لقطب الدِّين موسى بن محمد اليونيني الحنبلي (ت ٧٢٦)
(سنة ٦٩٩)
قال: «واجتمعوا (أي أهل دمشق) في هذا اليوم (الأحد الثاني من ربيع الثاني) بمشهد عليٍّ، واشتوروا في أمر الخروج إلى الملك محمود غازان، وأخْذِهم أمانًا لأهل البلد، فحضر من الفقهاء: قاضي القضاة وهو يومئذ خطيب الجامع بدر الدِّين بن جَماعة، والشيخ زين الدِّين الفارقي، والشيخ تقي الدِّين ابن تيمية » وذكر جماعة كثيرة من العلماء. ثم قال: «وجماعة كثيرة من القُرَّاء والفقهاء والعدول». (١/ ٢٥٤).
وفيها أيضًا: قال: «وكان الناس بالبلد بلغهم ما حلَّ بإخوانهم (^٢)، فشقّ على الناس، وتوجّه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وجماعةٌ إلى شيخ المشايخ الذي نزل بالعادلية، وشَكَوا إليه الحال، فاتفق خروجه إليهم يوم الثلاثاء وسط النهار، فأدركهم بين الظهر والعصر، فردّ عنهم، وسمع التتار بقدومه وقدوم من سار معه، فهربوا ».
قال: «وكان الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية يمشي إلى من يُرْجى نفعُه أو شفاعته، فمضى إلى المعلم سليمان الهندي، وإلى شيخ المشايخ نظام الدِّين محمود بن علي الشيباني، وإلى سيف الدِّين قَبْجَق.
_________________
(١) طبع المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط ١، ١٤٢٨ هـ، تحقيق د. حمزة عباس.
(٢) يعني في جبل الصالحية.
[ ١٦٤ ]
ثم إنه خرج يوم الخميس العشرين (^١) من الشهر إلى مخيّم السلطان الذي يسمونه الأردو ــ وكان بِتَلّ راهط ــ فدخل عليه، ولم يمكَّن من إعلامه بما وقع، بل أُذِن له في الدّعاء له والإسراع، وقيل: إنه موجوعٌ من رجله، ومشغولُ الدماغ، وإنه إن علم بذلك لابدّ له من قتل جماعةٍ من المغل، ويحصل بذلك فتنةٌ وتَفَرقُ كلمة، وتكون الدائرة على أهل البلد وما شاكل ذلك، فاجتمع بالوزيرين سعد الدِّين ورشيد الدِّين وتحدَّث معهما، فذُكر أن جماعةً من المقدَّمين الأكابر لم يصل إليهم إلى الآن شيءٌ من مال دمشق، ولابدَّ من إرضائهم، وأُمر بإحضار جماعةٍ ممن كان أُسر، ورسم بالتفتيش على الأسرى في الجيش.
فدخل الشيخ تقي الدِّين ومن معه ليلةَ السبت إلى البلد، فلما كان في أثناء نهار السبت اشتدَّ الأمرُ بالناس، وضاق ضيقًا عظيمًا إلى غاية، وكَثُرت الأراجيف، وقيل: إن الأمر قد انتهى إلى البلد، وقد خبأ ما فيه للمغل خاصةً، وقد كتب السلطان أمانًا إلى أرْجَوَاشَ، فلم يلتفت إلى ذلك، وهم (^٢) يدخلون لا محالة بسبب تلك القلعة، ويجري في البلد ما جرى في الجبل (^٣)، وقيل: إنه من لم يخرج من البلد فدَمُه في عنقه، ومن أراد الخروج فليخرج إلى جبل الصالحية، والأولى أن يخرج الصُّلحاء والعلماء من البلد. فهلك الناسُ من هذا الكلام، وكان يُعزى أكثره إلى شيخ المشايخ، ثم إنه حمل حوائجه وخرج من العادِليَّة، فجَزَم الناسُ بذلك، وقالوا: لو لم يكن الخبر
_________________
(١) كان في الأصل: «الخامس والعشرين» وأصلحه المحقق من المصادر.
(٢) (ط): «وهو».
(٣) يعني: جبل الصالحية، كما سيأتي.
