تأليف: علم الدِّين القاسم بن محمد البرزالي (٧٣٩)
وفي يوم السبت منتصف ربيع الآخر (سنة ٦٩٩) شرع في نهب الصالحية والعيث والفساد فيه، وكسروا الأبواب وقلعوا الشبابيك وأخذوا بسط الجامع، وحصل لهم في الصالحية شيء كثير من القمح والذخائر والمطعومات والكتب، والتجأ الناس إلى دير الحنابلة من جوانب الصالحية، فاحتاط التتار به يوم الثلاثاء ثامن عشر ربيع الآخر، ودخلوا إليه ونهبوا منه وسبوا، وخرج إليهم في هذا اليوم يوم الثلاثاء شيخ المشايخ المذكور وجماعة (^٢) بين الظهر والعصر، فأدركوا وردوا عنهم وهرب التتار بين أيديهم وتوجهوا إلى قرية المزة فنهبوا وأسروا وتوجهوا إلى داريا فدخل أهلها إلى الجامع فاحتاطوا به ودخلوه ونهبوا وأسروا وقتلوا أيضًا.
وفي يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر خرج جماعة منهم الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى ملك التتار وكان نازلًا بتَلّ راهط بالمرج فدخل عليه وأراد أن يشكي إليه ما وقع فلم يمكن من ذلك، وأشار الوزير سعد الدين، ومشير الدولة الرشيد بأن لا يخاطب الملك بشيء من ذلك فانه يحصل لكما، ونحن نتولى إصلاح الأمر، ولكن لابد من إرضاء المغُل فإن
_________________
(١) . القسم الأول من الجزء الثاني من الكتاب، إعداد: يوسف إبراهيم الشيخ عيد الزاملي، رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى ١٤١٥.
(٢) . على رأس هذه الجماعة شيخ الإسلام تقي الدِّين ابن تيمية، انظر عقد الجمان ٤/ ٣٤.
[ ٢٤٦ ]
منهم جماعة لم يحصل لهم شيء إلى الآن، وعاد الشيخ تقي الدِّين ومن معه إلى البلد ليلة السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر. (ص ٥٥).
في يوم الخميس ثاني رجب (سنة ٦٩٩) طلب الأعيان من القضاة والعلماء والرؤساء بأوراق عليها علامة الأمير سيف الدِّين قبجق إلى داره، فحضر جماعة منهم حلفوا للدولة المحمودية بالنصح وعدم المداجاة وغير ذلك، وفي يوم الخميس المذكور توجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى مخيم بولاي بسبب الأسرى واستفكاكهم وكان معهم خلق من الأسري فأقام ثلاث ليال. (ص ٨٤).
وفي بكيرة الجمعة المذكورة [السابع عشر من رجب سنة ٦٩٩] دار الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية بدمشق على ما جدد من الخمارات فبدد الخمور وكسر الجرار وشق الظروف وعزر الخمارين هو وجماعته، ولازم الناس هذه الليالي المبيت على الأسوار وأظهروا عددًا حسنة وتحملًا وكان الشيخ تقي الدِّين وأصحابه يمشون على الناس ويقرأ الشيخ عليهم سور القتال وآيات الجهاد وأحاديث الغزو والرباط والحرس، ويحثهم على ذلك ويحرضهم. ونودي بكرة السبت الثامن عشر من رجب بالأمر بزينة البلد مع ملازمة السور فشرع الناس في الزينة. (ص ٨٨).
واستهل شهر صفر (سنة ٧٠٠) والأخبار قد وصلت بقصد التتار البلاد، والناس بدمشق مهتمون بأمر الهرب إلى الديار المصرية والكرك وغيرهما، والأراجيف تتبع بعضها بعضًا، والإزعاج وافر، والصدور ضيقة، وغلت الأكرية وبلغ كرى المَحَارَة إلى مصر خمس مائة درهم، وبلغ ثمن الجمل ألف درهم، وثمن الحِمَار خمس مائة درهم، وباع الناس الأمتعة بالثمن
[ ٢٤٧ ]
البخس من الحلي والنحاس والقماش، وطاشت الألباب، وتحير الناس، وتفرقت القلوب، وجلس الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية في مكانه بالجامع يوم الاثنين ثاني صفر يفسر آيات الجهاد، ويحض الناس على لقاء العدو، وعلى الغزو والإنفاق في سبيل الله، ويوجه وجوب قتالهم ويقلل عددهم، ويضعف أمرهم، ويوبخ من قَصَد الهرب، ويحضه على إنفاق مقدار ما يخرجه في ذلك الغزو، واستمر يجلس أيامًا متوالية. (ص ١٢٢).
