للعلّامة أبي الفِداء إسماعيل بن كثير الدِّمشقي (٧٧٤)
سنة (٦٦١)
مولد الشيخ تقي الدِّين ابن تيميَّة شيخ الإسلام:
قال الشَّيخ شمس الدِّين الذَّهبيّ: وفي هذه السنة وُلد شيخنا تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد ابن الشَّيخ شهاب الدِّين عبد الحليم بن أبي القاسم ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني، بحرّان. يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل من سنة إحدى وستين وست مئة. (١٣/ ٢٥٥). (١٧/ ٤٥١).
سنة (٦٦٦)
وفيها ولد الشَّيخ شرف الدِّين عبد الله ابن تَيْمِيَّة أخو الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة. (١٣/ ٢٦٨). (١٧/ ٤٨٠).
سنة (٦٦٧)
وفيها خرج أهل حرّان منها وقدموا الشَّام. وكان فيهم شيخنا العلّامة أبو العبَّاس أحمد ابن تَيْمِيَّة صُحْبةَ أبيه، وعمره ست سنين، وأخواه زين الدِّين عبد الرَّحمن وشرف الدِّين عبد الله، وهما أصغر منه. (١٣/ ٢٦٩). (١٧/ ٤٨٣).
_________________
(١) . (١٣/ ٢٥٥ - ٣٧٤، ١٤/ ٣ - ١٤٦) دار الريان، مصر، ١٤٠٨. ثم قابلنا نصوصه على الطبعة المحققة في ٢١ مجلدًا، بتحقيق د/ عبد الله التركي بالتعاون مع مركز الدراسات والبحوث بدار هجر، ط الأولى ١٤١٩.
[ ٥١٦ ]
سنة (٦٨٢)
وممن توفي فيها: ابن جَعْوان العلامة شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عباس ابن جَعْوان الأنصاري الدمشقي، المحدِّث الفقيه الشافعي البارع في النحو واللغة.
سمعت شيخنا تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المِزِّي يقول كل منهما للآخر: هذا الرَّجل قرأ «مسند الإمام أحمد»
_________________
(١) وهما يسمعان فلم نَضْبِط عليه لحنةً مُتَّفقًا عليها، وناهيك بهذين ثناءً على هذا، وهما هما! ! (١٣/ ٣٢٠)، (١٧/ ٥٩٠ - ٥٩١). [وفيها] توفي الشَّيخ الإمام العالم شهاب الدِّين عبد الحليم بن الشَّيخ الإمام العلامة مجد الدِّين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني، والد شيخنا العلامة تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، مفتي الفِرق، الفارق بين الفرق. كَانت له فضيلة حسنة، ولديه فوائد كثيرة، وكان له كرسي بجامع دمشق يتكلّم عليه عن ظهر قلبه، وولي مشيخة دار الحديث السكّرية بالقَصَّاعين، وبها كَانَ مَسْكنه. ثمَّ درّس ولده الشَّيخ تقي الدِّين بها بعده، في السنة الآتية كما سيأتي. ودُفن بمقابر الصوفية - ﵀ -. (١٣/ ٣٢٠). (١٧/ ٥٩٢). سنة (٦٨٣) في يوم الاثنين، ثاني المحرّم منها، درَّس الشَّيخُ الامام العالم العلامة العَلَم تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني، بدار الحديث السُّكَّرية الَّتي بالقصَّاعين. وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين ابن الزكي الشَّافعيّ، والشيخ تاج الدِّين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدِّين ابن المُرَحِّل، وزين الدِّين بن المنجَّى الحنبلي. وكان
[ ٥١٧ ]
درسًا هائلًا حافلًا، وقد كتبه الشَّيخ تاج الدِّين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حَداثة سنّه وصِغره، فإنه كَانَ عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين.
ثمَّ جلس الشَّيخ تقي الدِّين المذكور أيضًا يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هُيِّئَ له لتفسير القرآن العزيز. فابتدأ من أوله في تفسيره. وكان يجتمع عنده الخلق الكثير، والجمُّ الغفير، ومن كثرة ما كَانَ يورد من العلوم المتنوّعة المحرّرة مع الديانة والزهادة والعبادة، سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان. واستمرَّ على ذلك مدة سنين متطاولة. (١٣/ ٣٢١). (١٧/ ٥٩٣).
سنة (٦٩٢)
وكان ممن حجَّ في هذه السنة الشيخُ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة - ﵀ -. وكان أميرهم الباسطي، ونالهم في مَعَان ريح شديدة جدًا مات بسببها جماعة، وحملت الريح جمالًا عن أماكنها. وطارت العمائم عن الرؤوس، واشتغل كلّ أحد بنفسه. (١٣/ ٣٥٢). (١٧/ ٦٥٩).
سنة (٦٩٣)
(واقعة عسّاف)
كَانَ هذا الرَّجل من أهل السويداء، قد شهد عليه جماعة أنَّه سبَّ النَّبي - ﷺ -، وقد استجار عسّافٌ هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل عليّ، فاجتمع الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، والشيخ زين الدِّين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عز الدِّين أيبك الحموي، نائب السلطنة، فكلّماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليُحْضِره، فخرجا من عنده، ومعهما خلق كثير
[ ٥١٨ ]
من الناس، فرأى الناسُ عسَّافًا حينَ قدم ومعه رجلٌ من العرب فسبُّوه وشتموه، فقال ذلك الرَّجل البدويُّ: هو خير منكم
_________________
(١) يعني النصراني فرجمهما الناس بالحجارة؛ وأصابت عسَّافًا ووقعت خبطة قوية، فأرسل النائب، فطلب الشيخين: ابن تَيْمِيَّة والفارقي فضربهما بين يديه، ورسم عليهما في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم، وعقد مجلس بسببه، وأثبت بَيْنه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثمَّ استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، فاتفق قتله قريبًا من مدينة رسول الله - ﷺ - قتله ابن أخيه هنالك. وصنف الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في هذه الواقعة كتابه «الصارم المسلول على ساب الرسول - ﷺ -». (١٣/ ٣٥٥). (١٧/ ٦٦٥ - ٦٦٦). سنة (٦٩٤) توفي الشَّيخ الامام الخطيب المدرّس المفتي: شرف الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن الشَّيخ كمال الدِّين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقْدِسِيّ الشافعي ولي القضاء نيابة، والتدريس، والخطابة بدمشق وأذن في الإفتاء لجماعة من الفضلاء منهم الشَّيخ الامام العلّامة شيخ الإسلام أبو العبَّاس ابن تَيْمِيَّة، وكان يَفْتَخِر بذلك ويَفْرَح به، ويقول: أنا أذِنْتُ لابن تَيْميَّة بالإفتاء. (١٣/ ٣٦١). (١٧/ ٦٧٨). سنة (٦٩٥) وفي يوم الأربعاء سابع عشر شعبان درّس الشَّيخ الامام العلّامة شيخ الإسلام تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني بالمدرسة الحنبلية عوضًا عن الشَّيخ زين الدِّين ابن المنجَّى توفي إلى رحمة الله. ونزل ابن تَيْمِيَّة عن حَلْقة
[ ٥١٩ ]
العماد بن المنجَّى لشمس الدِّين ابن الفخر البعلبكي. (١٣/ ٣٦٤). (١٧/ ٦٨٤ - ٦٨٥).
سنة (٦٩٧)
ولما كان يوم الجمعة سابع عشر شوال، عَمِل الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية ميعادًا في الجهاد، وحرَّض فيه، بالغ في أجور المجاهدين، وكان وقتًا مشهودًا وميعادًا جليلًا.
سنة (٦٩٨)
وكان وقع في أواخر دولة لاجين بعد خروج قَبْجَق من البلد محنة للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدِّين الحنفي. فلم يحضر. فنودي في البلد في العقيدة الَّتي كَانَ قد سأله عنها أهل حماة المسماة «بالحموية». فانتصر له الأمير سيف الدِّين جاغان. وأرسل يطلب الَّذين قاموا عليه. فاختفى كثير منهم، وضُرِب جماعة ممن نادى على العقيدة فسكت الباقون.
فلما كَانَ يوم الجمعة عمل الشَّيخ تقي الدِّين الميعاد بالجامع على عادته، وفسّر فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، ثمَّ اجتمع بالقاضي إمام الدِّين القَزْويني صبيحة يوم السبت، واجتمع عنده جماعة من الفضلاء، وبحثوا في «الحموية»، وناقشوه في أماكن منها. فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير.
ثمَّ ذهب الشَّيخ تقي الدِّين وقد تَمَهَّدَت الأمور، وسكنت الأحوال. وكان القاضي إمام الدِّين معتقدُه حسنًا ومقصدُه صالحًا. (١٤/ ٤ - ٥). (١٧/ ٧١١ - ٧١٢).
[ ٥٢٠ ]
سنة (٦٩٩)
هذا؛ وسلطان التَّتار قد قصد دمشق بعد الوقعة. فاجتمع أعيانُ البلد والشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في مشهد عليّ، واتفقوا على المسير إلى قازان لتلقّيه وأخذ الأمان منه لأهل دمشق.
فتوجّهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر، فاجتمعوا به عند النَّبْك (^١). وكلّمه الشَّيخ تقي الدِّين ابن تيمية كلامًا قويًّا شديدًا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعُها على المسلمين ولله الحمد.
ودخل المسلمون ليلتئذٍ من جهة قازان فنزلوا بالباذَرائية، وغُلِّقَت أبوابُ البلد سوى باب تُوما. وخطب الخطيب بالجامع يوم الجمعة، ولم يذكر سلطانًا في خطبته، وبعد الصلاة حضر الفَرْمان بالأمان وطيف به في البلد. وقُرئ يوم السبت ثامن الشهر بمقصورة الخطابة، ونُثر شيء من الذهب والفضّة. (١٤/ ٨). (١٧/ ٧١٩ - ٧٢٠).
وفي يوم الاثنين عاشر الشهر قدم الأمير سيف الدِّين قَبْجَق المنصوري فنزل في الميدان. واقترب جيش التَّتَر، وكثُر العيْث في ظاهر البلد، وقُتل جماعة، وغلت الأسعار بالبلد جدًّا، وضاق الحال عليهم وأرسل قبجق إلى نائب القلعة ليُسَلِّمها إلى التتر. فامتنع أرْجُواش من ذلك أشدّ الامتناع. فجمع له قبجق أعيان البلد فكلَّموه أيضًا، فلم يُجبهم إلى ذلك، وصمّم على ترك تسليمها إليهم وفيها عين تطرف. فإنَّ الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك فاشتدَّ عزمه على ذلك وقال له: لو لم يبق فيها
_________________
(١) . قرية بين حمص ودمشق، «معجم البلدان»: (٤/ ٧٣٩).
