فَلَمَّا كَانَت الظّهْر أَتَى جِبْرِيل رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالَ قد وضعتم السِّلَاح وَأَن الْمَلَائِكَة لم تضع سلاحها بعد إِن الله يَأْمُرك بِالْمَسِيرِ إِلَى بني قُرَيْظَة فَأذن مُؤذن رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَّا لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَخرج رَسُول الله صالى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحمل لِوَاءُهُ عَليّ بْن أبي طَالب فَلَمَّا بلغ الصورين قَالَ هَل مر بكم أحد قَالُوا نعم مر بِنَا دحْيَة الكلبى على بلغَة بَيْضَاء فَقَالَ رَسُول ﷺ ذَاك جِبْرِيل فَسَار رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى نزل على بِئْر لبني قُرَيْظَة فِي نَاحيَة أَمْوَالهم وتلاحق بِهِ النَّاس وأتى رجال بعد عشَاء الْآخِرَة وَلم يصلوا الْعَصْر لقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَحَاصَرَهُمْ
[ ١ / ٢٧٤ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خمْسا وَعشْرين لَيْلَة حَتَّى جهدهمْ الْحصار وَقذف الله فِي قُلُوبهم الرعب وَقد كَانَ حَيّ بن أَخطب قد دخل مَعَ بني قُرَيْظَة فِي حصنهمْ حِين رجعت قُرَيْش وغَطَفَان وَفَاء لكعب بن أَسد فَلَمَّا تيقنوا أَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غير منصرف عَنْهُم حَتَّى يناجزهم بعثوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ
[ ١ / ٢٧٥ ]
أبْعث إِلَيْنَا لبَابَة بن عبد الْمُنْذر أَخا بني عَمْرو بن عَوْف لنستشيره فَأرْسلهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسم إِلَيْهِم فَقَالُوا ياأبا لبَابَة أَتَرَى أَن ننزل على حكم مُحَمَّد قَالَ نعم وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حلقه أَنه الذّبْح فَقَالُوا ننزل على حكم سعد بن معَاذ فَقَالَ رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم انزلوا على حكمه
ثمَّ إِن ثَعْلَبَة بن سعية وَأسد بن سعية وَأسد بن عبيد أَسْلمُوا فمنعوا دِيَارهمْ وأمواله فَلَمَّا أَصْبحُوا نزلُوا على حكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الْأَوْس يَا رَسُول الله إِنَّهُم موالينا دون الْخُرُوج فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلا ترْضونَ أَن يحكم
[ ١ / ٢٧٦ ]
فِيكُم رجل مِنْكُم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَاك إِلَى سعد بن معَاذ وَكَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقَوْمِهِ حِين أَصَابَهُ السهْم أجعلوه فِي خيمة قريب منى حَتَّى أَعُود فَلَمَّا حكمه رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بني قُرَيْظَة أَتَاهُ قومه فاحتملوه على حمَار ثمَّ أَقبلُوا بِهِ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهم يَقُولُونَ يَا أَبَا عَمْرو إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا ولاك مواليك لتحسن فيهم فَلَمَّا أَكْثرُوا عَلَيْهِ قَالَ قد آن لسعد أَن لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لاثم فَلَمَّا جَاءَ سعد قَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قومُوا إِلَى سيدكم فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا ياأبا عَمْرو إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قد ولاك الحكم قَالَ سعد عَلَيْكُم عهد الله وميثاقه إِن الحكم فِيكُم مَا حكمت قَالُوا نعم قَالَ وعَلى من كَانَ هَهُنَا فِي هَذِه النَّاحِيَة الَّتِي فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ معرض عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ إجلالا لَهُ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَعَمْ فَقَالَ سعد فَإِنِّي أحكم فيهم بِأَن تقتل الرِّجَال وتقسم الْأَمْوَال وتسبى الذَّرَارِي وَالنِّسَاء قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لسعد لقد حكمت
[ ١ / ٢٧٧ ]
فيهم بِحكم الله من فَوق سَبْعَة أَرقعَة فحبسهم رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي دَار ثمَّ قدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة فَلَمَّا قدمهَا خرج إِلَى سوق الْمَدِينَة فحفر حفرا ثمَّ بعث إِلَيْهِم وَأمر بضر أَعْنَاقهم وَهُوَ مَا بَين سِتّمائَة إِلَى تِسْعمائَة فَلم يزل ذَلِك دأبهم حَتَّى فرغ مِنْهُم فيهم حَيّ بن أَخطب وَكَعب بن أسعد.
ثمَّ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ قسم أَمْوَال بني قُرَيْظَة ونساءهم وأبناءهم على الْمُسلمين فَكَانَ مَعَ الْمُسلمين سِتَّة وَثَلَاثُونَ فرسا فَأعْطى الْفَارِس ثَلَاثَة أسْهم للْفرس سَهْمَان ولصاحبه سهم وللراجل الَّذِي لَيْسَ لَهُ فرس سهم وَأخرج مِنْهَا ﷺ الْخمس وَقد قيل إِنَّه اصْطفى لنَفسِهِ رَيْحَانَة بنت عَمْرو بن خنافة إِحْدَى نسَاء بني عَمْرو ابْن قُرَيْظَة
ثمَّ مَاتَ سعد بن معَاذ فَأمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغسْلِهِ فَغسله أسيد بن حضير وَسَلَمَة بن سَلامَة بن وقش ثمَّ وضع فِي أَكْفَانه
[ ١ / ٢٧٨ ]
على سَرِيره فَقَالَ رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم اهتز الْعَرْش لمَوْت سعد ابْن معَاذ وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَام جَنَازَة سعد حَتَّى صلى عَلَيْهِ وَنزل فِي حفرته أَرْبَعَة نفر الْحَارِث بن أَوْس وَأسيد بن حضير وَسَلَمَة بْن سَلامَة بْن وقش وَأَبُو نائلة مَالك بن سَلامَة
ثمَّ بني رَسُول اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَب ابْنة جحش فَلَمَّا أصبح دَعَا الْقَوْم فأصبوا من الطَّعَام خَرجُوا وَنَفر مِنْهُم عِنْد النَّبِي ﷺ فَأَطَالُوا الْقعُود وَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَخرج حَتَّى جَاءَ عتبَة حجرَة عَائِشَة ثمَّ رَجَعَ وَنزلت آيَة الْحجاب وغذا سالتموهن مَتَاعا فسئلوهن من ورآء حجاب