للعلَّامة عمر بن المظفَّر ابن الوردي (٧٤٩)
وفيها (^٢) في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العَبَّاس، أحمد بن المفتي شهاب الدِّين عبد الحليم بن شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تَيْميَّة الحَرَّاني الحنبلي معتقلًا بقلعة دمشق، وغُسل وكُفن وأُخرج وصلَّى عليه أولًا بالقلعة الشَّيخ محمد بن تمام، ثمَّ بجامع دمشق بعد الظهر، وأُخرج من باب الفرج، واشتدّ الزحام في سوق الخيل، وتقدّم عليه في الصلاة هناك أخوه، وألقى الناس عليه مناديلهم وعمائمهم للتبرُّك! وتراصّ الناس تحت نعشه، وحُزِرت النساء بخمسة عشر ألفًا، وأما الرجال فقيل: كانوا مئتي ألف. وكَثُر البكاء عليه، وخُتمت له عدة ختم، وتردد الناس إلى زيارة قبره أيامًا، ورئيَتْ له منامات صالحة ورثاه جماعة.
قلت: ورثيته أنا بمرثية على حرف الطاء؛ فشاعت واشتهرت، وطلبها مني الفضلاء والعلماء من البلاد وهي:
عَثَا في عرضه قومٌ سِلاطٌ لهم من نَثْر جوهره التقاطُ
تقي الدِّين أحمد خيرُ حبر خُروق المعضلات به تُخاطُ
توفّي وهو محبوسٌ فريدٌ وليس له إلى الدنيا انبساطُ
_________________
(١) ٢/ ٤٠٦ - ٤١٣ (نشر دار المعرفة، بيروت، ١٣٨٩)، و٢/ ٢٨٥ - ٢٨٩ (ط. مصر ١٢٨٥).
(٢) أي في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
[ ٤٠٢ ]
ولو حضروه حين قضى لألفوا ملائكةَ النعيمِ به أحاطوا
قضى نحبًا وليس له قرينٌ ولا لنظيره لَفَّ القِماط
فتًى في علمه أضحى فريدًا وحلُّ المشكلات به يُناط
وكان إلى التقى يدعو البرايا وينهى فِرْقةً فسقوا ولاطوا
وكان الجن تَفْرق من سَطَاهُ بوعظٍ للقلوب هو السِّياط
فيا لله ما قد ضمَّ لحدٌ ويا للهِ ما غطَّى البلاط
هم حسدوه لمّا لم ينالوا مناقبه فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كُسالى ولكن في أذاه لهم نشاط
وحَبْسُ الدُّرِّ في الأصداف فخر وعند الشيخ بالسِّجْن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداء فقد ذاقوا المَنُون ولم يُواطوا
نبو تيميةٍ كانوا فبانوا نجوم العلم أدركها انهباط
ولكن يا ندامة حابسيه فشك الشرك كان به يماط
ويا فرح اليهود بما فعلتم فإن الضد يعجبه الخباط
ألم يك فيكم رجلٌ رشيد يرى سَجْن الإمام فيُسْتَشَاط
إمام لا وِلاية كان يرجو ولا وقف عليه ولا رِباط
ولا جاراكُمُ في كسب مالٍ ولم يُعهد له بكم اختلاط
ففيم سجنتموه وغِظْتُمُوه أما لجزا أذيته اشتراط
وسَجْن الشَّيخ لا يرضاه مثلي ففيه لِقَدْر مثلكم انحطاط
أما والله لولا كَتْم سرّي وخوف الشر لانحل الرباط
وكنتُ أقولُ ما عندي ولكن بأهل العلم ما حَسُن اشتطاط
فما أحد إلى الإنصاف يدعو وكلّ في هواه له انخراط
سيظهر قصدكم يا حابسيه وننبئكم إذا نُصِبَ الصِّراط
[ ٤٠٣ ]
فها هو مات عنكم واسترحتم فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا
وحلوا واعْقِدوا من غير ردٍّ عليكم وانطوى ذاك البساط
وكنت اجتمعت به ــ رحمه الله تعالى ــ بدمشق سنة خمس عشرة وسبعمائة بمسجده بالقصاعين، وبحثت بين يديه في فقهٍ وتفسيرٍ ونحو، فأعجبه كلامي وقبَّل وجهي وإني لأرجو بركة ذلك، وحكى لي عن واقعته المشهورة في جبل كسروان، وسَهِرت عنده ليلة، فرأيت من فتوّته ومروءَته ومحبَّته لأهل العلم ولا سيما الغرباء منهم أمرًا كثيرًا، وصلَّيت خلفه التراويح في رمضان فرأيت على قراءته خشوعًا، ورأيت على صلاته رِقَّةَ حاشيةٍ تأْخذ بمجامع القلوب.
