بِسْم الله الرَّحمن الرَّحيمِ
الحمد لله الذي علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد. خاتم الأنبياء، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. إمام هذه الأمة، فلا إيمان لمن لم يحتكم إليه.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
ورضوان الله على أصحابه جميعًا، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه.
أما بعد
فقد تمنى الكثيرون من طلبة العلم أن يأتي اليوم الذي تُجمع فيه الأحاديث في كتاب واحد، وكتبوا ذلك فيما حققوا من كتب، وظل هذا الأمر أماني، ظن البعض معها أن الأمر يحتاج إلى إشراف دولة من الدول عليه، وأنه ليس في طاقة اثنين أو ثلاثة، ولو تعاون في كل بلد اثنان أو ثلاثة على هذا لتم بعون الله، ووجدنا أنه لا بد من بداية لهذا الأمر، وخطوة تتلوها خطوات، يراها أنصار رسول الله - ﷺ -، فتتحرك الهمم، وتدب الحياة، ويستيقن الجميع أن مجرد الأماني لا تصنع شيئًا. وعليه فقد وفقنا الله بفضله في إخراج "المسند الجامع" لأحاديث الكتب الستة، ومؤلفات أصحابها الأخرى، وموطأ مالك، ومسانيد الحميدي وأحمد وعبد بن حميد، وسنن الدارمي، وصحيح ابن خزيمة، وصدر
[ ١ / ٥ ]
منه بفضل الله حتى الآن ثلاث مجلدات، وباقي الكتاب تحت الطبع، وأملنا في طبعات الكتاب المقبلة أن يُضاف إليه عشرات الكتب الأخرى من مصنفات ومسانيد وجوامع، وما هذا إلا خطوة واحدة على هذا الطريق الذي يجب فيه جمع أحاديث الرسول - ﷺ -، ووضعها بين يدي الناس ميسرة، حتى يستغنوا بها عن آراء الذين تفرقوا واختلفوا، ويطرحوا خلف ظهورهم كتب الفرقة والمذاهب التي فرقت سبيل المسلمين، وجعلت الأمة شِيعًا وأحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون.
وكما يعرف إخواننا من طلبة العلم فإن جمع الأحاديث مع ذكر أسانيدها لا يكفي لمعرفة هدي محمد - ﷺ -، فجميع كتب الحديث، ودون أي استثناء، قد حوت الأسانيد الصحيحة والضعيفة، وأسانيد أخرى قد تبدو صحيحة في ظاهرها لا تخلو من علة خفت إلا على أهل هذا العلم من الذين كتبوا في علل الحديث. ولكن هذه الكتب فُضِّل بعضها على البعض حسب قلة الضعيف والمعلل فيها. ومن هنا بدرت أمنيتان:
الأولى: جمع أقوال المتقدمين من علماء الحديث في كتاب واحد.
والثانية: جمع كتب علل الحديث، وكذلك المتفرق من العلل في بطون الكتب. في كتاب واحدٍ أيضًا.
وظلت هذه الأماني تتردد أيضًا كلما حقق أحدهم كتابًا أو أَلَّف.
وكان لا بد وأن نسير خطوة في هذا الصراط، خطوة المتواضع، وجهد المقل، ولكن حسبنا أن نكون من الذين لا يجدون إلا جهدهم فيقدمونه.
فكانت البداية في جمع المتفرق من أقوال علماء الحديث، في مصادرها الأولى، وقسمنا العمل إلى قسمين:
الأول: جمع الجرح والتعديل من أقوال رواة الحديث من التابعين حتى ما قبل أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، في كتاب
[ ١ / ٦ ]
واحد. وهو القسم الأول، وقد قطعنا فيه، برحمة الله شوطًا متواضعًا، وجاري إكماله.
والثاني: وهو هذا الذي بين يدي طلاب العلم يبدأ من محمد بن إسماعيل البخاري -﵁- حتى أمير المؤمنين في علل الحديث أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني. وهو القسم الثاني.
أما جمع كتب علل الحديث والمتفرق منها فما زال في حدود الأماني التي نسأل الرحمن سبحانه أن ييسر لها رجالًا يقومون بجمعها، أو نقوم بها نحن بعد إنهاء ما بين أيدينا.
وهذا العمل الذي بين يدي الباحث، طالب العلم، لا نزعم فيه، وما كان لنا ذلك، أننا حقفنا به كل الأماني، لا، ولا نصفها. ولا نزعم له الكمال من النقص والعيب والخطأ، لكنه جهد بشر، يخطئ، وقد يصيب.
