خليل بن أيبك الصّفَدي (ت ٧٦٤)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزُّرَعي، الشيخ الإمام الفاضل المفتن شمس الدين الحنبلي المعروف بابن قيّم الجوزية.
سمع على الشهاب العابر وجماعة كبيرة منهم سليمان بن حمزة الحاكم، وأبو بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعِّم، وأبو نصر محمد بن عماد الدين الشيرازي، وابن مكتوم، والبهاء ابن عساكر، وعلاء الدين الكندي الوداعي، ومحمد بن أبي الفتح البعلبكي، وأيوب بن نعمة الكحّال، والقاضي بدر الدين بن جماعة، وجماعة سواهم.
وقرأ العربية على ابن أبي الفتح البعلي، قرأ عليه «الملخص» لأبي البقاء، ثم قرأ «الجرجانية»، ثم قرأ «ألفية بن مالك»، وأكثر «الكافية الشافية» وبعض «التسهيل»، ثم قرأ على مجد الدين التونسي قطعة من «المقرّب».
وأما الفقه فأخذه عن جماعة منهم الشيخ مجد الدين إسماعيل بن محمد الحراني، قرأ عليه «مختصر أبي القاسم الخِرَقي» و«المقنع» لابن قدامة، ومنهم ابن أبي الفتح البعلي، ومنهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية، قرأ عليه قطعة من «المحرر» تأليف جدّه، وأخوه الشيخ شرف الدين.
وأخذ الفرائض أولًا عن والده، وكان له فيها يد. ثم اشتغل على إسماعيل بن محمد، قرأ عليه أكثر «الروضة» لابن قدامة، ومنهم الشيخ تقي
_________________
(١) (٤/ ٣٦٦ - ٣٧٠) تحقيق علي أبو زيد ورفاقه، دار الفكر ــ دمشق، ط الأولى، ١٤١٨.
[ ٣٤ ]
الدين بن تيمية، قرأ عليه قطعة من «المحصول» ومن كتاب «الإحكام» للآمدي.
وقرأ في أصول الدين على الهندي أكثر «الأربعين» و«المحصَّل (^١)»، وقرأ على الشيخ تقي الدين ابن تيمية قطعة من الكتابين، وكثيرًا من تصانيفه.
وكان ذا ذهن سيّال، وفكر إلى حل الغوامض ميّال، قد أكبّ على الاشتغال، وطلب من العلوم كلَّ ما هو نفيس وغالٍ، وناظر وجادل وجالد الخصوم وعادل، قد تبحّر في العربية وأتقنها، وحرَّر قواعدها ومكّنها، واستطال بالأصول، وأرهف منها الأسنة والنُّصُول، وقام بالحديث وروى منه، وعرف الرجال وكلَّ من أخذ عنه.
وأما التفسير فكان يستحضر من بحاره الزخّارة كلَّ فائدة مُهمَّة، ومن كواكبه السيارة كل نيّر يجلو حَنَادس الظلمة.
وأمّا الخلاف ومذاهب السلف فذاك عُشّه الذي مَنه دَرَج، وغابُه الذي ألفه لَيْثُه الخادر ودخل وخرج.
وكان جريء الجنان ثابت الجأش لا يُقعقع له بالشنان، وله إقدام وتمكُّن أقدام، وحظّه موفور، وقبوله كلُّ ذنب معه مغفور، وكان يسلك طريق العلامة تقي الدين ابن تيمية في جميع أحواله، ومقالاته التي تفرّد بها والوقوف عند نص أقواله.
وتوجه إلى الحجاز مرات، وحازَ ما هناك من المبرات.
ولم يزل على حاله إلى أن دخلت تحت رَزَّة الرزيّة، وعدم الناس منه لذة
_________________
(١) وقع في ط: «المحصول»، تصحيف.
[ ٣٥ ]
الحلوى السكرية، وإن كانت نسبته إلى الجوزية.
وتوفي ــ رحمه الله تعالى ــ ثالث عشر شهر رجب الفرد سنة إحدى وخمسين وسبع مائة.
ومولده سنة إحدى وتسعين وست مائة.
