الْعمرَة تريدان وَقد قلت لَكمَا قبل بيعتكما لي أيكما شَاءَ بايعته فأبيتما إِلَّا بيعتي وَقد أَذِنت لَكمَا فاذهبا راشدين فَخَرَجَا إِلَى مَكَّة وتبعهما عَبْد اللَّه بْن عَامر بْن كريز فَلَمَّا لحقهما قَالَ لَهما ارتحلا فقد بلغتما حاجتكما فَاجْتمعُوا مَعَ عَائِشَة بِمَكَّة وَبهَا جمَاعَة من بني أُميَّة ثمَّ جمع مُعَاوِيَة أهل الشَّام على محاربة عَليّ والطلب بالقود من الدَّم عُثْمَان واحتال فِي قيس بْن سعد بْن عبَادَة وَكَانَ واليا على مصر وَكتب إِلَى عَليّ كتابا يمرغ فِيهِ مُعَاوِيَة فَلَمَّا قَرَأَ عَليّ الْكتاب عزل قيسا وَولي عَلَيْهَا مُحَمَّد بْن أبي بكر وَخرج قسطنطين بْن هِرقل بالمراكب يُرِيد الْمُسلمين فَسلط اللَّه عَلَيْهِم ريحًا قاصفا فغرقهم وَنَجَا قسطنطين بْن هِرقل حَتَّى انْتهى إِلَى سقلية فصنعت الرّوم حَماما فَلَمَّا دَخَلُوهُ قَتَلُوهُ فِيهِ وَقَالُوا لَهُ قتلت رجالنا ثمَّ حج بِالنَّاسِ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس أمره عَليّ على الْحَج فَلَمَّا انْصَرف أجمع طَلْحَة وَالزُّبَيْر على الْمسير بعائشة فَقَالَ طَلْحَة مَا لنا أَمر أبلغ فِي استمالة النَّاس إِلَيْنَا من شخوص بْن عمر مَعنا وَكَانَ من أمره فِي عُثْمَان وخلافه لَهُ على مَا يُعلمهُ من يُعلمهُ فَأَتَاهُ طَلْحَة
[ ٢ / ٢٧٨ ]
فَقَالَ يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن إِن عَائِشَة قصدت الْإِصْلَاح بَين النَّاس فاشخص مَعنا فَإِن لنا بك أُسْوَة فَقَالَ بْن عمر أتخدعونني لتخرجوني كَمَا تخرج الأرنب من جحرها إِن النَّاس إِنَّمَا يخدعون بالوصيف والوصيفة وَالدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَلست من أُولَئِكَ قد تركت هَذَا الْأَمر عيَانًا وَأَنا أدعى إِلَيْهِ فِي عَافِيَة فَاطْلُبُوا لأمركم غيرى فَقَالَ طَلْحَة يُغني اللَّه عَنْك وَقدم يعلى بْن أُميَّة من الْيمن وَقد كَانَ عَاملا عَلَيْهَا بأربعمائة من الْإِبِل فَدَعَاهُمْ إِلَى الحملان فَقَالَ لَهُ الزبير دَعْنَا من إبلك هَذِه وَلَكِن أقرضنا من هَذَا المَال فَأعْطَاهُ سِتِّينَ ألف دِينَار وَأعْطى طَلْحَة أَرْبَعِينَ ألف دِينَار فتجهزوا وأعطوا من خف مَعَهم فَلَمَّا دخلت السّنة السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ تشاوروا فِي مَسِيرهمْ فَقَالَ الزبير عَلَيْكُم بِالشَّام بهَا الْأَمْوَال وَالرِّجَال وَقَالَ بْن عَامر الْبَصْرَة فَإِن غلبتهم عَلَيْهَا فلكم الشَّام إِن مُعَاوِيَة قد سبقكم إِلَى الشَّام وَهُوَ بن عَم عُثْمَان وَإِن الْبَصْرَة لي بهَا صنائع ولأهلها فِي طَلْحَة هوى وَكَانَت عَائِشَة تَقول نقصد الْمَدِينَة فَقَالُوا لَهَا
[ ٢ / ٢٧٩ ]
يَا أم الْمُؤمنِينَ دعِي الْمَدِينَة فَإِن من مَعَك لَا يقرنون لتِلْك الغوغاء واشخصي مَعنا إِلَى الْبَصْرَة فَإِن أصلح اللَّه هَذَا الْأَمر كَانَ الَّذِي نُرِيد وَإِلَّا فقد بلغنَا وَيقْضى اللَّه فِيهِ مَا أحب وكلموا حَفْصَة ابْنة عمر أَن تخرج مَعَهم فَقَالَت رَأْيِي تبع لرَأى عَائِشَة فَأَتَاهَا عَبْد اللَّه بْن عمر فناشدها اللَّه أَن تخرج فَقَعَدت وَبعث إِلَى عَائِشَة أَن أخي حَال بيني وَبَين الْخُرُوج فَقَالَت يغْفر اللَّه لِابْنِ عمر ثمَّ نَادَى منادى طَلْحَة وَالزُّبَيْر من كَانَ عِنْده مركب وجهاز وَإِلَّا فَهَذَا جهاز ومركب فحملوا على سِتّمائَة نَاقَة سوى من كَانَ لَهُ مركب وَكَانُوا نَحْو ألف نفس وتجهزوا بِالْمَالِ وشيعهم نسَاء النَّبِي ﷺ وَكَانَ كُلهنَّ بِمَكَّة حاجات إِلَّا أم سَلمَة فَإِنَّهَا سَارَتْ إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا بلغُوا ذَات عرق ودعت أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وبكين وَبكى النَّاس فَمَا رَأَوْا بكاء أَكثر من ذَلِك الْيَوْم وسمى يَوْم النحيب وجعلن يدعونَ على قتلة عُثْمَان الَّذين سَفَكُوا فِي حرم رَسُول اللَّهِ ﷺ الدَّم الْحَرَام ثمَّ انصرفن وَمَضَت عَائِشَة وَهِي تَقول اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي لَا أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح فَأصْلح بَينهم وَبعثت أم الْفضل حِين خرجت عَائِشَة وَمن مَعهَا من مَكَّة إِلَى عَليّ رجلا من جُهَيْنَة قَالَت اقْتُل فِي كل مرحلة بَعِيرًا وعَلى ثمنه