ونشعر أن هناك من الكتب المهمة جدًّا ما لم يُضاف إلى هذا المجموع، ونكاد نسمع هنا أو هناك من يقول: كان يجب إضافة الجرح والتعديل من "الكنى" للدولابي، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم. و"الثقات" و"المجروحين" لابن حبان، و"الكامل" لابن عدي، و"الضعفاء" للعقيلي، وغير هذا من الكتب التي لا تقل أهمية عن الكتب الموجودة.
ونقول، ونكرر: إن ما فعلناه هو لبنة واحدة في بناء، وليت إخواننا في كل مكان يأخذون هذه اللبنة، ويضيفون عليها أخرى.
إن من أسهل الأمور أن يجلس إنسان ما، أي إنسان، ليقول: إن هذا العمل ناقص، وهذا العمل كان يحتاج إلى كذا.
ولكن عمل الرجال، وطلبة العلم، والباحثين عن الحق أن يتعاونوا على البر والتقوى، ومن هذا التعاون أن يقدم كل مسلم ما لديه، وإن كان قليلًا، ولا يعبأ بالذين يلمزون المطَّوعين من المؤمنين في الصدقات.
[ ١ / ٧ ]
نتمنى من الله ﷿ أن يوفق طلاب العلم في كل بقاع الدنيا، ليكونوا كما كان علماء الحديث الأوائل، أصولًا ثابتة، وفروعًا في السماء، ينتفع المسلمون بما جمعوه وتركوه للأجيال اللاحقة.
أما والله، لقد يسر الله لنا الكتب مطبوعة، ومفهرسة، وصار البعض يملك في بيته، وعلى أرففٍ قليلة جهد أجيال كاملة من السابقين. ومع هذا تموت الهمم يومًا بعد يوم، ونسي حتى طلبة العلم، وما يسميهم العامة بالعلماء، نسي هؤلاء وهؤلاء علماءَ الحديث من القرون الأولى، وأهملوا كتبهم، وصارت مجرد زينة توضع في مكتبات كبار القوم من المؤلفين والمحققين ولجأ هؤلاء بعد ذلك إلى الحكم على الحديث بالصحة والضعف اعتمادًا على كتب مختصرة ظهرت في القرن السابع الهجري وما تلاه، فصرنا نقرأ "ضعيف يهم من الثالثة" وفي التقريب: "مقبول" هذا ما فعله المحققون، فما بالك بمن عداهم.
ودعوتنا إلى العودة إلى عصر جمع الحديث وروايته، والنظر المباشر في أقوال علماء هذا العصر، والمقارنة والدراسة، فلعل هذه الهمم تعود إلى سابق عهدها علمًا ينشر نوره على العالمين.
لقد أدى هذا المواتُ إلى ما هو أسوأ، حتى وجدنا من الشباب من يعتمد في صحة الحديث وضعفه على بعض الكتب التي ظهرت في هذين القرنين الرابع والخامس عشر، ونسي الجميع كتب البخاري ومسلم والنسائي والدارقطني وغيرها، وتمسكوا بسلاسل لا تسمن ولا تغني من جهل، وصرنا نسمع ضعفه الألباني، وصححه الألباني، أو ضعفه أحمد شاكر. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ما أحوج هذه الأمة إلى أن تعود إلى خير القرون، ما أحوجنا إلى الأخذ بمصادر الحديث الأولى، وهي كما قلنا صارت في كل مكتبة، وعلى أحدث الطبعات. ولكن أين الأيدي التي تمتد وتُقَلِّب، وأين الأعين التي تقرأ وتمحص، وأين وأين.
[ ١ / ٨ ]
ولكن سيظل الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة.
وستظل هناك فيها طائفة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله.
وسيظل فيها رجال فيهم رائحة الجيل الأول وحياته.
وبقي أن نتقدم بالشكر لكل أخٍ ساعدنا في هذا الكتاب وغيره، ونخص منهم الأخ إبراهيم محمد أحمد النوري، والأخ أيمن إبراهيم الزاملي، والأخ فهمي جمعة فهمي.
كما نشكر الأستاذ نزيه البعلبكي على خدمته للعلم بما أخرج من كتب نافعة، والأخ يوسف النابلسي لقيامه على إخراج هذا الكتاب في هذه الصورة التي نأمل أن يرضى عنها رب العالمين.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
[ ١ / ٩ ]