للعلامة عبد القادر بن محمد النعيمي (ت ٩٢٧ هـ)
في يوم الاثنين ثاني المحرم منها (^٢): درَّس الشَّيخ الإمام العالم العلامة تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني بدار الحديث السكرية الَّتي بالقصاعين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين يوسف بن الزكي الشَّافعيّ، والشيخ تاج الدِّين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدِّين بن المرحِّل، والشيخ زين الدِّين المنجَّى الحنبلي، وكان درسًا [هائلًا] حافلًا ــ يعني في البسملة كما ذكره ابن مفلح في «طبقاته» ــ وقد ذكره (^٣) الشَّيخ تاج الدِّين الفزاري بخطه لكثرة فوائده وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كَانَ إذ ذاك عمره عشرين سنة وسنتين، ثمَّ جلس الشَّيخ تقي الدِّين المذكور أيضًا ــ يعني مكان والده بالجامع كما ذكره ابن كثير ــ يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير، من كثرة ما كَانَ يورد من العلوم المتنوعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة، سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة.
_________________
(١) (١/ ٧٥ - ٧٧) مجمع اللغة العربية بدمشق، تحقيق جعفر الحُسَيني.
(٢) أي سنة ٦٨٣.
(٣) كذا، ولعله: زبره.
[ ٧١٦ ]
زاد ابن مفلح في «طبقاته» وأنَّه كَانَ يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يُفسِّر في سورة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام عدة سنين. وأطال في ترجمته كثيرًا، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره.
ولد يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وستمائة بحرّان، وقدم مع أهله سنة سبع وستين وستمائة إلى دمشق فسمع بها من ابن عبد الدَّائم والمجد بن عساكر وابن أبي الخير والقاسم الإربلي والمسلم بن علان وإبراهيم بن الدرجي وابن أبي اليسر وخلق كثير، وأقبل على العلوم في صغره، فأخذ الفقه والأصول عن والده والشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر والشيخ شمس الدِّين بن المنجَّى، وبرع في ذلك، وقرأ في العربية أيامًا على ابن عبد القوي، ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه» وتأمَّله ففهمه، وأقبل على تفسير القرآن العزيز فبرز فيه، وأحكم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم، ونظر في علم الكلام وبرز في ذلك على أهله، وردّ على رؤسائهم. وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة، وأمدَّه الله تعالى بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الفهم وبطء النسيان، وعُنِي بالحديث أتمَّ عناية ونسخ الأجزاء، ودارعلى الشيوخ وخرَّج وانتقى وبرع في الرجال وعلل الحديث.
وكان كثير المحاسن، فارغًا عن شهوات المأكل والملبس والجماع. لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه، عرض عليه قضاء [القضاة] قبل التسعين (^١)
_________________
(١) أي: وست مئة. وعمره دون الثلاثين.
[ ٧١٧ ]
ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئًا من ذلك، وامتُحِنَ وأوذي مرات وحبس بقلعة مصر والقاهرة وبالإسكندرية وبقلعة دمشق مرتين، وصنف التَّصانيف الحسنة الَّتي هي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، وحدث بدمشق ومصر والثغر، وسمع منه خلق من الحفاط والأئمة من الحديث ومن تصانيفه، وخرَّج له ابن الواني أربعين حديثًا حدث بها، وقد أفرد له الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادي ترجمة في مجلَّدةٍ وكذلك أبو حفص البزار البغدادي في كراريس.
ومات بدمشق قي القلعة معتقلًا سحر ليلة الاثنين عشرين ذي الحجة أو ذي القَعْدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ثمَّ جُهِّز وأُخْرِجَ إلى جامع البلد وكان الجمع أعظم من جمع الجُمع، حُزِرَ الرجال بستين ألفًا وأكثر، والنساء بخمسة عشر ألفًا. صلى عليه أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن بسوق الخيل بعد خروج جنازته من باب الفرج، ودفن بمقابر الصوفية إلى جانب أخية الشرف وهو عبد الله ورُئِيَتْ له منامات حسنة.
* * * *
[ ٧١٨ ]
العلامة مجير الدِّين عبد الرحمن العليمي الحنبلي (٩٢٨)
- المنهج الأحمد في ذكر أصحاب الإمام أحمد
- الدُّر المنضَّد في ذكر أصحاب الإمام أحمد
[ ٧١٩ ]
صفحة بيضاء
[ ٧٢٠ ]