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وَهَذِه مائَة دِينَار وَكِسْوَة وكتبت مَعَه أما بعد فَإِن طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة خَرجُوا من مَكَّة يُرِيدُونَ الْبَصْرَة فَقدم الْمَدِينَة وَأعْطى عليا الْكتاب فدعى على مُحَمَّد بْن أبي بكر فَقَالَ لَهُ أَلا ترى إِلَى أختك خرجت مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر فَقَالَ مُحَمَّد بْن أبي بكر إِن اللَّه مَعَك وَلنْ يخذلك وَالنَّاس ناصروك ثمَّ قَامَ عَليّ فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس تهيؤا لِلْخُرُوجِ إِلَى قتال أهل الْفرْقَة فَإِنِّي سَائِر إِن شَاءَ اللَّه إِن اللَّه بعث رَسُولا صَادِقا بِكِتَاب نَاطِق وَأمر وَاضح لَا يهْلك عَنهُ إِلَّا هَالك وَإِن فِي سُلْطَان اللَّه عصمَة أَمركُم فَأَعْطوهُ طاعتكم وَقد قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِن الْإِسْلَام ليأرز إِلَى الْمَدِينَة كَمَا تأرز الْحَيَّة إِلَى جحرها انهضوا إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذين يُرِيدُونَ تَفْرِيق جماعتكم لَعَلَّ اللَّه يصلح بكم ذَات الْبَين وَبعث على الْحُسَيْن بْن عَليّ وعمار بْن يَاسر إِلَى الْكُوفَة لاستنفارهم فَلَمَّا قدمُوا الْكُوفَة قَامَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي النَّاس وَكَانَ واليا عَلَيْهَا وَأخْبرهمْ بقدوم الْحسن واستنفاره إيَّاهُم إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ
[ ٢ / ٢٨١ ]
على إصْلَاح الْبَين وَقدم زيد بْن صوحان من عِنْد عَائِشَة مَعَه كِتَابَانِ من عَائِشَة إِلَى أبي مُوسَى وَالِي الْكُوفَة وَإِذا فِي كل كتاب مِنْهُمَا بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم من عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن قيس الْأَشْعَرِيّ سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِنَّهُ قد كَانَ من قتل عُثْمَان مَا قد علمت وَقد خرجت مصلحَة بَين النَّاس فَمر من قبلك بالقرار فِي مَنَازِلهمْ وَالرِّضَا بالعافية حَتَّى يَأْتِيهم مَا يحبونَ من صَلَاح أَمر الْمُسلمين فَإِن قتلة عُثْمَان فارقوا الْجَمَاعَة وَأَحلُّوا بِأَنْفسِهِم الْبَوَار فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَيْنِ وثب عمار بْن يَاسر فَقَالَ أمرت عَائِشَة بِأَمْر وأمرنا بِغَيْرِهِ أمرت أَن تقر فِي بَيتهَا وأمرنا أَن نُقَاتِل حَتَّى لَا تكون فتْنَة فَهُوَ ذَا تَأْمُرنَا بِمَا أمرت وَركبت مَا أمرنَا بِهِ ثمَّ قَالَ هَذَا بْن عَم رَسُول اللَّهِ ﷺ فاخرجوا إِلَيْهِ ثمَّ انْظُرُوا فِي الْحق وَمن الْحق مَعَه ثمَّ قَامَ الْحسن بْن عَليّ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أجِيبُوا دَعْوَة أميركم وسيروا إِلَى إخْوَانكُمْ لَعَلَّ اللَّه يصلح بَيْنكُم ثمَّ قَامَ هِنْد بْن عَمْرو البَجلِيّ فَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد دَعَانَا وَأرْسل إِلَيْنَا ابْنة فاتبعوا قَوْله وانتهوا إِلَى أمره فَقَامَ حجر بْن عدي الْكِنْدِيّ فَقَالَ أَيهَا النَّاس أجِيبُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ وانفروا خفافًا وثقالا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ قَالَ الْحسن
[ ٢ / ٢٨٢ ]
أَيهَا النَّاس إِنِّي غاد فَمن شَاءَ مِنْكُم فَليخْرجْ معي على الظّهْر وَمن شَاءَ فَليخْرجْ فِي المَاء فَأَجَابُوهُ وَخرج مَعَه تِسْعَة آلَاف نفس بَعضهم على الْبر وَبَعْضهمْ على المَاء وَسَارُوا حَتَّى بلغُوا ذَا قار وَخرج عَليّ من الْمَدِينَة مَعَه سِتّمائَة رجل وَخلف على الْمَدِينَة سهل بْن حنيف فَالتقى هُوَ وَابْنه الْحسن مَعَ من خرج مَعَه من الْكُوفَة بِذِي قار فَخَرجُوا جَمِيعًا إِلَى الْبَصْرَة وَلم يدْخل على الْكُوفَة وَكتب إِلَى الْمَدِينَة إِلَى سهل بْن حنيف أَن يقدم عَلَيْهِ ويولي على الْمَدِينَة أَبَا حسن الْمَازِني والتقى مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة بالجلحاء على فرسخين من الْبَصْرَة وَذَلِكَ لخمس خلون من جُمَادَى الْآخِرَة وَكَانَ على كثيرا مَا يَقُول يَا عجب كل الْعجب من جُمَادَى وَرَجَب فَكَانَ من أَمرهم مَا كَانَ وَقتل بن جرموز الزبير ثمَّ أَتَى عليا يُخبرهُ فَقَالَ عَليّ سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول قَاتل بن صَفِيَّة بالنَّار فَقَالَ بن جرموز إِن قتلنَا مَعكُمْ فَنحْن فِي النَّار وَإِن قاتلناكم فَنحْن فِي النَّار ثمَّ بعج بَطْنه بِسَيْفِهِ فَقتل نَفسه وَأما طَلْحَة فَرَمَاهُ مَرْوَان بْن الحكم بِسَهْم من وَرَائه فأثبته فِيهِ وَقَتله وَحمله إِلَى الْبَصْرَة فَمَاتَ بهَا
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فقبر طَلْحَة بِالْبَصْرَةِ وَقتل الزبير بوادى السبَاع وَكَانَ كعهب بْن سور قد علق الْمُصحف فِي عُنُقه ثمَّ يَأْتِي هَؤُلَاءِ فيذكرهم وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ فيذكرهم حَتَّى قتل وَكَانَ عَليّ يُنَادي مناديه لَا تقتل مُدبرا وَلَا تذفف على جريح وَمن أغلق بَابه فَهُوَ آمن وَمن طرح السِّلَاح فَهُوَ آمن وَلم يقتل بعد آن وَاحِدًا فَلَمَّا اطْمَأَن النَّاس بعث عَليّ بعائشة مَعَ نسَاء من أهل الْعرَاق إِلَى الْمَدِينَة وَأقَام بِالْبَصْرَةِ خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ خرج إِلَى الْكُوفَة وَولي على الْبَصْرَة عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَولي الْوُلَاة فِي الْبلدَانِ وَكتب إِلَى المدن بالقرار وَالطَّاعَة ثمَّ إِن أَبَا مُسلم الْخَولَانِيّ قَالَ لمعاوية على مَا تقَاتل عليا وَهُوَ بْن عَم رَسُول اللَّهِ ﷺ وَله من الْقدَم والسابقة مَا لَيْسَ لَك وَإِنَّمَا أَنْت رجل من الطُّلَقَاء فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة أجل وَالله مَا نُقَاتِل عليا وَأَنا لست أدعى فِي الْإِسْلَام مثل الَّذِي لَهُ وَلَكِن أقاتله على دم أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بْن عَفَّان وَأَنا أطلبه بدمه فَقَالَ أَبُو مُسلم إِنِّي