واستهل جمادى الأولى (سنة ٧٠٠) والناس في رجفات وخوف ووجل وشدة، وأرباب المناصب قد ضاقت صدورهم وتمنوا الهرب، وأن يؤذن لهم في ذلك، والناس في خوف من عدم قدوم العسكر والسلطان، ومن لم يتحيل أولًا قام وتحيل وباع ورهن، وقاسى الناس شدة شديدة، ويقولون: أين العسكر وما هذه أحوال من نيته الحضور؟ ! وهؤلاء قد تركوا الشام وإنما يقاتلون عن ديار مصر وما شابه ذلك، وخرج الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية مستهل جمادى الأولى إلى المرج إلى المخيم فاجتمع بنائب السلطنة وسكنه وثبته، وأقام عنده إلى بكرة الأحد ثالث الشهر فودعه وساق على خيل البريد إلى الجيش المصري فما أدركهم إلا بعد دخولهم القاهرة. (ص ١٣١).
وفي بكرة الاثنين الخامس والعشرين من جمادى الأولى وصل كتاب الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى دمشق، متضمنًا أنه دخل القاهرة على البريد في سبعة أيام والثامن، وأن وصوله كان يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى، وأنه اجتمع بجميع أركان الدولة، وذكر لهم حاجة المسلمين إلى الإعانة والغوث، وحصل بسببه همم علية ونودي بالغزاة وجرد جماعة وقويت العزائم ونزل بالقلعة، وفي ظهر يوم الأربعاء السابع والعشرين من
[ ٢٤٨ ]
جمادى الأولى وصل الشيخ تقي الدِّين المذكور إلى دمشق على البريد بعد أن أقام بقلعة القاهرة ثمانية أيام وتكلم مع السلطان والنائب والوزير والأمراء الأكابر أهل الحل والعقد في أمر الجهاد وكسر هذا العدو المخذول وقهره والظفر به وإصلاح أمر الجند وتقوية ضعائفهم، والنظر في أرزاقهم، والعدل في ذلك، وأمرهم بإنفاق فضول أموالهم في هذا الوجه، وتلا عليهم آية الكنز، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآيات [التوبة: ٣٨]، وكان خروجه من ديار مصر في يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأولى. (ص ١٣٤).
وفي جمادى الأولى (سنة ٧٠٢) وقع بيد نائب السلطنة الأمير جمال الدِّين الأفرم كتاب إليه صورة نصيحة على لسان قطز من مماليك الأمير سيف الدِّين قبجق، وفيه أن الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، والقاضي شمس الدِّين ابن الحريري يكاتبان قبجق ويختارانه لنيابة الملك ويعملان على الأمر، وأن الصدر كمال الدِّين ابن العطار والشيخ كمال الدِّين ابن الزملكاني يطالعان بأخبار الأمير وأن جماعةً من الأمراء معهم في هذه القضية، وذكروا جماعة من مماليك الأمير وخواصه، وأدخلوهم في ذلك، فلما قرأ الأمير هذا الكتاب وفهمه علم بطلانه وأسرَّه إلى بعض الكتاب وطلب التعريف بمن فعله، فاجتهد في ذلك حتى وقع الخاطر والحدس على فقير يعرف باليعفوري ممن كان نُسب قبل ذلك إلى فضول وتزوير فمُسك، فوجد معه مسوَّدة بالكتاب المذكور بعينه فضرب فأقر على شخص آخر يعرف بأحمد القباري كان أيضًا قد نسب إليه زور ودخول فيما لا يعنيه، فضرب الآخر فاعترف وعين جماعة من الأكابر أشاروا عليهما بذلك، وكان
[ ٢٤٩ ]
قصدهم تشويش خاطر الأمير على خواصه والسعي في إهلاك المذكورين في الكتاب، فانجلت القضية للأمير وعرف الآمر فيها معرفة شافية وعزر الفقيرين المذكورين في مستهل جمادى الآخرة، ثم بعد التعزير أمر بتوسيطهما وتعليقهما في اليوم المذكور، وكذلك أيضًا عزر التاج ابن المناديلي الناسخ في التاريخ المذكور وقطعت يمينه وهو الذي كان كتب لهما الكتاب، وخطه معروف. (ص ١٩١ - ١٩٢).
