ابن تَيْمِيَّة
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم [بن] محمد بن تَيْمِيَّة، تقيّ الدين، أبو العبَّاس، المنعوت «شيخ الإسلام» ابن الإمام شهاب الدِّين أبي المحاسن، ابن العلامة مجد الدِّين أبي البركات، الحرّانيّ الأصل، الدمشقيّ المنشأ والدار والوفاة.
ولد بحرّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستّين وستّمائة. وقدم مع والده وأهله دمشق في سنة سبع وستّين وستّمائة. وسمع من ابن عبد الدائم وطبقته. ثمَّ طلب بنفسه قراءةً وسماعًا من خلق كثير، وقرأ بنفسه الكتب، وكتب الطِّباق والأثبات، ولازم السَّماعَ مدّة سنين فبلغت شيوخه نحو [مئتي] (^٢) شيخ. واشتغل بالعلوم، وكان من أذكى الناس، كثير الحفظ، قليل النسيان، قلّما حفظ شيئًا فنسيه، إلى أنْ صار إمامًا في التفسير وعلوم القرآن، عارفًا بالفقه واختلاف [العلماء]، بارعًا في الأصلين، والنحو وما يتعلق به، واللغة، والمنطق، وعلم الهيئة، والجبر والمقابلة، وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين وأهل البدع، وغير ذلك من العلوم النقليّة والعقلية، حتَّى إنَّه ما تكلّم معه فاضل في فنٍّ من الفنون إلَّا ظنَّ أنَّ ذلك الفنَّ فنُّه. وصار حُفَظَةً للحديث، مُميّزًا بين صحيحه وسقيمِه، عارفًا بربجاله وعلله، مُتضلّعًا من ذلك، مع التبحّر في علم التاريخ.
_________________
(١) (١/ ٤٥٤ - ٤٨٣) دار الغرب الإسلامي، بيروت، (ط: ١) ١٤١١.
(٢) في الأصل: مئة، والتصويب من المصادر.
[ ٦١٣ ]
ومات أبوه في السابع والعشرين من ذي الحجَة سنة اثنتين وثمانين بدمشق. وفي يوم الاثنين ثامن المحرّم سنة ثلاث وثمانين، ذُكر الشَّيخ تقيّ الدِّين للدرس موضعَ والده، بدار الحديث من القصّاعين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدِّين الفزاريّ، وزين الدِّين ابن المرحّل، وزين الدِّين ابن المُنجَّى وجماعة. وفي يوم الجمعة عاشر صفر، جلس بجامع دمشق على المنبر لتفسير القرآن الكريم مكانَ والده، وابتدأ من أوّل الفاتحة.
وفي يوم الجمعة رابع شهر ربيع الآخر سنة تسعين وستّمائة، ذكر على كرسيِّه شيئًا من الصِّفات، فشنّع عليه نور الدِّين بن مصعب، وساعده الفقير المعتقد نجم الدِّين محمد الحريريّ، وصدر الدِّين ابن الوكيل، وجماعة. وَمَشوا إلى الشيخين شرف الدِّين المقدسيّ وزين الدِّين الفارقاني، ومنعوه من الجلوس فلم يمتنع، وجلس في الجمعة الثانية. وقال قاضي القضاة شهاب الدِّين محمد بن أحمد الخويّي حاكم دمشق: أنا على عقيدة الشَّيخ تقيّ الدِّين فعوتب على ذلك. فقال: لأنّ ذهنه صحيح، وموادّه كثيرة، فلا يقول إلّا الصحيح.
ثمَّ إنَّ القاضي شرف الدِّين المقدسيّ قال: أنا أرجو بركته ودُعاءَه، وهو صاحبي وأخي.
واجتمع به وجيه الدِّين ابن المنجَّى، وزين الدِّين الخطيب، فتبرّأ من القضيّة، وعتب ولده صدر الدين، فسكن الأمرُ بعد ذلك.
وتوجّه إلى الحجّ في سنة اثنتين وتسعين وعاد. فلمّا كَانَ في شهر رجب سنة ثلاث وتسعين، دخل هو والشَّيخ زين الدِّين الفارقيّ إلى الأمير
[ ٦١٤ ]
عزّ الدِّين أيبك الحمويّ نائب دمشق وكلّماه في أمر النصرانيّ الَّذي سبّ النَّبي - ﷺ -، فأجابهُما إلى إحضاره، وخرج الناس. فرأوا ابن أحمد بن حجّي الَّذي أجار النصرانيّ، فكلّموه في أمره، وكان معه رجل من العرب، فقال للناس عن النصرانيّ: إنَّه خيرٌ منكم! فرجموه بالحجارة. وهرب عسّاف. فأحضر النائب لمّا بلغه ذلك، ابن تَيْمِيَّة والفارفاني وأخرق بهما، وأمر بهما فضُربا، وحُبسا في العذراويّة، وضَرَبَ عدّةً من العامّة وحبس منهم ستة نفر، وضرب والي البلد جماعةً وعلّقهم. وسعى النائب في إثبات العداوة بين النصرانيّ وبين مَن شهد عليه، ليخلّصه. فخاف النصرانيّ عاقِبَة هذه الفتنة وأسلم. فعقد النائب عنده مجلسًا حضره قاضي القضاة وجماعة من الشافعيّة، وأفتوا بحَقْنِ دم النصرانيّ، بعد الإسلام. وطلب الفارقانيّ فوافقهم، وطَلب ابنَ تَيْمِيَّة وطيّب خاطره وأطلقه.
وفي يوم الأربعاء سابع عشر شعبان سنة خمس وتسعين، درّس ابن تَيْمِيَّة بالمدرسة الحنبليّة عوضًا عن زين الدِّين ابن المنجَّى. وفي شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين، قام جماعة من الشافعيّة عليه، لكلامه في الصفات. ووقعت بأيديهم فُتْياه الحمويّة، فردّوا عليه وانتصبوا لعناده. ووافقهم القاضي جلال الدِّين الحنفيّ. وأمر بإطلاق النداء على إبطال العقيدة الحمويّة، فُنودي بذلك. فانتصر له الأمير سيف الدِّين جاغان المشدّ، وطلب الَّذين قاموا عليه، وضرب المنادي، وجماعة ممّن كانوا معه. وفي يوم الجمعة ثالث عشره، جلس على عادته وتكلّم على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وحضر عنده من الغد قاضي القضاة إمام الدِّين القزوينيّ، وقُرئت العقيدة الحمويّة بحضور جماعة، وحُوقِقَ على ما فيها
[ ٦١٥ ]
فأجاب بما عنده وانفصل المجلس فسكنت القضيّة.
وفي شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستّمائة، خرج من دمشق في جماعة إلى غازان متملّك التتر لمّا قدم إلى الشَّام، وكان قد نزل تلّ راهط. فلم يمكّنه الوزير [سعد الدين] من لقاء غازان فعاد. ثمَّ إنَّه توجّه إليه ثانيًا واجتمع به وكلّمه بغلظة، فكفّ اللهُ يدَ غازان عنه وذلك أنَّه قال لترجمان الملك غازان: قل للقان: أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاض، وإمام، وشيخ ومؤذّنون على ما بلغنا، فغَزوتنا. وأبوك وجدّك هولاكو كانا كافرَين، وما عمِلا الَّذي عمِلت، عاهدا فوَفَيا. وأنت عاهدتَ فغدرْتَ، وقُلتَ فما وفيتَ! ومرّ في مثل هذه المحاسبة، وقد حضر قضاة دمشق وأعيانُها. فقدّم إليهم غازان طعامًا فأكلوا، إلّا ابن تَيْمِيَّة. فقيل له: لمَ لا تأكل؟
فقال: كيف آكلُ من طعامكم، وكلّه ممّا نهبتُم من أغنام الناس وقطعتُم من أشجار الناس؟
ثمَّ إنَّ غازان طلب منه الدعاءَ. فقال في دعائه: اللهم، إنْ كَنتَ تَعلمُ أنَّه إنّما قاتلَ لتكون كلمةُ الله هي العليا، وجهادًا في سبيلك، فأيّدْه وانصُره. وإن كَانَ للمُلك والدنيا والتكاثُرِ، فافعل به واصنع! يدعو عليه، وغازان يؤمّن على دعائه، وقضاة دمشق قد خافوا القتل وجمعوا ثيابهم خوفًا أن يبطشَ به غازان فيصيبهم من دمه. فلّما خرجوا قال قاضي القضاة ابن الصصريّ لابن تَيْمِيَّة: كدتَ تُهلكنا معك. ونحن ما نَصْحَبُك من هنا!