[ ١٦٥ ]
صحيحًا لما خرج منه مسرعًا، فلما كان مساءُ النهارِ المذكور رجع ببعض حوائجه، ورجع إليه الجماعة والأعيانُ، وقالوا: إن رَسَمَ السلطان بأن يضع على البلد شيئًا معلومًا سعينا في استخراجه، ويكون مثل الشراءِ للبلد، ويمنّ علينا السلطانُ بعِتقِ المسلمين». (١/ ٢٧٢ - ٢٧٤).
وقال: «وحكى لي الشيخ الإمام علمُ الدِّين ابن البِرْزَالي، قال:
في يوم الخميس خامس وعشرين، اجتمعتُ بالشيخ تقيِّ الدِّين ابن تيمية، فذكر اجتماعه بالأمير قُطْلُو شاه (^١)، قال: وذكر لي قُطْلُوشاه أنه من أولاد جنكزخان، وأنه أصفر الوجه لا شعرةَ بوجهه أيضًا، من أبناء خمسين سنة، وأنه ذكر لهم أن الله ختم الرسالة بمحمد، وأن جنكزخان جدَّه كان ملك البسيطة، وكُلُّ من خرج عن طاعته وطاعة ذريته فهو خارجي.
وذكر اجتماعه بالملك غازان وبالوزيرين سعد الدِّين ورشيد الدِّين الوزير الطبيب، والشريف قطب الدِّين ناظر الخزانة، ومكاتبه صدر الدين، وبالنجيب الكحَّال اليهودي، وبشيخ المشايخ نظام الدِّين محمود، وبأصيل الدِّين ابن النَّصير الطُّوسي ناظر الأوقاف.
وذكر أنه رأى عند قُطْلو شاه صاحبَ سيس (^٢)، وهو أشقر كثُّ اللحية، ومعهم طائفةٌ قليلةٌ عليهم الذِّلَّةُ والإجرام، وذكر أن سفر قُطْلُوشاه كان ظهر
_________________
(١) (ط): «قُطْلُغ شاه» في الموضعين، وسيأتي في الصفحة التالية على الصواب: «قطلوشاه»، ويقال أيضًا: «خطلو شاه». ترجمته في «أعيان العصر»: (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢)، و«الدرر الكامنة»: (٢/ ٨٥).
(٢) مدينة من أعظم الثغور الشامية بين أنطاكية وطرسوس «معجم البلدان»: (٣/ ٢٩٧). وكان صاحبها نصرانيًّا معاونًا للتتار والنصارى على المسلمين، عاملًا على أذيتهم.
[ ١٦٦ ]
الثلاثاء الثالث والعشرين من الشهر، وكان اجتماعه به بسبب الأسرى يوم الأحد حادي عِشريه، وبات ليلة الاثنين بالمُنَيْبِعِ (^١) هو والقاضي الحنبلي والحنفي، بسبب أنهم يمضونَ إلى القلعة في الرسالة، وذكر أنهم يكتبون في جميع كتبهم وفرامينهم: بقوة الله تعالى وميامين الملَّة المحمدية.
وذكر أنه اجتمع بواحدٍ منهم، وظهر له منه صلاةٌ وسكينةٌ، فسأله: ما السبب في خروجك وقتال المسلمين؟ فقال: أفتانا شيخُنا بتخريب الشام، وأخْذِ أموالهم لأنهم لايصلّون إلا بأُجرةٍ، ولا يتَفقَّهون إلا بأُجرةٍ، وغير ذلك، وقال: إذا فعلتم ذلك بهم يرجعون إلى الله ويتوكلون عليه!
