للعلّامة محمد بن ناصر الدِّين الدِّمشقي الشَّافعيّ (٨٤٢)
ثمَّ فَتَى تَيْمِيَّةٍ حَرَّاني ذَكَّرَهُمْ كَلَامُهُ المَعَانِيْ
حرَّاني: نسبة إلى حرّان مدينة مشهورة بين الموصل والشام والروم، بينها وبين الرّها يوم، وبين الرقة يومان، قيل: سميت بهاران أخي إبراهيم الخليل ﵊، وهو والد لوط ــ ﵇ ــ لأنَّه أوّل من بناها، ثمَّ عُرِّبت فقيل: حران، وذكر قوم فيما حكاه ياقوت في «معجم البلدان»: أنها أوّل مدينة بنيت في الأرض بعد الطوفان، فُتحت في أيام عمر - ﵁ - على يدي عِياض بن غنم بن زهير الفهري - ﵁ - صُلحًا في سنة تسع عشرة، ونزلها أنس بن مالك وغيره من الصَّحابة - ﵃ -، وخرج منها أئمة، ذكر غالبهم أبو عَروبة الحَرَّاني في «تاريخه»، وكذلك أبو عليّ محمد بن سعيد الحَرَّاني في «تاريخه»، وأبو الحسن عليّ بن الحسن بن علان بن عبد الرَّحمن الحَرَّاني.
وقولي: (ذكّرهم) أي: أعلمهم، (والمعاني) جمع معنى، وهو مراد الكلام، وفي الحاء والذال والكاف (^٢): رمز وفاة ابن تَيْميَّة المذكور بلا خلاف.
_________________
(١) راجعنا نسختين من الكتاب، إحداهما عليها خط المؤلف، ميكروفيلم رقم (٧٩٨) بجامعة أم القرى، والثانية ــ وفيها زيادات ــ نسخة مكتبة عارف حكمت بالمدينة النبوية برقم (٥٦١ - تاريخ) [ق/ ١٥١ ب- ١٥٢ ب].
(٢) يعني هذه الحروف في البيت المتقدم، وقيمته العددية على حساب الجُمَّل= (٧٢٨) فالحاء= ٨، والذال= ٧٠٠ والكاف = ٢٠.
[ ٦٠٧ ]
وهو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن إبراهيم بن عليّ بن عبد الله النُّميري (^١) الحَرَّاني ثمَّ الدِّمشقي، أبو العَبَّاس، ابن تَيْميَّة الإمام شيخ الإسلام أستاذ الحفاظ، علم الأئمة الأيقاظ، المنعوت بتقي الدين.
ذكر أبو عبد الله بن محمد بن النجار مؤرِّخ المحدِّثين في (تَيْميَّة) المعوّل في شهرته عليها (^٢) أنَّ أُم جده محمد بن الخضر كانت واعظة تسمَّى تَيْميَّة، فنُسب إليها، وقيل: حج جدّه المذكور فمرّ على درب تَيْماء المشهور، فخرج عليه من خباء جارية طفلة سنية، فلما رجع رأى زوجته، وكانت حاملًا قد وضعت بنتًا، فقال لها: يا تَيْميَّة يا تَيْميَّة! فلزمه هذا الاسم لقبًا مذكورًا، وصار لذريته من بعده علمًا مشهورًا، ومن زعم أنَّ أُمهم من وادي التيم فقد تقوَّل، وليس بصحيح ما عليه عوّل.
ولد أبو العَبَّاس بحرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأوّل، وقيل: ثاني عشره، وعلى الأوَّل المعوَّل. سنة إحدى وستين وست مئين، وأوّل سماعه من ابن عبد الدَّائم في سنة سبع وستين، ثمَّ برع في التفسير والفقه وأُصوله والعربية، ولم يصل عمره إلى العشرين.
ثمَّ سمع من خلق من الأعيان، منهم: إسماعيل بن أبي اليسر، ويحيى بن أبي منصور الصيرفي، والمسلم بن علان.
حدّث عنه خلق منهم: الذَّهَبيّ والبرزالي وأبو الفتح ابن سيد النَّاس،
_________________
(١) ووافقه على هذه النسبة العلامة: العدوي في كتابه «الزيارات»، انظره في هذه المجموعة.
(٢) كذا بالأصلين، والأولى: عليه.
[ ٦٠٨ ]
وحدثنا عنه جماعة من شيوخنا الأكياس.