[ ٢ / ٢٨٤ ]
أستخرل لَك عَن ذَلِك فَركب رَاحِلَته وانتهي إِلَى الْكُوفَة ثمَّ نزل عَن رَاحِلَته وأتى عليا مَاشِيا وَالنَّاس عِنْده وَلَا يعرفهُ أحد فَقَالَ من قتل عُثْمَان فَقَالَ عَليّ اللَّه قتل عُثْمَان وَأما مَعَه فَخرج أَبُو مُسلم وَلم يتَكَلَّم وَمضى حَتَّى انْتهى إِلَى رَاحِلَته فركبها وَلحق بِالشَّام فانتهي إِلَى مُعَاوِيَة وَهُوَ يثقل فَقيل لَهُ هَذَا أَبُو مُسلم قد جَاءَ فعانقه مُعَاوِيَة وَسَأَلَهُ عَن سَفَره وَخَافَ أَن يكون قد جَاءَ بِشَيْء مِمَّا يكره فَقَالَ أَبُو مُسلم وَالله لتقاتلن عليا أَو لنقاتلنه فَإِنَّهُ قد أقرّ بقتل أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان فَقَامَ مُعَاوِيَة فَرحا وَصعد الْمِنْبَر وَاجْتمعَ إِلَيْهِ النَّاس وَحمد اللَّه وأثني عَلَيْهِ وَقَامَ أَبُو مُسلم خَطِيبًا وحرض النَّاس على قتال عَليّ فصح خُرُوج أهل الشَّام قاطبة على عَليّ وطلبهم إِيَّاه بِدَم عُثْمَان ثمَّ إِن حجر بْن الأدبر قدم على عَليّ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْجَمَاعَة وَالْعدَد وَالْمَال مَعَ الْأَشْعَث بْن قيس بآذربيجان فَابْعَثْ إِلَيْهِ فليقدم فَكتب إِلَيْهِ عَليّ بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم من عَبْد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْأَشْعَث بْن قيس أما بعد فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فأقدم وأحمل مَا غللت من المَال فَكتب إِلَيْهِ الْأَشْعَث بْن قيس أما بعد فقد جَاءَنِي كتابك بِأَن أقدم عَلَيْك وأحمل مَا غللت من مَال الله
[ ٢ / ٢٨٥ ]
فَمَا أَنْت وَذَاكَ وَالسَّلَام ثمَّ قَالَ الْأَشْعَث وَالله لأدعنه بِحَال مضيعة ولأفسدن عَلَيْهِ الْكُوفَة ثمَّ ارتحل من أذربيجان وَهُوَ يُرِيد مُعَاوِيَة وَبلغ ذَلِك عليا وشق عَلَيْهِ خُرُوجه إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ حجر بْن الأدبر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ابعثني إِلَى الْأَشْعَث بن قيس فَأَنا أعرف بِهِ وأرفق وَإِن هُوَ خوشن لم يجب أحدا قَالَ لَهُ عَليّ سر إِلَيْهِ فَسَار حجر إِلَيْهِ فأدركه بشهرزور فَقَالَ لَهُ حجر يَا أَبَا مُحَمَّد أنْشدك اللَّه أَن تَأتي مُعَاوِيَة وَتَدَع بْن عَم رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الْأَشْعَث أوما سَمِعت كِتَابه إِلَيّ فَقَالَ حجر إِنَّك إِن أتيت مُعَاوِيَة أَقبلنَا جَمِيعًا إِلَى الشَّام وأنشدك اللَّه أَلا نظرت إِلَى أَيْتَام قَوْمك وأياماهم فانى لَا آمن أَن يفتضحوا غَدا قَالَ فَمَا تُرِيدُ يَا حجر قَالَ تنحدر معي إِلَى الْكُوفَة فَإنَّك شيخ الْعَرَب وسيدها والمطاع فِي قَوْمك وسيصير إِلَيْك الْأَمر فَلم يزل بِهِ حجر حَتَّى قَالَ ليصرفوا صُدُور الركائب إِلَى الْكُوفَة فَتقدم على عَليّ فسر عَليّ بمجيئه فَقَالَ مرْحَبًا وَأهلا بِأبي مُحَمَّد عَليّ عجلته فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا لَيْسَ بِيَوْم عتاب ثمَّ أَقَامَ مَعَ على بِالْكُوفَةِ وَحج بِالنَّاسِ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس بِأَمْر عَليّ ولاه فَلَمَّا دخلت السّنة السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَليّ بْن أَبى طَالب أما بعد فَإِن اللَّه اصطفي مُحَمَّدًا ﷺ بِعِلْمِهِ وَجعله الْأمين على وحيه وَالرَّسُول إِلَى
[ ٢ / ٢٨٦ ]
خلقه وَاخْتَارَ لَهُ من الْمُسلمين أعوانًا فَكَانُوا فِي مَنَازِلهمْ عِنْده على قدر فضائلهم فِي الْإِسْلَام كَانَ أفضلهم فِي الْإِسْلَام وأنصحهم لله وَلِرَسُولِهِ الْخَلِيفَة بعده وَخَلِيفَة خَلِيفَته الْمَظْلُوم الْمَقْتُول ﵀ عَلَيْهِم وَقد ذكر لي أَنَّك تَنْتفِي من دَمه فَإِن كنت صَادِقا فأمكنا مِمَّن قَتله حَتَّى نَقْتُلهُ بِهِ وَنحن أسْرع إِلَيْك إِجَابَة وأطوعهم طَاعَة وإى فَإِنَّهُ لَيْسَ لَك وَلَا لأحد من أَصْحَابك عندنَا إِلَّا السَّيْف وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره لنطلبن قتلة عُثْمَان فِي الْجبَال والرمال حَتَّى يقتلهُمْ اللَّه أَو تلْحق أَرْوَاحنَا بعثمان وَالسَّلَام فَكتب إِلَيْهِ عَليّ بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم من عَبْد اللَّه عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان أما بعد فَإِن أَخا خولان قدم عَليّ بِكِتَاب مِنْك يذكر فِيهِ مُحَمَّد ﷺ وَمَا أنعم اللَّه عَلَيْهِ من الْهدى وَالْحَمْد لله على ذَلِك وَأما مَا ذكرت من ذكر الْخُلَفَاء فلعمري إِن مقامهم فِي الْإِسْلَام كَانَ عَظِيما وَإِن الْمُصَاب بهم لجرح عَظِيم فِي الْإِسْلَام وَأما مَا ذكرت من قتلة عُثْمَان فَإِنِّي قد نظرت فِي هَذَا الْأَمر فَلم يسعني دفعهم إِلَيْك وَقد كَانَ أَبوك أَتَانِي حِين ولى النَّاس أَبَا بكر فَقَالَ لي يَا عَليّ أَنْت أَحَق النَّاس بِهَذَا الْأَمر بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ وهات يدك حَتَّى أُبَايِعك
