لشهاب الدِّين أحمد بن محمد المقَّري التِّلِمْساني (١٠٤١)
فائدة: في تعليق البَسِيلي (^٢) على التفسير مما التقطه من كلام شيخه ابن عَرَفَة: أن تقي الدِّين ابن تيمية قال ــ لمَّا رأى شِفاء القاضي عياض (^٣) ــ: غلا هذا المُغَيربي (^٤)!
_________________
(١) (٥/ ٩ - ١٧) تحقيق عبد السلام الهراس وسعيد أعراب، ١٤٠٠ هـ، ط المغرب.
(٢) هو أحمد بن محمد البَسِيلي التونسي (ت ٨٣٠)، جمع تفسيرًا مما قيده عن شيخه ابن عَرَفة. انظر «كشف الظنون»: (ص ٦٣٥)، و«الأعلام»: (١/ ٢٢٧). وقد طبع أخيرًا.
(٣) يعني كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -» للقاضي عياض.
(٤) هذا القول المنسوب إلى شيخ الإسلام يطعن في نسبته له أمور:
(٥) أن هذا النقل لا وجود له في كتبه ورسائله، وهي كثيرة بحمد الله.
(٦) أن هذا يخالف طريقة شيخ الإسلام من تعظيم العلماء وإجلالهم، فلا نجد لهذه العبارة نظيرًا في حق أي عالم، حتى الذين خالفهم شيخ الإسلام ورد عليهم.
(٧) أن هذا القول لم ينقله أحد من تلاميذه وأصحابه على كثرتهم.
(٨) أنا وجدنا شيخ الإسلام قد أثنى على القاضي عياض وعلى كتاب «الشّفا» في مواضع متعددة من كتبه، مع كونه قد ينتقد ما في كتاب «الشفا» من المنقولات الضعيفة وإليك أمثلة: قال ابن تيمية: «ومثل القاضي عياض بن موسى السبتي ــ مع علمه وفضله ودينه ــ أنكر العلماء عليه كثيرًا مما ذكره في شفائه من الأحاديث والتفاسير التي يعلمون أنها من الموضوعات والمناكير، مع أنه قد أحسن فيه وأجاد بما فيه من تعريف حقوق خير العباد وفيه من الأحاديث الصحيحة والحسان ما يفرح به كل من عنده إيمان». «الرد على البكري»: (١/ ٥٨ - ت عجال). انظر أيضًا (١/ ٨٦).
[ ٧٥٤ ]
قال: وإلى الردِّ عليه أشار شيخنا ابن عرفة رحمه الله تعالى بقوله:
شفاء عياض في كمال نبينا كواصف ضوء الشمس ناظر قرصها
فلا غَرْو في تبليغه كُنْه وصفه وفي عجزه عن وصفه كنه شخصها
وإن شئتَ شبِّهه بذكر أمارة بأصلٍ لبرهان مبينٍ لنقصها
وهذا لقول قيل عن زائغٍ: غلا عياضٌ فتبّت ذاتُه عن محيصها
ونسب البَسِيلي المذكور لابن تيمية القولَ بالجهة.
وكتب بعضُهم على طُرَّة البَسيلي ما نصه: رأيت أسئلة ابن تيمية في أسفار، فلا تسأل عن اطلاعه وحُسْن تصرّفه. والتجسيم نسَبَه له أبو حيان في آية الكرسي (^١)، وأبو حيان مدحه بقصيدة، ثم عاداه؛ فوجب التوقف في نقله لأجلها. ولم يزل حاله في ظهور حتى ناظر السُّبْكيين (^٢)، ومناظرته معهم
_________________
(١) في كتابه «النهر الماد» مختصر البحر المحيط.
(٢) لا أعلم من أمْرِ هذه المناظرة شيئًا، ولا ذكرها أحدٌ من المؤرخين، ولا أظنها وقعت أصلًا؛ فأما التاج السبكي فمولود سنة (٧٢٧ أو ٧٢٩) فأنى له مناظرة من توفي سنة (٧٢٨)! ! وأما والده التقي السبكي فمولود سنة (٦٨٣) في مصر، وكان بقاء شيخ الإسلام في مصر بين سنتي (٧٠٥ - ٧١٢) وعمر السبكي آنذاك (٢٢ - ٢٩ سنة) فمناظرته للشيخ مستبعدة في حضرة شيوخه الذين عجزوا عن مناظرة الإمام، خاصة إذا علمنا أنه تأخر في طلب بعض العلوم كعلم الحديث، فإنه كان سنة (٧٠٣) كما ذكر تلميذه الحافظ العراقي. ثم السبكي لم يقدم الشام إلا سنة ٧٣٩ هـ بعد وفاة الإمام. فأين ناظره ومتى؟ ! وإن كان المقصود ردّ السبكيذ على ابن تيمية في مسألة الطلاق والزيارة، وردّ ابن تيمية عليه في الطلاق، فنعم، هذا بالنسبة للمناظرة، أما قوله: «ولم يزل حاله في ظهور حتى ناظر السبكيين» فغير صحيح واقعًا ولا مذكور تاريخًا!
