في الردِّ على مَنْ كَفَّر ابن تيميّة
نظم
القاضي عمر بن موسى بن الحسن
الحمصي الشافعي
(٧٧٧ - ٨٦١)
[ ٦٩٥ ]
صفحة بيضاء
[ ٦٩٦ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الله المستعان
الحمد لله.
رُفِع إليَّ بدمشق حين نزلتُ اليونسيّة (^١) متوجِّهًا إلى طرابلس هذا السؤال المنظوم:
ما قول أهل علوم الشرع والحَسَبِ فيمن يُكفّر شيخَ العلم والأدبِ
تقيّ دين إله العرش شُهْرتُه بابنٍ لتيميةٍ حرّانيَ النّسبِ
مع علمه ما حوى من حِفْظ سنّتنا وذبّ عنها أُهيلَ الزَّيغ والرِّيَبِ
وزهده وتصانيفٍ مُحرّرةٍ وذو الكرامات والهِمّات والقُرَبِ
وهل يُكفَّر من أفتى بِرِدّتِه ويستتاب وماذا قيل في الكتبِ
وهل يُباح مقالٌ في تَنَقّصِه مقلّد الغير في ردٍّ لمعتصبِ
وقال من قال عنه من أئمتنا بشيخ الاسلام كفّره بلا رِيَبِ
فأفت يا عالمًا في ذا المُصاب بما علمتَ وابسط بنظمٍ واضحٍ أجب
قال: فكتبتُ بعض الجواب وعاجلني السفر، وأهملتُ ذلك إلى أن ورد عليّ بطرابلس خَبَر الواقعة (^٢)، واستفتاء علماء مصر، فوقفتُ على
_________________
(١) هي الخانقاه اليونسية، أنشأها الأمير يونس دوادار السلطان الظاهر برقوق سنة (٧٨٤). انظر «الدارس في تاريخ المدارس» (٢/ ١٨٩ - ١٩٠)، و«خطط دمشق»: (ص ٣٣٨، ٤٠٨) للعلبي.
(٢) يعني واقعة العلاء البخاري (ت ٨٤١) في تكفيره شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن من يطلق عليه لقب «شيخ الإسلام» فهو كافر. انظر «الضوء اللامع»: (٤/ ٤٦٤ - ٤٦٦)
[ ٦٩٧ ]
بعضها، فأحببت أن أجعل لي معهم قَدَمًا، وإن كنت أقلّهم عِلمًا وقَلَمًا، فقلت:
* الحمد لله هادينا بلا نَصَب إلى الصواب بخير العُجْم والعَرَب
عليه صلى مع التسليم خالقُنا ناهيك عن شرفٍ في أعظم الكتبِ
خُذ الجوابَ مع الإيجاز منتظمًا كالدّر من بحرك الوافي لِذِي طلبِ
كُسِي جواهرَ مَنْ والَى أئمتنا ونورُه يُخْمِد الأعداءَ بالرَّهَب
دليلُه قول خير الخلق شافِعنا ثم القياس وإجماعٌ من الصّحَب
يَضُوعُ مِسْكُ ثناه من تكرّره للسمع كالطيب في نثرٍ من الكتب
له الضياء ووقعٌ للقلوب له شأنٌ من الله في فتح عن الحُجُب
وسرّه جاء مثل السيف منتضلًا كم ماردٍ قد رمى كالسمع بالشّهب
يُسلِّمَنْ لمقالي كلُّ ذي عمل في العلم والدين والإنصاف والقُرَبِ
وينصرَنَّ لحِزْب الله ثم لمن قد أيّد الدِّين بالتقوى مع الطلب
* نعم نُكفّر من أفتى بردّته بغير تأويل إذ يفضي إلى العَطَب
وصَحّ من سُنّةِ المختار سيِّدِنا معنى حديث البخاري ثم ذي الكتب (^١)
لا يرميَنْ رجلٌ منكم لصاحبه بالكفر يَكْفُر وإن لَمْ ردّةً تجب
وفي القُرانِ دليل لا نُكفّر من على الذنوب سوى شركٍ وسبِّ نبيْ
وأجمعوا بجوازٍ في شهادة من يكون ذا بدعة لا مُحْلِلَ الكذب
ثم القياس جليّ أن نكفّر من أخرج من ديننا شخصًا بلا سبب
_________________
(١) يعني حديث: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما».