فقال: وأنا لا أصحبُكم!
فانطلقوا عُصبةً وتأخَّر ابن تَيْمِيَّة في خاصّة من معه. فلم يبق أحدٌ من الحرّاس والأمراء حتَّى أتَوه من كلّ جهةٍ وتلاحَقوا به ليتبرَّكُوا برؤيته. فما
[ ٦١٦ ]
وصل دمشق إلَّا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، ودخلوا. وأمّا القضاة فخرج عليهم جماعة فجرّدُوهم من ثيابهم، ودخلوا المدينة عُراةً.
فلمّا عاد غازان إلى بلاده، ركب ابن تَيْمِيَّة البريد إلى مهنّأ بن عيسى واستحضره إلى الجهاد. وركب بعده إلى القاهرة واستَنْفَر السلطان. وواجه بالكلام الغليظ أمراءه وعسكره. ولمّا جاء السلطان إلى شَقْحب لاقاه وجعل يشجّعه ويثبّته. فلمّا رأى السلطان كثرة التَّتار قال: يا لخالدِ بن الوليد!
فقال له: لا تقُل هذا. بل قل: يالله! واستغث بالله ربّك ووحِّدْه وحدَه تُنصَرْ، وقل: يا مالكَ يوم الدين، إيّاك نعبد وإيّاك نستعين! وما زال يطلّ تارة على الخليفة المستكفي بالله، وتارة على الملك الناصر محمد بن قلاوون ويُهَدِّئُهما ويربط جأشَهما، حتَّى جاء نصر الله والفتح. وقال للسلطان: أنت منصور فاثبت!
فقال له بعض الأمراء: قل: إن شاء الله!
فقال: إنْ شاء الله، تحقيقًا، لا تعليقًا! فكان كما قال.
ولمّا أعيدت الخطبة بجامع دمشق
_________________
(١) بعد رحيل غازان للملك الناصر محمد بن قلاوون في يوم الجمعة سابع عشري شهر رجب من السنة المذكورة، دار [ابن تَيْمِيَّة] بنفسه على ما جُدّد من الخمّارات، وأراق خمورها وكسر أوانيَها وشقّ ظروفها، وعزّر الخمّارين هو وجماعتُه. وكان الناس يمشون معه، وهو يدور على الجماعات ويقرأ عليهم سورة القتالِ وآيات الجهاد وأحاديث الغزو والرباط والحرس، ويحثّهم على ذلك. فلمّا عاد التَّتار إلى حلب في سنة سبعمائة، وانجفَل الناس منهم وكان
[ ٦١٧ ]
قد خرج عسكر ورجع ــ ركب ابنُ تَيْمِيَّة خَيل البريد إلى مصر فدخل قلعة الجبل في اليوم الثامن من خروجه من دمشق، وذلك في شهر جمادى الأولى، وحضّ على الجهاد في سبيل الله وأغلظ في القول. واجتمع بالسلطان وأركان الدولة. وأنزل بالقلعة ورُتّب له في كل يوم دينار ومحفيَّة (^١)، وبعَثَ إليه السلطان بَقْجة قُماش. فلم يقبل من ذلك شيئًا. ثمَّ عاد إلى دمشق وقد حرّض الدولة على قتال التَّتار.
فلمّا كَانَ أوّل ذي القعدة سنة إحدى وسبعمائة، قام عليه جماعة وسألوا الأمير أيبك الأفرم نائب دمشق مَنْعَه مِمَّا يتعاطاه من التعزير وإقامة الحدود. وكان قد حلق رؤوسًا وضرب جماعة. ثمَّ سكنت القضيّة.
وفي شهر رجب سنة ثلاث وسبعمائة، أحضر ابنُ تَيْمِيَّة إبراهيم القطّان صاحب الدلق الكبير، وقصّ أظفاره وشعره المفتّل وشاربه المسبل، وأمره بترك الصياح والفحش وأكل الحشيشة وتركِ لباس الدلق الكبير، وفتقه، وكان فيه قطع كثيرة من بسط وعبيّ. وفي سابع عشر أحضر الشَّيخ محمد البلاسيّ فتاب على يده، وأشهد عليه بترك المحرّمات واجتنابها، وأنَّه لا يخالط أهل الذّمّة ولا يتكلّم في تعبير الرؤيا ولا في شيءٍ من العلوم بغير معرفة. وكتب عليه بذلك مكتوبًا.
وفي يوم الإثنين سادس عشريه، حضر، ومعه عدّة من الحجّارين، وقطع الصخرة الَّتي بجوار مصلّى دمشق حتَّى زالت، وأراح الناس من أمرها، فإنها كانت تزارُ وينذرها الناس ويتبرّكون بها.
_________________
(١) كذا بالأصل.
[ ٦١٨ ]
وفي محرّم سنة خمس وسبعمائة توجّه مع الأفرم إلى جبل كسروان وغزا أهله وشدّ في وسطه السيف والتركاش وأفتى بقتالهم، وعاد وقد انتصر عليهم.
وفي جمادى الأولى اجتمع عند الأفرم جماعة من الفقراء الأحمديّة الرّفاعيّة، وحضر ابنُ تَيْمِيَّة. وأراد الفقراءُ إظهار شيءٍ من أحوالهم. فقال: لا يسع أحدًا الخروج عن الشريعة بقول ولا فعل. (وقال) هذه حِيَل يتحيّلون بها في دخول النار وإخراج الزبَد من الحلق. ومَن أراد دخول النار فليغسل جسدَه في الحمّام ثمَّ يدلكه بالخلّ وبعد ذلك يدخل النار. ولو دخل لا يلتفت إلى ذلك، بل هو نوع من فعل الدجّال عندنا. وكان جمعًا كبيرًا. فقال الشَّيخ الصالح شيخ المنيبع: نحن أحوالُنا تنفقُ عند التَّتار، وما تنفق عند أهل الشرع.
وانفصل المجلس على أنَّهم يخلعون أطواقَ الحديد، وأنّ مَن خرج عن الكتاب والسنّة تضرب رقَبَتُه. وكتب ابن تَيْمِيَّة عُقَيب هذه الواقعة جزءًا في حال الأحمديّة ومبدأ أمرهم وأصل طريقتهم، وما فيهم من الخير والشرّ.
وكان قد ظهر الشَّيخ نصر الدِّين المنبجيّ بمصر، واستولى على أرباب الدولة حتَّى شاع أمره. فقيل لابن تَيْمِيَّة: إنَّه اتّحاديّ وإنَّه ينصر مذهب ابن العربيّ وابن سبعين. فكتب إليه نحو ثلاثمائة سطر ينكر عليه. فتكلّم نصر المنبجيّ مع قضاة مصر في أمره، وقال: هذا مبتدعٌ، وأخاف على الناس من شَرّه! فحسّن القضاة للأمراء طلبه إلى القاهرة وأن يعقد له مجلس بدمشق. فلمّا كَانَ في يوم الاثنين ثامن شهر رجب، طُلب ابن تَيْمِيَّة والفقهاء إلى القصر الأبلق عند الأفرم. وسأله عن العقيدة فأحضر عقيدته الواسطيّة وقرئت في
[ ٦١٩ ]
المجلس، وبحث معه فيها، وانفصل المجلس ولم يُكمل قراءتَها. ثمَّ اجتمعوا يوم الجمعة ثاني عشره بعد الصلاة، وحضر الشَّيخ صفيّ الدِّين الهنديّ وأقامو [هـ] للبحث معه. ثمَّ أقاموا الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزملكانيّ فحاققه وبحث معه من غير مسامحة، فرضُوا ببحثه وأثنَوا على فضائله وانفضُّوا، والأمر قد انفصل.