[ ٧٥٥ ]
حجة باهرة في فضله. وقد أثنى على عياض فلا يصح عنه ذمُّه، أو أراد أن القتل لا يقول به من الأربعة غير مالك، ولهذا رد حكم هذا الباب إليه في البلاد المشرقية. انتهى ما في الطرة.
قلت: أما علمه فأمر لا يُنكَر ولا يُجْحد، وقد رأيت مؤلفًا في التعريف به ومحاشاته عما نُسب إليه من التجسيم وغيره من المقالات الشنيعة (^١)، وذكر فيه قصيدة أبي حيان التي مدحه بها، وثناء الأكابر عليه، وغير ذلك من أموره، وكتب بالموافقة على ذلك الحافظ ابن حجر والعيني والبساطي وغيرهم. وقال بعض هؤلاء: إن مسألة الزيارة التي ردّ عليه فيها السبكي لا توجب في حقه بدعة، وغاية ما هنالك أنه أخطأ فيها، والتسليم في أمره أسلم. وهؤلاء نزَّهوه عن القول بالجهة وهم أعرف بحاله من غيرهم وإن صرح بخلاف ذلك غير واحد من المغاربة، منهم الحاج الرَّحال ابن بطوطة، فإنه قال في «رحلته» (^٢): شاهدته نزل درجةً وقال: إن الله ينزل كما أنزل. انتهى. عياذًا بالله من هذه المقالة! وقد صرح بذلك أيضًا بعض سلفنا وهو الإمام القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد المقَّري التلمساني - ﵀ - في أول رحلته المسماة بـ «نظم اللآلي في سلوك الأمالي» عندما تعرَّض لشيخيه ابني الإمام التلمسانيين أبو زيد عبد الرحمن، وأبو موسى عيسى ابنا محمد ابن عبد الله بن الإمام (^٣) ..
_________________
(١) يعني كتاب «الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية: شيخ الإسلام كافر» للحافظ ابن ناصر الدِّين الدمشقي الشافعي (ت ٨٤٢). وهو مطبوع في مجلد.
(٢) (١/ ٣١٦ - ٣١٧ تحقيق التازي). وهذه فِرية من ابن بطوطة على شيخ الإسلام - ﵀ -، وقد كتب جمع من العلماء في بيانها، انظر ما سبق (ص ٥٧٥).
(٣) ترجمتهما في «الأعلام»: (٣/ ٣٣٠ و٥/ ١٠٨).
[ ٧٥٦ ]
قال: ولقيا أيضًا جلال الدِّين القزويني صاحب البيان (^١)، وسمعا «صحيح البخاري» على الحجّار، وقد سمعته أنا عليهما، وناظرا تقي الدِّين ابن تيمية وظهرا عليه، وكان ذلك من أسباب محنته (^٢).
وكانت له مقالات شنيعة من إمرار حديث النزول على ظاهره، وقوله فيه: كنزولي هذا (^٣)، وقوله فيمن سافر إلى المدينة لا ينوي إلا زيارة القبر الكريم: لا يقصر حتى ينوي المسجد، لحديث: «لا تشد الرحال » (^٤).
وكان شديد الإنكار على الإمام فخر الدين. حدثني شيخنا الإمام أبو عبد الله الآبلي أن عبد الله بن إبراهيم الرزموري أخبره أنه سمع ابن تيمية ينشد لنفسه:
محصَّلٌ في أصول الدِّين حاصله من بعد تحصيله علم بلا دين
أصل الضلالة والإفك المبين فما فيه فأكثره وحي الشياطين
_________________
(١) صاحب كتاب «التلخيص» في علم البلاغة.
(٢) قارن بما قاله العلامة ابن الزملكاني ــ قرين شيخ الإسلام وبلديّه وخصمه ــ: «ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه» اهـ.
(٣) تقدم كذب هذه الفرية، وأن مصدرها ابن بطوطة.
(٤) ذكر شيخ الإسلام النزاع في هذه المسألة عند العلماء في «الفتاوى»: (٢٧/ ١٥٣)، وقال في موضع آخر: «ولهذا كان أئمة العلماء يعدون من جملة البدع المتكررة السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، وهذا في أصح القولين غير مشروع حتى صرح بعض من قال ذلك: أن من سافر هذا السفر لا يقصر فيه الصلاة؛ لأنه سفر معصية». «الفتاوى»: (٢٦/ ١٥٣).
[ ٧٥٧ ]
قال: وكان في يده قضيب فقال: والله لو رأيته لضربته بهذا القضيب هكذا، ثم رفعه ووضعه (^١).
* * * *
_________________
(١) هذان البيتان ذكرهما شيخ الإسلام في «منهاج السنة»: (٥/ ٤٣٣) عن بعض معاصريه في قصة له، ولم ينسبهما لنفسه! وهذا يدلك على ما في بقية القصة من أمر القضيب والضرب! ! وذكرهما الصفدي في «الوافي بالوفيات»: (٤/ ١٨٠) ولم ينسبهما لأحد، بل قال: رأيت بعضهم قد كتب على كتاب المحصل ثم أجاب عنهما بثلاثة أبيات له. وانظر «نفح الطيب»: (٥/ ٢١٦ - ٢١٧) للمؤلف. و«شذرات الذهب»: (٦/ ١٠٣). وفي البيتين بعض اختلاف في المصادر.
[ ٧٥٨ ]