[ ٥٢١ ]
إلَّا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشَّام فإن الله حفظ لهم هذا الحصن والمَعْقِلَ الذي جعله الله حِرزًا لأهل الشام التي لا تزال دارَ أمانٍ وسنةٍ، حتى ينزل بها عيسى بن مريم ﵇. (١٤/ ٩). (١٧/ ٧٢٠).
ولما نُكب دَيْر الحنابلة في ثاني جُمادى الأولى قتلوا [أي التَّتار] خلقًا من الرجال، وسبوا من النساء كثيرًا، ونال قاضي القضاة تقي الدِّين منهم أذى كثير. ويُقال: إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريبًا من أربعمائة وأسروا نحوًا من أربعة آلافٍ أسير. ونُهِبَت كتبٌ كثيرة من الرباط الناصري والضيائية، وخزانة ابن البزوري. وكانت تُباع وهي مكتوب عليها الوقفية
وخرج الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في جماعة من أصحابه يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر إلى ملك التتر. وعاد بعد يومين، ولم يتّفق اجتماعه به. حجبه عنه الوزيرُ سعد الدين، والرشيدُ مُشِيرُ الدولة المَسْلَماني ابن يهودي (١٤/ ٩ - ١٠). (١٧/ ٧٢٢).
وفي ثاني رجب طلب قبجق القضاة والأعيان، فحلَّفهم على المناصحة للدولة المحمودية
_________________
(١) يعني قازان . فحلفوا له. وفي هذا اليوم خرج الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة إلى مخيَّم بُولاي فاجتمع به، في فكاك مَنْ كَانَ معه من أُسَارَى المسلمين. فاستنقذ كثيرًا منهم من أيديهم. وأقام عنده ثلاثة أيام ثمَّ عاد. (١٤/ ١١). (١٧/ ٧٢٦). وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة بجامع دمشق لصاحب مصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون. ففرح الناس بذلك، وكان يُخطب لقازان بدمشق وغيرها من بلاد الشَّام مائة يوم سواء.
[ ٥٢٢ ]
وفي بُكرة يوم الجمعة المذكور دار الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة - ﵀ -، وأصحابُه على الخمَّارات والحانات، فكسروا آنية الخمور، وشقوا الظروف وأراقوا الخمور. وعزّروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش. ففرح الناس بذلك. (١٤/ ١٢). (١٧/ ٧٢٧ - ٧٢٨).
وفي يوم الجمعة العشرين من شوال ركب نائب السلطنة جمال الدِّين آقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجَرَد وكسروان. وخرج الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة ومعه خلق كثير من المتطوّعة والحورانة لقتال أهل تلك الناحية، بسبب فساد دينهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم، وما كانوا عامَلوا به العَسَاكر لما كسرهم التترُ وهَرَبوا؛ حين اجتازوا ببلادهم وثبوا عليهم ونهبوهم، وأخذوا أسلحتهم وخيولَهم، وقتلوا كثيرًا منهم.
فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة، فاستتابهم وبيّن للكثير منهم الصواب، وحصل بذلك خير كثير، وانتصار كبير على أُولئك المفسدين، والتزموا بردّ ما كانوا أخذوه من أموال الجيش، وقرّر عليهم أموالًا كثيرة يحملونها إلى بيت المال، وأقطِعتْ أراضيهم وضياعُهم، ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند، ولا يلتزمون أحكام الملة، ولا يدينون دين الحق، ولا يحرّمون ما حرَّم الله ورسوله. (١٤/ ١٣). (١٧/ ٧٣٠).
سنة (٧٠٠)
في مُسْتهلِّ صفر وردت الأخبار بقصد التتر بلاد الشَّام، وأنهم عازمون على دخول مصر. فانزعج الناس لذلك، وازدادوا ضعفًا على ضعفهم، وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب إلى بلاد مصر والكَرَك
[ ٥٢٣ ]
والشَّوْبَك والحصون المنيعة. فبلغت المحارة (^١) إلى مصر خمسمائة، وبيع الجمل بألف، والحمار بخمسمائة. وبيعت الأمتعة والثياب والغلات بأرخص الأثمان. وجلس الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة في ثاني صفر بمجلسه في الجامع وحرّض الناس على القتال. وشاق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك. ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغّب في إنفاق الأموال في الذّب عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأنّ ما يُنفق في أجرة الهَرَب، إذا أُنفِقَ في سبيل الله كَانَ خيرًا. وأوجب جهاد التتر حتمًا في هذه الكرّة. وتابع المجالس في ذلك. ونودي في البلدان: لا يُسافر أحد إلّا بمرسوم وورقة. فتوقف الناسُ عن السير، وسكن جأشهم. (١٤/ ١٥ - ١٦). (١٧/ ٧٣٥ - ٧٣٦).
واستهل جمادى الأولى والناس على خُطةٍ صعبةٍ من الخوف، وتأخُّر السلطانِ واقتراب العدوِّ، وشدةِ الأمرِ والحالِ، وخرج الشَّيخ تقيّ الدِّين بن تَيْمِيَّة رحمه الله تعالى في مستهلّ هذا الشهر ــ وكان يوم السبت ــ إلى نائب الشَّام وعساكره بالمرج. فثبَّتهم، وقوّى جأشهم، وطيّب قلوبهم، ووعدهم النصر والظفر على الأعداء. وتلا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠]، وبات عند العسكر ليلة الأحد، ثمَّ عاد إلى دمشق وقد سأله النائب والأمراء أنْ يركب على البريد إلى مصر يستحثُّ السلطان على المجيء.
فساق وراء السلطان. وكان السلطان قد وصل إلى الساحل، فلم يدركه إلا وقد رجع إلى القاهرة وتفارط الحال. ولكنه استحثهم على تجهيز
_________________
(١) . في المطبوع: الحمارة! والمحارة: شبه الهودج. والمقصود أجرة الحمل إلى مصر.
[ ٥٢٤ ]
العساكر إلى الشَّام إنْ كَانَ لهم به حاجة. وقال لهم فيما قال: «إنْ كنتم أعرضتم عن الشَّام وحمايته، أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن».
ولم يزل بهم حتَّى جُرِّدَت العساكر إلى الشَّام.
ثمَّ قال لهم: «لو قُدِّر أنكم لستم حُكّام الشَّام ولا ملوكه، واستنصركم أهله وَجَبَ عليكم النصر. فكيف وأنتم حُكّامه وسلاطينُه، وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم؟».
وقوَّى جأشهم، وضمن لهم النصر هذه الكرّة. فخرجوا إلى الشَّام، فلما تواصلت العساكر إلى الشَّام فرح الناس فرحًا شديدًا، بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم (١٤/ ١٦). (١٧/ ٧٣٧ - ٧٣٨).
ورجع الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من الديار المصرية في السابع والعشرين من جُمادى الأولى على البريد، وقد أقام بقلعة مصر ثمانية أيّام واجتمع بالسلطان والوزير وأعيان الدولة وحثَّهم وحرَّضهم فأجابوه. (١٤/ ١٧). (١٧/ ٧٣٩).
سنة (٧٠١)
وفي هذا الشهر [شوال] عُقد مجلس لليهود الخيابرة، وأُلزموا بأداء الجزية أسوةَ أمثالهم من اليهود. فأحضروا كتابًا معهم يزعمون أنَّه من رسول الله - ﷺ - بوضع الجزية عنهم. فلما وقف عليه الفقهاء تبيّنوا أنَّه مكذوب مفتعل؛ لما فيه من الألفاظ الركيكة، والتواريخ المخبَّطة، واللحن الفاحش. وحاققهم عليه شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، وبيّن لهم خطأهم وكذبهم. وأنّه مزوّر مكذوب. فأنابوا
[ ٥٢٥ ]
إلى أداء الجزية، وخافوا من أن تستعاد عليهم السنين الماضية.
قلتُ: وقد وقفت أنا ــ أي المؤلف ــ على هذا الكتاب، فرأيتُ فيه شهادة سعد بن معاذ عام خبير. وقد توفي سعد قبل ذلك بنحو من ثلاث سنين، وشهادة معاوية بن أبي سفيان، ولم يكن أسلم إذ ذاك، وإنما أسلم بعد ذلك بنحو من سنتين. وفيه: وكتب علي بن أبو طالب! !
وهذا لحن لا يصدر عن أمير المؤمنين عليّ. (١٤/ ٢٠). (١٨/ ٩).
وفي هذا الشهر [شوال] ثار جماعة من الحَسَدة على الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وشَكَوا منه أنَّه يُقيم الحدود، ويعزِّر، ويحلق رؤوس الصبيان، وتكلّم هو أيضًا فيمن يشكو منه ذلك، وبيّن خطأهم. ثمَّ سكنت الأمور. (١٤/ ٢٠). (١٨/ ١٠).
سنة (٧٠٢)
وفي جُمادى الأولى وقع بيد نائب السلطنة كتاب مزوّر، فيه أنَّ الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة، والقاضي شمس الدِّين ابن الحريري، وجماعة من الأمراء والخواص الَّذين بباب السلطنة يُناصحون التتر ويكاتبونهم، ويريدون تولية قَبْجَق على الشَّام، وأن الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني يعلمهم بأحوال الأمير جمال الدِّين آقوش الأفرم، وكذلك كمال الدِّين بن العطّار. فلما وقف عليه نائب السلطنة عرف أنَّ هذا مفتعل. ففحص عن واضعه فإذا هو فقير، كَانَ مجاورًا بالبيت الَّذي كَانَ إلى جانب محراب الصَّحابة، يُقال له اليَعْفُوري، وآخر معه يُقال له أحمد الفناري (^١). وكانا معروفيْن بالشرّ
_________________
(١) . وقع في «ذيول العبر» (ص ٥)، و«تاريخ البرزالي»: القباري.
[ ٥٢٦ ]
والفضول. ووُجد معهما مسوَّدة هذا الكتاب. فتحقّق نائب السلطنة ذلك، فعُزّرا تعزيرًا عنيفًا. ثمَّ وُسِّطا (^١) بعد ذلك في مستهل جمادى الآخرة، وقُطعت يد الكاتب الَّذي كتب لهما هذا الكتاب وهو التاج المناديلي. (١٤/ ٢٣). (١٨/ ١٨).
