وفيها توفّي شيخ الإسلام، تقيّ الدين، أبو العبّاس، أحمد بن الشيخ شهاب الدِّين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحرَّاني الحنبلي.
سحاب يسحب ذيله على الطَّالب والوافد، وعُباب لا تكدره دِلاء الصّادر والوارد، وبحر زاخر في النقليات، وحبر ماهر في حفظ عقائل العقليّات، وإمام في معرفة الكتاب والسّنّة، وهمام لا يميل إلى حلاوة من المنّة.
كان ذا ورع زائد، وزهد فرعه في روضة الرِّضى مائد، وسخاءٍ وشجاعة، وعزلةٍ وقناعة، وتصانيف مشهورة، وفتاوٍ أعلامها منشورة، ومعارف وموادها وافية، وإعراض عن الدّنيا بالجملة الكافية، لا يكترث بنضرتها وبهجة نضارها، ولا يلتفت إلى المنقوش من درهمها ودينارها.
يصدع بالحق، ويتكلم فيما جلّ ودقّ، ويأْمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويثابر على إقامة الحدود إن شُكر وإن لم يشكر.
اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، وبلغ من اجتناء ثمر أفنان الفنون غاية المراد.
وكان من العلوم بحيث يُقضى لَه في كُلِّ علمٍ بالجميع
_________________
(١) (ق/ ١٣٠ أ - ١٣١ ب). نسخة ترخان والدة السلطان (٢٣٣) أتحفنا بصورة منها د/عبد الرحمن العثيمين.
[ ٥٧٠ ]
من نظمه في قول - ﷺ -: «ثلاثٌ مُنْجيات وثلاثٌ مُهْلِكَات» الحديث:
عليك بخوف الله في السرِّ والجهر وبالقصد للإنفاق في العسر واليسر
وبالعدلِ إن تغضب وإن تك راضيًا فهن ثلاث منجيات من الشرِّ
وإياك والشُّح المطاع ولا تكن بمتَّبع الأهوا فترجع بالخسر
وعدِّ عن الإعجاب بالنفس إنه ختام الثَّلاث المهلكات لدى الحشر
كتب قاضي القضاة، كمال الدِّين أبو المعالي محمد بن الزَّمْلَكاني على بعض مصنَّفاته:
ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلَّت عن الحصر
هو حجةٌ لله قاهرةٌ هو بيننا أعجوبة العصر
هو آية للخلق ظاهرة أنوارها أربت على الفجر
وفيه يقول العلَّامة أثير الدِّين أبو حيَّان الأندلسي من أبيات:
قام ابن تيميَّة في نصر شِرعْتنا مقام سيد تيم إذ عَصَتْ مضرُ
فأظهر الحقَّ إذ آثاره دَرَسَت وأخمد الشرَّ إذ طارت له الشَّررُ
كنا نُحدَّث عن حبرٍ يجيء لنا أنت الإمام الذي قد كان يُنتظر
وفيه يقول الشَّيخ سعد الدِّين سعد الله بن عبد الأحد بن بخيخ من أبيات:
سناكَ تقيُّ الدِّين أبهى وأنورُ وأشرقُ منْ شمسِ النهارِ وأشهرُ
ومجدكَ أسمى أنْ يُقاسَ بمثلهِ وأعظمُ مما في النفوسِ وأكبرُ
وعَرْف ثناك المندلي له شذا ألذّ من المسكِ الذَّكي وأعطرُ
وعلمكَ أقسامَ العلومِ بأسرهَا أدلته توهي الخصومَ وتبهرُ
[ ٥٧١ ]
وصبركَ في ذاتِ الإلهِ على الأذى أنالك ما ترجو وَمَا تتخيَّرُ
وأمركَ بالمعروفِ طهَّر وقتنا فلمْ يبدُ في أيَّامك الغرِّ منكرُ
فياليتَ علمي والمناقبُ جمَّةٌ لأي سجاياك الجميلةِ نشكرُ
وماذا عسى يثني عليكَ مبالغٌ بمدحٍ وهل يُهْدى إلى البحر جوهرُ
فَدُم واثقًا بالله معتصمًا به وعاضدك الشّرع الشريفُ المطهرُ
سليمًا من الآفات في ظِلِّ نِعمةٍ من الله صافي عيشها لا يكدَّرُ
ورثاه الإمام زين الدِّين أبو حفص عمر بن الوردي بقصيدة، منها:
عَثَا في عرضه قوم سِلاطٌ لهم من نَثْر جوهره التقاطُ
تقي الدِّين أحمد خيرُ حَبْر خُروق المعضلات به تخاطُ
توفّي وهو محبوس فريد وليس له إلى الدنيا انبساطُ
ولو حضروه حين قَضَى لألفوا ملائكةَ النَّعيم به أحاطوا
فيالله ماذا ضمَّ لحدٌ ويالله ما غطَّى البلاطُ
هم حسدوه لمّا لم ينالوا مناقبه فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كسالى ولكن في أذاه لهم نشاطُ
وحَبْس الدُّور في الأصداف فخر وعند الشيخ بالسجن اغتباطُ
بآل الهاشمي له اقتداء فقد ذاقوا المَنون ولم يواطوا
إمام لا وِلاية كان يرجو ولا وقف عليه ولا رِباطُ
ولا جاراكم في كَسْب مالٍ ولم يُعهد له بكم اختلاطُ
سيظهر قصدُكم يا حابسيه ونيتكم إذا نُصب الصّراطُ
فها هو مات عنكم واسترحتم فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا
وحلوا واعقدوا من غير ردٍّ عليكم وانطوى ذاك البساطُ
[ ٥٧٢ ]
وكانت وفاته بقلعة دمشق مُعْتقَلًا، عن سبع وستين سنة، وشيّع جنازته خلق كثير، أقل ما حُزِروا بستين ألفًا.
وهو من مشايخ والدي في الحديث، تغمَّده الله برحمته.
* * * *
[ ٥٧٣ ]
تُحْفَةُ النُّظَّار في غَرَائبِ الأمْصارِ وعَجائبِ الأسْفارِ