وذكر وجيه الدِّين ابن مُنَجَّا وابن القُطَيْنةِ أنه هلك لكلٍّ منهما مئة ألفٍ وخمسون ألف درهم، وذكر الوجيه ابن مُنجَّا أن الذي حُمِلَ إلى خِزانة قازان ثلاثةُ آلاف ألف وستُّ مئة ألف درهم، سوى ما تَمَحَّقَ من التَّراسيم عليهم والبراطيل (^٢) والاستخراج لغيره من الأمراءِ والوزراءِ وغير ذلك، بحيث إن الصفيَّ السِّنجاري استخرج لنفسه ما يخصُّه أكثرَ من ثمانين ألفِ درهم، وللأمير إسماعيل مئتي ألف، وللوزيرين نحو أربع مئة ألف درهم، وغيرهم، ما في الجماعة إلا من سفى وجبى. وهذا المبلغ الذي ذكرناه خارجٌ عما تَبَرْطَلوه من المصادَرِين المطلوبين، وجماعةٌ أخرى ما يمكن تعيينهم، حصل لهم بمقدارِ ما ذُكر وزيادة، نسأل الله العافية. (١/ ٢٩١ - ٢٩٤).
_________________
(١) المنيبع: قرية بقرب دمشق بالشرق القِبْلي على وادي دمشق الأعلى، وهي ما كان يسمى بـ «صنعاء دمشق». انظر «توضيح المشتبه»: (٤/ ٩٤)، و«معجم البلدان»: (٣/ ٤٢٩). ومكانها اليوم جامعة دمشق. «خطط دمشق» (ص ٤٤٣) للعلبي.
(٢) البراطيل هي: الرِّشا.
[ ١٦٧ ]
قال: وفي يوم الاثنين الثامن والعشرين من الشهر، دخلَ القلعةَ الخطيبُ بدرُ الدين، والشيخ تقي الدينِ، ومعهما نائب الأميرِ يحيى وقومٌ من جهته، وتكلم الناسُ في صلحٍ يقع بين نائبِ القلعةِ وبين نُواب قازانَ، ولم يُعْلَمْ ما جرى بينهم.
ثم استهلَّ شهرُ رجب المبارك ليلةَ الأربعاءِ، والخطيبُ بدرُ الدِّين وتقيُّ الدِّين ابن تيميَّة داخلان إلى أرْجَواشَ وقَبْجَقَ ساعيان في أمرِ الصُّلح بينهما، وتسكينِ أمرِ البلدِ، ولم يتم أمر الصلح بينهما.
وفي يوم الخميس ثاني الشهرِ، طُلب الأعيان من القضاة والعلماءِ والرؤساءِ بأوراقٍ عليها علامة قَبْجَق إلى داره، فحضر جماعة منهم، فحلفوا للدولةِ المحموديةِ بالنصحِ وعدمِ المداجاة وغير ذلك.
وفي يوم الخميس أيضًا، توجه الشيخ تقي الدِّين إلى مخيّم بولاي بسبب الأسرى واستفكاكهم، وكان معه خلقٌ من الأسرى كثيرون إلى غاية، فأقام ثلاثَ ليالٍ، وتحدث معه في أمر يزيد بن معاوية، وهل تجبُ محبتُه أو بغضُه، فقال له تقي الدين: لا نحبُّه ولا نبغضُه، فقال: (^١) تجب لعنته؟ فعلم الشيخ أن عنده ولاء، فكلمه بما طابت نفسُه. فقال له: هؤلاء أهل دمشق قتلوا الحُسين، فقال له الشيخ: لم يكن من أهل الشام من حضر قتل الحُسين، والحسين قُتِل بأرض كَرْبلاء من العراق. فقال: صحيح، وكانوا بنو أُمَيَّةَ خلفاء الدنيا، وكانوا يحبون سُكنى الشام، وهذه بلاد الأنبياء والصلحاء، فسكن غيظُه عن أهل الشام، وذكر أن أصله مسلم من أهل خُراسان، وجرى بينه وبين الشيخ بحوثٌ كثيرةٌ وكلامٌ كثير. (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
_________________
(١) أضاف المحقق «وهل» والنص مستقيم بدونها.
[ ١٦٨ ]
قال: وفي بُكرة يومِ الجمعةِ المذكور دار الشيخ تقي الدِّين ابن تيميَّة بدمشق على ما جُدِّدَ من الخَمَّاراتِ، فَبدَّدَ الخمور، وكسر الجرار، وشقَّ الظُّروف، وعزَّر الخمَّارين هو وجماعتُه، أثابه الله تعالى.
