لصدّيق حسن القنوجي (ت ١٣٠٧)
محمد بن أبي بكر بنِ أيوبَ، الزُّرَعيُّ، الدمشقيُّ، شمسُ الدين، ابنُ القَيِّم.
قال ابن رجب: الفقيه الأصولي النحوي المفسر العارف، شمس الدين، أبو عبد الله، شيخُنا، سمع من الشهاب النابلسي، وفاطمة بنت جوهر، وأبي بكر بن عبد الدائم، وجماعة، وتفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وأخذ عنه، وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين وإليه فيها المنتهى، وبالحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام، وغير ذلك، وكان عالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى.
وكان ذا عبادة وتهجُّد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتألُّهٍ ولهج بالذِّكر، وشغف بالمحبة والإنابة، والافتقار إلى الله تعالى، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثلَه في ذلك، ولا رأيتُ أوسعَ منه علمًا، ولا أعْرَفَ بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله.
_________________
(١) (ص ٤٠٩ - ٤١٢) تحقيق عبد الحكيم شرف الدين، طبعة بومبي ١٣٨٣.
[ ١٣٠ ]
وقد امتُحِن وأُوذي مرات، وحُبس مع الشيخِ تقي الدين في المرة الأخيرة منفردًا عنه، ولم يُفرَج عنه إلا بعد موت الشيخ، وكان مدةَ حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكّر، ففُتح عليه من ذلك خيرٌ كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة.
قال: ولازمتُ مجالسه قبل موته سنة، وسمعتُ عليه «قصيدته النونية» الطويلة في السُّنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها، وأخذ عنه العلمَ خلقٌ كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له؛ كابن عبد الهادي، وغيره.
قال القاضي برهان الدين الزُّرَعي: ما تحتَ أديم السماء أوسعُ علمًا منه.
صنف في أنواع العلم، وكان شديد المحبة للعلم، وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء كتبه، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره.
ثم ذكر تصانيفه زيادة على ثلاثين كتابًا، منها: «شرح منازل السائرين»، وكتاب «زاد المعاد»، وكتاب «أعلام الموقعين عن رب العالمين»، وكتاب «حادي الأرواح»، وكتاب «مفتاح دار السعادة» وكتاب «تفضيل مكة على المدينة»، وكتاب «الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم»، وكتاب «رفع اليدين في الصلاة»، وكتاب «نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول».
[ ١٣١ ]
قال: توفي
_________________
(١) - ﵀ - ليلة الخميس ثالث عشر رجب سنة ٧٥١، وشيعه خلق كثير، ورئيت له منامات كثيرة حسنة. قال ابن رجب: قرأ عليَّ شيخُنا الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، وأنا أسمع هذه القصيدة من نظمه في أول كتابه «صفة الجنة»: وما ذاكَ إلا غيرةً أن ينالَها سوى كُفْوِها والربُّ بالخلقِ أعلمُ إلى آخرها. قلت: ولقد لخصت كتابه هذا في صفة الجنة، وفيه هذه القصيدة بتمامها، سميته: «مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام». والشيخ العلامة ابن رجب ختم كتابه «الطبقات» على ترجمة شيخه ابن القيم، وعلى هذه القصيدة له رحمه الله تعالى. قال العلامة الشوكاني في «البدر الطالع» في ترجمة الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى : العلامة الكبير، المجتهد المطلق، ولد سنة ٦٩١، قرأ على المجد الحراني، وابن تيمية، ودرَّس بالصدرية، وأمَّ بالجوزية، وأخذ الأصول عن الصفي الهندي، وابن تيمية أيضًا، وبرع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف، وغلب عليه حب ابن تيمية؛ حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي نشر علمه بما صنفه من التصانيف الحسنة المقبولة، واعتُقل مع ابن تيمية، وأُهين، وطيف به على جمل مضروبًا بالدِّرّة. فلما مات ابن تيمية، أُفرج عنه، وامتُحن محنة أخرى بسبب فتاوى ابن تيمية، وكان ينال من علماء عصره، وينالون منه.