وأصبح الناس بدمشق يوم الأحد المذكور (٢٥ شعبان سنة ٧٠٢) في أمر كبير لقرب العدو وتأخر السلطان وجمهور الجيش، فشرعوا وتحركوا في الجفل، وذكروا أن هذا الجيش الذي قد اجتمع بالمرج ودمشق ليس لهما طاقة بلقاء هذا العدو وإنما سبيلهم أن يتأخروا عنهم مرحلة مرحلة، فاختبط البلد، فلما تعالى النهار اجتمع الأمراء بالميدان وتحالفوا على لقائهم، وشجعوا أنفسهم ونودي بالبلد أن لا يجفل أحد ولا يسافر أحد فسكن الناس وجلس القضاة بالجامع وحلَّفوا جماعة من الفقهاء والعامة على حضور الغزاة، وتوجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى جهة العسكر الواصل من حماة فأدركه بالقطيفة (^١) والمرج فاجتمع بهم وأعلمهم بما اتفق عليه الأمراء بدمشق فوافقوا على ذلك.
وفي يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان اختبط الناس كثيرًا وجفل جميع أهل القرى والحواضر، واعتكر الناس بأبواب البلد ودخل كثير من الناس إلى القلعة وامتلأت المنازل والطرق وحصل التنازع في ذلك
_________________
(١) . القطيفة: قرية دون ثنية العقاب للقاصد إلى دمشق في طرف البرية من ناحية حمص، انظر ياقوت: معجم البلدان ٤/ ٣٧٨.
[ ٢٥٠ ]
وتشوشت القلوب بسبب أن جماعة من الجيش توجهوا إلى الكسوة (^١) وناحيتها فتكلم الناس أن هؤلاء يريدون اللحاق بالسلطان وبقية الجيش، وهذا يقتضي ترك البلد ومن فيه وراء ظهورهم وانزعج الناس لذلك، ومن الناس من ذكر أن القصد أن يختاروا موضعًا للوقعة يكون أصلح من المرج فإن فيه حفرًا ومياهًا كثيرة.
وذكروا أن التتار ظلوا بعيدًا حتى ذكروا أنه وصل منهم طائفة إلى القطيفة، ومنهم من يقول: إنهم على قارا، ونزل الجيش بأسره على الجسور قبلي دمشق فسكن الناس بين الظهر والعصر، فلما كان بعد العصر شرع الناس يتحدثون في رحيلهم من هناك، فمن الناس من يقول أنا كنت فيهم وهم ثابتون لا يتغيرون من هناك أصلًا، ومنهم من يقول قد شرع المصريون في الرحيل والشاميون يتبعونهم بلا شك واضطرب الناس، وكان الشيخ تقي الدِّين في البلد، وأما القضاة فكانوا أخرجوا مع الجيش وبات الناس ليلة الخميس، ففي أول الليل رأى الناس نيرانهم وخيمهم، وفي آخره لم يروا لهم أثرًا، فأصبح الناس بكرة الخميس وقد اشتد الأمر واضطرب البلد وغلقت الأبواب وازدحم الناس في القلعة، وهرب من قدر وخرج الشيخ تقي الدِّين بكرة إلى جهتهم ففتح له باب النصر بمشقة وحصل له لوم من الناس لكونه كان من موانع الجفل، وبقي البلد لا متولي فيه والناس رعاع، وغلا السعر حتى بيع الخبز ثلاث أوراق بدرهم وانحصر الناس فلا يجسر أحد على الخروج إلى بستانه ولا مزرعته ولا داره وخرج الشلوح واللصوص إلى البساتين يقطعون الفواكه قبل أوانها، وكذلك الزرع
_________________
(١) . الكسوة: قرية وهي أول منزل تنزل القوافل فيه إذا خرجت من دمشق إلى مصر، انظر ياقوت: معجم البلدان (٤/ ٤٦١).