وكان محظوظًا عند المصريين من الأمراء، يعطونه الذهب والدراهم، وَهَبهُ الأمير بدر الدين بن البابا مبلغ اثني عشر ألف درهم، والأمير سيف الدين بشتاك أعطاه في الحجاز مئتي دينار.
وكان قد اعتقل مع الشيخ تقي الدين بن تيمية في قلعة دمشق بسبب «مسألة الزيارة»، ولم يزل إلى أن توفي الشيخ تقي الدين، فأفرج عنه في ثالث عشري الحجة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وما جمع أحدٌ من الكتب ما جمع، لأن عمره أنفقه في تحصيل ذلك. ولما مات شيخنا فتح الدين (^١) اشترى من كتبه أمهات وأصولًا كبارًا جيّدة، وكان عنده من كل شيء في غير ما فن ولا مذهب، بكل كتاب نسخٌ عديدة، منها ما هو جيد نظيف، وغالبها من الكرندات (^٢). وأقام أولاده شهورًا يبيعون منها غير ما اصطفوه لأنفسهم.
واجتمعت به غير مرة، وأخذت من فوائده، خصوصًا في العربية والأصول. وأنشدني من لفظه لنفسه:
بُنيُّ أبي بكر كثير ذنوبُهُ فليس على مَن نال من عرضه إثمُ
_________________
(١) يعني ابن سيّد الناس اليعمري (ت ٧٣٤).
(٢) كذا ولم يتبين صحة اللفظ، والمعنى ظاهر من السياق أي الأصول الضعيفة غير الجيدة.
[ ٣٦ ]
بُنيُّ أبي بكر جَهولٌ بنفسه جهول بأمر الله أنَّى له العلمُ
بُنيُّ أبي بكر غدا متصدرًا يعلّم علمًا وهو ليس له علمُ
بُنيُّ أبي بكر غدا متمنّيًا وصالَ المعالي والذنوبُ له همُّ
بُنيُّ أبي بكر يروم ترقّيًا إلى جنَّة المأوى وليس له عزمُ
بُنيُّ أبي بكر يرى الغُنْم في الذي يزول ويفنى والذي تركه غُنْمُ
بُنيُّ أبي بكر لقد خاب سعيُه إذا لم يكن في الصالحات له سهم
بُنيُّ أبي بكر كما قال ربّه هَلوعٌ كنودٌ وصفه الجهل والظلمُ
بُنيُّ أبي بكر وأمثاله غدوا بفتواهُم هذي الخليقة تأتمُّ
وليس لهم في العلم باع ولا التقى ولا الزهد، والدنيا لديهم هي الهمُّ
فوالله لو أن الصحابة شاهدوا أفاضلهم قالوا هم الصُمّ والبُكمُ
ومن تصانيفه: «زاد المَعاد في هدي خير العباد» أربعة أسفار، «مفتاح دار السعادة» مجلد كبير، «تهذيب سُنَن أبي داود وإيضاح عِلَله ومشكلاته» نحو ثلاثة أسفار، «سَفَر الهجرتين وطريق السعادتين» سفر كبير، «كتاب رفع اليدين في الصلاة» سفر متوسط، «معالم الموقعين عن رب العالمين» سفر كبير، كتاب «الكافية الشافية لانتصار الفرقة الناجية» وهو نظم [نحو] ستة آلاف بيت، وهذا الكتاب لمّا وقف عليه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي أنكره وتطلّبه أيامًا، «الرسالة الحلبية في الطريقة المحمدية»، «بيان الاستدلال على بطلان محلّل السباق والنضال»، «التحبير بما يحل ويحرم لبسه من الحرير»، «الفروسية المحمدية»، «جلاء (^١) الأفهام في
_________________
(١) ط: «جلي» تصحيف.
[ ٣٧ ]
أحكام الصلاة والسلام على خير الأنام»، «تفسير أسماء القرآن»، «تفسير الفاتحة» مجلد كبير، «اقتضاء الذكر بحصول الخير ودفع الشر»، «كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء»، «الرسالة الشافية في أسرار المعوذتين»، «معاني الأدوات والحروف»، «بدائع الفوائد» مجلد.
* * *
[ ٣٨ ]