فاتّفق بعد ذلك أنَّ بعض قضاة دمشق عزَّر شخصًا من أصحاب ابن تَيْمِيَّة وطلب جماعةً ثمَّ أُطلِقُوا، فوقع هرجٌ في البلد. وكان الأفرم قد خرج للصيد، فقرأ في يوم الاثنين ثاني عشري رجب المذكور الشَّيخ جمالُ الدِّين المزّيّ فصلًا في الردّ على الجهْمِيّة من كتاب: «أفعال العباد» للبخاري، تحت [قبة] النسر فغضب بعض الفقهاء لذلك وقالوا: نحن المقصودون بهذا! ورفعوا الأمر إلى قاضي القضاة الشافعيّ. فطلبه ورسم عليه. فقام ابن تَيْمِيَّة وأخْرَجَ المزيّ من الحبس بنفسه، وخرج إلى القصر واجتمع هناك بقاضي القضاة وأثنى على المزّيّ. فغضب القاضي وأعاد المزيّ إلى الحبس فبقِي أيّامًا. فرسم الأفرم فنودي في البلد بمنع الكلام في العقائد، ومن تكلّم فيها حلّ دمُه ومالُه ونُهبت داره وحانوتُه.
وعقد في تاسع شعبان مجلس ثالث بالقصر لابن تَيْمِيَّة، فرضي الجماعة بالعقيدة، وعزل قاضي القضاة نجم الدِّين نفسه بسبب كلام سمعه من ابن الزملكانيّ. ثمَّ وردت ولايتُه من مصر.
فقام نصر المنبجيّ بالقاهرة وقال لقاضي القضاة زين الدِّين بن مخلوف المالكيّ: قل للأمراء بأنّ ابن تَيْمِيَّة يُخْشى على الدولة منه، كما جرى لابن تومرت في بلاد المغرب.
[ ٦٢٠ ]
فحدّثهم بذلك حتَّى تَخَيَّلوا منه. فورد كتاب السلطان بإحضار ابن تَيْمِيَّة وإحضار قاضي القضاة نجم الدِّين ابن الصصري إلى مصر. فمانع الأفرم نائب دمشق وقال: قد عُقد له مجلسان بحضرتي وحضرة القضاة والفقهاء، وما ظهر عليه شيءٌ.
فقال له الرسول: أنا لك ناصحٌ. وقد قال عنه الشَّيخ نصر المنبجي إنَّه يجمع الناس عليك ويعقد البيعة لغير السلطان.
فخاف النائب وبكى (^١) منه.
فتوجّها في ثاني عشر شهر رمضان على البريد. فلمّا دخل ابن تَيْمِيَّة مدينة غزّة عمل بجامعها مجلسًا.
وتوجّه إلى قلعة الجبل وقد كتب الأفرمُ معه كتابًا إلى السلطان، وكُتب معه محضر فيه خطوط عدّةٍ من القضاة وكبار الصلحاء والعلماء يصفون ما جرى في المجلسَين بدمشق، وأنَّه لم يثبت عليه فيهما شيءٌ، ولا منع من الإفتاء. فلم يلتفت إلى ذلك.
وقصد ابن تَيْمِيَّة أنْ يعقد بالقلعة مجلسًا، وأراد أن يتكلم فلم يمكّن من الكلام على عادته، وحبس في البرج أيّامًا. ثمَّ نُقِل إلى الجبّ ليلة عيد الفطر، هو وأخواه.
وأُكرِم قاضي القضاة نجم الدِّين وخُلع عليه، وأعيدَ إلى دمشق، ومعه كتاب قُرِئ بدمشق يتضمَّن مخالفة ابن تَيْمِيَّة في العقيدة وإلزامَ النَّاس بذلك، خصوصًا أهل مذهبه، والوعيدَ بالعزل والحبس. ونودي بذلك في البلاد الشاميّة.
_________________
(١) كذا.
[ ٦٢١ ]
وكثر المتعصّبون على ابن تَيْمِيَّة بالقاهرة، وأوذيَ الحنابلةُ، وحبس تقيّ الدِّين عبد الغنيّ ابن الشَّيخ شرف الدِّين الحنبليّ. وأُلزِم سائر الحنابلة بالرجوع عن عقيدة ابن تَيْمِيَّة، وشُنّع عليه. وأشار القضاة على رفيقهم قاضي القضاة شرف الدِّين أبي محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد الحَرَّاني بموافقة الجماعة، فوافق وأُلزم جماعة من أهل مذهبه بذلك وأخذ خطّهم. ومرّ على الحنابلة ما لم يجر عليهم مثله. وكان ذلك كلّه بقيام الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشِنكير، تعصُّبًا للشيخ نصر المنبجيّ.
وفي أوائل شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وسبعمائة، اعتُقِل شرفُ الدِّين محمد بن بُخيخ الحَرَّاني، أحد أصحاب ابن تَيْمِيَّة، بقلعة الجبل، بعد أن اجتمع بالأمير سلار والأمير بيبرس وتكلّم عندهما كلامًا طويلًا. واستمرّ في الحبس إلى سادس شعبان فأطلقه الأمير سلار.
وفي سلخ شهر رمضان جمع الأمير سلار القضاة، ما خلا الحنبليّ، والجزريّ، والنمراوي، وتكلّم في إخراج ابن تَيْمِيَّة. فقال الفقهاء والقضاة: بشرط أنْ يلتزم أمورًا، منها الرجوع عن بعض العقيدة.
وبعثوا إليه ليحضر فلم يوافق على الحضور، وتكرّر إليه الرسول مرّاتٍ، وهو مصمّم على عدم الحضور، فانصرفوا من غير شيءٍ.
فلمّا كَانَ في ثامن عشري ذي الحجّة منها، ورد كتاب ابن تَيْمِيَّة من الجبّ على الأفرم يخبره بحاله. فأثنى الأفرم على علمه وشجاعته وقال: إنَّه ما قبل شيئًا من الكسوة السلطانية ولا من الأمراء، ولم يأخذ شيئًا، قلّ ولا جلّ.
[ ٦٢٢ ]
فلمّا كَانَ في صفر سنة سبع وسبعمائة اجتمع قاضي القضاة بدر الدِّين محمد بن جماعة الشافعيّ بالشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة في دار الأمير الأوحديّ بكرةَ الجمعة رابع عشريْه بقلعة الجبل، وطال بينهما الكلام، وتفرّقا قبل الصلاة.
وفي شوّال شكا الشَّيخ كريم الدِّين الآمليّ شيخ الصوفيّة بالقاهرة، وابن عطاء وجماعة نحو الخمسمائة نفس، من ابن تَيْمِيَّة وكلامه في ابن العربيّ الصوفيّ وغيره، إلى أمراء الدولة. فردُّوا الأمر في ذلك إلى ابن جماعة. فعُقد له مجلس، وادّعى عليه ابن عطاء بأشياء لم يثبت منها شيء. لكنّه اعترف بأنّه قال: لا يُستغاث بالنبي - ﷺ - استغاثةً بمعنى العبادة، ولكنه يُتوَسّلُ به. فقال بعض الحاضرين: ليس في هذا شيءٌ.
ورأى ابن جماعة أنَّ هذا إساءةُ أدبٍ وعنّفه على ذلك، فحضرت رسالة إليه أنْ يعمل في ابن تَيْمِيَّة ما تَقْتضيه الشريعة في ذلك فقال: قد قلتُ له ما يقال لأمثاله.
فلم يقنعهم بذلك. وخيّروا ابن تَيْمِيَّة بين الإقامة بدمشق أو الإسكندرية بشرط الحبس، فاختار الحبس.
ودخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق، ملتزمًا ما شُرط، فأجابهم، وركب البريدَ ليلةَ الثامن عشر من شوّال وسار. فأرسل إليه من الغد بريدٌ آخر ردّه إلى عند ابن جماعة، وقد اجتمع الفقهاء. قال بعضهم: ما ترضى الدولة إلَّا بالحبس.
فقال ابن جماعة: وفيه مصلحة له.
[ ٦٢٣ ]
فاستناب شمس الدِّين التونسيّ المالكيّ، وأذن له أنْ يحكم عليه بالحبس، فامتنع وقال: ما ثبت عليه شيء.
فأذن لنور الدِّين الزواوي المالكيّ، فتحيّر فقال ابن تَيْمِيَّة: أنا أمضي إلى الحبس وأتَّبع ما تقتضيه المصلحة.
فقال الزواوي: فيكون في موضع يصلح لمثله.
فقيل له: ما ترضى الدولة إلَّا بالحبس.
فأرسل إلى حبس القاضي. وأجلس في الموضع الَّذي أجلس فيه قاضي القضاة تقي الدِّين ابن بنت الأعزّ لمّا حبس. وأُذن له أنْ يكونَ عنده مَن يخدمه. وكان هذا جميعه بإشارة الشَّيخ نصر المنبجيّ.
