للعلّامة: برهان الدِّين إبراهيم بن مفلح (٨٨٤)
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن أبي القاسم (^٢) الخضر بن محمد بن تيميِّة الحَرَّانيّ، ثمَّ الدِّمشقِيّ، الإمام الفقيه المُجتهد الحافظ المُفسِّرُ الزَّاهِدُ، أبو العبَّاس تَقِيُّ الدّين، شيخُ الإسلام، وعلمُ الأعلام. ولِدَ يومَ الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستِّين وستمائة بحرَّان. قدمَ به والده وبإخوته إلى دمشق عند استيلاء التَّتَر على البلاد. وسمع من ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليسر، والمجد بن عساكر، والقاسم الإربلي، والشَّيخ شمس الدِّين بن أبي عُمر، وخلقٍ كثير، سمعَ «المُسند» مرَّات، والكتب السِّتَّة، و«مُعْجَم الطَّبراني» وما لا يُحْصَى. وكتَبَ بخطِّه جملةً من الأجزاء، وأقبل على العُلوم في صِغَره، وأخذ الفِقْه والأُصول عن والده، وعن الشِّيخ شمس الدِّين بن أبي عمر، والشَّيخ زين الدِّين ابن المنُجَّى، وبرعَ في ذلك وناظَر وقرأ العَرَبِيَّة على ابن عبد القوي، ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه» فتأمَّله وفهمه، وأقبل على تَفْسِيْر القُرآن العَظيم، فبرز فيه وأحكم الفَرائض والحِسَاب، والجَبر والمُقابلة وغير ذلك من العُلوم، ونظر في علم الكلام والفَلْسَفَة وبرز في ذلك على أهله، وردَّ علَى رُؤسائهم وأكابرهم، وتأهَّل للفَتْوَى والتَّدريس وله دون العشرين سنة، وأمدّه الله تعالى بكثرة الكُتب، وسرعة الحِفْظ، وقوَّة الإدراك والفهْم، وكان بَطِيءَ النِّسيان حتَّى ذَكَرَ جماعةٌ أنَّه لم يكن يحفظ شيئًا فينساهُ.
_________________
(١) (١/ ١٣٢ - ١٣٩) مكتبة الرشد (ط، ١) ١٤١٠، تحقيق د/ عبد الرحمن العثيمين.
(٢) في المطبوعة: «بن» بين القاسم والخضر، والصواب حذفها.
[ ٧٠٦ ]
وتوفي والده الشَّيخ شهاب الدِّين وكان عمره إذ ذاك إحدى وعشرين سنة، فقام بوظائفه ودرس بدار الحديث السُّكَّرية في أول سنة ثلاث وثمانين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين بن الزَّكيّ (^١)، والشَّيخ تاج الدّين (^٢) الفَزَارِيُّ، والشَّيخُ شهاب الدِّين ابن المُرَحِّلِ، والشِّيخُ زين الدِّين ابن المُنَجَّى وذكر درسًا عظيمًا في البَسْمَلَة، وعظمه الجماعة الحاضرون فأثنوا عليه ثناءً كثيرًا.
قال الذَّهَبيُّ: وكان الشَّيخ تاج الدِّين الفَزَارِيُّ يبالغُ في تعظيمه بحيثُ إنَّه علق بخطِّه دَرْسَهُ بالسُّكرية. ثمَّ جلس مكان والده بالجامع يفسّر القرآن الكريم وشرع من أوله، وكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يفسّر في سورة نوح عدة سنين، وفي وقتٍ ذَكَر يومَ جُمعة شيئًا من الصفات فقام بعضُ المخالفين وسعوا في منعه فلم يمكنهم ذلك.
وقال قاضي القُضَاة شِهابُ الدِّين الخُوَيِّي: أنا على اعِتقادِ الشَّيخ تَقِيّ الدّين، فعُوتبَ في ذلك، فقال: لأن ذهنه صحيحٌ وموادّه كثيرة، فهو لا يقولُ إلَّا الصَّحيح.
