ابن تَيْمِيَّة
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر ابن عليّ بن عبد الله، شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العبَّاس بن أبي المحاسن شهاب الدِّين ابن أبي البركات مجد الدِّين الحَرَّاني الأصل والمولد، الدِّمشقي الدار والوفاة، الحنبلي، المعروف بابن تَيْمِيَّة، الإمام العلامة، الحافظ الحجة، فريد دهره، ووحيد عصره.
مولده بحران يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأوَّل سنه إحدى وستين وستمائة، وقدم دمشق مع والده سنة تسع وستين، وسمع الحديث من أحمد بن عبد الدَّائم، ومجد الدِّين بن عساكر، وابن أبي اليسر، وأكثر من أصحاب حنبل، وأبي حفص ابن طَبَرْزَد، وغيرهم. وقرأ واشتغل وانتقى، وبرع في علوم الحديث، وانتهت إليه الرئاسة في مذهب الإمام أحمد بن حنبل - ﵁ -، ودرس وأفتى، وتصدر للإقراء والإفادة عدة سنين، وفسر، وصنف التَّصانيف المفيدة. وكان صحيح الذهن، ذكيًّا، إمامًا متبحِّرًا في علوم الديانة، موصوفًا بالكرم، مقتصدًا في المأكل والملبس، وكان عارفًا بالفقه، واختلافات العلماء، والأصلين، والنحو، إمامًا في التفسير وما يتعلق به، عارفًا باللغة، إِمامًا في المعقول والمنقول، حافظًا للحديث، مميزًا بين صحيحه وسقيمه.
أثنى عليه جماعة من أعيان علماء عصره، مثل الشَّيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد، والقاضي شهاب الدِّين الخويي، والشيخ شهاب الدِّين بن النحاس.
_________________
(١) (١/ ٣٥٨ - ٣٦٢) الهيئة العامة المصرية.
[ ٦٨٩ ]
قال القاضي كمال الدِّين ابن الزَّمْلكاني: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
ثمَّ جرت له محن في مسألة الطلاق الثلاث، وشد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وحبب للناس القيام عليه، وحُبِسَ مرَّات بالقاهرة والإسكندرية ودمشق، وعقد له مجالس بالقاهرة ودمشق، مع أنَّه حصل له في [بعضها] تعظيم من الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأطلق وتوجه إلى دمشق فأقام بها إلى أن ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة ست وعشرين وسبعمائة بأن يجعل في قلعة دمشق في قاعة حسنة، فأقام فيها مدة مشغولًا بالتصنيف، ثمَّ بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواة ولا قلمًا ولا ورقة.
ومما وقع له قبل حبسه أنَّه بحث مع بعض الفقهاء، فكتب عليه محضر بأنه قال: أنا أشعري، ثمَّ أُخِذ خطه بما نصه: أنا أعتقد أنَّ القرآن معنى قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديمة، وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وأن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ليس على ظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلمه إلَّا الله، والقول في النزول كالقول في الاستواء، وكتبه أحمد بن تَيْمِيَّة، ثمَّ أشهدوا عليه جماعة أنَّه تاب مما ينافي ذلك مختارًا، وشهد عليه بذلك جمع من العلماء وغيرهم (^١). انتهى.
قلت: وعلم الشَّيخ تقي الدِّين وفضله معروف لا يحتاج إلى التطويل في ذكره. وقد أثنى عليه جماعة من أكابر العلماء، من ذلك ما كتبه القاضي كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني على كتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» تأليف
_________________
(١) سبق التعليق على هذا في المقدمة.
[ ٦٩٠ ]
ابن تَيْمِيَّة ما لفظه: تأليف الشَّيخ الإمام العالم العلامة، الأوحد، الحافظ المجتهد الزاهد العابد القدوة، إمام الأئمة، قدوة الأمة علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، بركة الإسلام، حجة الأعلام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعبن، محي السنة، ومن عَظُمَت به لله علينا المنة، وقامت به على أعدائه الحجة، واستبانت ببركته وهديه المحجَّة، تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، ثمَّ قال:
ماذا يقول الواصفونَ له وصِفاته جلَّت عن الحصرِ
هو حُجَّةٌ للهِ قاهرةٌ هو بيننا أعجوبةُ الدهر
هو آيةٌ للخلق ظاهرةٌ أنوارُها أربتْ على الفَجْر
انتهي باختصار [منه] (^١)، ولما كتب له ذلك كَانَ عمره إذ ذاك نحو الثلاثين سنة.
ولم يزل الشَّيخ تقي الدِّين المذكور مُحْتَفَظًا به في قلعة دمشق إلى أن توفي بها في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة ثمان وعشرين وسبعمائة، ودفن من الغد بمقابر الصوفية، وحضر جنازته خلق كثير.
قال الحافظ أبو عبد الله الذَّهبيّ: شيعه نحو خمسين ألفًا، وحمل على الرؤوس، انتهى.
ومصنفاته تزيد على مائتي مصنف، استوعبها الشَّيخ صلاح الدِّين خليل بن أيبك في تاريخه «الوافي بالوفيات»، رحمه الله تعالى.
* * * *
_________________
(١) في الأصل: «نسبه»؟
[ ٦٩١ ]