مولده ــ ﵀ ورحمنا به (^١) ــ بحرّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، هاجر والده به وبإخوته إلى الشَّام من جَوْر التتر، وعني الشَّيخ تقي الدِّين بالحديث، ونسخ جملةً، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، ثمَّ أقبل على الفقه، وقرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي، ثمَّ فهمها، وأخذ يتأمَّل كتاب سيبويه حتَّى فهمه، وبرع في النحو، وأقبل على التّفسير إقبالًا كلِّيًّا حتَّى سبق فيه، وأحكم أُصول الفقه، كل هذا وهو ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفضلاء من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوة حافظته وإدراكه، ونشأ في تصوُّن تامٍّ وعفاف وتعبُّد واقتصاد في الملبس والمأكل.
وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيناظر ويفحم الكبار ويأتي
_________________
(١) هذا من التوسل الممنوع.
[ ٤٠٤ ]
بما يتحيّرون منه، وأفتى وله أقل من تسع عشرة سنة، وشرع في الجمع والتأليف ومات والده وله إحدى وعشرون سنة، وبعُدَ صيته في العالم فطبَّق ذكره الآفاق وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجُمع على كرسي من حفظه فكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكذلك الدرس بتؤدة وصوت جَهْوري فصيح يقول في المجلس أزيد من كراسين، ويكتب على الفتوى في الحال عدة أُوصال بخط سريع في غاية التعليق والإغلاق.
قال الشَّيخ العلامة كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني علم الشافعية من خطٍّ كَتبَه في حق ابن تَيْميَّة: كَانَ إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنَّه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم بأن لا يعرفه أحد مثله، وكانت الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، قال: ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم سواء كَانَ من علوم الشرع أو غيرها إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. انتهى كلامه.
وكانت له خبرة تامَّة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث وبالعالي والنازل والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه الَّذي انفرد به وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى «الكتب السِّتَّة» و«المسند» بحيث يصدق عليه أن يقال: «كل حديث لا يعرفه ابن تَيْميَّة فليس بحديث» ولكن الإحاطة لله غير أنَّه يغترف فيه من بحر وغيره من الأئمة يغترفون من السّواقي. وأمّا التفسير فسلم إليه، وله في استحضار الآيات للاستدلال قوة عجيبة، ولفرط إمامته في التفسير وعظمة اطّلاعه بيَّن خطأ كثير من أقوال المفسرين، وكان يكتب في اليوم
[ ٤٠٥ ]
والليلة من التفسير، أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرّدِّ على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس، قال: وما يبعد أنّ تصانيفه إلى الآن تبلغ خمس مئة مجلد.
وله في غير مسألة مصنَّف مفرد كمسألة التحليل وغيرها، وله مصنف في الرد على ابن مطهر العالم الحِلِّي في ثلاث مجلدات كبار، وتصنيف في الرد على «تأْسيس التقديس» للرازي في سبع مجلدات، وكتاب في الرد على المنطق، وكتاب في «الموافقة بين المعقول والمنقول» في مجلدين، وقد جمع أصحابه من فتاويه ست مجلدات كبار. وله باع طويل في معرفة مذاهب الصَّحابة والتابعين قلَّ أنْ يتكلَّم في مسألة إلَّا ويذكر فيها مذاهب الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة.