وكان أعجوبةَ زمانِهِ في الحفظ وقد حُكي أنَّ بعضَ مشايِخ حَلَب قدم دمشق لينظر إلى حفظ الشَّيخ فسأل عنه فقيل الآن يحضر، فلما حضر ذكر له أحاديث فحفظها من ساعَته، ثمَّ أملى عليه عدة أسانيد انتخبها ثمَّ قال: اقرأ هذا فنظر فيه كما فعل أول مرة، فقام الشَّيخ الحلبى وهو يقول: إن عاشَ هذا الفَتى ليكونَنّ له شأنٌ عظيمٌ فإنَّ هذا لم يُرَ مثلُه، وقالَ الشَّيخُ شرفُ الدين: أنا أرجو بركته ودعاءه؛ وهو صاحبي وأخي. ذكر ذلك البِرزَالِيُّ في «تاريخه».
_________________
(١) في المطبوعة: «شهاب الدِّين بن المزكِّي»! والتصويب من المصادر.
(٢) في المطبوعة: «شهاب الدين» والتصويب من المصادر.
[ ٧٠٧ ]
ثمَّ شرع في الجَمع والتَّصنيف من العشرين، ولم يزَل في عُلُوٍ وازْدياد في العِلم والقَدرِ إلى آخر عُمُرِه. قالَ الحافِظُ المِزَّي: ما رأيْتُ مثلَه، ولا رأى هو مثل نَفْسِهِ. وذكرَهُ الذَّهبيُّ في «مُعْجَم شُيُوخِهِ»، ووصفه بأنَّه شيخُ الإسلام، وفريدُ عَصْرِه علمًا ومعرفةً وشجاعةً وذكاءً ونصحًا للأمَّة [و] أمْرًا بالمعروفِ ونَهْيًا عن المُنكر إلى غير ذلك من الصِّفاتِ الحَمِيْدة، والأخلاق المَرْضِيَّة.
وقال الشَّيخُ كمالُ الدِّين ابن الزَّملكاني: كَانَ ابن تَيْمِيِّة إذا سُئِلَ عن فنٍّ من العِلْم ظَنَّ الرائِي والسَّامع أنَّه لا يَعرِفُ غيرَ ذلك الفَنّ، وحكمَ أنَّ أحدًا لا يعرفه مثلَهُ، وكان الفقهاءُ من سائِر الطَّوائِفِ إذا جالسُوه استفادوا منه في مذاهبهم أشياء، ولا يُعْرَفُ أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تَكَلَّم معه في علمٍ من العلومِ سواءً كَانَ من علومِ الشَّرع أو غَيرها إلَّا فاق فيه أهله واجتمعت فيه شُروط الاجتهاد على وجهها.
قالَ الشَّيخُ زينُ الدِّين ابن رَجَبِ: وقد عُرض عليه قضاء الحنابلة قبل التِّسعين ومشيَخَة الشُّيوخ فلم يَقْبَل شيئًا من ذلك. وقد كتبَ ابن الزّملكاني بخطِّه على كتاب «إبطال الحِيَل» ترجمةَ الكِتَاب، واسم الشَّيخ وترجم له تَرجمة عظيمة وأثنى عليه شيئًا كثيرًا وكتب تحته بخطِّهِ:
ماذَا يَقُوْل الوَاصِفُونَ لَهُ وصِفَاتُهُ جَلَّتْ عن الحَصْرِ
هو حُجَّةٌ للهِ قاهِرَةٌ هو بَيْنَنَا أُعْجُوْبَةُ الدَّهْر
هو آيةٌ للخَلْقِ ظَاهِرَةٌ أنْوارُها أرْبَتْ على الفَجْر
وحَكَى الذَّهَبيُّ، عن الشَّيخ تقي الدِّين ابن دَقيق العِيْد، أنَّه قالَ له عند اجتماعه به وسماعه لكلامِهِ: ما كنتُ أظُنُّ أنَّ الله تعالى بقِي يخلق مثلك. وقد كَتَب العَلّامة قاضي القُضاة تقي الدِّين السُّبكيُّ إلى الحافظ الذَّهبيّ في أمر
[ ٧٠٨ ]
الشّيخ تقِيّ الدين: فالمملوك يتحقق أن قدره وزخارة بحره وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده بلغ من ذلك كلَّ المبلغ الذي يتجاوزه الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أكثر من ذلك وأجلّ، مع ما جمعه الله تعالى [له] من الزّهادة والوَرع والدِّيانة ونُصرة الحقّ والقِيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سَنَنِ السَّلَف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزَّمان، بل [من] أزمان.