[ ٢ / ٢٨٧ ]
فَلم أفعل مَخَافَة الْفرْقَة فِي الْإِسْلَام فأبوك أعرف بحقي مِنْك فَإِن كنت تعرف من حَقي مَا كَانَ يعرفهُ أَبوك فقد قصدت رشدك وَإِن لم تفعل فسيغني اللَّه عَنْك وَالسَّلَام فَلَمَّا قَرَأَ مُعَاوِيَة الْكتاب تهَيَّأ هُوَ وَمن مَعَه على الْمسير إِلَى عَليّ ثمَّ سَار يُرِيد الْعرَاق وَسَار عَليّ من الْعرَاق وَصلى الظّهْر بَين القنطرة واالجسر رَكْعَتَيْنِ وَبعث على مقدمته شُرَيْح بْن هَانِئ وَزِيَاد بْن النَّضر بْن مَالك أَمر أَحدهمَا أَن يَأْخُذ على شط دجلة وَالْآخر على شط الْفُرَات مَعَهُمَا أَكثر من عشرَة آلَاف نفس واستخلف على الْكُوفَة أَبَا مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ثمَّ أَخذ على طَرِيق الْفُرَات وَجعل يَقُول إِذا سمعتموني أَقُول قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَمَا أَقُول وَإِذا لم أقل قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِنَّمَا الْحَرْب خدعة فَالتقى عَليّ وَأهل الشَّام بصفين لسبع بَقينَ من الْمحرم فَقَامَ عَليّ خَطِيبًا فِي النَّاس فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي لَا يبرم مَا نقض وَإِن أبرم أمرا لم ينْقضه الناقضون مَعَ أَن الله وَله الْحَمد لَو شَاءَ لم يخْتَلف اثْنَان من خلقه وَلَا تنازعت الْأمة فِي شَيْء من أمره وَلَا جحد الْمَفْضُول ذَا الْفضل فَضله وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ وَقد ساقتنا وَهَؤُلَاء الْمَقَادِير حَتَّى جمعت بَيْننَا فِي هَذَا الْمَكَان فَنحْن من رَبنَا بمنظر ومستمع وَلَو
[ ٢ / ٢٨٨ ]
شَاءَ اللَّه لجعل الانتقام وَكَانَ مِنْهُ التَّغْيِير حَتَّى يتَبَيَّن أهل الْبَاطِل وَيعلم أهل الْحق أَيْن مصيره وَلكنه جعل الدُّنْيَا دَار الْأَعْمَال وَجعل الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرار ليجزى الَّذين اساءوا الْآيَة أَلا إِنَّكُم تلقونَ عَدوكُمْ غَدا فأطيلوا اللَّيْلَة الْقيام وَأَكْثرُوا فِيهَا تِلَاوَة الْقُرْآن وَسَلُوهُ النَّصْر وَعَلَيْكُم بالجد والحزم وَكُونُوا صَادِقين ثمَّ قعد فَوَثَبَ النَّاس إِلَى سيوفهم يهيؤنها وَإِلَى رماحهم يثقفونها وَإِلَى نبالهم يريشونها ثمَّ جعل عَليّ مقدمته شُرَيْح بْن هَانِئ الْحَارِثِيّ وَالْأَشْتَر وعَلى الميمنة الْأَشْعَث بْن قيس وعَلى الميسرة عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وعَلى الرجالة عَبْد اللَّه بن بديل بْن وَرْقَاء وعَلى السَّاقَة زِيَاد بن النَّضر وعَلى ميمنة الرجالة سُلَيْمَان بْن صرد الْخُزَاعِيّ ثمَّ قَامَ مُعَاوِيَة خَطِيبًا فِي أهل الشَّام وَاجْتمعَ النَّاس فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي دنا فِي علوه وَعلا فِي دنوه وَظهر وبطن فارتفع فَوق كل منظر أَولا وآخرًا وظاهرًا وَبَاطنا يقْضِي فيفصل وَيقدر فَيغْفر وَيفْعل مَا يَشَاء وَإِذا أَرَادَ أمرا أَمْضَاهُ وَإِذا عزم على أَمر قَضَاهُ لَا يؤامر أحدا فِيمَا يملك وَلَا يسئل عَمَّا يفعل وهم يسئلون وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على مَا أحببنا وكرهنا ثمَّ كَانَت من قَضَاء اللَّه أَن ساقتنا الْمَقَادِير إِلَى
[ ٢ / ٢٨٩ ]
هَذِه الرقعة من الأَرْض ولقت بَيْننَا وَبَين أهل الْعرَاق فَنحْن من اللَّه بمنظر ومستمع وَقد قَالَ اللَّه وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا الْآيَة فانظروا يَا لأهل الشَّام فَإِنَّمَا تلقونَ غَدا الْعَدو فكونوا على إِحْدَى ثَلَاث خلال إِمَّا قوما تطلبون مَا عِنْد اللَّه بقتالكم قوما بغوا عَلَيْكُم وَإِمَّا قوما تكلبون بِدَم الْخَلِيفَة عُثْمَان فَإِنَّهُ خليفتكم وصهر نَبِيكُم وَإِمَّا قوما تدفعون عَن نِسَائِكُم وذراريكم وَعَلَيْكُم بتقوى اللَّه وَالصَّبْر الْجَمِيل نسْأَل اللَّه لنا وَلكم النَّصْر وَأَن يفرغ علينا وَعَلَيْكُم الصَّبْر وَأَن يفتح بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ خير الفاتحين فَأَجَابَهُ أهل الشَّام طب نفسا نموت مَعَك ونحيى مَعَك ثمَّ جعل مُعَاوِيَة أَبَا الْأَعْوَر عَمْرو بْن سُفْيَان السّلمِيّ على مقدمته وحبِيب بْن مسلمة الفِهري على ميمنته وَبسر بْن أَرْطَأَة على ميسرته وَمُسلم بْن عقبَة على رجالة الْعَسْكَر فَلَمَّا كَانَ الْغَد اقْتَتَلُوا قتالا شَدِيدا فحجز بَينهم اللَّيْل حَتَّى قَاتلُوا ثَلَاثَة أَيَّام فَقتل من أَصْحَاب على بالمبارزة هَاشم بْن عتبَة بْن أبي وَقاص ة عمار بْن يَاسر وَعبد اللَّه بْن بديل بْن وَرْقَاء وعمار بْن حَنْظَلَة الْكِنْدِيّ وَبشر بْن زُهَيْر وَمَالك بن كَعْب العامري وطالب بن كُلْثُوم الْهَمدَانِي والمرتفع
