لمجير الدين العليمي (ت ٩٢٨)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزُّرَعي، ثم الدمشقي، الفقيه الأصولي، المفسِّر النحوي العارف، شمس الدين أبو عبد الله ابن قيِّم الجوزية.
ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة.
وسمع من الشهاب العارف النابلسي، والقاضي تقي الدين سليمان وجماعة، وتفقه في المذهب وبرع، وأفتى ولازم الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخذ عنه، وتفنَّن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يُجارى فيه وبأصول الدين وإليه فيهما المُنتهى، وبالحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليدُ الطولى، وبعلم الكلام وغير ذلك، وكان عالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فنٍّ من هذه الفنون اليد الطولى.
عُني بالحديث ومتونه وبعض رجاله، وكان يشتغل في الفقه، ويجيد تقريره، وفي النحو والأصلين، وتصدّر للإشغال ونشر العلم.
وكان - ﵀ - ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتألُّه ولَهَج بالذكر، وشغف بالمحبّة والإنابة والافتقار إلى الله والانكسار له والاطراح بين يديه على عتبة عبوديَّته، وقد امتحن وأوذي مرّات، وحُبس مع
_________________
(١) (٥/ ٩٢ - ٩٧)، دار صادر، تحقيق حسين إسماعيل مروة، ط الأولى ١٤١٨.
[ ٨٩ ]
الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة منفردًا عنه، ولم يُفرج عنه إلا بعد موت الشيخ.
وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدَّبُّر والتفكُّر، ففُتح عليه من ذلك خيرٌ كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفُه ممتلئة بذلك.
وحجَّ مرات كثيرة وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمرًا يتعجب منه.
وأخذ عنه العلمَ خلقٌ كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظّمونه ويتتلمذون له كابن عبد الهادي وغيره، ولازم مجالسه الشيخُ زين الدين ابن رجب قبل موته أزيد من سنة، وسمع عليه «قصيدته النونية» الطويلة في السنة، وأشياءَ من تصانيفه وغيرها.
وقال القاضي برهان الدين الزُّرَعي عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه.
ودرَّس بالصَّدريَّة، وأمَّ بالجوزية مدَّة طويلةً، وكتب بخطّه ما لا يوصف كثرة.
وصنّف تصانيف كثيرة في أنواع العلم، وكان شديدَ المحبَّة للعلم وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء كتبه، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره.
فمن تصانيفه:
كتاب «تهذيب سُنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على ما فيه من
[ ٩٠ ]
الأحاديث المعلولة» مجلد. كتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم. كتاب «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» مجلدان، شرح «منازل السائرين» لشيخ الإسلام الأنصاري كتاب جليل القدر. كتاب «عقد محكم الإخاء بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى رب السماء» مجلد ضخم. كتاب «شرح أسماء الكتاب العزيز» مجلد. كتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء» مجلد. كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» أربع مجلدات، وهو كتاب عظيم جدًّا. كتاب «جلاء الأفهام في ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام وبيان أحاديثها وعللها». وكتاب «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد. كتاب «نقد المنقول والمحكّ المميز بين المردود والمقبول». كتاب «أعلام الموقعين عن رب العالمين» ثلاث مجلدات. كتاب «بدائع الفوائد» مجلدان. «الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية» وهي «القصيدة النونية» في السُّنَّة، مجلد. كتاب «الصواعق المنزلة على الجهمية المعطلة» في مجلدات. كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» وهو كتاب «صفة الجنة» مجلد. كتاب «نزهة المشتاقين وروضة المحبين» مجلد. كتاب «الداء والدواء» مجلد. كتاب «تحفة المودود في أحكام المولود» مجلد لطيف. كتاب «مفتاح دار السعادة» مجلد ضخم. كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» مجلد. كتاب «مصايد الشيطان» مجلد. كتاب «الطرق الحكمية» مجلد. «رفع اليدين في الصلاة» مجلد. «نكاح المحرم» مجلد. «تفضيل مكة على المدينة». «فضل العلماء» مجلد. كتاب «عدة الصابرين» مجلد. كتاب «الكبائر» مجلد. «حكم تارك الصلاة» مجلد، كتاب «نور المؤمن وحياته» مجلد. كتاب «إغمام هلال رمضان». «التحرير فيما
[ ٩١ ]
يحلُّ ويحرُم من لباس الحرير». «جوابات عابدي الصُّلبان، وأنَّ ما هم عليه دين الشيطان».