فاستمر في الحبس، يُستَفتَى، ويزوره الناس، وتأتيه الفتاوى الغريبة المشكلة من الأمراء والأعيان، إلى ليلة الأربعاء العشرين من شوال [فـ] طُلِب أخواه زين الدِّين وشرف الدين، فُوجد زين الدِّين ورُسم عليه، وحُبس عند الشَّيخ تقيّ الدين.
فلم يزالا إلى أنْ قدِم مهنّأ بن عيسى أمير العرَب إلى السلطان. فدخل على الشَّيخ وهو بالسجن، في أوائل ربيع الأوّل سنة تسع وسبعمائة، وزاره، وأخْرَجَه بعدما استأذنَ في ذلك.
فخرج يوم الجمعة ثالث عشريْه إلى دار النيابة بالقلعة. وحضر الفقهاء وحصل بينهم وبينه بحث كبير إلى وقت الصلاة. ثمَّ عادوا إلى البحث حتَّى دخل الليل، ولم ينفصل الأمر.
ثمَّ اجتمعوا بمَرسوم السلطان يوم الأحد خامس عشريْه مجموع النهار،
[ ٦٢٤ ]
وحضر أكثر الفقهاء، فيهم نجم الدِّين ابن الرفعة، وعلاء الدِّين التاجي، وفخر الدِّين ابن بنت أبي سعد، وعزّ الدِّين النصراوي، وشمس الدِّين ابن عدلان، ولم يحضر القضاة. وطُلبوا فاعتذروا. وانفصل المجلس، وبات ابن تَيْمِيَّة عند النائب. فأشار الأمير سلار بتأخيره أيامًا ليرى الناس فضلَه ويجتمعُوا به. فعُقِد له مجلسٌ آخر بالمدرسة الصالحيّة بين القصرين.
ثمَّ أخرج من القاهرة [إلى] الإسكندرية [و] معه أمير، ولم يمكّن أحدٌ من جماعته أن يسافرَ معه. ودخل إليها ليلًا وحُبس في برج. ثمَّ توجّه إليه أصحابُه واجتمعوا به. فأقام إلى ثامن شوّال. وطلب فسار إلى القاهرة، واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة رابع عشريْه فأكرمه وتلقّاه في مجلس حفل فيه القضاة والفقهاء، وأصلح بيْنهم وبينَه.
ونزل إلى القاهرة فسكن بجانب المشهد الحسينيّ، وتردّد الفقهاء والأمراء والأجناد وطوائف الناس إليه.
فلمّا كَانَ في العشر الأوسط من شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة، ظفر به أحد المتعصّبين عليه في مكان خال، فأساء عليه الأدب. وعلم بذلك أصحابه فحضر إليه كثير من الجند وتحدّثُوا بالانتصار له، فأبى ذلك ومنعهم منه.
ثمَّ خرج إلى دمشق مع العسكر قاصدًا الغزاة، وتوجّه إلى القدس وسار على عجلون وزرع، فدخل دمشق في أوّل ذي القعدة
_________________
(١) وقد غاب عنها أكثر من سبع سنين ومعه أخواه وجماعة من أصحابه. فخرج إليه خلق كثير، وسُرّوا به سرورًا كبيرًا. وفي يوم الأربعاء العشرين من شوّال سنة ستّ عشرة وسبعمائة، توفّيت
[ ٦٢٥ ]
والدتُه ستُّ النعم بنت عبد الرَّحمن بن عليّ بن عبدوس الحرّانية بدمشق، ودُفنت بمقابر الصوفيّة. وكان مولدها في سنة خمس وعشرين وستّمائة تقريبًا. وولدت تسعة أولاد من الذكور، ولم ترزق بنتًا.
وفي يوم الخميس منتصف شهر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وسبعمائة اجتمع قاضي القضاة شمس الدِّين الحنبلي بالشيخ تقيّ الدين، وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبِل إشارتَه.
فلمّا كَانَ مستهلّ جمادى الأولى منها، ورد البريد من مصر، ومعه مرسوم السلطان بمنعه من ذلك، وفيه: «من أفتى بذلك نكّل به». ونُودِي بذلك في البلد.
فلمَا كَانَ يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة، جُمع الفقهاء والقضاةُ عند الأمير تنكز نائب الشَّام، وقُرئ عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلّق بالشيخ تقيّ الدِّين بسبب فتياه في مسألة الطلاق. فعوتب على فتياه بعد المنع، وانفضّ المجلس على توكيد المنع.
ثمَّ عقد له مجلس في يوم الخميس ثاني عشري شهر رجب سنة عشرين وسبعمائة بدار السعادة من دمشق، وعاودوه في فُتيا الطلاق وحاققوه عليها وعاتبوه بسببها. ثمَّ إنهم حبسوه بقلعة دمشق فأقام بها إلى يوم الاثنين يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين. فأخرج بعد العصر بمرسوم السلطان وتوجّه إلى منزله، فكانت مدّةُ سَجنه بالقلعة خمسةَ أشهر وثمانيةَ عشرَ يومًا.
وفي يوم الاثنين بعد العصر، السادس من شعبان سنة ستٍّ وعشرين، اعتُقل بقلعة دمشق بعدما حضر إليه الأمير بدر الدِّين أمير مسعود ابن الخطير الحاجب، بمرسوم السلطان بذلك، ومعه مركوب. فأظهر السرور وقال: أنا
[ ٦٢٦ ]
كنت منتظرًا لذلك، وهذا فيه خير كثير! وركب وهو معه إلى القلعة فأخليت له دار، وأجري له فيها الماءُ، وأقام معه أخوه زين الدِّين يخدمه بإذن السلطان، ورُسم له بما يقوم بكفايته. وكان سبب هذه الكائنة فتوى وُجِدت بخطّه في المنع من السفر وإعمال المطيّ إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وفتوى في أنَّ الطلاق الثلاث بكلمة يُرَدُّ إلى واحدة.
وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان، أمر قاضي القضاة جلال الدِّين القزوينيّ بحبس جماعة من أصحابه بسجن الحكم. وكان ذلك بإشارة تنكز نائب الشام. وعزّر جماعة على دوابّ ونودي عليهم، ثمَّ أطلقوا إلَّا شمس الدِّين ابن قيّم الجوزية، فإنه حُبِس بالقلعة.
وفي يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، أخرج ما كَانَ قد اجتمع عند ابن تَيْمِيَّة بالمكان الَّذي هو فيه معتقل بقلعة دمشق من الكتب والكراريس والأوراق، ومن دواة وأقلام، ومُنع من الكتابة وقراءة الكتب وتصنيف شيءٍ من العلوم البتّةَ. وحُملت في مستهلّ شهر رجب من القلعة إلى مجلس الحكم، فوضعت بخزانة في المدرسة العادليّة وكانت أكثر من ستّين مجلّدًا وأربع عشرة ربطة كراريس. فنظر القضاة والفقهاءُ فيها، وتفرّقت في أيديهم. وكان سببُ هذا أنَّه وُجد له جوابٌ عمّا ردّه عليه القاضي المالكيّ بديار مصر، وهو زين الدِّين ابن مخلوف، فأُعلم السلطان بذلك فشاور القضاةَ فأشاروا بهذا.
ولم يزل بالقلعة حتَّى مات يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. فحضر جمع كبير إلى القلعة، وأذن لبعضهم في الدخول وغُسّل وصلّي عليه بالقلعة. ثمَّ حُمل على أصابع الرجال، وأتَوا بنعشه من
[ ٦٢٧ ]
القلعة إلى الجامع الأمويّ. وحالَما أُذّن لصلاة الظهر، صلّى الإمام الشافعيّ، من غير أنْ ينتظر صلاة المشهد على العادة. ثمَّ صلّي عليه، وتوجّهوا به إلى مقابر الصوفية. فما وصلوا به إليها حتَّى أذّن للعصر. وأراد جماعة أّن يخرجوا من باب الفرج أو باب النصر فلم يقدروا من شدّة الزحام وحُمِل على الأيدي والرؤوس والأصابع. وكان الناس يُلقون عمائمهم على النعش ويجرّونها إليهم طلبًا للتبرّك بذلك! ! وحُزِرَ مَن صلّى عليه من الرجال فكانوا ستّين ألفًا، وخمسة آلاف امرأة. وقيل أكثر من ذلك. وكان في عُنقه خيط عُمل بالزئبق لأجل القمل وطرده، فاشْتُرِي بجملة مال.