[ ٢ / ٢٩٠ ]
بْن وضاح الزبيدِيّ وَشُرَيْح بْن طَارق الْبكْرِيّ وَأسلم بْن يزِيد الْحَارِثِيّ والْحَارث بْن اللجاج الْحكمِي وعائذ بْن كريب الْهِلَالِي وواصل بْن ربيعَة الشَّيْبَانِيّ وعائذ بْن مَسْرُوق الْهَمدَانِي وَمُسلم بْن سعيد الْبَاهِلِيّ ومحارب بْن ضرار الْمرَادِي وَسليمَان بْن الْحَارِث الْجعْفِيّ وشرحبيل بْن يزِيد الْحَضْرَمِيّ وَقتل من أَصْحَاب مُعَاوِيَة فِي المبارزة شُرَحْبِيل بْن مَنْصُور وَعبد الرَّزَّاق بْن خَالِد الْعَبْسِي وَشُرَيْح بْن الْحَارِث الْكلابِي وَصَالح بن الْمُغيرَة الجُمَحِي وحريث بْن الصَّباح الْحِمْيَرِي والْحَارث بْن ودَاعَة الْحِمْيَرِي وروق بْن الْحَارِث العكي والمطاع بْن الْمطلب القيني وجلهمة بْن هِلَال الْكَلْبِيّ والوضاح بْن أَزْهَر السكْسكِي ووازع بْن سلامان الغساني وَالْمُهَاجِر بْن حَنْظَلَة الْجعْفِيّ وَعبد اللَّه بْن جرير العكي وَمَالك بْن وَدِيعَة الْقرشِي سوى من قتل من الْفَرِيقَيْنِ من غير برَاز وَلما قتل عمار أَتَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مُعَاوِيَة فَقَالَ قتل عمار فَقَالَ عَمْرو بْن الْعَاصِ قتل عمار فَمَا سَمِعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُول لعمَّار تقتلك الفئة الباغية فَقَالَ مُعَاوِيَة أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ إِنَّمَا قَتله أهل الْعرَاق جاؤوا بِهِ فطرحوه فِي سُيُوفنَا ورماحنا وَقد قيل إِنَّه قتل بصفين سَبْعُونَ ألفا من أهل الْعرَاق خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا وَمن
[ ٢ / ٢٩١ ]
أهل الشَّام خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا فَلَمَّا اشتدت الْبلَاء بالفريقين وَكثر بَينهم الْقَتْلَى قَالَ عَمْرو بْن الْعَاصِ لمعاوية إِن هَذَا الْأَمر لَا يزْدَاد إِلَّا شدَّة فَهَل لَك إِلَى أَمر لَا يزْدَاد الْقَوْم بِهِ إِلَّا فرقة إِن أعطونا اخْتلفُوا وَإِن منعونًا اخْتلفُوا فَقَالَ مُعَاوِيَة مَا هُوَ فَقَالَ الْمَصَاحِف نرفعها وندعوهم بِمَا فِيهَا فَإِنَّهُم لَا يُقَاتلُون إِلَّا على مَا قد علمت فَقَالَ مُعَاوِيَة افْعَل مَا رَأَيْت فَأمر بالمصاحف فَرفعت فِي الرماح ثمَّ جعلُوا ينادون ندعوكم إِلَى كتاب اللَّه وَالْحكم بِمَا فِيهِ فسر النَّاس بِهِ وكرهوا الْقِتَال وَأَجَابُوا إِلَى الصُّلْح وأنابوا إِلَى الْحُكُومَة وَقَالُوا لعَلي إِن الْقَوْم يدعونك إِلَى الْحق وَإِلَى كتاب الله فان كرهنا ذَلِك فَنحْن إِذا مثلهم فَقَالَ عَليّ وَيحكم مَا ذَلِك يُرِيدُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ ثمَّ مَشى النَّاس بَعضهم إِلَى بعض وَأَجَابُوا الصُّلْح والحكومة وَتَفَرَّقُوا إِلَى دفن قتلاهم وَلم يجد عَليّ بدا من أَن يقبل الْحُكُومَة لما رأى من أَصْحَابه فَحكم أهل الشَّام عَمْرو بْن الْعَاصِ وَأَرَادَ عَليّ أَن يحكم بن عَبَّاس فَقَالَ الْأَشْعَث بْن قيس وَهُوَ يَوْمئِذٍ سيد النَّاس لَا يحكم فِي هَذَا الْأَمر رجلَانِ من قُرَيْش وَلَا افترق الْفَرِيقَانِ على هَذَا الْجمع على حُكُومَة بعد أَن كَانَ من الْقِتَال بَينهمَا مَا كَانَ إى وَأحد الْحكمَيْنِ منا وَتَبعهُ أهل الْيمن على ذَلِك ثمَّ قَالَ الْأَشْعَث لَا نرضى إِلَّا بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَكَتَبُوا بَينهم كتابي الصُّلْح
[ ٢ / ٢٩٢ ]
بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا تقاضي عَلَيْهِ عَليّ بْن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان قَاضِي عَليّ على أهل الْعرَاق وَمن كَانَ مَعَه من شيعته من الْمُؤمنِينَ وقاضي مُعَاوِيَة على أهل الشَّام وَمن كَانَ مَعَه من شيعته من الْمُسلمين أَنا ننزل على حكم اللَّه وَكتابه فَمَا وجد الحكمان فِي كتاب الله فهما يتبعانه وَمَا لم يجدا فِي كتاب اللَّه فَالسنة العادلة تجمعهما وهما آمنان على أموالهما وأنفسهما وأهاليهما وَالْأمة أننصار لَهما على الَّذِي يقضيان عَلَيْهِ وعَلى الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين والطائفتان كلتاهما عَلَيْهِمَا عهد اللَّه وميثاقه أَن يفيا بِمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة على أَن بَين الْمُسلمين الْأَمْن وَوضع السِّلَاح وعَلى عَبْد اللَّه بْن قيس وَعَمْرو بْن الْعَاصِ عهد اللَّه وميثاقه ليحكما بَين النَّاس بِمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة على أَن الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا يرجعان سنة فَإِذا انْقَضتْ السّنة إِن أحبا أَن يردا ذَلِك ردا وَإِن أحبا زادا فيهمَا مَا شَاءَ اللَّه اللَّهُمَّ إِنَّا نستنصرك على من ترك مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة وَشهد على الصَّحِيفَة فريق عشرَة أنفس فَشهد من أَصْحَاب على