[ ٢٥١ ]
والبقول وغير ذلك، والناس في حيرة، وحيل بينهم وبين خبز الجيش وانقطعت الطريق إلى الكسوة في ساعة واحدة، فيرجع هذا وهو مجروح، وآخر وهو مشلح، وظهرت الوحشة على البلد والحواضر. (ص ١٩٨ - ١٩٩).
وفي يوم الاثنين رابعه وصل الناس من الكسوة ودخل الشيخ تقي الدِّين وأصحابه بكرة النهار والناس يهنئونهم ويدعون لهم، وخرج خلق كثير من البلد إلى مكان الوقعة للفرجة والعيان والمكاسب، ووصل نائب الشام الأمير جمال الدِّين الأفرم والعسكر الشامي وتوجهوا إلى جهة المرج، ونودي أن لا يبيت بالبلد منهم أحد إلا شنق، وذكر أن ذلك للإسراع خلف المنهزمين، ونودي من أراد الغزاة فليخرج إلى (^١). (ص ٢٠٢).
وفي ليلة الأحد رابع رجب (سنة ٧٠٤) أُحْضِر المجاهد إبراهيم القطان صاحب الدلق الكبير إلى الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية فقص شعره المفتل وشاربه المسبل وأظفاره، وأمره بترك الصياح والفحش وأكل ما يغير العقل، وترك لبس الدلق الكبير، وأُخِذَ وفُتِقَ وكان قِطَعًا كثيرة، فيه بسط وعبي.
وفي يوم السبت سابع عشر رجب أُحْضِر الشيخ محمد الخباز البلاسي إلى الشيخ تقي الدِّين أيضًا، فتاب على يده، وأشهد عليه بترك المحرمات واجتنابها، وأنه لا يخالط أهل الذمة ولا يتكلم في تعبير الرؤيا ولا في شيء من العلوم بغير معرفة، وكتب عليه مكتوب شرعي بذلك. (ص ٢٤٥).
وفي يوم الاثنين السادس والعشرين من رجب (سنة ٧٠٤) حضر الشيخ
_________________
(١) . كلمة غير واضحة بالأصل.
[ ٢٥٢ ]
تقي الدِّين ابن تيمية وجماعة بمسجد النارنج جوار المصلى، وحضر معهم بعض الحجارين وقطعوا الصخرة التي كانت هناك وأزالوها واستراح الناس من زيارة شيء لا أصل له، والاعتقاد فيه بغير طريق شرعي. (ص ٢٤٦).
توجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى الجبلية الجرديين والكسراونيين وصحبته الأمير قراقوش في مستهل ذي الحجة (سنة ٧٠٤) ثم توجه بعدهم إلى الجهة المذكورة الشريف زين الدِّين ابن عدنان في نصف ذي الحجة. (ص ٢٥٣).
وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى (٧٠٥) اجتمع جماعة من الأحمدية الرفاعية عند نائب السلطنة بالقصر، وحضر الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وطلبوا أن يسلم إليهم حالهم، وأن الشيخ تقي الدِّين لا يعارضهم ولا ينكر عليهم، وأرادوا أن يظهروا شيئًا مما يفعلونه فانتدب لهم الشيخ وتكلم باتباع الشريعة وأنه لا يسع أحدًا الخروج عنها بقول ولا فعل، وذكر أن لهم حيلًا يتحيلون بها في دخول النار وإخراج الزَّبد من الحلوق، وقال لهم: من أراد دخول النار فليغسل جسده في الحمام، ثم يدلكه بالخل ثم يدخل، ولو دخل لا يلتفت إلى ذلك، بل هو نوع من فعل الدجال عندنا، وكانوا جمعًا كبيرًا، وقال الشيخ صالح شيخ المنيبع: نحن أحوالنا تنفق عند التتار ما تنفق قدام الشرع، وانفصل المجلس على أنهم يخلعون الأطواق الحديد، وعلى أن من خرج عن الكتاب والسنة ضربت رقبته، وحفظ هذه الكلمة الحاضرون من الأمراء والأكابر وأعيان الدولة، وكتب الشيخ عقيب هذه الواقعة جزءًا في حال الأحمدية ومبدئهم وأصل طريقتهم، وذكر شيخهم وما في طريقهم من الخير والشر وأوضح الأمر في ذلك. (ص ٢٦٣ - ٢٦٤).