وكتَب بخطّه من التَّصانيف والتعاليق المفيدة، والفتاوي المشبعة، في الأصول، والفروع، والحديث، وردّ البدَع بالكتاب والسنّة، شيئًا كثيرًا يبلغ عدّة أحمال. فممَّا كمل منها:
- كتاب الصارم المسلول على منتقص الرسول - ﷺ -.
- كتاب تبطيل التحليل.
- وكتاب اقتضاء السّراط المستقيم.
- وكتاب [في الردّ على] تأسيس التقديس [للرازي]، في عدّة مجلّدات.
- وكتاب الردّ على طوائف الشيعة، أربع مجلّدات، وكتاب دفع الملام عن الأئمة الأعلام، وكتاب السياسة الشرعيّة، وكتاب التصوّف، وكتاب مناسك الحجّ، وكتاب الكلم الطيّب. ومسائل كثيرة جدًّا يقوم منها عِدَّات كثيرة من المجلّدات.
وأكثر مصنّفاته مسوّدات لم تُبَيَّضْ، وأكثرُ ما يوجدُ منها الآن بأيدي
[ ٦٢٨ ]
الناس قليل من كثير. فإنّه أُحرقَ منها شيءٌ كثير، ولا قوّة إلَّا بالله.
ومع ذلك قال القاضي (^١) الذهبيّ: ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كرّاس وأكثر. وفسّر كتاب الله تعالى مدّة سنين من صدره أيّامَ الجُمع.
ولمّا ولي مشيخة دار الحديث بعد والده، وهو شابّ، وحضره الأعيانُ وأثَنوا عليه وعلى فضائله وعلومه قال الشَّيخ إبراهيم الرقّيّ: الشَّيخ تقيّ الدِّين يؤخذ عنه ويُقلّد في العلوم. فإنْ طال عمرُه ملأ الأرض علمًا وهو على الحقّ. ولا بدَّ أن يعادِيَه الناسُ فإنّه وارثُ علم النبوّة. وقال كمال الدِّين ابن الزملكانيّ: لقد أعطي ابن تَيْمِيَّة اليدَ الطولى في حسن التَّصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين. وقد ألان اللهُ له العلومَ كما ألان لداود الحديد! ثمَّ كتب على بعض تصانيفه هذه الأبيات من نظمه:
ماذا يقول الواصفون له وصفاتُهُ جَلَّتْ عن الحَصْرِ
هو حجَّةٌ للهِ قاهرةٌ هو بينَنَا أعجوبةُ الدهرِ
هو آيةٌ في الخَلْقِ ظاهرةٌ أنوارُها أرْبَتْ على الفجر
ثمَّ نزغ الشيّطان بينهُما وغلبت على ابن الزملكانيّ أهويته فمالَ عليه مع مَن مال.
وقال قاضي القضاة تقيّ الدِّين أبو الفتح محمد ابن دقيق العيد لمّا اجتمع به عند حضوره إلى القاهرة في سنة سبعمائة: رأيت رجلًا كلُّ العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدَع ما يُريد.
_________________
(١) كذا بالأصل.
[ ٦٢٩ ]
وحضر عنده العلّامة أثير الدِّين أبو حيّان فقال عنه: ما رأت عيناي مثلَه، ومدحه في المجلس بقوله:
لمَّا أتينا تقيَّ الدِّين لاحَ لنا داعٍ إلى اللهِ فردٌ ما له وَزَرُ
على مُحَيَّاهُ من سِيْمَا الأُلَى صَحِبُوا خيرَ البريَّةِ نورٌ دونَه القَمَرُ
حَبْرٌ تَسَرْبَلَ منه دَهرُه حِبرًا بَحرٌ تَقَاذَفُ مِن أمواجه الدُّرَرُ
قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْر شِرعَتِنَا مَقامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
فأظهرَ الحقَّ إذ آثارُهُ دَرَسَتْ وأخمدَ الشَّرَّ إذ طارتْ له الشَّرَرُ
كُنّا نُحدَّث عن حَبْر يجيءُ فهَا أنتَ الإمامُ الذي قد كان يُنتظر
ثمَّ دار بينهما كلام جرى فيه ذكر سيبويه. فتسرّع ابن تَيْمِيَّة فيه بمَقول نافره عليه أبو حيَّان وقاطعه بسببه، ثمَّ عاد أكثرَ الناس له ذمًّا، واتخذه ذنبًا لا يُغفر.
وكان قاضي القضاة نجم الدِّين أبو العبّاس ابن صصريّ لا يسمح لمناظريه في بلوغ مرادهم من ضرره ويقول: ما لي وله؟ (^١).
وحكى أبو حفص عمر بن عليّ بن موسى البزار البغداديّ قال: حدّثني الشَّيخ المقرئ تقيّ الدِّين عبد الله بن أحمد بن سعيد قال: مرضت بدمشق مرضة شديدة فجاءني ابن تَيْمِيَّة فجلس عند رأسي وأنا مُثقَل بالحمَّى والمرض. فدعا لي وقال: قُم، جاءت العافية! فما كَانَ إلَّا [أن] قام وفارَقَني، وإذا بالعافية قد جاءت وشُفِيتُ لوقتي.
وقال فيه الإمام الأوحد القاضي الرئيس كاتب الأسْرَار شهاب الدِّين
_________________
(١) كذا هنا، وينظر «مسالك الأبصار» ففيه ما يخالف ما هنا.
[ ٦٣٠ ]
أحمد بن يحيى بن فضل الله العمريّ: هو البحر من أيّ النواحي جئته، والبدرُ من أيّ الضواحي أتيته. جرت آباؤه لِشأو ما قنع به، ولا وقف طليحًا مريحًا من تَعَبِه، طلبًا لا يرضى بغاية، ولا تُقضى له نهاية. رضع ثديَ العلم منذ فُطِمَ، وطلع وجهُ الصباح ليحاكيَه فلُطم، وقطع الليل والنهار دائبين، واتَّخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أنْ أنْسَى السلفَ بِهُداه، وأنأى الخلَف عن بلوغ مداه:
وَثَقَّفَ الله أمْرًا باتَ يَكلؤُهُ يَمضِي حُساماه فيه السيفُ والقلمُ
بهمَّةٍ في الثريَّا أثرُ أخْمَصِها وعَزْمَةٍ ليسَ من عادتِها السَّأمُ
على أنّه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، ونَسأت منه عظماءُ على المشاهير الشهورَ، فأحيَا معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فَنَنِه الرطيب ما غرس. وأصبح في فضله آيةً إلَّا أنّه آية الحرس. عرضت له الكدى فزحزحها، وعارضته البحارُ فضحضحَهَا، ثمَّ كَانَ أمّة وحده، وفردًا حتَّى نزل لحدَه، أخمل من القرناءِ كلّ عظيم، وأخمد من أهل الفناء كلّ قديم، ولم يكن منهم إلَّا من يجفل عنه إجفالَ الظليم، ويتضاءل لديه تضاؤلَ الغريم:
مَا كانَ بعضُ الناسِ إلّا مِثْلَما بعضُ الحصَا الياقوتةُ الحمراءُ
جاء في عصرٍ مأهولٍ بالعلماء، مشحونٍ بنجومِ السماء، تَمُوجُ في جانبَيهِ بحورٌ خَضَارِمُ، وتطِيرُ بين خَافِقَيهِ نُسُورٌ قَشَاعِمُ، وتُشْرِقُ في أنديتهِ بُدورُ دُجُنَّةٍ، وصدورُ أسِنَّةٍ، وتَثْأَرُ جُنُودُ رَعيلٍ، وتَجْأرُ أسودُ غِيْلٍ، إلَّا أنَّ صَبَاحَه طَمَسَ تلك النجوم، وبَحْرهُ طَمَّ على تِلكَ الغُيُوم، ففَاءَتْ سُمْرَتُه على تلك التِّلاعِ، وأطلَّتْ قَسورتُه على تلك السِّبَاعِ، ثُمَّ عُبِّئَتْ له الكتائبُ فحَطَّمَ صفوفَها، وخَطَمَ أُنوفَها، وابتلَعَ غَدِيرُهُ المطمئنُّ جَداولَها، واقتلَعَ طَوْدُهُ المُرْجَحِنُّ
[ ٦٣١ ]
جَنَادِلَها، وأخمدتْ أنفاسَهم رِيحُه، وأكْمَدَت شَرَاراتِهم مصابِيحُه:
تَقدَّمَ راكبًا فيهم إمامًا ولولاه لما رَكِبُوا وَراءَا
فجَمعَ أشْتَات المذاهب، وشُتَّاتَ المذاهب، ونَقَلَ عن أئمةِ الإجماعِ فمَنَ سِواهم مذاهبَهم المختلفةَ واستَحْضَرَها، ومَثَّل صُوَرَهم الذاهبةَ وأحْضَرها، فلو شعَرَ أبو حنيفةَ بزَمانِه ومَلَكَ أمرَه لأدْنَى عَصْرَهُ إليه مُقرِّبًا، أو مالكٌ لأجْرَي وراءَه أشهبَه ولو كَبَا، أو الشَّافعيُّ لقالَ: ليتَ هذا كَانَ للأمِّ وَلَدًا، أو: لَيتَني كنت له أبَا، أو الشيبانيُّ ابنُ حنبلٍ لما لامَ عِذَارَه إذا غَدا منه لفَرْطِ العَجبِ أشْيَبَا، لا بل داودُ الظاهريُّ وسِنَان الباطنيُّ لظَنَّا تحقيقَه، من مُنتَحَلِه، وابنُ حَزْمٍ والشَّهْرستانيُّ لحَشَرَ كلٌّ منهما ذِكرَه أمَّةً في نِحَلِه، والحاكمُ النَّيسابوري والحافظ السِّلَفي لأضافَه هذا إلى استدراكِه وهذا إلى رِحَلِه.