ولازم الناس في هذه الليالي المبيت على الأسوار، ثم أظهروا عُددًا حسنة وتجمُّلًا. وكان الشيخ تقي الدِّين وأصحابه يمشون على الناس، ويَقرأ الشيخُ عليهم سُوَر القتال وآيات الجهاد، وأحاديث الغزو والرِّباط والحَرَس، ويحثّهم (^١) على ذلك ويحرِّضهم. (١/ ٣٠٢)
(سنة ٧٠٢)
قال: وفيها في جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطنة بدمشق كتابٌ إليه، له صورة نصيحة في حقه على لسان قُطُز ــ من مماليك الأمير سيف الدِّين قَبْجَق ــ وفيه: أن الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية والقاضي شمس الدِّين ابن الحريري يكاتبان قَبْجَق ويختارانه لنيابة المُلك، ويعملان على الأمير، وأن كمال الدِّين ابن العطار وكمال الدِّين ابن الزَّملْكاني كاتبَي الدَّرَج يطالعان بأخبار الأمير، وأن جماعةً من الأمراء معهم في هذه القضية، حتى ذكروا جماعة من مماليك الأمير وخواصّه، وأدخلوهم في ذلك، وذكروا عنهم غير ذلك.
فلما قرأ الأمير هذا الكتاب وفهمه عَرَف بطلانه، وأسرّه إلى بعض الكتّاب، وطلب التعريف بمن نقله، فاجتهدوا في ذلك، حتى وقع الخاطر والحَدْسُ على
_________________
(١) في بعض النسخ: «ويحدثهم». وهي التي أثبتها محقق الكتاب، وما أثبتها من غيرها، وهو أصح.
[ ١٦٩ ]
فقير يُعرف باليَعْفوري، ممن كان قد نُسب قبل ذلك إلى فضول وتزوير، فمُسِك، فوُجِد معه مسوّدة بالكتاب المذكور بعينه، فضُرب فأقرّ على شخصٍ آخر يعرف بأحمد القُبّاري، كان أيضًا قد نُسِب إليه زور ودخولٌ فيما لا يعنيه، فضُرب الآخر، فاعترف وعيَّن جماعةً من الأكابر كانوا هم الحاملين لهما على ذلك، وكان قصدهم تشويش خاطر الأمير من خواصِّه والسعي إلى هلاك المذكورين في الكتاب، فانجلت القضيةُ للأمير وعرف الأمرَ فيها معرفة شافية، وتُركوا في الحبس.
فلما كان يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة بُكْرة النهار أخذوا المذكورين والكاتب، وطيف بهم بدمشق ونُودي عليهم: هذا جزاء من يتكلم فيما لا يعنيه ويفتري على الأكابر. وعقيب ذلك وصلوا بهم إلى سوق الخيل، وَوُسِّطَ (^١) منهم اثنان وهما الفقيران: اليعفوري وأحمد القُبّاري، وعُلقا على الخشب. والثالث وهو التاج الناسخ ابن المناديلي قُطعت يمينه وحُمل على البيمارستان. (٢/ ٦٨٤ - ٦٨٥)
قال: ثم إن الجيش الذي كان قد اجتمع بحماة من عسكرها وعسكر حلب وعسكر الحصون تأخر إلى حمص، وخرج معهم جماعة كبيرة من حماة، وتركوا أهاليهم وأموالهم، وحصلت لهم مشقة كبيرة، وشدة عظيمة، ووصلوا إلى حمص فلم يروا المقام بها خوفًا من أن يدهمهم العدو المخذول، فتأخروا عن حمص، فلم يروا منزلةً تليق بهم بالجيش، فوصلوا إلى المَرْج يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر، وذكروا أن التتار جاوزوا حمص إلى
_________________
(١) التوسيط: قطع الشيء نصفين.