[ ٢ / ٢٩٣ ]
الْأَشْعَث بْن قيس وَعبد اللَّه بْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن قيس الْهَمدَانِي وَحجر بْن الأدبر الْكِنْدِيّ وَعبد اللَّه بْن الطُّفَيْل العامري وَعبد اللَّه بْن مَحل الْعجلِيّ ووقاء بْن سمي البَجلِيّ وَعقبَة بْن زيد الْأنْصَارِيّ وَيزِيد بْن حجية التَّيْمِيّ وَمَالك بْن أَوْس الرَّحبِي وَشهد من الشَّام أَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ وحبِيب بْن مسلمة الفِهري والمخارق بْن الْحَارِث الزبيدِيّ وعلقمة بْن يزِيد الْحَضْرَمِيّ وسبيع بْن يزِيد الْحَضْرَمِيّ وزمل بْن عَمْرو العذري وَيزِيد بن الْحر الْعَبْسِي وَحَمْزَة بن مَالك الْهَمدَانِي وَعبد الرَّحْمَن بن الخالد بْن الْوَلِيد وَعتبَة بْن أبي سُفْيَان وَكتب يَوْم الْأَرْبَعَاء سنة سبع وَثَلَاثِينَ فَانْصَرف على بِمن مَعَه من أهل الْعرَاق وَانْصَرف مُعَاوِيَة بِمن مَعَه إِلَى الشَّام فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن وهب الحرمي وَكَانَ من أَصْحَاب عَليّ
[ ٢ / ٢٩٤ ]
لَا حكم إِلَّا لله فَقَالَ على هَذِه كلمة حق أُرِيد بهَا بَاطِل فَلَمَّا دخل عَليّ الْكُوفَة خرج من كَانَ يَقُول لَا حكم إِلَّا لله ونزلوا بحروراء وهم قريب من اثْنَي عشر ألفا فسموا الحرورية ومناديهم يُنَادي أَمِير الْقِتَال شبث بْن ربعي التَّمِيمِي وَالْأَمر بعد الْفَتْح شُورَى والبيعة لله وَمَات خباب بْن الْأَرَت بِالْكُوفَةِ فَخرج عَليّ من صفّين وَولي على سهل بن حنيف فَارس فَأخْرجهُ أهل فَارس فَوجه زيادا فرضوا وصالحوه وأدوا إِلَيْهِ الْخراج ثمَّ إِن الْخَوَارِج اجْتمعت على وَيَد بْن حُصَيْن وَقَالُوا لَهُ أَنْت سيدنَا وَشَيخنَا وعامل عمر بْن الْخطاب على الْكُوفَة تول أمرنَا وجهروا بِهِ فَقَالَ مَا كنت لأفعلها فَلَمَّا أبي عَلَيْهِم ذَلِك ذَهَبُوا إِلَى يزِيد بْن عَاصِم الْمحَاربي فعرضوا عَلَيْهِ أَمرهم فَأبى عَلَيْهِم ذَلِك ثمَّ ذَهَبُوا إِلَى سعد بْن وَائِل التَّمِيمِي فَأبى عَلَيْهِم فَأتوا عَبْد اللَّه بْن وهب الرَّاسِبِي واجتمعوا عِنْده بِقرب النهروان وَخرج إِلَيْهِم عَليّ فِي جمعية فَلَمَّا أَتَاهُم حمد اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِنَّكُم أَيهَا الْقَوْم قد علمْتُم وَعلم الله أَنى كنت
[ ٢ / ٢٩٥ ]
للحكومة كَارِهًا حَتَّى أشرتم عَليّ بهَا وغلبتموني عَلَيْهَا وَالله بيني وَبَيْنكُم شَهِيد ثمَّ كتبنَا بَيْننَا وَبينهمْ كتابا وَأَنْتُم على ذَلِك من الشَّاهِدين فَقَالَت طَائِفَة من الْقَوْم صدقت وَرَجَعُوا إِلَى الْجَمَاعَة وَبقيت طَائِفَة مِنْهُم على قَوْلهم فَقَالَ عَليّ هَل انبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الحيوة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا مِنْهُم أهل النهروان وَرب الْكَعْبَة ثمَّ انهم عبروا الجسر إِلَى عَليّ ليحاربوه فَلَمَّا عبروا الجسر نَادِي عَليّ فِي الْعَسْكَر استقبلوهم فاستقبلوهم والتقطوهم بِالرِّمَاحِ فَكَانَ مَعَ عَليّ جمعية يسيرَة إِنَّمَا جَاءَ على أَن يردهم بالْكلَام وَقد كَانَت الْخَوَارِج قَرِيبا من حمسة آلَاف فَلَمَّا فرغوا من قَتلهمْ قَالَ على اطْلُبُوا لي المخدع فكلبوه فَلم يجدوه فَقَالَ اطْلُبُوا المخدع فوَاللَّه مَا كذبت وَلَا كذبت ثمَّ دَعَا ببغلته الْبَيْضَاء فركبها وَجعل يقلب الْقَتْلَى حَتَّى أَتَى على فضاء من الأَرْض فَقَالَ قلبوا هَؤُلَاءِ فَإِذا هم بِرَجُل لَيْسَ لَهُ ساعد بَين جَنْبَيْهِ ثدي فِيهِ شَعرَات إِذا مدت امتدت وَإِذا تركت قلصت فَقَالَ عَليّ اللَّه أكبر سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَخْرُجُ قَوْمٌ فيهم رجل مخدع الْيَد وَلَوْلَا أَن تنكلوا عَن الْعَمَل لأنبأتكم بِمَا وعد الله
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الَّذين يقاتلونهم على لِسَان مُحَمَّد ﷺ ثمَّ حج بِالنَّاسِ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس فَلَمَّا دخلت السّنة الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ اجْتَمعُوا لميعادهم مَعَ الْحكمَيْنِ بأذرح وَحضر فيهم من أهل الْمَدِينَة سعد بْن أبي وَقاص وَعبد اللَّه بْن الزبير وَابْن عمر وَلم يخرج على بِنَفسِهِ ووافي مُعَاوِيَة فِي أهل الشَّام وَكَانَ بَينه وَبَين أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَا كَانَ وافترق النَّاس وَرَجَعُوا إِلَى أوطانهم وَنَدم عَبْد اللَّه بْن عمر على حُضُوره أذرح فَأحْرم من بَيت الْمُقَدّس تِلْكَ السّنة وَرجع إِلَى مَكَّة وَاسْتَشَارَ مُعَاوِيَة أَصْحَابه فِي مُحَمَّد بْن أَبى بكر وَكَانَ واليًا على مصر فاجمعوا على الْمسير إِلَيْهِ فَخرج عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي أَرْبَعَة آلَاف فيهم أَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ وَمُعَاوِيَة بْن حديج فَالْتَقوا بالمسناة وقاتلوا قتالا شَدِيدا وَقتل كنَانَة بْن بشر بْن عتاب التجِيبِي وَانْهَزَمَ مُحَمَّد بْن أبي بكر وَقَاتل حَتَّى قتل وَقد قيل إِنَّه أَدخل فِي جَوف حمَار ميت