تَرِدُ [إليه] الفتاوي ولا يَردُّها، وتَفِدُ عليه فيُجِيب عليها بأجوبةٍ كأنَّهُ كَانَ قاعدًا لها يُعِدُّهَا:
أبدًا على طَرَفِ اللسانِ جوابُه فكأنَّما هي دَفعةٌ مِن صَيِّبِ
يَغدُو مُسَاجلُه بغُرَّةِ صافحٍ ويَرُوحُ مُعتَرِفًا بذلَّةِ مُذْنِب
ولقد تَضَافَرتْ عليه عُصَبُ الأعداءِ فَأُلْجِمُوا إذْ هَدَرَ فَحْلُه، وأُفْحِمُوا إذْ زَمزَمَ ليَجْنِيَ الشهدَ نَحْلُه، ورُفِعَ إلى السلطانِ غيرَ مَا مَرَّةٍ ورُمِيَ بالكبَائِر، وتُرُبِّصَتْ به الدَّوائِرُ، وسُعِيَ به ليُؤْخَذَ بالجَرائِر، وحَسَدَه مَن لم يَنَل سَعْيَه وكثر فَارتَابَ، ونَمَّ فما زادَ على أنَّه اغتابَ.
وأُزْعِجَ من وَطنِه تارةً إلى مِصْرَ ثمَّ إلى الإسكندرية، وتارةً إلى مَحْبِسِ القَلْعَةِ بدمَشْقَ، وفي جميعها يُودَعُ أخْبِئَةَ السُّجونِ، ويُلْدَغُ بِزُبَانَى المَنُونِ، وهو
[ ٦٣٢ ]
على علمٍ يُسَطِّرُ صُحُفَه، ويَدَّخِرُ تُحَفَه، وما بينه وبين الشيء إلَّا أنْ يُصنِّفَه، ويُقرِّطَ به ولو سَمْعَ امْرِئٍ واحدٍ ويُشَنِّفَه، حتَّى تَسْتَهديَ أطرافُ البلادِ طُرَفَه، وتَسْتَطلعَ ثَنايا الأقاليم شُرَفَه، إلى أنْ خَطَفَتْه آخرَ مَرَّةٍ من سِجْنِه عُقَابُ المنَايا، وجَذّبَتْهُ إلى مَهْوَاتِها قرارةُ الرزايَا.
وكَانَ قبلَ مَوتِه قَد مُنِعَ الدَّواةَ والقَلَم، [وطُبِعَ على قلبه] منه طابعُ الألَمِ، فكان مبدأ مَرَضِه ومَنْشَأ عَرَضِه، حتَّى نزلَ قِفارَ المقابر، وتركَ فَقَارَ المنابر، وحَلَّ ساحةَ تُربه ومَا يُحاذِر، وأخذَ راحةَ قَلبه من اللائِم والعاذِر، فماتَ لا بل حَيِي، وعُرِفَ قَدْرُه لأنَّ مِثلَه ما رُئِي.
وكان يومُ دَفْنِه يَومًا مشهودًا ضاقت به البلدُ وظواهِرُها، وتُذُكِّرتْ به أوائِلُ الرَّزايا وأواخِرُها، ولم يكن أعظم منها مُنذُ مِئِينَ سِنِينَ جنازة رُفِعَتْ على الرِّقَابِ، ووُطِئَتْ في زِحَامِهَا الأعقابُ، وسارَ مرفوعًا على الرُّؤوس، متبوعًا بالنفوس، تَحْدُوهُ العَبَرات، وتَتْبَعُه الزَّفَرات، وتقولُ له الأمم: لا فُقِدتَ مِن غائب، ولأقلامه النافعةِ: لا أبْعَدَكُنَّ اللهُ مِن شَجَرات.
وكان في مَدَد ما يؤخذ عليه في مقاله ويُنْبَذُ في حُفْرةِ اعتقالِه، لا تَبرُد له غُلَّة في الجمع بينه وبين خُصَمائه بالمناظرة، والبحثِ حيث العيونُ ناظرة، بل يَبدُر حاكمٌ فيحكمُ باعتقاله، ويمنعه من الفتوى، أو بأشياءَ من نوعِ هذه البلوى، لا بعد إقامة بيّنةٍ ولا تقدُّمِ دعوى، ولا ظهورِ حجّةٍ بالدليل، ولا وضوح محجَّةٍ للتأميل، وكان يَجد لهذا ما لا يُزَاح فيه ضَرَرُ شَكْوَى، ولا يُطْفَأُ ضَرَمُ عَدْوى:
وكلُّ امرئٍ حازَ المكارمَ محسود
كضَرائرِ الحسناءِ قُلنَ لِوَجْهِها حسَدًا وبُغْضًا إنه لَدَميمُ
[ ٦٣٣ ]
كل هذا لتبريزه في الفضل حيثُ قصَّرتِ النُّظَراءُ، وتَجلِّيْهِ كالمصباح إذْ أظلمت الآراءُ، وقيامِه في دفع حُجَّةِ التَّتارِ، واقتحامه وسيوفُهم تتدفَّقُ لُجَّةَ البِدار، حتَّى جَلَس إلى السلطان محمود غازان حيث تَجِم الأُسْدُ في آجامِها، وتَسقُط القلوبُ في دواخلِ أجسامِها، وتَجِدُ النارُ فتورًا في ضَرَمِها، والسيوفُ فَرَقًا في قَرَمِها، خوفًا من ذلك السَّبُع المغتال، والنمروذِ المختال، والأجل الَّذي يُدفَع بحيلةِ مُحتال، فَجلس إليه وأومأ بيده إلى صدرِه، وواجَهَه ودرأ في نَحْرِه، فطَلَبَ منه الدُّعَاء، فرفَع يديه ودعَا دُعاءَ مُنصفٍ أكثرُه عليه، وغازانُ يؤمِّنُ على دعائه وهو مُقبلٌ إليه. ثمَّ كَانَ على هذه المواجهة القبيحة، والمشاتمة الصريحة، أعظم في صدرِ غازانَ والمُغَل من كلّ من طلعَ معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصَّدْر، وأهلُ الاستحقاقِ لرِفعةِ القَدْر.