[ ٢٥٣ ]
وفي يوم الاثنين ثامن رجب (سنة ٧٠٥) طُلب القضاة والفقهاء وطُلب الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى القصر إلى مجلس نائب السلطنة، فلما اجتمعوا عنده سأل الشيخ تقي الدِّين على التعيين عن العقيدة، فأحضر الشيخ عقيدته «الواسطية» وقرئت في المجلس، وبحث فيها وبقي مواضع أخرت إلى مجلس آخر ثم اجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر رجب المذكور، وحضر هذا المجلس أيضًا الشيخ صفي الدِّين الهندي، وبحثوا معه وسألوه عن أشياء ليست في العقيدة، وجعلوا الشيخ صفي الدِّين يتكلم معه ثم اتفقوا على الشيخ كمال الدِّين ابن الزملكاني فحاققه وبحث معه من غير مسامحة ورضوا بذلك عن الشيخ كمال الدِّين وعظموه وأثنوا عليه وعلى بحثه وفضائله، وخرجوا من هناك والأمر قد انفصل، وانصرف الشيخ تقي الدِّين إلى منزله. والذي حمل الأمير على هذا الفعل كتاب ورد عليه من مصر في هذا المعنى، وكان السبب فيه القاضي زين الدِّين المالكي قاضي ديار مصر والشيخ نصر المنبجي، وبعد ذلك عزر بعض القضاة بدمشق لشخص ممن يلوذ بالشيخ تقي الدِّين وطلب جماعة ثم أطلقوا، ووقع هرج في البلد، وكان الأمير نائب السلطنة قد خرج للصيد وغاب نحو جمعة ثم حضر.
وفي يوم الاثنين الثاني والعشرين من رجب قرأ المحدث جمال الدِّين المزي فصلًا في الرد على الجهمية من كتاب «أفعال العباد» تصنيف البخاري، وكانت قراءته لذلك في المجلس المعقود لقراءة الصحيح تحت النسر، فغضب لذلك بعض الفقهاء الحاضرين وقالوا: نحن المقصودون بهذا، ورفعوا الأمر إلى قاضي القضاة الشافعي فطلبه ورسم بحبسه، فبلغ
[ ٢٥٤ ]
ذلك الشيخ تقي الدِّين فتألم له وأخرجه من الحبس بنفسه، وخرج إلى القصر فاجتمع هو وقاضي القضاة هناك ورد الشيخ تقي الدِّين عن المزي وأثنى عليه وغضب قاضي القضاة وأعاد المزي إلى حبسه بالقوصية فبقي أيامًا، وذكر الشيخ تقي الدِّين ما وقع في غيبة الأمير في حق بعض أصحابه من الأذى فرسم الأمير فنودي في البلد أنه من تكلم في العقائد حل ماله ودمه ونهبت داره وحانوته، وقصد الأمير تسكين الناس بذلك. (ص ٢٦٦).
وفي يوم الثلاثاء سابع شعبان عقد للشيخ تقي الدِّين مجلس ثالث بالقصر ورضي الجماعة بالعقيدة، وفي هذا اليوم عزل قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صصري نفسه عن الحكم بسبب كلامه سمعه من بعض الحاضرين، وفي السادس والعشرين من شعبان ورد كتاب السلطان إلى قاضي القضاة بإعادته إلى الحكم وفيه: إنا كنا رسمنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدِّين وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وما قصدنا بذلك إلا برآءة ساحته. (ص ٢٦٨).