وقال الذَّهبيّ في عَدِّ مصنّفاته المجوّدة: وما أُبعد أنَّ تصانيفه إلى الآن تبلغ خمس مئة مجلدة، وأثنى عليه الذَّهبيّ وخلق بثناءٍ حميد، منهم: الشَّيخ عماد الدِّين الواسطي العارف، والعلّامة تاج الدِّين عبد الرَّحمن الفزاري، وكمال الدِّين أبو المعالي محمد بن الزَّمْلَكاني، وأبو الفتح ابن دقيق العيد. وحسبه من الثناء الجميل، قولُ أستاذ أئمة الجرح والتعديل: أبي الحجاج المزِّي الحافظ الجليل، قال عنه: ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه.
وترجمه بالاجتهاد وبلوغ درجته، والتمكن في أنواع من العلوم وفنون: ابن الزَّمْلَكاني، والذَّهبيّ، والبرزالي، وابن عبد الهادي وآخرون. وقال الذَّهبيّ
_________________
(١) بعد أن أشار إلى بعض ما كَانَ فيه، وما كَانَ يحويه من العلوم ويدريه: وهو أعظم من أن تصنفه كلمي، ويُنَبِّهَ على شَأْوِه قلمي؛ فإنَّ سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته تحتمل أن توضع في مجلدتين. وذكر وفاته في كتابه «الدول الإسلامية»، وقال: وشيَّعه خلق أقلّ ما حُزروا بستين ألفًا، ولم يخلف بعده من يقاربه في العلم والفضل. انتهى. وقيل: كَانَ من حضر جنازته أكثر من مئتي ألف إنسان، لأنّ أهل دمشق حضروه إلَّا نفرًا قليلًا، ومن عجز عن الإتيان، وكان بين الحاضرين بكاءٌ عظيم، وتضرع إلى الله تعالى وأذكار. وتردد النَّاس إلى قبره بالصوفية الليل والنهار، ورُئِيَتْ له منامات حسنة خطيرة، ورثاه جماعة بقصائد كثيرة. قال أبو عبد الرَّحمن السلمي: حضرت جنازة أبي الفتح القوّاس الزاهد مع الشَّيخ أبي الحسن الدارقطني، فلما بلغ إلى ذلك الجمع الكثير أقبل علينا
[ ٦٠٩ ]
فقال: سمعتُ أبا سهل بن زياد القطان يقول: سمعت ابن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز.
أنبأنا شيخنا الحافظ الكبير أبو بكر محمد بن عبد الله السعدي قال: أنشدنا الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الذَّهبيّ لنفسه يرثي شيخ الإسلام أبا العَبَّاس ابن تَيْميَّة ــ رحمة الله تعالى عليه ــ:
يا موتُ خُذْ من أردت أو فدعِ مَحوتَ رسم العلومِ والورعِ
أخذت شيخ الإسلام وانفصمت عُرى التُّقى فاشتفى أُولو البِدَعِ
غيَّبت بحرًا مفسِّرًا جبلًا حبرًا تقيًّا مجانب الشبعِ
فإن يحدِّث فمسلم ثقة وإنْ يُناظر فصاحب «اللمعِ»
وإن يخض نحو سيبويه يَفُهْ (^١) بكلِّ معنى في الفنِّ مخترعِ
وصار عالي الإسناد حافِظَهُ كشعبةٍ أو سعيد الضبعي
والفقه فيه فكان مجتهدًا وذا جهاد عارٍ من الجزعِ
وجوده الحاتمي مشتهر وزهده القادري في الطمعِ (^٢)
أسكنه الله في الجنان ولا زال علِيًّا في أجمل الخِلَعَ
مع مالك والإمام أحمد والنـ ـعمان والشافعي والخِلَعِي (^٣)
مضى ابن تيميةٍ وموعِدُه مع خصمه يومَ نفخةِ الفزع
* * * *
_________________
(١) في نسخة: يُفِد.
(٢) كذا، وفي «العقود»: «الطبع».
(٣) في العقود: «النخعي».
[ ٦١٠ ]
العلامة أحمد بن علي المقريزي (٨٤٥)
١ - المقفّى الكبير.
٢ - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار.
٣ - السلوك لمعرفة دول الملوك.
[ ٦١١ ]
صفحة بيضاء
[ ٦١٢ ]