هذا مع ما له من جهادٍ في الله لم تُفزِعْه فيه طلل الوشيج، ولم يُجزِعْه فيه ارتفاع النشيج، مواقفُ حروبٍ باشرَها، وطوائفُ ضُروبٍ عاشرَها، وبَوارِقُ صِفاحٍ كاشَرَها، ومضايقُ رِماح حاشَرَها، وأصناف خُصومٍ لُدٍّ اقتحمَ معها الغمراتِ، وواكلَها مختلفَ الثَّمرات، وقَطَع جِدالَها قوِيُّ لسانِه، وجِلَادَها شَبَا سِنانِه، قامَ بها وصابَرها، وبُلِيَ بأصاغِرها وقاسَى أكابرَها، وأهلِ بِدَعٍ قامَ في دِفاعِها، وجَاهدَ في حَطِّ يَفَاعِها، ومخالفةِ مِلَلٍ بَيَّنَ لها خطأ التأويلِ، وسَقَمَ التَّعليلِ، وأسكَتَ طَنِينَ الذُباب في خياشيم رؤوسهم بالأضاليل، حتَّى ناموا في مراقدِ الخضُوع، وقاموا وأرجلُهم تَتساقَطُ للوقوع، بأدِلَّةٍ أقطعَ من السيوف، وأجمعَ من السُّجُوف، وأجلَى من فَلَقِ الصَّباح، وأجلبَ من فِلَقِ الرّماحِ:
إذا وَثَبَتْ في وجهِ خَطْبِ تمزَّقَتْ على كتفيهِ الدِّرْعُ وانْتَثَر السَّرْدُ
[ ٦٣٤ ]
إلّا أنَّ سابقَ المقدور أوقَعَه في خَلَلِ المَسَائِل، وخَطَل خَطَإٍ لا يأمَنُ فيه مع الإكثارِ قائِلٌ، وأظنُّه ــ واللهُ يَغفِرُ له ــ عُجِّلَتْ له في الدنيا المقاصَّة، وأخذ نَصِيبَه من بلواها عامَّةً وله خاصَّة، وذلك لحطِّه على بعض سلفِ العلماء، وحَلِّه لقواعدَ كثيرةٍ من نواميسِ القدماء، وقِلَّةِ توقيرِه للكُبَراء، وكثرةِ تكفيرِه للفُقراء، وتزييفه لغالبِ الآراء، وتقريبه لجهَلَةِ العوامِّ وأهلِ المِراء، وما أفتَى به آخرًا في مسألتَي الزيارةِ والطلاق، وإذاعتِه لهما حتَّى تكلّم فيهما من لا دينَ له ولا خلاق، فسلّط ذبالَ الأعداءِ على سَلِيطه، وأطلقَ أيديَ الاعتداءِ في تفريطِه، ولَقَّمَ نارَهم سَعَفَه، وأرَى أقساطَهم شَرَفَه، فلم يَزَلْ إلى أن ماتَ عِرْضُه منهوبًا، وعَرْضُه مَوْهُوبًا، وصَفَاتُه تَتصدَّع، ورُفَاتُه لا يتجمَّع، ولعلَّ هذا لخيرٍ أُريدَ به، وأُرِيغَ له بحُسنِ مُنقَلَبه.
وكان تعمُّده للخلاف، وتَقصُّده لغيرِ طريقِ الأسْلاف، وتقويتُه للمسائل الضعاف، وتقويضُه عن رؤوس السِّعاف (^١) = يُغَيِّر مكانتَه من خاطِر السلطان، ويُسَبِّبُ له التغرُّبَ عن الأوطان، ويُنَفّذُ إليه سِهامَ الألسنةِ الرواشِق، ورِماحَ الطَّعنِ في يدِ كلِّ ماشق، فلهذا لم يَزَلْ مُنغَّصًا عليه طولَ مُدَّتِه، لا تكادُ تَنفرِجُ عنه جوانبُ شِدَّتِه.
هذا مع ما جَمعَ من الورع، وإلى ما فيه من العُلَى، وما حازَه بحذافيرِ الوجود من الجود: كانت تأتيه القَناطيرُ المقنطرةُ من الذهب والفضة، والخيلِ المُسَوَّمةِ والأنعام والحرثِ، فيَهَبُه بأجمعِه، ويَضعُه عند أهل الحاجةِ في موضعِه، لا يَأخذ منه شيئًا إلَّا ليهَبه، ولا يَحفَظُه إلَّا ليُذْهِبَه، كُلَّه في سبيل
_________________
(١) كذا هنا وفيما تقدم (ص ٣٩٠) ولعلها: من رؤوس الشِّعاف.
[ ٦٣٥ ]
البرّ، وطريق أهلِ التواضع لا أهلِ الكِبْر.
لم يَمِلْ به حُبُّ الشهوات، ولا حُبِّبَ إليه من ثلاثِ الدنيا غير الصلاة.
ولقد نافستْ ملوك جَنكِزْ خان عليه، ووَجَّهَت دسائِسَ رُسُلِها إليه، وبعثَتْ تجدُّ في طلبهِ، فنُوسِيَتْ عليه لأمورٍ أعظمُها خوفُ توثُّبِه، وما زال على هذا ومثلِه إلى أنْ صَرعَه أجلُه، وأتاهُ بَشِيْرُ الجَنَّةِ يَستعجلُه، فانتقل إلى اللهِ والظنُّ به أنَّه لا يُخجِلُه.
(قال) وحكيَ عن شجاعتِه في مواقف الحرب نوبةَ شَقْحب، ونوبة كسروان، ما لم يسمع إلَّا عن صناديد الرجال، وأبطال اللقاء، وأحلاس الحرب، تارةً يباشر القتال وتارة يحرّض عليه.
(قال) وكان يجيئه من المالِ في كلّ سنة ما لا يكاد يُحصَى فينفقه جميعَه آلافًا ومئين، لا يلمس منه درهمًا ولا ينفقه في حاجةٍ له. وكان يعود المرضى، ويشيّع الجنائز، ويقوم بحقوق النَّاس، ويتألّف القلوب، ولا ينسب إلى باحث لديه مذهبًا، ولا يحفظ لمتكلّم عنده زلّة، ولا يَتَشَهَّى طعامًا ولا يمتنع عن شيءٍ منه، بل هو مع ما حضر لا يتجهّم مرآه، ولا يتكدّر صفوُه ولا يسأم عفوه، (قال) ورُئِيَتْ له منامات صالحة.
ورثاه جماعات من النَّاس بالشام ومصر والعراق والحجاز والعرب من آل فضل.
(قال) ورثيتُه بقصيدة لي، وهي:
أهكذا بالدياجي يُحجب القمر ويُحبس النوءُ حتى يذهبَ المطرُ؟
أهكذا تُمنع الشمسُ المنيرة عن منافع الأرض أحيانًا فتستَتِرُ؟
[ ٦٣٦ ]
أهكذا الدهر ليلًا كلّه أبدًا فليس يُعْرَف في أوقاته سحَر؟
أهكذا السيف لا تَمضِي مضاربُه والسيف في الفتك ما في عزمه خور؟
أهكذا القوس تُرمَى بالعراء وما تُصمِي الرَّمايا وما في باعها قصر؟
أهكذا يترك البحرُ الخِضمُّ ولا يُلوَى عليه، وفي أصدافه الدّرر؟
أهكذا بِتَقِيّ الدِّين قد عَبِثتْ أيدي العِدى وتعدّى نحوَه الضررُ؟
ألابنِ تيميّة تُرمى سهامُ أذًى من الأنام ويدمي النابُ والظفُر؟
بذّ السوابقَ ممتدَّ العبادةِ لا ينالُه ملَلٌ فيها ولا ضجر
ولم يكن مثله بعد الصحابة في علم عظيمٍ وزهدٍ ماله خطرُ
طريقَةٌ كان يمشي قبل مشيتِه بها أبو بكرٍ الصدّيقُ أو عمرُ
فردُ المذاهب في أقوال أربعةٍ جاؤوا على أثر السُّبَّاقِ وابتدروا
لمّا بنَوا قبله عُليا مذاهبهم بنى وعمّر منها مثلَ ما عمَروا
مثل الأئِمّة قد أحيا زمانَهُمُ كأنّه كان فيهم وهو منتَظَر
إن يرفعوهم جميعًا رفع مبتدأ فحقُّه الرفع أيضًا إنّه خبرُ
أمثلُه بينكم يُلفَى بمَضيَعةٍ حتّى يطيح له عمدًا دمٌ هدَرُ؟
يكون وهْوَ أمانيٌّ لغيركُمُ تنوبه منكُمُ الأحداثُ والغِير
والله لو أنّه في غيرِ أرضكمُ لكان منكم على أبوابه زُمَرُ
مثل ابن تيميّةٍ يُنسى بمحبسه حتى يموت ولم يُكحَل به بصر
مثل ابن تيميّة ترضى حواسدُه بحبسِه ولكُمْ في حبسِه عذر
مثل ابن تيميَّة في السجن معتقَلٌ والسجن كالغمدِ وهو الصارمُ الذكر
مثل ابن تيميَّة يُرمى بكلِّ أذًى وليس يُجلى قذى منه ولا نظَرُ
مثل ابن تيميَّة تذوي خمائلُه وليس يُلقط من أفنانِه الزهَر
مثل ابن تيميَّة شمسٌ تغيبُ سُدًى وما ترِقُّ لها الآصال والبكر
[ ٦٣٧ ]
مثل ابن تيميَّة يمضي وما عبقت بمسكه العاطِرِ الأردانُ والطُّرَرُ!