«بُطلان الكيمياء من أربعين وجهًا» مجلد. «الفرق بين الخُلّة والمحبة، ومناظرة الخليل لقومه». «الكلم الطيب والعمل الصالح» مجلد لطيف. «الفتح القدسي». «التحفة المكيّة». كتاب «أمثال القرآن». «شرح الأسماء الحسنى». «أيمان القرآن». «المسائل الطرابُلسِيّةَ» ثلاث مجلدات. «الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم» مجلدان. كتاب «الطاعون» مجلد لطيف. وله كتاب «هداية الحيارى في الرد على اليهود والنصارى» مجلد. وله «شرح على ألفية ابن مالك» مجلد (^١). وله كتاب يسمى «المفتاح» هكذا رأيته في الحاشية.
توفي - ﵀ - وقت عشاء الآخرة ليلة الخميس ثالث عشر (^٢) رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وصلّي عليه من الغد بالجامع عقيب الظهر، ثم بجامع جرَّاح، ودفن بمقبرة الباب الصغير، وشيَّعه خلق كثير، ورئيت له منامات كثيرة حسنة - ﵀ -.
قال ابن رجب: قُرئ على شيخنا الإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب وأنا أسمع هذه القصيدة من نظمه في أول كتاب «صفة الجنة»:
وما ذاك إلا غيرة أن ينالها سوى كُفئها، والرب بالخلق أعلم
وإن حُجِبت عنا بكل كريهة وحُفّت بما يؤذي النفوس ويؤلم
_________________
(١) لعله وهم، والكتاب لابنه برهان الدين، وهو مطبوع في مجلدين بعنوان «إرشاد السالك إلى حلّ ألفية ابن مالك».
(٢) في المطبوع: «عشري» وانظر التعليق على «الذيل» لابن رجب.
[ ٩٢ ]
فلله ما في حشوها من مسرة وأصناف لذات بها يتنعَّم
ولله ذاك العيش بين خيامها وروضاتها والثغر في الروض يبسم
ولله واديها الذي هو موعد الـ ـمزيد لوفد الحب لو كنت منهم
بذيالك الوادي يهيم صبابة محب يرى أن الصبابة مَغْنَم
ولله أفراح المحبين عندما يخاطبهم من فوقهم ويسلم
ولله أبصار ترى اللهَ جهرةً فلا الضيم يغشاها، ولا هي تسأم
فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة أمن بعدها يسلو المحب المتيم
ولله كم من خَيْرة إن تبسمت أضاء لها نور من الفجر أعظم
فيا لذة الأبصار إذ هي أقبلت ويا لذة الأسماع حين تكَلَّم
ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت ويا خجلة البحرين حين تبسم
فإن كنتَ ذا قلب عليل بحبها فلم يبق إلا وصلها لك مرهم
وذكر أبياتًا، ثم قال:
فيا خاطب الحسناء إن كنتَ باغيًا فهذا زمان المهر فهو المقدَّم
وكن مبغضًا للخائنات لحبها فتحظى بها من بينهن وتنعم
وكن أيِّمًا ممن سواها، فإنها لمثلك في جنات عدن تأيَّم
وصم يومك الأدنى لعلك في غد تفوز بعيد الفطر والناس صُوَّم
وأقدم، ولا تقنع بعيشٍ منغَّصٍ فما فاز باللذات من ليس يُقْدِم
وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها ولم يك فيها منزل لك يعلم
فحيّ على جنات عدن، فإنها منازلك الأولى، وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو، فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلَّم؟
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانُه فهو مُعدم
[ ٩٣ ]
وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكَّمُ؟
وحيّ على السوق الذي فيه يلتقي الـ ـمُحبُّون، ذاك السوق للقوم معلم
فما شئت خذ منه بلا ثمن له فقد أسلف التجار فيه وأسلموا
وحيّ على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش، فاليوم موسم
وحيّ على واد هنالك أفيح وتربته من أذفَرِ المسك أعظم
منابر من نور هناك وفضة ومن خالص العقيان لا تتفصم
وكثبان مسك قد جُعِلن مقاعدًا لمن دون أصحاب المنابر يعلم
فبيناهمُ في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تُجْرى عليهم وتُقْسَم
إذا هم بنور ساطع أشرقت له بأقطارها الجنات لا يتوهم
تجلى لهم رب السماوات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يكلم
سلام عليكم، يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمَه إذْ يُسلّم
يقول: سلوني ما اشتهيتم، فكل ما تريدون عندي، إنني أنا أرحم
فقالوا جميعًا: نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولي الجميل وترحم
فيعطيهم هذا ويشهد جمعهم عليه، تعالى الله، والله أكرم
فيا بائعًا هذا ببخس معجَّل كأنك لا تدري، بلى، سوف تعلم
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري، فالمصيبة أعظم
* * *
[ ٩٤ ]