[ ٦٩٨ ]
لمثل هذا الذي يُضرب به مثلٌ وطار شهرتُه في الأُفق بالسُّحُبِ
* و«شيخَ الاسلام» قد سمّاه أعلمُنا في عصره وتلا جمعٌ من العَقِب
والزملكانيْ وصدر الدين (^١) مُذْ بَرزا وناظرا خاطَبا للشيخ بالأدب
ويشهدان له بالحفظ في سننٍ ولم يكن كفّرا يومًا من الحُقُب
وكان في عصره في الشام يومئذٍ سبعون مجتهدًا من كل مُنتخب
لم يُرْوَ أن الذي ردوا عليه لهم قولٌ بتكفيره أو نسبة الكذب
بل عاذِرٌ باطلاعٍ في مداركه وقائلٍ لعثارٍ كالجواد رُبي
من نحن للخوض في عِرْضٍ لأعْلمنا وما لنا بزقاقٍ ضيّق الخبب
وإن يقل: حجتي إنكارُ منكره فقل: له سابقٌ في قول ذي النُّجُب؟
وإن تكن زلّة أو غلطة وقعت مع اجتهادٍ فعفو الله مُنسحبُ
حاشاه سبحانه من أن يُعذّب من حامى عن الدِّين في ردٍّ على الصُّلُب
دين النصارى ودينٍ لليهود وما قد اطْرَوه من التثليث باسم الاب
أهل الحُلول والأهوا ثم مُتَّحدٍ والرافضي ولتجسيمٍ وذي كَلَبِ (^٢)
* وانظر عقيدتَه وافهم عبارته في كُتْبه فتجده غاية العجب
في كل فنّ يدٌ طولى وسيرتُه في الزهد مثل النواوي كامل الرّتب
_________________
(١) يعني كمال الدِّين الزملكاني (ت ٧٢٧). وصدر الدِّين ابن الوكيل ويعرف بابن المرحِّل (ت ٧١٦) وهما من كبار الشافعية، ومن أقران شيخ الإسلام، وكانا قد أثنيا عليه، وناظراه، وزعموا أنه لم ينهض لمناظرة ابن تيمية غير ابن الوكيل. وانظر نموذجًا من مناظراته لشيخ الإسلام في «العقود» (ص ١٤٥ - ١٦٧)، و«الفتاوى»: (١١/ ١٣٥ - ١٥٦).
(٢) (متحد) يعني: أهل وحدة الوجود. و(ذي كلب) يعني: اتباع «ابن كُلّاب».
[ ٦٩٩ ]
له الردود على الأهوا وذي بدع في كُتْبه العاليات (^١) القَدْر والخطب
من قال عنه بتجسيم بمعتقد فكاذِبٌ باء في نارٍ بمنقلَبِ
بل اعتقاديَ فيه أنّه رجلٌ كالأولياءِ ومَن عاداه في حَرَب
إن لم يك العلما أهل الولاية مَنْ يكن وليًّا سوى بالوهب والجذَبِ
علمٌ بلا عملٍ يهوي بصاحبه إلى جهنم مَعْ حمّالة الحَطَب
كم عالمٍ زلّ بالأقدام في رجلٍ يخوض في عرضه بالذمّ والكذب
ويمدحنَّ لمذمومٍ ببدعته مع ذمّ شيخِ علوم الشرع والأدب
ما كلمة قالها إلا اقشعرّ لها جلدٌ وذابَ لها قلبٌ لمُنْتَحِب
* نبكي على زمنٍ صِرْنا لرؤية من يفتي بكفر وهُوْ في الجهل مُنْحَجبُ
يجازفُ القولَ في أهل العلوم وهُم سُمٌّ لحومهم قد جُرّبوا فَتُبِ
من أجمعوا أنه البحر الإمام لنا مجدّدُ الدِّين في عصرٍ لمضطرب
وأنه حافظ الإسلام عالمه سارت فتاويه في الآفاق والشُّعَب
له الكرامات كالأعلام شائعة تُروى وتُقرا ومحياةٌ لمقترب (^٢)
له التصانيف دلّت في تفرّده بالحفظ والفهم والإتقان والكتب
له المحافل والسلطان يسمعه وقطعُ خصمٍ بأعلى قطع منتصب
وكم رأوه يصلي الفجر في الأموي مَعْ سجنه، وكذا في أزهر النُّجُب (^٣)
_________________
(١) تحتمل «الغاليات».
(٢) (ط): «وتنتحي لمنتحب».
(٣) هذا من المبالغات، أنه مع سجنه كان يُرى في المسجد الأموي، والجامع الأزهر! وهذا مما أنكره شيخ الإسلام على مدَّعي المشيخة والولاية.