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ثمَّ أحرق بالنَّار فَلَمَّا بلغ عليا سرُور مُعَاوِيَة بقتْله قَالَ لقد حزنا عَلَيْهِ بِقدر سرورهم بقتْله ثمَّ ولى عَليّ الأشتر على مصر وَمَات صُهَيْب بْن سِنَان فَلَمَّا بلغ مُعَاوِيَة خبر مسير الأشتر إِلَى مصر قَالَ إِنَّه ليأتى وَعَامة أهل مصر أهل الْيمن وَهُوَ يماني وَكتب إِلَى دهقان بالعريش إِن احتلت فِي الأشتر فلك عَليّ أَن أخرج خراجك عشْرين سنة فَقدم الأشتر على امْرَأَة من حمير يُقَال لَهَا ليلِي بنت النُّعْمَان فتلطف لَهُ الدهْقَان وَسَأَلَهُ أَي الشَّرَاب أحب إِلَيْك قَالَ الْعَسَل قَالَ عِنْدِي عسل من عسل برقة لم ير مثله ثمَّ قَدمته إِلَيْهِ فسقته مِنْهُ فَمَاتَ من سَاعَته فَبلغ ذَلِك مُعَاوِيَة فَقَالَ إِن لله جُنُودا فِي الْعَسَل وَمَات صَفْوَان بن بَيْضَاء فِي رَمَضَان وَكَانَ قد شهد بَدْرًا وَمَات سهل بْن حنيف بِالْكُوفَةِ وَصلى عَلَيْهِ وَحج بِالنَّاسِ قثم بْن الْعَبَّاس فَلَمَّا دخلت السّنة التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ اسْتعْمل عَليّ يزِيد بْن حجية التَّمِيمِي على الرّيّ ثمَّ كتب إِلَيْهِ بعد مُدَّة أَن أقدم فَقدم على عَليّ فَقَالَ لَهُ أَيْن مَا غللت من مَال اللَّه قَالَ مَا غللت فخفقه بِالدرةِ خفقات وحبسه فِي دَاره فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيَالِي
[ ٢ / ٢٩٨ ]
قرب يزِيد البواب وَمَا حلّه وَلحق بالرقة وَأقَام بهَا حَتَّى أَتَاهُ إِذن مُعَاوِيَة فَلَمَّا بلغ عليا لُحُوقه مُعَاوِيَة قَالَ اللَّهُمَّ إِن يزِيد أذهب بِمَال الْمُسلمين وَلحق بالقوم الظَّالِمين اللَّهُمَّ فاكفنا مكره وكيده ثمَّ وَجه مُعَاوِيَة خيلا فيهم الضَّحَّاك بْن قيس الفِهري وسُفْيَان بْن عَوْف الدابري فَأَغَارَ سُفْيَان على الأنبار وفيهَا مسلحة لعَلي فَلَمَّا بلغ عليا خُرُوجهمْ خرج من بَيته وَالنَّاس فِي الْمَسْجِد فَلَمَّا رَأَوْهُ صاحوا قَالَ اسْكُتُوا اسْكُتُوا فَلَمَّا سكتوا قَالَ شاهدت الْوُجُوه شاهدت الْوُجُوه إِن قلت نعم قُلْتُمْ لَا وَإِن قلت لَا قُلْتُمْ نعم إِن استنفرتكم فِي الْحر قُلْتُمْ الْحر شَدِيد فَإِذا جَاءَ الشتَاء نفرنًا وَإِذا جَاءَ الشتَاء واستنفرتكم قُلْتُمْ الْبرد شَدِيد وَإِذا كَانَ الصَّيف نفرنًا إِن عَدوكُمْ يجد من الهناء مَا تَجِدُونَ وَلَكِن لَا أرى لمن لَا يطاع وددت أَن لي بجماعتكم ألف فَارس ثمَّ بعث مُعَاوِيَة بسر بْن أَرْطَاة أحد بني عَامر بن لؤَي فِي جَيش من أهل الشَّام إِلَى الْمَدِينَة وَعَلَيْهَا أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ فهرب مِنْهُ
[ ٢ / ٢٩٩ ]
أَبُو أَيُّوب وَلحق عليا بِالْكُوفَةِ وَلم يقاتله أحد بِالْمَدِينَةِ حَتَّى دَخلهَا فَصَعدَ مِنْبَر رَسُول اللَّهِ ﷺ وَجعل يُنَادي يَا أهل الْمَدِينَة وَالله لَوْلَا مَا عهد إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مُعَاوِيَة مَا تركت فِيهَا محتلمًا إِلَّا قتلته فَبَايع أهل الْمَدِينَة مُعَاوِيَة وَأرْسل إِلَى بني سَلمَة مَا لكم عِنْدِي أَمَان حَتَّى تَأْتُونِي بجابر بْن عَبْد الله فَدخل جَابر بْن عَبْد اللَّه على أم سَلمَة وَقَالَ يَا أُمَّاهُ إِنِّي خشيت على دمي وَهَذِه بيعَة ضَلَالَة فَقَالَت أرى أَن تبَايع فَخرج جَابر بْن عَبْد اللَّه فَبَايع بسر بْن أَرْطَاة لمعاوية كَارِهًا ثمَّ خرج بسر حَتَّى أَتَى مَكَّة فخافه أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ وَالِي مَكَّة لعَلي وَتَنَحَّى عَن مَكَّة حَتَّى دَخلهَا ثمَّ مضى إِلَى الْيمن وَعَلَيْهَا عبيد اللَّه بْن عَبَّاس بن عبد الْمطلب عَامل عللا فَلَمَّا سمع بِهِ عبيد اللَّه هرب واستخلف على الْيمن عَبْد اللَّه بْن عَبْد المدان وَكَانَت ابْنَته تَحت عبيد اللَّه بْن عَبَّاس فَلَمَّا قدم بسر الْيمن قتل عَبْد اللَّه بْن عَبْد المدان وَأخذ ابْنَيْنِ لِعبيد اللَّه بْن عَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب من أحسن الصّبيان صغيرين كَأَنَّهُمَا درتان فَفعل بهما مَا فعل فَلَمَّا حضر الْمَوْسِم بعث عَليّ على الْحَج عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَبعث
[ ٢ / ٣٠٠ ]