وفي يوم الاثنين خامس رمضان (سنة ٧٠٥) وصل كتاب السلطان بالكشف عما كان وقع للشيخ تقي الدِّين في ولاية جاغان، وفي ولاية القاضي إمام الدِّين وبإحضاره وإحضار قاضي القضاة إلى الديار المصرية، فطلب نائب السلطنة جماعة من الفقهاء وكتب ما ذكروه مما وقع في أيام جاغان.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر رمضان توجه قاضي القضاة والشيخ تقي الدِّين على البريد ودخل الشيخ تقي الدِّين مدينة غزة يوم السبت، وعمل في جامعها مجلسًا، ووصلا معًا إلى القاهرة يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان، وعقد للشيخ تقي الدِّين مجلسًا بالقلعة وأراد أن يتكلم فلم يمكن
[ ٢٥٥ ]
من البحث والكلام على عادته، وحبس في برج أيامًا ثم نقل إلى الجب ليلة عيد الفطر هو وأخوه.
وأكرم قاضي القضاة نجم الدِّين وجدد له توقيع وخلع عليه وسافر إلى دمشق فوصلها يوم الجمعة سادس ذي القعدة وقرئ تقليده بمقصورة الخطابة يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة، وقرئ عقيبه الكتاب الذي وصل معه وفيه مخالفة الشيخ تقي الدِّين في العقيدة وإلزام الناس بذلك خصوصًا أهل مذهبه والوعيد بالعزل والحبس، وفيه أن يُنادى بذلك في البلاد الشامية، وكان قد نودي قبل صلاة الجمعة بالجامع والأسواق، ووصلت الأخبار بكثرة المتعصبين بالديار المصرية على الشيخ تقي الدِّين وأنه حصل أذى كثير للحنابلة، وحبس تقي الدِّين عبد الغني ابن الشيخ شمس الدِّين الحنبلي وألزموا جميعهم بالرجوع عن عقيدتهم في القرآن والصفات وأشار القضاة على رفيقهم قاضي القضاة شرف الدِّين الحراني الحنبلي بموافقة الجماعة، وكان قليل العلم فوافق وألزم جماعة من أهل مذهبه بذلك وأخذ خطوطهم ووقع أمر لم يجر على الحنابلة مثله، وكان ذلك بقيام الأمير ركن الدِّين الجاشنكير في القضية بسعي القاضي المالكي والقروي المالكي وجماعة من الشافعية. (ص ٢٧٠).
وفي سلخ رمضان (٧٠٦) أحضر الأمير سيف الدِّين سلار القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي وتكلم في إخراج الشيخ تقي الدِّين من الحبس، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور ويُلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك
[ ٢٥٦ ]
ست مرات وصمم على عدم الحضور في هذا الوقت، فطال عليهم المجلس وانصرفوا من غير شيء. (ص ٢٩٧).
وفي الثامن والعشرين من ذي الحجة وصل الشيخ تاج الدِّين محمود بن عبد الكريم بن محمود الفارقي من الديار المصرية وكان توجه لأجل زيارة الشيخ تقي الدِّين والقيام في نصرته، فأقام مدة ثم رجع والأمر على حاله، وفي هذا اليوم أخبر نائب السلطنة بوصول كتاب إليه من الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية من الجب، وأُعلم بذلك جماعة ممن حضر مجلسه وأثنى عليه، وقال ما رأيت مثله ولا أشجع منه، وذكر ما هو عليه في السجن من التوجه إلى الله تعالى وأنه لا يقبل شيئًا من الكسوة السلطانية، ولا من الإدرار السلطاني، ولا تدنس بشيء من ذلك. (ص ٣٠٥).
وفي يوم الخميس السابع والعشرين من ذي الحجة طلب أخوا الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وهما شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرحمن من الحبس إلى مجلس نائب السلطنة، وحضر القاضي زين الدِّين المالكي، وجرى بينهم كلام كثير وأعيدا إلى موضعهما. (ص ٣٠٦).