وفي ثامن عشر [شعبان] قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين
ثمَّ قدمت بعدهم طائفة أُخرى فقويت القلوب واطمأنّ كثير من الناس. ولكن الناس في جَفْل عظيم من بلاد حلب وحماة وحمص وتلك النواحي، وتقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص، ثمَّ خافوا أنْ يدهمهم التتر فجاؤوا فنزلوا المَرْج وجلس القضاة بالجامع وحلّفوا جماعة من الفقهاء والعامة على القتال.
وتوجّه الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم في القُطَيْفة، وأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدوّ فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم. وكان الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرّة منصورون على التتار. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إنْ شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وكان يتأوّل في ذلك أشياء في كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ﴾ [الحج: ٦٠]. (١٤/ ٢٤ - ٢٥). (١٨/ ٢٢ - ٢٣).
وقد تكلّم الناسُ في كيفيّة قتال هؤلاء التتر من أيّ قبيل هو؟ فإنهم
_________________
(١) . يقال: وسَّطَه توسيطًا، أي: قطعَه نصفين. «تاج العروس»: (١٠/ ٤٤٨).
[ ٥٢٧ ]
يُظهرون الإسلام، وليسوا بُغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقتٍ ثمَّ خالفوه. فقال الشَّيخ تقيّ الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الَّذين خرجوا على عليّ ومعاوية. ورأوا أنهم أحقّ بالأمر منهما. وهؤلاء يزعمون أنهم أحقّ بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبّسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مُضاعفَّة. فتفطَّنَ العلماءُ والناسُ لذلك. وكان يقولُ للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجَّع الناسُ في قتال التَّتار، وقويت قلوبهم ونيَّاتهم ولله الحمد. (١٤/ ٢٥). (١٨/ ٢٣ - ٢٤).
ولما كَانَ يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان خرجت العساكر الشامية فخَيَّمتْ على الجُسُورة من ناحية الكُسْوَة، ومعهم القضاة
فلما كانت ليلة الخميس ساروا إلى ناحية الكسوة
وخرج الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة صبيحة يوم الخميس من الشهر المذكور من باب النصر بمشقة كبيرة، وصُحْبته جماعة ليشهد القتال بنفسه ومَنْ معه. فظنوا أنَّه إنَّما خرج هاربًا، فحصل له لوم من بعض الناس وقالوا: أنت مَنَعْتنا من الجفل وها أنت هارب من البلد. فلم يرد عليهم. (١٤/ ٢٥). (١٨/ ٢٤).
وفي يوم الاثنين رابع الشهر [رمضان] رجع الناسُ من الكسوة إلى دمشق، فبشّروا الناس بالنصر.
وفيه دخل الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة البلدَ ومعه أصحابه من الجهاد ففرح الناسُ به، ودعوا له، وهنّأوه بما يسّرَ الله على يديه من الخير. وذلك أنّه
[ ٥٢٨ ]
ندبه العسكر الشامي أنْ يسير إلى السلطان يستحثُّه على السير إلى دمشق، فسار إليه، فحثّه على المجيء إلى دمشق بعد أنْ كاد يرجع إلى مصر. جاء هو وإياه جميعًا. فسأله السلطان أنْ يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السنة أن يقف الرَّجل تحت راية قومه. ونحن من جيش الشَّام لا نقف إلّا معهم. وحرّض السلطان على القتال، وبشّره بالنصر، وجعل يحلف له بالله الَّذي لا إله إلّا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرّة. فيقول له الأمراء: قل إنْ شاء الله. فيقول: إنْ شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وأفتى الناسَ بالفِطْرِ مدةَ قتالهم، وأفطر هو أيضًا وكان يدور على الأطلاب (^١) والأمراء فيأكل من شيء معه في يده، ليعلمهم أَنَّ إفطارهم ليتقووا على القتال أفضلُ، فيأكل الناس. وكان يتأوَّل في الشاميين قوله - ﷺ -: «إنكم ملاقوا العدوّ غدًا، والفطر أقوى لكم» (^٢). فعزم عليهم في الفطر عام الفتح. كما في حديث أبي سعيد الخدري. (١٤/ ٢٧). (١٨/ ٢٧ - ٢٨).
في ترجمة ابن دقيق العيد قال: وقد اجتمع به الشَّيخُ تقيُّ الدِّين بن تَيْمِيَّة، فقال له تقي الدِّين ابن دقيق العيد لما رأى تلك العلوم منه: ما أظن بقي يُخلق مثلك. (١٤/ ٢٩). (٢٨/ ٣٠) في نسخة (م).
وعين نائب السلطنة الشامية البرّانية ودار الحديث للشيخ كمال الدِّين بن الشريشي، وذلك بإشارة الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة. (١٤/ ٣٠). (٢٨/ ٣٣).
_________________
(١) . وهي: الكتيبة من الجيش.
(٢) . أخرجه مسلم.
[ ٥٢٩ ]
سنة (٧٠٤)
في رجب منها أُحضر إلى الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة شيخٌ كَانَ يلبس دلقًا كبيرًا متسعًا جدًّا يسمّى المجاهد إبراهيم القطّان. فأمر الشَّيخ بتقطيع ذلك الدلق، فتناهبه الناسُ من كلّ جانب، وقطعوه حتَّى لم يدعوا منه شيئًا. وأمر بِحَلْق رأسه، وكان ذا شعر، وقَلْم أظفاره وكانوا طوالًا جدًّا. وحفَّ شاربه المُسْبل على فمه المخالف للسنّة. واستتابه من كلام الفُحْش، وأكْلِ ما لا يجوز أكله من المحرّمات ومما يغيّر العقل من الحشيشة، وغيرها.
وبعده استحضر الشَّيخ محمد الخبّاز البلاسي، فاستتابه أيضًا عن أكل المحرمّات، ومخالطة أهل الذمّة. وكتب عليه مكتوبًا أن لا يتكلّم في تعبير المنامات ولا في غيرها بما لا علم له به.
وفي هذا الشهر بعينه راح الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة إلى مسجد النَّارَنْج وأمر أصحابه ومعهم حجّارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر قَلُوط تُزار ويُنذر لها. فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها. فأزاح عن المسلمين شبهة كَانَ شرّها عظيمًا وبهذا وأمثاله حسدوه، وأبرزوا له العداوة، وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه، فحُسِد على ذلك وعُودي، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم، ولا بالى، ولم يصلوا إليه بمكروه، وأكثر ما نالوا منه: الحبس: مع أنه لم ينقطع في بحثٍ، لا بمصر ولا بالشام، ولم يتوجه لهم عليه ما يشين، وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه
_________________
(١) كما سيأتي وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم. (١٤/ ٣٦). (١٨/ ٤٥ - ٤٧). وفي مستهلّ ذي الحجة ركب الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجُرْد والكَسْروانيين، ومعه نقيب الأشراف زين الدِّين
[ ٥٣٠ ]
بن عدنان، فاستتابوا خلقًا منهم، وألزموهم بشرائع الإسلام، ورجع مؤيّدًا منصورًا. (١٤/ ٣٧). (١٨/ ٤٩).
سنة (٧٠٥)
في ثانية [المحرم] خرج نائب السلطنة بمن بقي معه من الجيوش الشامية. وقد كَانَ تقدّم بين يديْه طائفة منهم مع ابن تَيْمِيَّة في ثاني المحرم. فساروا إلى بلاد الجُرْد والرَّفَض والتَّيامِنَة. فخرج نائب السلطنة الأفرم بنفسه بعد خروج الشَّيخ لغزوهم، فنصرهم الله عليهم، وأبادوا خَلْقًا كثيرًا منهم ومن فرقتهم الضالّة، ووطئوا أراضي كثيرة من مَنِيع بلادهم. وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في صحبته الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة والجيش. وقد حصل بسبب شهود الشَّيخ هذه الغزوة خيرٌ كثير. وأبان الشَّيخ علمًا وشجاعة في هذه الغزوة، وقد امتلأت قلوب أعدائه حسدًا له وغمًّا. (١٤/ ٣٨). (١٨/ ٥٠).
ما جرى للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَة
مع الأحمدية وكيف عقدت له المجالس الثلاثة
وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى حضر جماعة كثيرة من الفقراء الأحمدية إلى نائب السلطنة بالقصر الأبلق وحضر الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، فسألوا من نائب السلطنة بحضرة الأمراء أنْ يكف الشَّيخ تقي الدِّين إنكاره عليهم، وأن يُسَلِّم لهم حالهم، فقال لهم الشَّيخ: هذا ما يمكن. ولا بد لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب والسنة، قولًا وفعلًا، ومن خرج عنهما وجب الإنكار عليه على كل أحدٍ. فأرادوا أنْ يفعلوا شيئًا من أحوالهم الشيطانية الَّتي يتعاطونها في سماعاتهم، فقال الشَّيخ: تلك أحوال شيطانية باطلة، وأكثر أحوالكم من باب الحيل والبهتان، ومن أراد منكم أن يدخل
[ ٥٣١ ]
النار فليدخل أولًا إلى الحمام وليغسل جسده غسلًا جيدًا ويدلكه بالخل والأُشنان ثمَّ يدخل بعد ذلك إلى النار إنْ كَانَ صادقًا.
ولو فرض أنَّ أحدًا من أهل البدع دخل النار بعد أنْ يغتسل فإنًّ ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته، بل حاله من أحوال الدجاجلة المخالفة للشريعة المحمدية إذا كَانَ صاحبها على السنة، فما الظن بخلاف ذلك! فابتدر شيخ المُنَيبع الشَّيخ صالح وقال: نحن أحوالنا إنَّما تنفق عند التتر ليست تنفق عند الشرع. فضبط الحاضرون عليه تلك الكلمة، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد، ثمَّ اتفق الحال على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من رقابهم، وأن من خرج على الكتاب والسنة ضربت عنقه. وصنف الشَّيخ جزءًا في طريقة الأحمدية، وبين فيه فساد أحوالهم ومسالكهم وتخيلاتهم، وما في طريقتهم من مقبول ومردود بالكتاب والسنة، وأظهر الله السنة على يديه وأخمد بدعتهم ولله الحمد والمنة.
أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة
وفي يوم الاثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة عند نائب السلطنة بالقصر، وقرئت عقيدة الشَّيخ تقي الدِّين «الواسطية»، وحصل بحث في أماكن منها، وأخرت مواضع إلى المجلس الثَّاني، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور وحضر الشَّيخ صفي الدِّين الهندي، وتكلم مع الشَّيخ تقي الدِّين كلامًا كثيرًا، ولكن ساقيته لاطمت بحرًا! ! ثمَّ اصطلحوا على أن يكون الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني هو الَّذي يحاققه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك، وشكر الناسُ من فضائل الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني وجودة ذهنه وحسن
[ ٥٣٢ ]
بحثه حيث قاوم ابن تَيْمِيَّة في البحث، وتكلم معه، ثمَّ انفصل الحال على قبول العقيدة، وعاد الشَّيخ إلى منزله معظَّمًا مكرَّمًا.
وبلغني أنَّ العامة حملوا له الشمع من باب النصر إلى القصّاعين على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء، وكان الحاملَ على هذه الاجتماعات كتابٌ ورد من السلطان في ذلك، كَانَ الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف، والشَّيخ نصر المنبجي شيخ الجاشنكير وغيرهما من أعدائه وذلك أنَّ الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة كَانَ يتكلم في المنبجي وينسبه إلى اعتقاد ابن عربي، وكان للشيخ تقي الدِّين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له ومحبتهم له وكثرة أتباعه وقيامه في الحق، وعلمه وعمله.
ثمَّ وقع بدمشق خبط كثير وتشويش بسبب غيبة نائب السلطنة في الصيد، وطلب القاضي جماعةً من أصحاب الشَّيخ وعزّر بعضهم.
ثمَّ اتفق أنَّ الشَّيخ جمال الدِّين المزي الحافظ قرأ فصلًا في الرد على الجهمية من كتاب «أفعال العباد» للبخاري تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاريّ بسبب الاستسقاء، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وشكاه إلى القاضي الشَّافعيّ ابن صصري، وكان عدو الشَّيخ فسجنَ المزيَّ، فبلغ ذلك الشَّيخ تقي الدِّين فتألم لذلك وذهب إلى السجن فأخرجه منه بنفسه، وراح إلى القصر فوجد القاضي هناك، فتقاولا بسبب الشَّيخ جمال الدِّين المزي، فحلف ابن صصري ولا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عزَلَ نفسه. فأمر النائب بإعادته تطييبًا لقلب القاضي، فحبسه عنده في القوصية أيامًا ثمَّ أطلقه. ولما قدم نائب السلطنة ذكر له الشَّيخ تقي الدِّين ما جرى في حقه وحق أصحابه في
[ ٥٣٣ ]
غيبته، فتألم النائب لذلك، ونادى في البلد: أن لا يتكلم أحد في العقائد، ومن تكلم في ذلك حلّ ماله ودمه ونُهبت داره وحانوته، فسكنت الأمور.
وقد رأيت فصلًا من كلام الشَّيخ تقي الدِّين في كيفية ما وقع في هذه المجالس الثلاثة من المناظرات.
ثمَّ عُقِد المجلس الثالث في سابع شعبان بالقصر، واجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة. وفي هذا اليوم عزَل ابنُ صصري نفسه عن الحكم بسبب كلام سمعه من بعض الحاضرين في المجلس المذكور، وهو الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني، ثمَّ جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان فيه إعادة ابن صصري إلى القضاء، وذلك بإشارة المنبجي، وفي الكتاب: إنا كنا رسمنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وقد بلغنا ما عقد له من المجالس، وأنَّه على مذهب السلف، وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه. ثمَّ جاء كتاب آخر في خامس رمضان يوم الاثنين وفيه الكشف عمَّا كَانَ وقع للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في أيام جاغان، والقاضي إمام الدِّين القزويني، وأن يحمل هو والقاضي ابن صصري إلى مصر. فتوجها على البريد نحو الديار المصرية، وخرج مع الشَّيخ خلق من أصحابه وبكوا وخافوا عليه من أعدائه، وأشار عليه نائب السلطنة الأفرم بترك الذهاب إلى مصر، وقال له: أنا أكاتب السلطان في ذلك وأصلح القضايا. فامتنع الشَّيخ من ذلك وذكر له أنَّ في توجهه لمصر مصلحة كبيرة، ومصالح كثيرة. فلما توجّه لمصر ازدحم الناس لوداعه ورؤيته، حتَّى انتشروا من باب داره إلى قرب الجسورة، فيما بين دمشق والكسوة، وهم ما بين باكٍ وحزين ومتفرّج ومتنزّه ومُزاحم مُتغالٍ فيه.
[ ٥٣٤ ]
فلما كَانَ يوم السبت دخل الشَّيخ تقي الدِّين غزة، فعمل بجامعها مجلسًا عظيمًا، ثمَّ رحلا معًا إلى القاهرة والقلوبُ معه وبه متعلّقة. فدخلا مصر يوم الاثنين الثَّاني والعشرين من رمضان، وقيل إنّهما دخلاها يوم الخميس.
فلما كَانَ يوم الجمعة بعد الصلاة عُقد للشيخ تقي الدِّين مجلس بالقلعة اجتمع فيه القُضاة وأكابر الدولة. وأراد أن يتكلّم على عادته، فلم يُمكّن من البحث والكلام. وانتُدب له الشمس ابن عدلان خصمًا احتسابًا، وادّعى عليه عند ابن مخلوف المالكي أنَّه يقول: إنّ الله فوق العرش حقيقةً، وأنّ الله يتكلم بحرف وصوت. فسأله القاضي جوابه. فأخذ الشَّيخ في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجبْ، ما جئنا بك لتخطب. فقال: ومَن الحاكم فيَّ؟ فقيل له: القاضي المالكي. فقال له الشَّيخ: كيف تحكم فيَّ وأنت خصمي؟ فغضب غضبًا شديدًا، وانزعج، وأقيم مرسَّمًا عليه، وحُبس في بُرْج أيامًا، ثمَّ نُقل منه ليلة العيد إلى الحبس المعروف بالجب، هو وأخواه شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرَّحمن.
وأما ابن صصري فإنّه جُدّد له توقيع بالقضاء بإشارة المنبجي شيخ الجاشنكير حاكم مصر. وعاد إلى دمشق يوم الجمعة سادس ذي القعدة والقلوبُ له ماقتة، والنفوس منه نافرة. وقرئ تقليده بالجامع. وبعده قُرئ كتابٌ فيه الحطُّ على الشَّيخ تقيّ الدِّين ومخالفته في العقيدة، وأن ينادي بذلك في البلاد الشامية، وألزم أهل مذهبه بمخالفته. وكذلك وقع بمصر، قام عليه جاشنكير، وشيخه نصر المنبجي، وساعدهم جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء، وجرت فتنٌ كثيرة منتشرة، نعوذ بالله من الفتن!
[ ٥٣٥ ]
وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة كثيرة، وذلك أن قاضيهم كان قليل العلم مُزْجَى البضاعة، وهو شرف الدِّين الحراني، فلذلك نال أصحابهم ما نالهم، وصارت حالهم حالهم. (١٤/ ٣٨ - ٤٠). (١٨/ ٥١ - ٥٧).
سنة (٧٠٦)
استهلت والشيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة مسجون بالجبّ من قلعة الجبل. (١٤/ ٤٢). (١٨/ ٦٢).
وفي يوم الأحد العشرين من ربيع الآخر قدم البريد من القاهرة ووصل مع البريدي أيضًا كتاب فيه طلب الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكَاني إلى القاهرة. فتوهّم من ذلك، وخاف أصحابه عليه، بسبب انتسابه إلى الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة. فتلطّف يه نائب السلطنة، ودارى عنه حتَّى أُعْفِي من الحضور إلى مصر ولله الحمد. (١٤/ ٤٣). (١٨/ ٦٣).
وفي ليلة عيد الفطر أحضر الأمير سيف الدِّين سلار نائب مصر، القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء. فالقضاةُ: الشَّافعيّ والمالكي والحنفي، والفقهاء الباجي والجَزَري والنِّمْرَاوي. وتكلّموا في إخراج الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة من الحبس. فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطًا في ذلك، منها أنَّه يلتزم بالرجوع عن بعض العقيدة، وأرسلوا اليه ليحضر ليتكلّموا معه في ذلك، فامتنع من الحضور وصمّم. وتكرّرت الرسل إليه ست مرّات، فصمّم على عدم الحضور، ولم يلتفت إليهم، ولم يَعِدْهم شيئًا، فطال عليهم المجلس. فتفرّقوا وانصرفوا غير مأجورين! ! (١٤/ ٤٤). (١٨/ ٦٥).
وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة أُخْبر نائب السلطنة بوصول كتاب من الشَّيخ تقي الدِّين من الحبس الَّذي يُقال له: الجبّ. فأرسل في
[ ٥٣٦ ]
طلبه، فجيء به، فقُريء على الناس. فجعل يشكر الشَّيخ ويُثني عليه وعلى علمه وديانته وشجاعته وزُهده. وقال: ما رأيتُ مثله. وإذا هو كتاب مشتمل على ما هو عليه في السجن من التوجّه إلى الله، وأنَّه لم يقبل من أحد شيئًا لا من النفقات السلطانية ولا من الكسوة ولا من الإدارات ولا غيرها، ولا تدنّس بشيء من ذلك.
وفي هذا الشهر، يوم الخميس السابع والعشرين منه، طُلِبَ أخَوَا الشَّيخ تقي الدين: شرف الدِّين وزيْن الدِّين من الحبس إلى مجلس نائب السلطان سلّار. وحضر نائبَ السَّلْطنةِ ابنُ مخلوف المالكيُّ. وجرى بينهم كلام كثير. فظهر شرف الدِّين بالحجّة على القاضي المالكي بالنقل والدليل والمعرفة. وخطَّأه في مواضع ادّعى فيها دعاوى باطلة. وكان الكلام في مسألة العرش ومسألة الكلام، وفي مسألة النزول.
وفي يوم الجمعة أُحْضِر شرف الدِّين أخو الشيخ تقي الدِّين وحده في مجلس نائب السلطنة سلّار، وحضر ابنُ عدلان، وتكلم معه الشيخ شرف الدِّين وناظره وبحث معه، وظهر عليه أيضًا. (١٤/ ٤٥). (١٨/ ٦٧).
سنة (٧٠٧)
استهلت والشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة معتقل بالجب من قلعة الجبل بمصر. (١٤/ ٤٦). (١٨/ ٧٢).
وفي يوم الجمعة رابع عشر صفر اجتمع قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة بالشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في دار الأوحدي من قلعة الجبل، وطال بينهما الكلام ثمَّ تفرقا قبل الصلاة، والشيخ تقي الدِّين مصمم على عدم الخروج من السجن.