مُعَاوِيَة يزِيد بْن شَجَرَة الرهاوي فاجتمعا بِمَكَّة وتنازعا وأبى كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يسلم لصَاحبه إِقَامَة الْحَج فَاجْتمع النَّاس على شيبَة بْن عُثْمَان بْن أبي طَلْحَة فحج بِالنَّاسِ شيبَة بن عُثْمَان فَلَمَّا دخلت السّنة الْأَرْبَعُونَ وَبلغ الْخَبَر عليا بِمَا فعل بسر بْن أَرْطَاة بالسمن وَمَا كَانَ من أَمر بني عبيد اللَّه بْن عَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب خطبهم وَقَالَ لقد خفت أَن يظْهر مولى الْقَوْم عَلَيْكُم وَمَا يظهرون عَلَيْكُم بِأَن يَكُونُوا بِالْحَقِّ أولى مِنْكُم وَلَكِن بصلحهم فِي بِلَادهمْ وفسادكم فِي بِلَادكُمْ واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عَن حقكم وأدائهم الْأَمَانَة وخيانتكم وَالله وَالله لَو اسْتعْملت فلَانا لخان وغدر ثَلَاثًا وَلَو بَعثه مُعَاوِيَة لم يخنه وَلَا غدره اللَّهُمَّ قد مللتهم وملوني وسئمتهم وسئمونى وكرهتهم وكرهونى فَأرْخى مِنْهُم وأرحهم مني وأبدلني بِمن هُوَ خير لي مِنْهُم وأبدلهم بِمن هُوَ شَرّ لَهُم منى
[ ٢ / ٣٠١ ]
ثمَّ كَانَ قتل عَليّ بْن أبي طَالب وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن عَبْد الرَّحْمَن بْن ملجم الْمرَادِي أبصرلا امْرَأَة من بني تيم الربَاب يُقَال لَهَا قطام وَكَانَت من أجمل أهل زمانها وَكَانَت ترى رَأْي الْخَوَارِج فولع بهَا فَقَالَت لَا أَتزوّج بك إى على ثَلَاثَة آلَاف وَقتل عَليّ لن أبي طَالب فَقَالَ لَهَا لَك ذَلِك فَتَزَوجهَا وَبنى بهَا فَقَالَت لَهُ يَا هَذَا قد عرفت الشَّرْط فَخرج عَبْد الرَّحْمَن بْن ملجم وَمَعَهُ سيف مسلول حَتَّى أَتَى مَسْجِد الْكُوفَة وَخرج عَليّ من دَاره وأتى الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول أَيهَا النَّاس الصَّلَاة الصَّلَاة أَيهَا النَّاس الصَّلَاة الصَّلَاة وَكَانَت تِلْكَ لَيْلَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة خلت من رَمَضَان فصادفه عبد الرَّحْمَن بن ملجم من خَلفه ثمَّ ضربه بِالسَّيْفِ ضَرْبَة من قرنه إِلَى جَبهته وَأصَاب السَّيْف الْحَائِط فثلم فِيهِ ثمَّ ألْقى السَّيْف من يَده وَأَقْبل النَّاس عَلَيْهِ فَجعل بن ملجم يَقُول للنَّاس إيَّاكُمْ وَالسيف فَإِنَّهُ مَسْمُوم وَقد سمه شهرا فَأَخَذُوهُ وَرجع عَليّ بْن أبي طَالب إِلَى دَاره ثمَّ أَدخل عَلَيْهِ عَبْد الرَّحْمَن بْن ملجم فَقَالَت لَهُ أم كُلْثُوم بنت عَليّ يَا عَدو اللَّه قتلت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لم أقتل إِلَّا أَبَاك فَقَالَت إِنِّي لأرجو أَن لَا يكون على أَمِير الْمُؤمنِينَ من بَأْس فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن ملجم فَلم تبكين إِذا فوَاللَّه سممته شهرا فَإِن أخلفني أبعده الله وأسحقه فَقَالَ على
[ ٢ / ٣٠٢ ]
احْبِسُوهُ وأطيبوا طَعَامه وألينوا فرَاشه فَإِن أعش فعفو أَو قصاص وَإِن أمت فألحقوه بِي أخاصمه عِنْد رب الْعَالمين فَمَاتَ عَليّ بْن أبي طَالب غَدَاة يَوْم الْجُمُعَة فَأخذ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر وَالْحسن بْن عَليّ وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة عبداالرحمن بْن ملجم فَقطعُوا يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ فَلم يجزع وَلم يتَكَلَّم ثمَّ كحلوا عَيْنَيْهِ بملمول محمى ثمَّ قطعُوا لِسَانه وأحرقوه بالنَّار وَكَانَ لعَلي يَوْم مَاتَ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سنة وَكَانَت خِلَافَته خمس سِنِين وَثَلَاثَة أشهر وَاخْتلفُوا فِي مَوضِع قَبره وَلم يَصح عِنْدِي شَيْء من ذَلِك فاذكره وَقد قيل إِنَّه دفن بِالْكُوفَةِ فِي قصر الْإِمَارَة عِنْد مَسْجِد الْجَمَاعَة وَهُوَ بن ثَلَاث وَسِتِّينَ ثمَّ قَامَ الْحسن بعد دفن أَبِيه خَطِيبًا فِي النَّاس فَحَمدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ
[ ٢ / ٣٠٣ ]
ثمَّ قَالَ وَالله لقد مَاتَ فِيكُم رجل مَا سبقه الْأَولونَ وَلَا يُدْرِكهُ الْآخرُونَ لقد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ليَبْعَثهُ بِالْبَعْثِ وَيُعْطِيه الرَّايَة فَمَا يرجع حَتَّى يفتح الله عَلَيْهِ يُقَاتل جِبْرَائِيل عَن يَمِينه وَمِيكَائِيل عَن يسَاره وَلَا ترك بَيْضَاء وَلَا صفراء إِلَّا سَبْعمِائة دِرْهَم فضلت من عطائه أَرَادَ أَن يبْتَاع بهَا خَادِمًا وَكَانَ لعَلي بْن أبي طَالب خَمْسَة وَعِشْرُونَ ولدا من الْوَلَد الْحسن وَالْحُسَيْن ومحسن وَأم كُلْثُوم الْكُبْرَى وَزَيْنَب الْكُبْرَى وَهَؤُلَاء الْخَمْسَة من فَاطِمَة بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ لَهُ من غَيرهَا مُحَمَّد بْن عَليّ وَعبيد اللَّه وَعمر وَأَبُو بكر وَيحيى وجعفر وَالْعَبَّاس وَعبد اللَّه ورقية ورملة وَأم الْحسن وَأم كُلْثُوم الصُّغْرَى وَزَيْنَب الصُّغْرَى وجمانة ومَيْمُونَة وَخَدِيجَة وَفَاطِمَة وَأم الْكِرَام وَأم سَلمَة ﵃ أَجْمَعِينَ