واجتمع قاضي القضاة بدر الدِّين بالشيخ تقي الدِّين ابن تيمية في دار الأوحدي بالقلعة بكرة الجمعة رابع عشري صفر (سنة ٧٠٧) وتفرقا قبل الصلاة وطال بينهما الكلام. (ص ٣١١).
وفي أوائل ربيع الأول وصل الأمير حسام الدِّين مهنا بن عيسى إلى دمشق وتوجه إلى القاهرة، فوصلها في تاسع عشر الشهر المذكور، وحضر بنفسه إلى السجن إلى الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية فأخرجه بعد أن استأذن في ذلك، فخرج يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر إلى دار نائب السلطنة
[ ٢٥٧ ]
بالقلعة، وحضر بعض الفقهاء وحصل بينهم بحث كثير، وفرقت صلاة الجمعة بينهم، ثم اجتمعوا إلى المغرب ولم ينفصل الأمر، ثم اجتمعوا بمرسوم السلطان يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر مجموع النهار، وحضر جماعة أكثر من الأولين، حضر نجم الدِّين ابن الرفعة، وعلاء الدِّين الباجي، وفخر الدِّين ابن بنت أبي سعد، وعز الدِّين النمراوي، وشمس الدِّين ابن عدلان، وصهر المالكي وجماعة من الفقهاء، ولم تحضر القضاة وطُلبوا واعتذر بعضهم بالمرض وبعضهم تبع أصحابه، وقبل عذرهم نائب السلطنة، ولم يكلفهم بالحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم، وانفصل المجلس على خير، وبات الشيخ عند نائب السلطنة، وكتب كتابًا إلى دمشق بكرة الاثنين السادس والعشرين من الشهر يتضمن خروجه، وأنه أقام بدار ابن شقير بالقاهرة، وأن الأمير سيف الدِّين سلار رسم بتأخره عن الأمير مهنا أيامًا ليرى الناس فضله ويحصل لهم الاجتماع به، ووصل مهنا إلى دمشق يوم الخميس سادس شهر ربيع الآخر، وأقام ثلاثة أيام وسافر، ثم عُقد للشيخ تقي الدِّين مجلس ثالث يوم الخميس سادس ربيع الآخر بالمدرسة الصالحية بالقاهرة. (ص ٣١٢ - ٣١٣).
وفي شوال شكا شيخ الصوفية بالقاهرة كريم الدِّين الآملي وابن عطاء وجماعة نحو الخمس مائة من الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردوا الأمر في ذلك إلى الحاكم الشافعي، وعُقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت شيء منها، لكنه اعترف أنه قال لا يستغاث بالنبي - ﷺ - استغاثة بمعنى العبادة ولكن يتوسل به، فبعض الحاضرين قال ليس في هذا شيء، ورأى قاضي القضاة بدر الدِّين أن هذه
[ ٢٥٨ ]
إساءة أدب وعنفه على ذلك فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة في ذلك، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله، ثم إن الدولة خيروه بين أشياء وهي الإقامة بدمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شُرط فأجابهم فأركبوه خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال، ثم أرسل خلفه من الغد بريد آخر فرده، وحضر عند قاضي القضاة بحضور جماعة من الفقهاء فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلا بالحبس، فقال قاضي القضاة وفيه مصلحة له واستناب شمس الدِّين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال: ما يثبت عليه شيء، فأذن لنور الدِّين الزواوي المالكي، فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة فقال نور الدِّين المأذون له في الحكم: فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القاضي وأجلس في الموضع الذي أجلس فيه القاضي تقي الدِّين ابن بنت الأعز لما حُبِس، وأذن في أن يكون عنده من يخدمه، وكان جميع ذلك بإشارة الشيخ نصر المنبجي ووجاهته في الدولة، واستمر الشيخ في الحبس يُسْتَفتى ويقصده الناس ويزورونه وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس. (ص ٣٣٤ - ٣٣٥).
* * * *
[ ٢٥٩ ]
نموذج من قراءة شيخ الإسلام ابن تيمية على شيوخه