[ ٥٣٧ ]
فلما كَانَ يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأوَّل جاء الأمير حسام الدِّين مهنّا بن عيسى ملك العرب إلى السجن بنفسه، وأقسم على الشَّيخ تقي الدِّين ليخرجنّ إليه، فلما خرج أقسم عليه ليأتينّ معه إلى دار سلار، فاجتمع به بعض الفقهاء بدار سلّار وجرت بينهم بحوث كثيرة، ثمَّ فرقت بينهم الصلاة، ثمَّ اجتمعوا إلى المغرب وبات الشَّيخ تقي الدِّين عند سلّار، ثمَّ اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان جميع النهار، ولم يحضر أحد من القضاة بل اجتمع من الفقهاء خلق كثير، أكثر من كل يوم، منهم الفقيه نجم الدِّين ابن الرفعة وعلاء الدِّين الباجي وفخر الدِّين ابن بنت أبي سعد، وعز الدِّين النِّمراوي، وشمس الدِّين بن عدلان، وجماعة من الفقهاء، وطلبوا القضاة فاعتذروا بأعذار، بعضهم بالمرض، وبعضهم بغيره، لمعرفتهم بما ابن تَيْمِيَّة منطوٍ عليه من العلوم والأدلة، وأن أحدًا من الحاضرين لا يطيقه، فقبل عذرهم نائب السلطنة ولم يكلفهم الحضور بعد أنْ رسم السلطان بحضورهم وانْفَصَل المجلس على خير، وبات الشَّيخ عند نائب السلطنة. وجاء الأمير حسام الدِّين مهنّا يريد أنْ يستصحب الشَّيخ تقي الدِّين معه إلى الشام، فأشار سلار بإقامة الشَّيخ بمصر عنده ليرى الناس فضله وعلمه، وينتفع الناس به ويشتغلوا عليه. وكتب الشَّيخ كتابًا إلى الشَّام يتضمن ما وقع له من الأمور.
قال البرزالي: وفي شوال منها شكا الصوفيةُ بالقاهرة على الشَّيخ تقي الدِّين وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشَّافعيّ، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء لم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال: لا يستغاث إلَّا بالله، ولا يستغاث بالنبي - ﷺ - استغاثة
[ ٥٣٨ ]
بمعنى العبادة، ولكن يتوسّل به ويُتَشفع به إلى الله. فبعض الحاضرين قال: ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدِّين بن جماعة أنَّ هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أنْ يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله.
ثمَّ إنَّ الدولة خيروه بين أشياء؛ إمَّا أنْ يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شُرط، فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرًا لخواطرهم، فركب خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال، ثمَّ أرسلوا خلفه من الغد بريدًا آخر، فردوه وحضر عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: إنَّ الدولة ما ترضى إلَّا بالحبس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له. واستناب شمس الدِّين التونسي المالكي وأذن له أنْ يحكم عليه بالحبس فامتنع وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدِّين الزواوي المالكي فتحيَّر، فلما رأى الشَّيخُ توقفَهم في حبسه قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتّبِع ما تقتضيه المصلحة. فقال نور الدِّين الزواوي: يكون في موضع يصلح لمثله. فقيل له: الدولة ما ترضى إلَّا بمسمى الحبس، فأُرسل إلى حبس القضاة، وأُجْلِس في المكان الَّذي أُجْلس فيه تقي الدِّين ابن بنت الأعزّ حين سُجن، وأذن له أنْ يكون عنده من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنه كَانَ قد استحوذ على عقل الجاشنكير الَّذي تسلطن فيما بعد، وغيره من الدولة، والسلطان مقهور معه.
واستمر الشَّيخ في الحبس يُستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوي المشكلة الَّتي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء وأعيان الناس، فيكتب
[ ٥٣٩ ]
عليها بما يحيّر العقول من الكتاب والسنة. ثمَّ عُقد للشيخ مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشَّيخ بالقاهرة بدار ابن شقير، وأكب الناس على الاجتماع به ليلًا ونهارًا. (١٤/ ٤٧ - ٤٨). (١٨/ ٧٣ - ٧٦).
سنة (٧٠٨)
استهلّت والشيخ تقي الدِّين قد أُخرج من الحبس (^١)، والناس قد عكفوا عليه زيارة وتعلُّمًا وإفتاءً وغير ذلك. (١٤/ ٤٩). (١٨/ ٧٨).
سنة (٧٠٩)
وفي ليلة سلخ صفر توجه الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من القاهرة إلى الإسكندرية صحبة أمير مقدَّم، فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح متسع الأكناف، فكان الناس يدخلون عليه ويشتغلون في سائر العلوم، ثمَّ كَانَ بعد ذلك يحضر الجمعات ويعمل المواعيد على عادته في الجوامع، وكان دخوله إلى الإسكندرية يوم الأحد، وبعد عشرة أيام وصل خبره إلى دمشق، فحصل للناس عليه تألم وخافوا عليه غائلة الجاشنكير وشيخه نصر المنبجي، فتضاعف له الدعاء، وذلك أنهم لم يمكّنوا أحدًا من أصحابه أنْ يخرج معه إلى الإسكندرية فضاقت له الصدور، وذلك أنَّه تمكّن منه عدوُّه نصر المنبجي. وكان سبب عداوته له أّنَّ الشَّيخ تقي الدِّين كَانَ ينال من الجاشنكير ومن شيخه نصر المنبجي، ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته، وقرب انقضاء أجله، ويتكلم فيها وفي ابن عربي وأتباعه. فأرادوا أنْ يسيّروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفيّ، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيلة
_________________
(١) في المحققة: والشيخ في الحبس.
[ ٥٤٠ ]
فيستريح منه، فما زاد ذلك الناس إلا محبة فيه وقُربًا منه، وانتفاعًا به، واشتغالًا عليه، وحُنوًّا وكرامة له.
وجاء كتاب من أخيه يقول فيه: إنَّ الأخ الكريم قد نزل بالثغر المحروس على نية الرباط، فإن أعداء الله قصدوا بذلك أمورًا يكيدونه بها ويكيدون الإسلام وأهله، وكانت تلك كرامة في حقِّنا، وظنوا أنَّ ذلك يؤدّي إلى هلاك الشَّيخ فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة وانعكست من كل الوجوه، وأصبحوا وأمسوا وما زالوا عند الله وعند عباده العارفين سود الوجوه، يتقطعون حسراتٍ وندمًا على ما فعلوا، وانقلب أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلين عليه مكرمين له، وفي كل وقت ينشر من كتاب الله وسنة رسوله ما تقرّ به أعينُ المؤمنين، وذلك شجًى في حلوق الأعداء، واتفق أنَّه وجد بالإسكندرية إبليس قد باض فيها وفرخ وأضل بها فرق السبعينية والعربية، فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم شَذَرَ مَذَرَ، وهتك أستارهم وفضحهم، واستتاب جماعة كثيرة منهم، وتوّب رئيسًا من رؤسائهم، واستقر عند عامة المؤمنين وخواصهم
_________________
(١) من أمير وقاض وفقيه، ومفتٍ وشيخ وجماعة المجتهدين، إلَّا من شذَّ من الأغمار الجهال، مع الذلة والصغَار محبة الشَّيخ وتعظيمه وقبول كلامه والرجوع إلى أمره ونهيه، فَعَلَتْ كلمةُ الله بها على أعداء الله ورسوله، ولُعنوا سرًّا وجهرًا وباطنًا وظاهرًا، في مجامع الناس بأسمائهم الخاصة بهم، وصار ذلك عند نصر المنبجي المقيم المقعد، ونزل به من الخوف والذل ما لا يُعَبَّر عنه، وذكر كلامًا كثيرًا. والمقصود أنَّ الشَّيخ تقي الدِّين أقام بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر مقيمًا
[ ٥٤١ ]
ببرج متسع مليح نظيف له شباكان أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة، وكان يدخل عليه من شاء، ويتردّد إليه الأكابر والأعيان والفقهاء، يقرأون عليه ويستفيدون منه، وهو في أطيب عيش وأشرح صدر.
وفي آخر ربيع الأوَّل عزل الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني عن نظر المارستان بسبب انتمائه إلى ابن تَيْمِيَّة بإشارة المنبجي، وباشره شمس الدِّين عبد القادر بن الحظيري. (١٤/ ٥١ - ٥٢). (١٨/ ٨٣ - ٨٥).
وفي هذا الشهر [جمادى الآخرة] عزل عنها (أي: مشيخة سعيد السعداء) الشيخ كريم الدِّين الآملي؛ لأنه عزل منها الشهود فثاروا عليه، وكتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة في الدين، فرُسِم بصرفه عنهم، وعُومل بنظر ما كان يعامل به الناس، ومن جملة ذلك: قيامه على شيخ الإسلام ابن تيمية، وافتراؤه عليه الكذب، مع جهله وقلة ورعه، فعجَّل الله له هذا الجزاء على يد أصحابه وأصدقائه جزاءً وفاقًا. (١٨/ ٨٦).
قال الشَّيخ علم الدِّين البرزالي: ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر، لم يكن له دأب إلَّا طلب الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من الإسكندرية معزَّزًا مكرَّمًا مُبجَّلًا،، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشَّيخ تقي الدِّين على السلطان في يوم ثامن الشهر، وخرج مع الشَّيخ خلق من الإسكندرية يودعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقّاه ومشى إليه في مجلس حافل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشَّيخ إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وجماعة كثيرة من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال: أنا قد حاللتُ كل من آذاني.