مثل ابن تيميَّة يمضي وما نهلَت له سيوفٌ ولا خطيّة سُمر
ولا تجارى له خيلٌ مسوّمَةٌ وجوهُ فرسانها الأوضاحُ والغَرَرُ
ولا تحفّ به الأبطالُ دائرةً كأنهُم أنجمٌ في وسطها قمَر
ولا تعبّس حربٌ في مواقِفِه يومًا ويضحكُ في أرجائه الظفرُ
حتّى يقوّمَ هذا الدِّين مِن مَيَلٍ ويستقيم على منهاجه البشرُ
بل هكذا السلفُ الأبرارُ ما برِحُوا يُبلى اصطبارهمُ جهدًا وَهُمْ صبُرُ
تأسّ بالأنبياءِ الطُّهر كم بلغَتْ فيهم مضرّةُ أقوام وكم هُجروا
في يوسف في دخول السجن منقَبة لمن يكابدُ ما يلقى ويصطبرُ
ما أُهمِلوا أبدًا بل أمهلوا لمدًى والله يُعقِبُ تأييدًا وينتصِرُ
أيذهبُ المنهلُ الصافي وما نُقعت به الظماءُ ويَبْقى الحمأةُ الكدر؟
مضى حميدًا ولم يعلق به وضرٌ وكلّهم وضرٌ في الناس أو وذر
طوْدٌ من الحِلم لا تُرقى له قُننٌ كأنّما الطودُ من أحجاره حجرُ
بحرٌ من العلم قد فاضت بقيّتُه فغاضت الأبحرُ العظمى وما شعروا
ياليت شعريَ هل في الحاسدين له نظره في جميع القوم إن ذُكِروا
هل فيهمُ لحديث المصطفى أحدٌ يميّزُ النقّدَ أو يُروى له خبر؟
هل فيهِمُ من يضمّ البحث في نظرٍ أو مثله من يضمّ البحثُ والنظرُ؟
هلّا جَمعتُمْ له من قومكم ملأً كفعل فرعَوْنَ مَعْ مُوسى لتعتبروا؟
قولوا لهم: قال هذا فابحثوا مَعه قدّامَنا وانظروا الجهّال إن قدروا
تُلقي الأباطيلَ أسحَارٌ لها دهَشٌ فيلقفُ الحقُّ ما قالوا وما سحرُوا
فليتهُم مثل ذاك الرهطِ من ملأٍ حتى يكون لكم في شأنِه عِبَر
وليتهم أذعنوا للحقّ مثلهم فآمنوا كلّهم من بعد ما كفرُوا
[ ٦٣٨ ]
يا طالما نفروا عنه مجانبةً وليتَهم نفَعوا في الضيم أو نفروا
هل فيهِمُ صادع بالحقّ مِقولُه أو خائض للوغى والحرب تَسْتَعِرُ؟
رمى إلى نحر غازانٍ مواجهةً سِهامَه من دعاءٍ عونُه القدَرُ
بتلِّ راهط والأعداءُ قد غلبوا على الشآم وطار الشرّ والشرر
وشَقّ في المرج والأسياف مسلطةٌ طوائف كلّها أو بعضُها التتر
هذا وأعداؤه في الدور أشجعهم مثلَ النساء بظلّ الباب مُستتِر
وبعدها كسروانٌ والجبال وقد أقام أطوادها والطوْد منفطِر
واستحصد القوم بالأسياف جهدهُمُ وطالما بطلوا طغوى وما بطروا
قالوا: قبرناه، قلنا: إنّ ذا عجبٌ حقًّا أللكوكب الدرّيّ قد قبرُوا؟
وليس يذهبُ معنًى منه متّقدٌ وإنّما تذهبُ الأجسام والصور
لم يَبْكِه ندمًا من لا يصبّ دمًا تجري به ديَمًا تهمي وتنهمِر
لهفي عليه أبا العبّاس كم كرم لمَّا قَضَيتَ قضى من عمره العمرُ
سَقَى ثراك من الوسمِيّ صيّبُه وزانَ مغناك قَطْرٌ كلّه قطر
ولا يزال له برقٌ يغازله حلوُ المراشف في أجفانه حور
لِفقدِ مثلِك يا مَن ما له مثل تأسى المحاريب والآياتُ والسورُ
يا وارثًا من علوم الأنبياء نُهًى أورثتَ قلبيَ نارًا وقدُها الفِكَرُ
يا واحدًا لستُ أستَثْنِي به أحدًا من الأنام ولا أُبقِي ولا أذرُ
يا عالمًا بنقول الفقهِ أجمعِها أعنك تحفظ زلّاتٌ كما ذكروا؟
يا قامعَ البدَع اللاتي تجنّبَها أهلُ الزمان، وهذا البدوُ والحضرُ
ومُرشد الفرقةِ الضلّال نهجَهُم من الطريق فما حارُوا ولا سهروا
ألم تكن للنصارى واليهودِ معًا مجادلًا، وهمُ في البحث قد حَصِرُوا
وكم فتًى جاهلٍ غِرٍّ أمنتَ له رُشدَ المقال فزال الجهلُ والغرَر
[ ٦٣٩ ]
ما أنكروا منك إلّا أنّهُمْ جَهِلوا عظيم قدرِك لكن ساعدَ القدر
قالوا بأنّك قد أخطأتَ مسألةً وقد تكون، فهلّا منك تُغْتَفَرُ؟
غَلِطْتَ في الدهرِ أو أخطأتَ واحدةً أمَا أجَدتَ إصاباتٍ فتعتذرُ؟
ومَن يكون على التحقيق مجتهدًا له الثوابُ على الحالَين، لا الوزرُ
ألم تكن بأحاديث النبيّ إذا سُئِلتَ تعرِفُ ما تأتي وما تذر؟
حاشاك من شُبَهٍ فيها ومن شَبَهٍ كلاهُما منك لا يبقى له أثرُ
عليك في البحث أن تبدي غوامضَهُ «وما عليك إذا لم تفهم البقر»
قدّمتَ لله ما قدّمتَ من عملٍ وما عليك بهم، ذمّوك أو شكروا
هَل كان مثلُك من يخفى عليه هدًى ومن سَمائك تبدو الأنجمُ الزُّهُر
وكيف تحذر من شيءٍ تزلّ به أنت التقيّ فماذا الخوفُ والحذرُ؟
وقال زين الدِّين عمر بن الوردي يرثيه:
عَثَا في عرضه قومٌ سِلاطٌ لهم من نَثْر جوهره التقاطُ
تقي الدِّين أحمد خيرُ حبرٍ خُروق المعضلات به تُخاطُ
توفّي وهو محبوسٌ فريدٌ وليس له إلى الدنيا انبساطُ
ولو حضروه حين قضى لألفوا ملائكةَ النعيمِ به أحاطوا
فيالله ماذا ضمَّ لحدٌ ويالله ما غطَّى البلاط
هم حسدوه لمّا لم ينالوا مناقبه فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كُسالى ولكن في أذاه لهم نشاط
وحَبْسُ الدُّرِّ في الأصداف فخر وعن الشيخ بالسجن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداء فقد ذاقوا المنون وما تواطوا
إمام لا وِلاية كان يرجو ولا وقف عليه ولا رِباط
[ ٦٤٠ ]
ولا جَاراكمُ في كسْبِ مالٍ ولم يُعهَد له بكمُ اختلاطُ
سيظهر قصدكم يا حابسيه ونيتكم إذا نُصب الصراط
فها هو مات عنكم واسترحتم فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا
وحلوا واعقدوا من غير رد عليكم وانطوى ذاك البساط
* * * *
[ ٦٤١ ]