[ ٧٠٠ ]
وإن أردت دليل الحسّ فهو إذن موجودُ يُشهد مثلَ الشمس لم تَغِب
مؤلفات عظامٌ ثم شهرته وجعله مَثل الباهي بذي نَسَب
جنازة شُهِدَت ما مثلها شهدوا بعد القرون التي بالخير في التُّرَب
وابنٌ لقيّم تليمذٌ ورُفقته وصَحْبُه كلهم فاقوا على الصَّحَب
فمثل هذا يكن بالكفر متصفًا بقول من يدّعي علمًا ولم يُجِب
أما لنا غيرةٌ في الحقِّ تأخذنا بقَصْم من يجتري بالفُجْر والثَّلَبِ
ويا شَماتةَ أعداءٍ به امَّشَعوا رفعًا وبُشراهمُ في خفض مُنْتَصِب
يا ضحك إبليس منّا إذ نكفّره من غير ما رِدَّةٍ كلا ولا رِيَب
مُنى العِدا كُفْر من أطْفى أدِلَّتهم بنوره ودوام اللهو واللعب
فلا جزى الله خيرًا من يُعينهمُ بالقول والكتب في حِلْمٍ وفي غضب
ما حققوا العلمَ ما شموا روائحه إذ كفروا عالم الإسلام بالعَصَب
تعصَّبوا بمقال في تنقّبهم (^١) ولُثِّموا إثمَه في الرأس والذنب
قد زانه لهمُ شيطانُ إنسهمُ مُحَسّنًا وانْثَنى من بعد ما غُلِبُوا
فقال: إني بَرِيْ قولًا بردّته بل كنتُ في دمه مَعْكم كمُغْتَصَب
فيا أئمة دين الله هل أحدٌ يرضيه قولٌ بكفر العالم الدَّرِب
تَحَتّم الفَحْص والدَّعوى على رجلٍ أفتى بكفرٍ بأنْ يُلْجى إلى السبب
فإن أقام دليلًا قاطعًا عجبًا فذاك أو ذا احتمال فيه فاستتب
أولَمْ فكَفّرْه واحْكُم إذ تنقّصَه تعزيرَه بسياطٍ أو بذي الأدب
وإن تخفّفْ بسجنٍ فاضْرِبَنّ له طويل وقتٍ إلى شعبان أو رجبِ
_________________
(١) تحتمل: «تيقنهم».
[ ٧٠١ ]
لرَدْع أمثاله والمُقْدمين على مقالِه تَبَعًا تقليدَ مُصطحب
فما يضرّ بنا غير التساهل في أمرٍ كهذا وقولُ العاذِلِ النّدب
إن تنصروا الله ينصرْكم ويخذلهم وإن عفوتم فلا لومٌ لمُعْتَقب
ما يسلمُ الشرفُ الأعلى لملتنا حتى يُراق دمٌ أو ضربُ مرتكب
وامنع شهادته أيضًا روايته فإن مضى عامُه في الخير فاتَّهِبِ
وإن يُصمّم على تكفيره ويَقُل بكُفْر من قال: «شيخَ الدين» فاطَّلبِ
بمجلسٍ حَفِلٍ وافسد لصورته وكرّر الضرب بالتكرار أو يَتُبِ
ما خاب نقلٌ لنجل الناصري وبل أصاب في القول كالإبريز بالذهب
ونجل ناصرِ دينِ الله حافظِنا (^١) أجاد في جَمْع من سمَّاه في الكتب
بشيخ الإسلام فانظر في مؤلفه صدقًا وعدلًا فما ينكِرْه غير غبي
أو حاسدٍ عَميت عنه بصيرته فخاض في هُوَّةٍ تُفضي إلى العَطب
الله أكبر هل تُنكِرْ فضائلَ مَن (^٢) سارت فضائله كالشمس لم تغب
يا ليتني كنت في يوم لأزْمَتِهِ (^٣) حتى يرى النصر حقًّا بعض ما يجب
وقد كفاه بهم أعلام شِرْعتنا في مصر إذ شاهدوا التصنيف باللقب
_________________
(١) يعني: الحافظ ابن ناصر الدِّين الدمشقي (ت ٨٤٢) الذي ألف كتابه «الرد الوافر على من زعم بأن مَن سمى ابنَ تيمية: شيخَ الإسلام كافر». في الردّ على العلاء البخاري.
(٢) من قوله: «ونجل ناصر » إلى هنا مُحاط عليها بقلم دقيق ثم كتب في الهامش الأيمن ما نصه: «هذه الأربعة الأبيات المحوق عليها نظم الشيخ شمس الدِّين محمد بن محمد الياسوفي شيخنا» اهـ.