[ ١٧٠ ]
قارا، ثم رجعوا إلى حمص، وذكروا أن طائفةً منهم وصلت بعلبك ثم رجعت، وذلك على طريق الغارة والعبث والفساد، وأصبح الناس يوم الأحد المذكور في أمر عظيم لقرب العدو، وتأخر السلطان وجمهور الجيش، فشرعوا وتحركوا في الجَفْل، وذكروا أن هذا الجيش الذي قد اجتمع بالمرج ودمشق ليس لهم طاقة بلقائه، هذا وإنما سبيلهم أن يتأخروا عنهم مرحلتين، واحتيط البلد، فلما تعالى النهارُ اجتمع الأمراء بالميدان، وتحالفوا على لقائهم، وشجعوا أنفسهم، ونوديَ في البلد: أن لا يجفل أحد، ولا يسافر أحد، فسكنَ الناسُ، وجلس القضاة بالجامع وحلَّفوا جماعةً من الفقهاء والعامة على حضور الغزاة، وتوجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى جهة العسكر الواصل من حماة، فأدركه بالقُطَيفة (^١) والمَرْج، فاجتمع بهم وأعلمهم بما اتفق عليه رأي الأمراء بدمشق، فوافقوا على ذلك.
وفي يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شهر شعبان اختبط الناس كثيرًا، وجَفَل جميع القرى والحواضر، واعتكر الناسُ بأبواب دمشق، ودخل كثير من الناس إلى القلعة، وامتلأت المنازل والطرق، وحصل التنازع في ذلك، وتشوَّشت القلوب بسبب أنَّ جماعةً من الجيش توجهوا إلى الكُسْوة (^٢) وناحيتها، فتكلّم الناسُ في أن هؤلاء يريدون اللحاق بالسلطان وبقية الجيش، وهذا يقتضي ترك الكسوة، يقولون: ليس ثَمَّ شيء بالكلية ويتعجّبون لما فعل الله
_________________
(١) قرية دون ثنية العقاب للقاصد إلى دمشق من ناحية حمص. «معجم البلدان»: (٤/ ٣٧٨).
(٢) الكسوة: مدينة جنوب دمشق، كان يصنع بها كسوة الكعبة، انظر: www.keswa.net. و«معجم البلدان»: (٤/ ٤٦١).
[ ١٧١ ]
بهذا الجيش وأزاله في لحظة، [وتركوا] (^١) البلدَ [ومن فيه وراء ظهورهم]، وانزعج الناس لذلك. ومن الناس من ذكر أن القصد أن يرتادوا موضعًا للوقعة يكون أصلح من المَرْج، فإن فيه خضرًا ومياهًا كثيرة، والله أعلم بحقيقة الحال.
وذكروا أن التتار قرّبوا حتى وصل منهم طائفة إلى القُطَيفة، ومنهم من يقول: تُرك الجيش بأسره على الجسور قبلي دمشق، فسكن الناس بين الظهر والعصر، فلما كان بعد العصر شرع الناس يتحدثون في رحيلهم من هناك، فمن الناس من يقول: قد شرع المصريون في الرحيل والشاميون يتبعونهم بلا شك، واضطرب الناس، وكان الشيخ تقي الدِّين في البلد، وأما القضاة فكانوا قد خرجوا مع الجيش.
وبات الناس ليلة الخميس، وفي أول الليل رأى الناس نيرانهم وخيمهم، وفي آخره لم يروا لهم أثرًا، فأصبح الناسُ بكرةَ يوم الخميس، وقد اشتدَّ الأمرُ واضطربَ البلدُ، وغُلِّقت الأبواب، وازدحم الناس في القلعة، وهرب من قدر منهم، ومنهم من عجز، وخرج الشيخ تقي الدِّين بُكرةً إلى جهتهم، ففُتِح له باب النصر بمشقَّة، وحصل له لومٌ كثير من الناس، لكونه كان من مواقع الجفل، وبقي البلد لا متولي فيه والناس رَعاع، وغلا السِّعر، ثم انحصر الناس فلا يجسر أحدٌ على الخروج إلى بستانه ولا مزرعته ولا داره، وخرجت الشلوح واللصوص إلى البساتين يقطفون المشمش قبل أوانه، وكذلك الباقلاء والقمح والشعير في السنبل، والخسّ والثوم والبصل وغير ذلك من الزرعات، والناس في حيرة، وحيل بينهم وبين خبر المسلمين، وانقطعت الطريق من دمشق إلى
_________________
(١) (ط): «في لحظة (من) البلد، ومن فيه »، ولعل ما أثبته أنسب. وستتكرر العبارة في الصفحة الآتية.