[ ٥٤٢ ]
قلت: وقد أخبرني القاضي جمال الدِّين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس، وما وقع فيه من إكرام الشيخ تقي الدين، وما حصل له من الشكر والمدح من السلطان، وكذلك أخبرني بذلك قاضي القضاة صدر الدِّين الحنفي، ولكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلًا، وذلك أنَّه كَانَ إذ ذاك قاضي العساكر، وكلاهما كَانَ حاضرًا هذا المجلس، ذكر لي: أنَّ السلطان لما قدم عليه الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة نهض قائمًا للشيخ أول ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان واعتنقا هناك هُنيهةً، ثمَّ أخذ بيده فذهب به إلى صُفَّةٍ فيها شباك إلى بستان فجلسا ساعة يتحدَّثان، ثمَّ جاء ويد الشَّيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي الوزير، وتحته ابن صصري، ثمَّ صدر الدِّين عليّ الحنفي، وجلس الشَّيخ تقي الدِّين بين يدي السلطان على طرف طراحته، وتكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبه مائة ألف في كل سنة، زيادة على الجالية (^١)، فسكت النَّاس وكان فيهم قضاة مصر والشام وكبار العلماء من أهل مصر والشام من جملتهم ابن الزَّمْلَكاني. قال ابن القلانسي: وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزَّمْلَكاني، فلم يتكلم أحد من العلماء ولا من القضاة، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد، فجثا الشَّيخ تقي الدِّين على ركبتيه وتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، وردّ على الوزير ما قاله ردًّا عنيفًا، وجعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويُسكته بترفّق وتودد وتوقير. وبالغ الشَّيخ في الكلام وقال
_________________
(١) وهو ما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية المقررة عليهم كل سنة. «صبح الأعشى» (٣/ ٤٥٨).
[ ٥٤٣ ]
ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله، ولا بقريب منه، وبالغ في التشنيع على من يوافق على ذلك.
وقال للسلطان: حاشاك أنْ يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ ردَّ مُلكك إليك، وكبت عدوك ونصرك على أعدائك. فذكر أنَّ الجاشنكير هو الَّذي جدد عليهم ذلك، فقال: والذي فعله الجاشنكير كَانَ من مراسيمك؛ لأنَّه إنَّما كَانَ نائبًا لك. فأعجب السلطان ذلك واستمرَّ بهم على ذلك، وجرت فصول يطول ذكرها.
وقد كَانَ السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين، وبعلمه ودينه وقيامه بالحق وشجاعته. وسمعتُ الشَّيخ تقي الدِّين يذكر ما كَانَ بينه وبين السلطان من الكلام لمَّا انفردا في ذلك الشباك الَّذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشَّيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخْرَجَ له فتاوي بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا، وأخذ يحثه بذلك على أنْ يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كَانَ حَنَقُه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله مبايعة الجاشنكير، ففهم الشَّيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أنْ ينال أحدًا منهم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلَهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا. فقال الشَّيخ: من آذاني فهو في حِلٍّ، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتَّى حَلُم عنهم وصَفَح.
قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تَيْمِيَّة حرَّضْنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا.
ثمَّ إنَّ الشَّيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بث العلم
[ ٥٤٤ ]
ونشره، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة وبالقول، وجاءته الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكل في حلّ، وبعث الشَّيخ كتابًا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير، ويطلب منهم جملة من كتب العلم الَّتي له، ويستعينوا على ذلك بجمال الدِّين المزي، فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب الَّتي أشار إليها، وقال في هذا الكتاب: والحق كل ما له في علو وازدياد وانتصار، والباطل في انخفاض وسفول واضمحلال، وقد أذلّ الله رقاب الخصوم، وطلب أكابرهم من السلم ما يطول وصفه، وقد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الإسلام والسنة، وما فيه قمع الباطل والبدعة، وقد دخلوا تحت ذلك كله وامتنعنا من قبول ذلك منهم، حتَّى يظهر إلى الفعل، فلم نثق لهم بقول ولا عهد، ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتَّى يصير المشروط معمولًا، والمذكور مفعولًا، ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات الَّتي تمحو سيئاتهم، وذكر كلامًا طويلًا يتضمن ما جرى له مع السلطان في قمع اليهود والنصارى وذلهم، وتركهم على ما هم عليه من الذلة والصغار، والله سبحانه أعلم. (١٤/ ٥١ - ٥٧). (١٨/ ٩٢ - ٩٥).
سنة (٧١٠)
استهلّت والشيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة مقيم بمصر معظمًا مكرّمًا.
سنة (٧١١)
استهلّت والحكام هم المذكورون في الَّتي قبلها وقد انتقل الأفرم إلى نيابة طرابلس بإشارة ابن تَيْمِيَّة على السلطان بذلك. (١٤/ ٦٢ - ٦٣). (١٨/ ١٠٩).
[ ٥٤٥ ]
وفي هذا الشهر [جمادى الأولى] قُرّر على أهل دمشق ألف وخمس مئة فارس. ولكل فارس خمس مئة درهم، وضُربت على الأملاك والأوقاف. فتألم الناس من ذلك تألمًا عظيمًا. وسعوا إلى الخطيب جلال الدِّين [القزويني] فسعى إلى القضاة، واجتمع الناس بُكرة يوم الاثنين ثالث عشر الشهر، واختلفوا في الاجتماع، وأخرجوا معهم المصحف العثماني والأثر النبوي والسناجق الخليفتية. ووقفوا في الموكب. فلما رآهم النائب تغيّظ عليهم وشتم القاضي والخطيب. وضرب مجد الدِّين التونسي، ورسم عليهم، ثمَّ أطلقهم بضمان وكفالة فتألم الناس من ذلك كثيرًا. فلم يمهله الله إلّا عشرة أيّام، فجاءه الأمر فجأة فعُزل، وحُبس. ففرح الناس بذلك فرحًا شديدًا. ويُقال إنَّ الشَّيخ تقيّ الدِّين لما بلغه ذلك الخبر عن أهل الشَّام، فأخبر السلطان بذلك فبعث من فَوْره فمسكه شرّ مِسْكَة (١٤/ ٦٤). (١٨/ ١١٢).
سنة (٧١٢)
وفي ثامن شوال دقت البشائر بدمشق بسبب خروج السلطان من مصر لأجل ملاقاة التتر، وخرج الركب في نصف شوال وأميرهم حسام الدِّين لاجين الصغير، الَّذي كَانَ والي البرّ، وقدمت العساكر المنصورة المصرية أرسالًا، وكان قدوم السلطان ودخوله دمشق يوم الثلاثاء ثالث عشري شوال، واحتفل الناس لدخوله، فنزل بالقلعة وقد زين البلد ودقت البشائر، ثمَّ انتقل بعدُ ليلتئذ إلى القصر وصلى الجمعة بالجامع بالمقصورة وخلع على الخطيب، وجلس في دار العدل يوم الاثنين، وقدم وزيره أمين المُلْك يوم الثلاثاء عشري الشهر، وقدم صحبة السلطان الشَّيخ الإمام العالم العلامة
[ ٥٤٦ ]
تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد ابن تَيْمِيَّة إلى دمشق يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة وكانت غيبته عنها سبع سنين كوامل، ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه وسُرُّوا بقدومه وعافيته ورؤيته، واستبشروا به حتَّى خرج خلق من النساء أيضًا لرؤيته. وقد كَانَ السلطان صحبه معه من مصر فخرج معه بنية الغزاة، فلما تحقق عدم الغزاة وأن التتر قد رجعوا إلى بلادهم فارق الجيش من غزة وزار القدس وأقام به أيامًا، ثمَّ سافر على عجلون وبلاد السواد وزُرَع، ووصل دمشق في أول يوم من ذي القعدة، فدخلها فوجد السلطان قد توجه إلى الحجاز الشريف في أربعين أميرًا من خواصه يوم الخميس ثاني ذي القعدة، ثمَّ إنَّ الشَّيخ بعد وصوله إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازمًا لإشْغال الناس في سائر العلوم ونشر العلم وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطولة والاجتهاد في الأحكام الشرعية، ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصَّحابة والسلف. (١٤/ ٦٩). (١٨/ ١٢٤ - ١٢٥).
سنة (٧١٤)
وفي المحرم استحضر السلطان إلى بين يديه: الفقيه نور الدِّين عليًّا البكري، وهمّ بقتله، وشفع فيه الأمراء، فنفاه، ومنعه من الكلام في الفتوى والعلم، وكان قد هرب لما طلب من جهة الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة فهرب واختفى، وشُفع فيه أيضًا (١٤/ ٧٢). (١٨/ ١٣٦).
[ ٥٤٧ ]
[وفيها] توفيت الشيخة الصالحة أم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح (وَذكَر من فضلها)، وقد كانت تحضر مجلس الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة فاستفادت منه
وقد سمعتُ الشَّيخ تقي الدِّين يُثني عليها، ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيرًا من «المغني» أو أكثره وأنَّه كَانَ يستعدّ لها من كثرة مسائلها، وحُسن سؤالاتها وسرعة فهمها. (١٤/ ٧٤ - ٧٥). (١٨/ ١٤٠ - ١٤١).
سنة (٧١٥)
[توفي فيها] الحكيم الفاضل البارع بهاء الدِّين عبد السيد الطبيب أسلم على يدي شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، لما بيَّن له بطلان دينهم وما هم عليه، وما بدّلوه من كتابهم وحرَّفوه من الكلم عن مواضعه - ﵀ - . (٤/ ٧٧ - ٧٨). (١٨/ ١٤٨).
سنة (٧١٦)
توفي الشَّيخ الصدر بن الوكيل، وهو العلّامة أبو عبد الله محمد بن الشَّيخ الإمام مفتي المسلمين زين الدِّين عمر بن مكي بن عبد الصمد المعروف بابن المُرَحِّل وبابن الوكيل، شيخ الشافعية في زمانه وكان ينصب العداوة للشيخ ابن تَيْمِيَّة، ويُناظره في كثير من المحافل والمجالس. وكان يعترف للشيخ تقي الدِّين بالعلوم الباهرة ويُثني عليه، ولكنه كَانَ يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه، ويُنافح عن طائفته. وقد كَانَ شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة يثني عليه وعلى علومه وفضائله، ويشهد له بالإسلام إذا قيل له عن أفعاله وأعماله القبيحة، وكان
[ ٥٤٨ ]
يقول: كَانَ مخلّطًا على نفسه، متبعًا مراد الشيطان منه، يميل إلى الشهوة والمحاضرة (١٤/ ٨٣). (١٨/ ١٦٠ - ١٦١).
[وتوفيت] الشيخة الصالحة ست النعم بنت عبد الرَّحمن بن عليّ ابن عبدوس الحرّانية، والدة الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة. عمرت فوق التسعين سنة. وكانت من الصالحات، ولدت تسع بَنِين. ولم ترزق بنتًا قط. توفيت يوم الأربعاء العشرين من شوال ودُفنت بالصوفية، وحضر جنازتها خلق كثير وجمٌ غفير. رحمها الله. (١٤/ ٨١). (١٨/ ١٥٩).