(٣) كذا ضبطها في الأصل، وفي (ط): «أُلازمه».
[ ٧٠٢ ]
فصالح الوقت نجل الحبر أَعْلمُنا ورِفْقُةُ بقضاء الحق لم يَشب
وذا جوابُ عُبيدٍ قاصرٍ عمرَ الـ حمصِي انْتمَى لبني مخزومَ بالنسب
هُوْ نقطة من بحار العلم خادمهم أحبّ نظمًا له في سِلْك ذي النَّشَب (^١)
فالمرء مع مَن أحبَّ الله يجمعهم يوم المعاد وناجٍ يشفعَنْ كنبي
ويرحم الله مشغولًا بِعَورَته وعيبِ نفسٍ عن الإسلام والكسب (^٢)
وما لنا ولمن قد مات من قدم وتمّ دينٌ بدون النقص والعَتَب
وما لنا وأصول الدِّين قد كَمُلت وفي الفروع كِفايات لذي أرَبِ
بشهرةٍ وافتخارٍ أو مناظرةٍ أو قصد نفعٍ ولا تكفير خير أب
* وإن تجد خللًا فيما أجبتُ به أصلحه واستر عِثارِي سترة الهَرِب
من عابَ عِيب ومن خطّاه أخطأ في مقاله بجزافٍ لم يقع لغبي
من أين يعلمُ كفرًا في الكمون لمن يأتي بمستقبل من قال ذا كصبي (^٣)
وإن يكن عنده حرفٌ بحجَّته من قال كل لها (^٤) يدري ليجتنبِ
والحقّ ما قلتُ من ضربٍ وتوبته إن لم وإلا فَهُوْ في مشركي العرب
وإن تكن هذه الدنيا قد انصرمت وهذه مبدأ الآيات والنُّوَبِ
وإنها فتن من بعدها فتنٌ والجهلُ في صَعَدٍ والعلم في صَبَبِ
_________________
(١) البيت مستدرك في الهامش وعليه علامة التصحيح. وفيه كلمات شبه مطموسة، استفدت قراءة بعض كلماته من (ط)، والبيت فيها: هو نقطة من بحار القوم خادمهم أحبّ نظمًا له في سلك ذي نَسب
(٢) (ط): «والكتب».
(٣) البيت لحق في الهامش وعليه علامة التصحيح.
(٤) (ط): «أما».
[ ٧٠٣ ]
فباطنُ الأرض خيرٌ من ظواهرها وما لذي أربٍ في العيش من أرَبِ
وحسبنا الله والغُفران يجمعنا فاسمح تسامح وصابِر ثمَّ واحتسب
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
تمت بحمد الله تعالى في أوائل جمادى الأولى، سنة خمس وثلاثين وثمانمائة. ونُظِمت في ليلة ونصف يوم ميسرة، والحمد لله.
ثم كتب المؤلف بخطه إجازة لناسخها العلامة الخَيْضِري نصها:
«الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد، فقد قرأ عليّ الولد الأغرّ الشيخ الفاضل شمس الدِّين عين الطلبة المعتبرين محمد بن الشيخ الصالح شمس الدِّين محمد بن (^١) بن عبد الله الخَيْضِري، نفع الله به وأعانه، ووفقه وصانه= جميعَ هذه القصيدة المسماة بـ «الشهب العلية في الردّ على من كفّر ابن تيمية» من نظم كاتبه، قراءةً صحيحة معربة، وقرأ عليَّ أيضًا بعض أحاديث نبوية وسمع، ووجدته ممن يحافظ على حفظ السنة النبوية، ومحبّة أهل السنة، ودلّني ذلك على خيره ودينه وأنه سيصير (^٢) إلى رتب أهل طاعته ويقينه. وأذنت أن يرويها عنّي وجميع ما يجوز لي وعني روايته بشرطه المعتبر. والله يوفقه وإيّانا لطاعاته ومرضاته، ويكتبنا في ديوان الناجين، آمين آمين آمين.
_________________
(١) كلمة لم تتحرر، ورسمها «حميد» وليس في سياق نسبه بين محمد وعبدالله أحد فيما اطلعت عليه. انظر «الضوء اللامع»: (٤/ ٣٤٠).
(٢) كلمة غير واضحة.
[ ٧٠٤ ]
قال ذلك وكتبه في رجب سنة ثمانٍ وثلاثين وثمانمائة: الفقير المعروف بالتقصير عمر بن موسى بن الحسن المخزومي الحمصي الشافعي خادم الشرع الشريف».
* * * *
[ ٧٠٥ ]