[ ١٧٢ ]
الكسوة في ساعة واحدة، فيرجع هذا وهو مجروح، وهذا وهو مُشَلَّح، وظهرت الوَحْشة على البلد والحواضر وجميع الحواضر أُخليت، وليس للناس غير الصعود في مآذن الجامع ينظرون كذا وكذا، فتارة يقولون: رأينا سوادًا وغبرة من جهة المرج، فيخاف الناس ويجزمون بأن التتار قد أحاطت بهم، وينظرون إلى جهة الكسوة يقولون: ليس ثَمَّ شيء بالكلية، ويتعجبون لما فعل الله بهذا الجيش وأزاله في لحظة (^١) مع الكثرة وجَودة العُدَد والسلاح والثياب والهيئات، ثم يقولون: ليس لهم من يجمعهم على أمر واحد، فلهذا حصل فيه الفشل والجبن والتخاذل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. (٢/ ٦٨٩ - ٦٩١)
قال: فلما كان بعد الظهر قُرئ كتاب السلطان إلى متولي القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر السبت بشَقْحَب، وبعد العصر قُرئت بطاقة من نائب السلطنة الأمير جمال الدِّين آقوش الأفرم فيها تصريح بالمقصود أكثر من الكتاب السلطاني مضمونها: أن الوقعة كانت منذ عصر السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد، وأن السيف كان يعمل في رقابهم ليلًا ونهارًا، وأنهم هربوا وركنوا إلى الفرار، ومنهم من اعتصم بالهضائب والتلال، وأنه لا يفلت منهم أحدٌ إلا القليل، فأمسوا الناس وقد استقرَّت خواطرهم، واستبشروا بهذا الأمر العظيم والنصر المبارك، ودقَّت البشائر بالقلعة من أول النهار المذكور، وبعد الظهر نُودي بالقلعة بإخراج مَنْ دخلها من الجُفَّال لأجل نزول السلطان بها.
فشرع الناس في نقل أمتعتهم وحوائجهم، ووقع أيضًا بين الظهر والعصر مطر عظيم غزير، ويوم الاثنين رابِعِه وصل الشيخُ تقي الدِّين ابن تيمية
_________________
(١) قوله «الكسوة يقولون في لحظة» سبقت العبارة بنصها في الصفحة السابقة، فلعله انتقال نظر من الناسخ
[ ١٧٣ ]
وأصحابه بكرة النهار والناس يُهنّئونهم ويصافحونهم، وخرج خلق وجمع كثير من البلد إلى مكان الوقعة لأجل الفُرْجة والعيان والمكاسب، ووصل نائب الشام والعسكر الشامي معه وتوجهوا إلى جهة المرج، ونودي: أن لا يبيت بالبلد منهم أحد، ومن بات شُنِق وسبب ذلك الإسراع خلف المنهزمين، ونودي: من أراد الكسب والغزاة فليخرج إلى الثنية فإن هناك طائفة منهم. (٢/ ٦٩٥ - ٦٩٦)
قال: وفيها (سنة ٧٠٢)، توفي الشيخ المحدِّث الفقيه نجم الدِّين موسى بن إبراهيم بن يحيى الشَّقْراوي الحنبلي بقاسيون ودفن به من الغد، وكان فاضلًا، سمع على الحافظ ضياء الدين، وعلى جماعة كثيرة، واشتغل كثيرًا بالفضائل، وله نظم حسن، فمنه ما مدح به شيخَنا العلامة تقيَّ الدِّين أبا العباس أحمد ابن تيمية الحراني، رحمه الله تعالى قوله:
إن بَني المجد (^١) أهلُ بيتٍ لله في بيتهم عنايه
ما زال في بيتهم إمامٌ يقول بالعدل في الولايه
فأحمدٌ أحمدٌ مقامًا في العلم والفضل والدِّرايه
فخذ علوم الحديث نصًّا (^٢) تُسْنَد بالنقل والروايه
فهو إمامٌ لكل فضلٍ يحوطه الله بالكلايه
(٢/ ٧٣٤ - ٧٣٥)
_________________
(١) تحرفت إلى «المجاهد». والمجد هو مجد الدِّين أبو البركات جد شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٢) (ط): «نصبًا» ولعله ما أثبت.