سنة (٧١٧)
في صفر شُرع في عمارة الجامع الَّذي أنشأه ملك الأمراء سيف الدِّين تنكز نائب الشَّام ظاهر باب النصر تجاه حكر السمّاق، على نهر بانياس بدمشق. وتردّد القضاة والعلماء في تحرير قبلته، فاستقرّ الحال في أمرها على ما قاله الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في يوم الأحد الخامس والعشرين منه، وشرعوا في بنائه بأمر السلطان ومساعدته لنائبه في ذلك. (١٤/ ٨٣). (١٨/ ١٦٣).
وفي التاسع عشر منه [شوال] درّس ابن الزَمْلَكاني بالعذراوية عوضًا عن ابن سلام. وفيه درّس الشيخ شرف الدِّين ابن تَيْمِيَّة بالحنبلية عن إذن أخيه له في ذلك بعد وفاة أخيهما لأمهما بدر الدِّين قاسم بن محمد بن خالد. ثمَّ سافر الشَّيخ شرف الدِّين إلى الحج. وحضر الشَّيخ تقي الدِّين ابن تيمية الدرس بنفسه، وحضر عنده خلق كثير من الأعيان وغيرهم حتَّى عاد أخوه، وبعد عوده أيضًا. (١٤/ ٨٥). (١٨/ ١٦٦).
[ ٥٤٩ ]
وفي ذي القعدة يوم الأحد درس بالصمصامية الفقيه نور الدِّين على بن عبد النصير المالكي، وحضر عنده القضاة والأعيان وممن حضر عنده الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وكان يعرفه من إسكندرية. (١٤/ ٨٥). (١٨/ ١٦٦).
سنة (٧١٨)
قال الشَّيخ علم الدين: وفي يوم الخميس منتصف ربيع الأوّل اجتمع قاضي القضاة شمس الدِّين بن مُسَلَّم بالشيخ الامام العلّامة تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وأشار عليه في ترك الإفتاء في مسألة الحَلِف بالطلاق، فقبل الشَّيخ نصيحته، وأجاب إلى ما أشار به، رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المفتين.
ثمَّ ورد البريد في مستهلّ جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشَّيخ تقي الدِّين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق. وانعقد بذلك مجلس. وانفصل الحالُ على ما رسم به السلطان. ونودي به في البلد.
وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلَّم الحنبلي جماعة من المفتين الكبار، وقالوا له أنْ ينصح الشَّيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق، فعلم الشَّيخ نصيحته، وأنَّه إنَّما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشرّ. (١٤/ ٨٩). (١٨/ ١٧٧).
سنة (٧١٩)
ولما كَانَ يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رمضان اجتمع القضاة وأعيان الفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة، وقريء عليهم كتاب من السلطان يتضمّن منع الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من الفتيا بمسألة الطلاق.
[ ٥٥٠ ]
وانفصل المجلس على تأكيد المنع من ذلك. (١٤/ ٩٦). (١٨/ ١٩٢).
سنة (٧٢٠)
وفي يوم الخميس ثاني عشري رجب عُقد مجلس بدار السعادة للشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة بحضرة نائب السلطنة، واجتمع فيه القضاة والمفتون من المذاهب. وحضر الشَّيخ، وعاتبوه على العود إلى الإفتاء بمسألة الطلاق. ثمَّ حُبس الشيخ يومئذٍ بالقلعة. (١٤/ ١٠٠).
سنة (٧٢١)
وفي يوم عاشوراء خرج الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة من القلعة بمرسوم السلطان وتوجّه إلى داره. وكانت مدّة إقامته خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا. - ﵀ - . (١٤/ ١٠١). (١٨/ ٢٠٦).
سنة (٧٢٥)
وفي [ربيع الأوَّل] مُنع شهاب الدِّين بن مرّي البعلبكِّي من الكلام على الناس بمصر على طريقة الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة وعزره القاضي المالكي بسبب الاستغاثة. (١٤/ ١٢١). (١٨/ ٢٥٤).
وفي يوم الأربعاء ثاني عشر شوال درّس الشَّيخ شمس الدِّين ابن الأصبهاني بالرواحية بعد ذهاب ابن الزَّمْلَكاني إلى حلب. وحضر عنده القضاةُ والأعيان. وكان فيهم شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة. وجرى يومئذ بحث في العام إذا خُصّ، وفي الاستثناء بعد النفي، ووقع انتشار وطال الكلام في ذلك المجلس. وتكلّم الشَّيخ تقي الدِّين كلامًا أبهت الحاضرين. (١٤/ ١٢٢). (١٨/ ٢٥٦).
[ ٥٥١ ]
سنة (٧٢٦)
وفي يوم الثلاثاء حادي عشري ربيع الأوَّل بكرةَ النهار ضُربت عُنق ناصر ابن الشرف أبي الفضل بن إسماعيل بن الهيتي بسوق الخيل على كفره واستهانته واستهتاره بآيات الله وصحبته الزنادقة كالنجم ابن خلكان، والشمس محمد الباجربقي وابن المعمار البغدادي، وكل منهم فيه انحلال وزندقة، مشهور بها بين الناس
قلت: وقد شهدتُ قتله. وكان شيخنا العلامة أبو العبَّاس ابن تَيْمِيَّة حاضرًا يومئذ. وقد أتاه وقرّعه على ما كَانَ يصدر منه قبل قتله، ثمَّ ضُربت عُنُقه وأنا مشاهد ذلك. (١٤/ ١٢٧). (١٨/ ٢٦٦).
قال البرزالي: وفي يوم الاثنين بعد العصر السادس من شعبان اعتُقل الشَّيخ الإمام العالم العلّامة تقيّ الدِّين ابن تَيْمِيَّة بقلعة دمشق. حضر إليه من جهة نائب السلطنة تنكز مشدّ الأوقاف، وابن الخطير أحد الحجّاب بدمشق وأخبراه أنَّ مرسوم السلطان [الملك الناصر] ورد بذلك وأحضرا معهما مركوبًا ليركبه، فأظهر السرور والفرح بذلك، وقال أنا كنتُ منتظرًا لذلك، وهذا فيه خيرٌ كثير ومصلحة كبيرة. وركبوا جميعًا من داره إلى باب القلعة، وأُخليت له قاعة، وأجري إليها الماء، ورُسم له بالإقامة فيها. وأقام معه أخوه زين الدِّين يخدمه بإذن السلطان، ورُسم له بما يقوم بكفايته.
قال البرزالي: وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قريء بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد باعتقاله ومنعه من الفتيا. وهذه الواقعة سببُها قتيا وُجدت بخطّه في المنع من السفر، وإعمال المطيّ إلى زيارة قبور الأنبياء
_________________
(١) عليهم الصلاة والسلام ، وقبور الصالحين.
[ ٥٥٢ ]
قال: وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة الشَّافعيّ بحبس جماعة من أصحاب الشَّيخ تقي الدِّين في سجن الحكم. وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له، فيما تقتضيه الشريعة في أمرهم. وعزّر جماعة منهم على دوابّ، ونودي عليهم، ثمَّ أطلقوا. سوى شمس الدِّين محمد ابن قيّم الجوزية فإنه حُبس بالقلعة. وسكنت القضية. (١٤/ ١٢٧ - ١٢٨). (١٨/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
وفي يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة درّس بالحنبلية برهان الدِّين إبراهيم بن أحمد بن هلال الزرعي الحنبلي، بدلًا عن شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، وحضر عنده القاضي الشَّافعيّ وجماعة من الفقهاء وشق ذلك على كثير من أصحاب الشَّيخ تقي الدين، وكان ابن الخطير الحاجب قد دخل على الشَّيخ تقي الدِّين قبل هذا اليوم فاجتمع به وسأله عن أشياء بأمر نائب السلطنة. ثمَّ يوم الخميس دخل إليه القاضي جمال الدِّين بن جُمْلة وناصر الدِّين مشد الأوقاف، وسألاه عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فَكَتَب ذلك في دَرَجٍ وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلتُ الجوابَ عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تَيْمِيَّة فصح إلى أنْ قال: وإنما المَحَزُّ جعله زيارة قبر النَّبي - ﷺ -، وقبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع مقطوعًا.
فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الإسلام، فإنَّ جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولَين في شدّ الرحال والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شدِّ رحلٍ إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألةٌ أخرى، والشيخ لم يمنع
[ ٥٥٣ ]
الزيارة الخالية عن شدِّ رحلٍ، بل يستحبُّها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذه الوجه في الفتيا، ولا قال: إنَّها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول رسول الله - ﷺ -: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» والله سبحانه لا يخفى عليه شيء ولا تخفى عليه خافية، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
سنة (٧٢٧)
[توفي فيها] الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني وله مجلّد كبير في الرد على الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في مسألة الطلاق وكان من نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشَّام متولِّيًا: أن يؤذي شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة، فدعا عليه، فلم يبلغ أمله ومراده، فتوفي (١٤/ ١٣٧). (١٨/ ٢٨٦ - ٢٨٨).
سنة (٧٢٨)
(وفاة شيخ الإسلام أبي العبَّاس تقي الدِّين أحمد ابن تَيْمِيَّة قدس الله روحه).
قال الشَّيخ علم الدِّين البرزالي في «تاريخه»: وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشَّيخ الإمام العلّامة الفقيه الحافظ القدوة شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد ابن شيخنا الامام العلامة المفتي شهاب الدِّين أبي المحاسن عب الحليم ابن الشَّيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن عليّ بن عبد الله ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني ثمَّ الدِّمشقي، بقلعة
[ ٥٥٤ ]
دمشق بالقاعة الَّتي كَانَ محبوسًا بها، وحضر جمعٌ كثير إلى القلعة، وأُذن لهم في الدخول، وجلس جماعة عنده قبل الغسل، وقرأوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثمَّ انصرفوا، ثمَّ حضر جماعة من النساء ففعلوا مثل ذلك، ثمَّ انصرفن، واقْتُصِر على من يغسله، فلما فُرِغَ من غسله أُخرج. وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى الجامع، وامتلأ الجامع وصحنُه والكلّاسة وبابُ البريد وبابُ الساعات إلى اللبّادين والفوّارة، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك، ووُضعت في الجامع، والجند يحفظونها من النَّاس من شدة الزحام، وصُلِّي عليه أوّلًا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه الشَّيخ محمد بن تمام، ثمَّ صُلِّي عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النِّعالُ من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم، لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدّم وتارة يتأخر، وتارة يقف حتَّى تمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلِّها، وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدَّة الزِّحام فيها، لكن كَانَ معظم الزحام من الأبواب الأربعة: باب الفرج الَّذي أُخرجت منه الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية.