[ ١٣٢ ]
قال الذهبي في «المعجم المختص»: حُبس مدةً لإنكار شد الرحل لزيارة الخليل، ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم، ولكنه معجب برأيه جريء على الأمور. انتهى.
قلت: بل كان يتقيد بالأدلة الصحيحة، معجبًا بالعمل بها، غيرَ معوِّل على الرأي، صادعًا بالحق، لا يحابي فيه أحدًا، ونعمَتْ تلك الجرأة.
وكان مغرًى بجمع الكتب، فحصل منها ما لا يحصى، وله من التصانيف: «الهدي»، و«أعلام الموقعين»، و«بدائع الفوائد»، و«جلاء الأفهام»، و«مصايد الشيطان»، و«الداء والدواء»، و«كتاب الصلاة»، وكتاب «تحفة النازلين بجوار رب العالمين»، و«الصواعق المرسَلَة على الجهمية والمعطلة» في مجلدات، وكتاب «نزهة المشتاقين وروضة المحبين»، وكتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزوة الفرقة الجهمية»، و«عدة الصابرين»، و«الفتح القدسي»، و«أقسام القرآن»، و«أيمان القرآن»، وكتاب «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان».
ذكر له نعمان ترجمته في «الروضة الغناء»، وقال: الأصولي النحوي المفسر، المفنن في علوم كثيرة، دفن تجاه المدرسة الصابونية، وبني على قبره قبة. انتهى.
وقال السخاوي: العلامة الحجة، المتقدم في سعة العلم، ومعرفة الخلاف، وقوة الجنان، ورئيس أصحاب ابن تيمية الإمام، بل هو حسنة من حسناته، والمجمع عليه بين المخالف والموافق، وصاحب التصانيف السائرة، والمحاسن الجمة، انتفع به الأئمة، ودرَّس بأماكن. ثم سرد تصانيفه، فذكر منها اثنين وخمسين كتابًا، قال: وله نظم كثير، ثم ذكر منه
[ ١٣٣ ]
شيئًا، قال: ورئيت له منامات صالحة كثيرة، انتهى.
وغالب هذه الكتب عندي موجود، وله تصانيف كثيرة سوى ذلك، مثل: «قضاء وقدر» (^١)، و«طرق السعادتين»، و«مولد النبي - ﷺ -»، و«نونية» (٢)، وغير ذلك.
قال الشوكاني: وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وله من حسن التصرف في الكلام، مع العذوبة الزائدة، وحسن السياق، ما لا يقدر عليه غالبُ المصنفين؛ بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبه القلوب، وليس له على غير الدليل معوَّل في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى مذهبه الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة؛ كما يفعله غيره من المتمذهبين، بل لا بد له من مستند في ذلك، وغالب أبحاثه الإنصاف، والميلُ مع الدليل حيث مال، وعدمُ التعويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحث، وطوّل ذيوله، أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما تنشرح له صدور الراغبين في أخذ مذاهبهم عن الدليل، وأظنه سرت بركة ملازمته لشيخه ابن تيمية في السراء والضراء، والقيام معه في محنه ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه، فإنه ما زال ملازمًا له من سنة ٧١٢ إلى تاريخ وفاته.
وبالجملة: فهو واحدُ مَنْ قام بنشر السنة، وجعلها بينه وبين الآراء المحدثة أعظمَ جُنة، فرحمه الله، وجزاه عن المسلمين خيرًا.
_________________
(١) (، ٢) كذا سماهما المؤلف على طريقة الأعاجم، وهما كتاب «القضاء والقدر» و«النونية».
[ ١٣٤ ]
وحكي عنه قبل موته بمدة: أنه رأى شيخه ابن تيمية في المنام، وأنه سأله عن منزلته
_________________
(١) أي منزلة ؟ فقال: إنه أنزل فوق فلان وسمى بعض الأكابر ، وقال له: أنت [كدت] تلحق بنا، ولكن أنت في طبقة ابن خزيمة، ومات في ثالث عشر شهر رجب سنة ٧٥١، انتهى رحمه الله تعالى . * * *
[ ١٣٥ ]