وللشَّيخ أثير الدِّين أبي حيَّان الأنْدَلسي النَّحوي لما دَخلَ الشَّيخ إلى مصر واجتمع به قال أبياتًا لم يَقُلْ خيرًا منها ولا أفحل:
لمَّا رأيْنَا تَقِيَّ الدِّين لاحَ لَنَا داعٍ إلى اللهِ فردٌ ما له وَزَرُ
على مُحَيَّاهُ مِنْ سِيْمَا الأُولَى صَحِبُوا خيرَ البَرِيَّةِ نُوْرٌ دُوْنَهُ القَمَرُ
حَبْرٌ تَسَرْبَلَ مِنْهُ دَهْرُهُ حِبَرًا بَحرٌ تَقَاذَفُ مِن أمواجه الدُّرَرُ
قامَ ابنُ تَيْمِيَّةٍ في نَصْرِ شِرعَتِنَا مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
فأظهرَ الحقَّ إذا آثارُهُ دَرَسَتْ وأخْمدَ الشِّرْكَ إذ طارَتْ لَهُ شَرَرُ
يا مَنْ يُحَدِّثُ عن عِلْمِ الكتابِ أصِخْ هذا الإمامُ الذي قَدْ كان يُنتظر
وأمَّا مناظرتُهُ للخصوم وإفحامُهم وقطعُهُم لديه فهو ظاهرٌ، وكتبه التي صنَّفَها فهى أشهر من أن تذكر وتعرف فإنها سارت مسيرَ الشَّمس في الأقطار وامتلأت بها البلاد والأمصار، وقد جاوزت حد الكثرة فلا يمكن أحدًا حَصْرُها، ولا يتسع هذا المكان لعدها. وله اختيارات غريبة جمعها بعضهم في مجلَّدٍ لطيف. ووقع له أمور وأحوال قام عليه فيها المعاندُ والحاسدُ إلى أن وصلَ الحال به أن وُضِعَ في قلعة دمشق في مقام أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - سنة ستٍّ وعشرين في شَعبان إلى ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين، ثمَّ مرض أيَّامًا
[ ٧٠٩ ]
ولم يَعْلَم أكثرُ النَّاس مَرضه. وتوفي سحر ليلة الاثنين العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين وسَبْعِمائة. وذكره مؤذن القَلْعَة على منارة الجامع، وتكلّم به الحَرَسُ واجتمَع النَّاسُ، ولم تفتح الأسواق المعتادة بالفتح أول النهار، واجتمع عنده خلق يبكون ويثنون خيرًا، وأخبرهم أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن أنهما ختما في القَلْعة ثمانين ختمةً، والحادية والثَّمانين انتهيا فيها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وابتدأ عنده جماعة في القراءة من سورة الرَّحمن إلى ختمه. ولم يُفرغ من غَسله حتَّى امتلأ أكثر القلعة بالرجال فصَلَّى عليه بدَركاتِها الشَّيخُ الزَّاهدُ محمد بن تَمَّامٍ، وضجَّ الناسُ، ثمَّ خرجوا به إلي جامع دمشق، وكثر الجَمْع حتَّى يقال: إنَّه فاق جميع الجُمَع، ثمَّ وضع عند موضع الجنائز حتَّى صلِّيَتِ الظهرُ، ثمَّ صلى عليه نائب الخطيب علاء الدِّين الخَراَّط لغيبة القَزْوِيْني، ثمَّ خرجوا به من باب الفرج، وكثر الزِّحام وخرج الناس من غالب أبواب البلد، ثمَّ صلَّى عليه أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن بسوق الخَيْل، ودفن وقت صلاة العصر بالصُّوفية إلى جانب أخيه شرف الدين. وحُزِرَ الرِّجال بستين ألفًا وأكثر، والنِّساء بخمسةَ عشرَ ألفًا، وظهرَ بذلك قَولُ الإمام (^١): بينَنا وبينَهم الجنائز. وختم له ختمات كثيرة، وتردد النَّاسُ إلى قَبره، ورُئِيَتْ له منامات (^٢) حسنة، وتأسف النَّاسُ لفقده - ﵁ -.
* * * *
_________________
(١) أي: الإمام أحمد.
(٢) في المطبوعة «مقامات»!
[ ٧١٠ ]