وعَظُمَ الأمرُ بسوق الخيل وتضاعف الخلقُ وكثُر الناس، ووُضعت الجنازة هناك وتقدم للصلاة هناك أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن، فلما قُضيت الصلاة حُمل إلى مقبرة الصوفية فدُفن إلى جانب أخيه شرف الدِّين عبد الله رحمهما الله.
وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من
[ ٥٥٥ ]
أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلّف عن الحضور إلّا مَنْ هو عاجز عن الحضور، مع الترحم والدعاء له، وأنَّه لو قدر ما تخلف، وحضر نساء كثيرات بحيث حُزِرْنَ بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كُنّ على الأسطحة وغيرهن، الجميع يترحمن ويبكين عليه فيما قيل. وأما الرجال فحُزروا بستين ألفًا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف. وشرب جماعةٌ الماء الَّذي فَضُل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الَّذي غُسل به، ودُفع في الخيط الَّذي كَانَ فيه الزئبق الَّذي كَانَ في عنقه بسبب القمل مائة وخمسون درهمًا، وقيل: إنَّ الطاقية الَّتي كانت على رأسه دُفع فيها خمس مئة درهم. وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير، وتضرّع، وخُتمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد، وتردّد الناس إلى قبره أيامًا كثيرة ليلًا ونهارًا يبتون عنه ويصبحون! ! ورُئيَتْ له منامات صالحة كثيرة، ورثاه جماعة بقصائد جمة.
وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل بحران سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وابن عبد، والشيخ شمس الدِّين الحنبلي، والشيخ شمس الدِّين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدِّين ابن الصيرفي، ومجد الدِّين بن عساكر، والشَّيخ جمال الدِّين البغدادي، والنجيب بن المقداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وابن أبي بكر الهروي، والكمال عبد الرحيم، والفخر عليّ، وابن شيبان، والشرف ابن القواس، وزينب بنت مكي، وخلق كثير سمع منهم الحديث وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث، وكتب الطِباق والأثبات، ولازم السماع بنفسه مدة سنين، وقل أنْ سمع شيئًا
[ ٥٥٦ ]
إلَّا حفظه، ثمَّ اشتغل بالعلوم، وكان ذكيًا كثير المحفوظ، فصار إمامًا في التفسير وما يتعلق به، عارفًا بالفقه، وكان عالمًا باختلاف العلماء، عالمًا في الأصول والفروع والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما قُطع في مجلس ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلَّا ظنّ أنَّ ذلك الفن فنه، ورآه عارفًا به متقنًا له، وأما الحديث فكان حامل رايته حافظًا له متنًا وإسنادًا، مميّزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله، متضلِّعًا من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع، كمل منها جملة، وبيّضت وكتبت عنه وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يُكملها، وجملة كملها ولم تُبيّض إلى الآن. وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخوييّ، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، والقاضي الحنفي قاضي قضاة مصر ابن الحريري، وابن الزَّمْلَكاني وغيره. ووجدت بخط ابن الزَّمْلَكاني أنَّه قال: اجتمعتْ فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها، وأنَّ له اليد الطولى في حسن التَّصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين، وكتب على تصنيف له هذه الأبيات:
ماذا يقول الواصفون له وصفاتهُ جَلَّتْ عن الحَصْرِ
هو حجةٌ للهِ قاهرةٌ هو بيننا أعجوبةُ الدهرِ
هو آيةٌ في الخلق ظاهرةٌ أنوارُها أرْبَتْ على الفجر
وهذا الثناء عليه، وكان عمره يومئذ نحو الثلاثين سنة. وكان بيني وبينه مودة وصحبة من الصغر، وسماع الحديث والطلب من نحو خمسين سنة. وله فضائل كثيرة، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة وحبسه مرات، وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها هذا الموضع، وهذا
[ ٥٥٧ ]
الكتاب. ولما مات كنت غائبًا عن دمشق بطريق الحجاز الشريف، ثمَّ بلغنا خبر موته بعد وفاته بأكثر من خمسين يومًا لما وصلنا إلى تبوك، وحصل التأسف لفقده رحمه الله تعالى. هذا لفظه في هذا الموضع من «تاريخه».
ثمَّ ذكر الشَّيخ علم الدِّين في «تاريخه» بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها، وجنازة الامام أحمد ببغداد وشهرتها، وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبد الرَّحمن الصوفي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح القواس الزاهد مع الشَّيخ أبي الحسن الدارقطني، فلما بلغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا وقال: سمعتُ أبا سهل بن زياد القطان يقول: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البِدَع بيننا وبينكم الجنائز. قال: ولا شكّ أنَّ جنازة أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبه، والشيخ تقي الدِّين - ﵀ - توفي ببلده دمشق، وأهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعًا لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة الَّتي اجتمعوها في جنازته، وانتهوا إليها. هذا مع أنَّ الرَّجل مات بالقلعة محبوسًا من جهة السلطان، وكثير من الفقهاء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، مما ينفر منها طباع أهل الأديان، فضلًا عن أهل الإسلام، وهذه كانت جنازته.
قال: وقد اتفق موتُه في سحر ليلة الاثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذنُ القلعة على المنارة بها، وتكلّم به الحراسُ على الأبرجة، فما أصبح الناس إلّا وقد تسامعوا بهذا الخَطْب العظيم والأمر الجسيم، فبادر الناسُ على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجيءُ منه، حتَّى من
[ ٥٥٨ ]
الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئًا، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين الَّتي من شأنها أنْ تفتح أوائل النهار على العادة، وكان نائب السلطنة سيف الدِّين تنكز قد ذهب يتصيّد في بعض الأمكنة، فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدِّين غبريال نائب القلعة فعزاه فيه، وجلس عنده، وفُتح باب القلعة وباب القاعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب، فاجتمع عند الشَّيخ في قاعته خلق من أخصّاء أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية، فجلسوا حوله يبكون ويثنون.
على مِثْل ليلى يقتلُ المرء نفسَه
وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزّي - ﵀ -، وكشفتُ عن وجْه الشَّيخِ ونظرتُ إليه وقبّلتُه، وعلى رأسه عمامة بعذب مغروزة، وقد علاه الشيب أكثر مما فارقناه. وأخبر الحاضرين أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن أنَّه قرأ هو والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين ختمةً وشرعا في الحادية والثمانين، فانتهيا فيها إلى آخر اقتربت الساعة ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان الخيّران عبد الله بن المحب، وعبد الله الزرعي الضرير
_________________
(١) وكان الشَّيخ - ﵀ - يحب قراءتهما فابتدآ من أول سورة الرَّحمن حتَّى ختموا القرآن وأنا حاضر أسمع وأرى. ثمَّ شرعوا في غسل الشَّيخ، وخرجتُ إلى مسجدٍ هُناك، ولم يمكث عنده إلّا مَنْ ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزّي وجماعة من كبار الصالحين الأخيار، أهل العلم والإيمان، فما فُرغ منه حتَّى امتلأت القلعة
[ ٥٥٩ ]
وضج الناس بالبكاء والثناء والدعاء والترحّم، ثمَّ ساروا به إلى الجامع، فسلكوا طريق العمادية على العادلية الكبيرة، ثمَّ عطفوا إلى باب الناطفانيين وذلك أنَّ سويقة باب البريد كانت قد هُدمت لتُصلح، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي، والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها ما لا يحصي عدّتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخ وصاح صائح: هكذا تكون جنائز أئمة السُنّة! فتباكى الناسُ وضَجّوا عند سماع هذا الصارخ. ووُضع الشيخُ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصًّا لا يتمكّنُ أحدٌ من الجسود إلَّا بكُلفة، جُوّا الجامع وبرّا الأزقة والأسواق، وذلك قبل أذان الظهر بقليل، وجاء الناس من كل مكان، ونوى خلقٌ الصيام لأنهم لا يتفرغون في هذا اليوم لأكل ولا لشرب، وكثُر الناسُ كثرةً لا تُحَدُّ ولا توصف. فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السُدّة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلّى عليه إمامًا، وهو الشَّيخ علاء الدِّين بن الخرّاط، ثمَّ خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا، واجتمعوا بسوق الخيل، ومن الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء وتهليل في مخافتةٍ كل واحد بنفسه، وفي ثناء وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين وَيَقُلْنَ: هذا العالم.
وبالجملة كَانَ يومًا مشهودًا لم يُعهد مثله بدمشق إلَّا أنْ يكون في زمن بني أُميَّة حين كَانَ الناس كثيرين. وكانت دار الخلافة. ثمَّ دُفن عند أخيه قريبًا من أذان العصر على التحديد، ولا يمكن أحدًا حصر مَنْ حضر الجنازة،
[ ٥٦٠ ]
وتقريب ذلك أنَّه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره، ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الصِّغار والمخدّرات، وما علمتُ أحدًا من أهل العلم إلَّا النفر اليسير تخلّف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاث أنفس: وهم ابن جملة، والصدر، والقحفازي، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته من الناس خوفًا على أنفسهم، بحيث أنهم علموا متى خرجوا قُتلوا وأهلكهم الناس، وتردد شيخنا الإمام العلامة برهان الدِّين الفزاري إلى قبره في الأيام الثلاثة، وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان برهان الدِّين الفزاري يأتي راكبًا على حماره وعليه الجلالة والوقار - ﵀ -.
وعُملت له ختمات كثيرة، ورُئيَتْ له مناماتٌ باهرة صالحة عجيبة، ورُثي بأشعار كثيرة وقصائد مطوّلة جدًا. وقد أفردتْ له تراجمُ كثيرة، وصنف في ذلك جماعة من الفضلاء وغيرهم، وسنحصر من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه وفضائله وشجاعته وكرمه ونصحه وزهادته وعبادته وعلومه المتنوعة الكثيرة المجودة وصفاته الكبار والصغار، الَّتي احتوت على غالب العلوم ومفرداته في الاختيارات الَّتي نَصَرَها بالكتاب والسنة وأفتى بها.
وبالجملة؛ كَانَ - ﵀ - من كبار العلماء وممن يخطيء ويُصيب، ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لُجّي، وخطأه أيضًا مغفور له كما في «صحيح البخاريّ»: «إذا اجتهد الحَاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» فهو مأجور. وقال الإمام مالك بن أنس: كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلّا صاحبَ هذا القبر.
وسنفرد له ترجمة على حدة إن شاء الله تعالى. (١٤/ ١٤١ - ١٤٥).
* * * *
[ ٥٦١ ]