قال القاضي المنشئ شهاب الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن فضل الله في ترجمته: «جلس الشَّيخ إلى السلطان محمود غازان حيث تَجِم الأُسْدُ في آجامِها، وتَسقُط القلوبُ في دواخلِ أجسامِها، وتجِدُ النارُ فتورًا في ضَرَمِها، والسيوفُ فرقًا في قَرَمِها، خوفًا من ذلك السَّبُعِ المغتال، والنمروذِ المختال، والأجل الَّذي لا يُدفَع بحيلةِ مُحتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدرِه، وواجَهَه ودرأ في نَحْرِه، وطَلَبَ منه الدُّعَاء، فرفعَ يديه ودعَا دُعاءَ مُنصفٍ أكثرُه عليه، وغازانُ يؤمِّنُ على دعائه.
وله مصنف سماه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» وبقي عدّة سنين لا يُفتي بمذهب معيَّن بل بما قام الدليل عليه عنده، ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية،
[ ٤٠٦ ]
واحتج لها ببراهين ومقدمات وأُمور لم يُسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا وجَسَر هو عليها، حتَّى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه بدّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي بل يقول الحق المر الَّذي أدى إليه اجتهاده وحدة ذهنه وسعة دائرته في السنن والأقوال، وجرى بينه وبينهم حملات حربية ووقعات شامية ومصرية.
كَانَ معظِّمًا لحرمات الله دائم الابتهال كثير الاستعانة قوي التوكل ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يُديمها، وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء والجند والأُمراء والتجار والكبراء وسائر العامة تحبه، بشجاعته تُضْرب الأمثال وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، ولقد أقامه الله في نوبة غازان والتقى أعباء الأمر بنفسه واجتمع بالملك مرتين وبخطلو شاه وبولاي، وكان قبجق يتعجب من إقدامه وجرأته على المغل.
وكتب ابن الزَّمْلَكاني على بعض تصانيف ابن تَيْميَّة هذه الأبيات:
ماذا يقولُ الواصفونَ له وصفاته جلَّت عن الحصر
هو حجَّةٌ لله قاهرةٌ هو بيننا أُعجوبةُ العصرِ
هو آيةٌ في الخلقِ ظاهرةٌ أنوارها أربتْ على الفجر
ولما سافر ابن تَيْميَّة على البريد إلى القاهرة سنة سبع مئة وحضَّ على الجهاد رتب له مرتب في كل يوم وهو دينار وتحفة (^١)، وجاءته بقجة قماش فلم يقبل من ذلك شيئًا.
_________________
(١) كذا هنا، وقد سبق فيما مضى: «محفية».
[ ٤٠٧ ]
وقال القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تَيْميَّة رأيت رجلًا كل العلوم بين عينيه يأْخذ ما يريد ويدع ما يريد. وحضر عنده شيخ النحاة أبو حيَّان وقال: ما رأت عيناي مثله. وقال فيه على البديهة أبياتًا منها:
قامَ ابن تيميَّة في نصر شِرْعتنا مقام سيِّد تَيْم إذ عَصَتْ مُضَر
فأظهر الحقَّ إذ آثاره دَرَست وأخْمد الشرَّ إذ طارت له الشرر
كنا نُحدَّث عن حَبْرٍ يجيء فها أنت الإمام الذي قد كان يُنْتظر
ولما جاء السلطان إلى شَقْحب والخليفة لاقاهما إلى قرن الحرة، وجعل يثبتهما، فلما رأى السلطان كثرة التَّتار قال: يا خالد بن الوليد! قال: قل: يا مالك يوم الدِّين إياك نعبد وإياك نستعين، وقال للسلطان: اثبت فأنت منصور. فقال له بعض الأمراء: قل: إن شاء الله. فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. فكان كما قال». انتهى ملخصًا (^١).
وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: أني ما رأيت بعيني مثله ولا رأى هو مثل نفسه في العلم، وكان فيه قلَّة مداراة وعدم تؤدة غالبًا، ولم يكن من رجال الدول ولم يسلك معهم تلك النواميس، وأعان أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار لا تحتملها عقول أبناء زماننا ولا علومهم، كمسألة: التكفير في الحلف بالطلاق، ومسألة: أنَّ الطلاق بالثلاث لا يقع إلَّا واحدة، وأنَّ الطلاق في الحيض لا يقع، وساس نفسه سياسة عجيبة فحبس مرات بمصر ودمشق والإسكندرية، وارتفع وانخفض واستبد برأيه وعسى أنْ يكون ذلك كفارة له، وكم وقع في صعب
_________________
(١) أي كلام ابن فضل الله العمري.
[ ٤٠٨ ]
بقوة نفسه وخلَّصه الله.
وله نظم وسط، ولم يتزوج ولا تسرَّى ولا كَانَ له من المعلوم إلَّا شيء قليل وكان أخوه يقوم بمصالحه، وكان لا يطلب منهم غداء ولا عشاء غالبًا، وما كانت الدنيا منه على بال. وكان يقول في كثير من أحوال المشايخ إنها شيطانية أو نفسانية فينظر في متابعة الشَّيخ الكتاب والسنة فإن كَانَ كذلك فحاله صحيح وكشفه رحماني غالبًا وما هو بالمعصوم، وله في ذلك عدة تصانيف تبلغ مجلدات، من أعجب العجب، وكم عوفي من «الصراعِ الجنيِّ» إنسانٌ بمجرد تهديده للجني، وجَرَت له في ذلك فصول ولم يفعل أكثر من أن يتلوَ آيات ويقول: إن لم تنقطع عن هذا المصروع وإلّا عملنا معك حكم الشرع وإلّا عملنا معك ما يرضي الله ورسوله، وفي آخر الأمر ظفروا له بمسألة السفر لزيارة قبور النبيين، وأنَّ السفر وشد الرحال لذلك منهي عنه لقوله - ﷺ -: «لا تُشَد الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد». مع اعترافه بأنَّ الزيارة بلا شدِّ رحلٍ قربة، فشنعوا عليه بها، وكتب فيها جماعة بأنه يلزم من منعه شائبة تنقيص للنبوَّة فيكفر بذلك.
وأفتى عدّة بأنه مخطئٌ بذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة وكبرت القضية فأُعيد إلى قاعة بالقلعة فبقي بضعة وعشرين شهرًا، وآل الأمر إلى أن مُنِع من الكتابة والمطالعة، وما تركوا عنده كراسًا ولا دواة، وبقي أشهرًا على ذلك، فأقبل على التلاوة والتهجد والعبادة حتَّى أتاه اليقين فلم يفجأ الناسَ إلَّا نعيُه وما علموا بمرضه، فازدحم الخلق عند باب القلعة وبالجامع زحمة صلاة الجمعة وأرجح، وشيَّعه الخلق من أربعة أبواب البلد وحمل على الرؤوس، وعاش سبعًا وستين سنة وأشهرًا، وكان أسود الرأْس
[ ٤٠٩ ]
قليل شيب اللحية، ربْعةً، جَهْوري الصوت أبيض أعْيَن.
قلت: تنقَّص مرة بعض النّاس من ابن تَيْميَّة عند قاضي القضاة كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني وهو بحلب وأنا حاضر فقال كمال الدين: ومن يكون مثل الشَّيخ تقي الدِّين في زهده وصبره وشجاعته وكرمه وعلومه! ! والله لولا تعرضه للسلف (^١) لزاحمهم بالمناكب. وهذه نبذة من ترجمة الشيخ مختصرةٌ، أكثرها من «الدرة اليتيمية في السيرة التيمية» للإمام الحافظ شمس الدِّين محمد الذهبي. والله أعلم.
* * * *
_________________
(١) ابن الزملكاني يقصد سَلَفَه فيما ذهب إليه هو! !
[ ٤١٠ ]