[ ١٧٤ ]
(سنة ٧٠٣)
قال: فلما كان بكرة الاثنين ثاني عشري الشهر، وصل صدر الدين (^١) على البريد إلى دمشق، وتلقَّاه جماعة، وحضر عند نائب السلطنة بالقصر، وانفصل عنه قاصدًا للجامع المعمور عَقيبَ الظهر، ففُتِح له باب دار الخطابة، فدخلها، وحضر المهنئون والمؤذنون والقراء والناس على اختلاف طبقاتهم، فلما حضرت (^٢)
العصر صلى بالناس بالمقصورة، وعلم من قوَّة نفسه وهمَّته أنه لا يترك شيئًا من المناصب التي وليها والتي كان مباشرها، وأنه يستعيد الشامية الجُوَّانية من كمال الدِّين ابن الزَّمَلْكاني، والعذراوية من القاضي جلال الدين، واختلف الناس في أمره، فطائفة تختاره، وطائفة ما تختاره، وبقوا حزبين، فاتفق رأي جماعةٍ على القيام عليه مع الشيخ تقيّ الدِّين ابن تيمية، فاجتمع بالكَلَّاسة بعد الظهر يوم الأربعاء رابع عِشْري الشهر، كانوا خلقًا كثيرًا، وتوجهوا إلى القصر الأبلق إلى نائب السلطنة، وكان منهم قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صَصْرَى، وابن الحريري، وكمال الدِّين [ابن] الشريشي، والقاضي جلال الدِّين القَزْويني، والشيخ محمد بن قوام، والشيخ علي الكردي، وعلاء الدِّين ابن العطار، وتقي الدِّين ابن تيمية، وجماعة من الفقهاء والفقراء وعامة التجار والناس خلقًا كثيرًا، وكل واحد منهم معروف بالصلاح والهمة وقوة النفس، فلما حضروا عند نائب السلطنة أكرمهم، وعظّم شأنهم، وأجابهم إلى ما سألوه من مراجعة السلطان في هذه التولية، وإعلامه أنها وقعت غير الموقع، ومُنِع صدر الدِّين
_________________
(١) يعني: ابن الوكيل (ت ٧١٦).
(٢) زاد في (ط): «صلاة» والنص صحيح بدونها ..
[ ١٧٥ ]
من الإمامة والخطابة إلى أن يصل الجواب السلطاني بما يعتمده المسلمون.
وأمرَ أن تُكْتَب الكتبُ بذلك، ورَسَم أن يستمرّ في الوظيفة نائبًا للشيخ زين الدِّين على ما كان عليه، فشرع الشيخ أبو بكر الجزري في الإمامة عشاء الآخرة ليلة الخميس، والخطابة القاضي تاج الدِّين [الجَعْبري]، وكانت قد هُيئت الخِلْعَة للخطيب، فحُمِلت ليلة الخميس إلى نائب السَّلْطنة، وتحدَّث الناس مع نائب السلطنة في أمر صدر الدِّين المذكور في سؤاله بإمضاء ما بتوقيعه من المدارس فيها، وذلك بكرة الأحد الثامن والعشرين من الشهر، وهي المدرسة الشامية البرّانية، والشامية الجُوَّانية، ودار الحديث، والعذراوية.
فلما كان يوم الحادي والعشرين من ربيع الآخر وصل البريد ومعه الأجوبة من السلطان بما يعتمدون في أمره حُكْم الشرع الشريف، وأن المسلمين إذا لم يختاروه للخطابة والإمامة فلا يولَّى عليهم، بل يتفقون على من يرونه أهلًا لذلك فيكون هو المُولَّى، وأمْر دار الحديث والشامية يُتْبَع فيه حكم شرط الواقف ولا يُعدل عنه، وفي الكتب: وأننا لا نولِّي إلا لمن هو معدود في المقرّبين وفي العلماء وفيه الأوصاف الجميلة. (٢/ ٧٦٤ - ٧٦٦).
(سنة ٧٠٤)
قال: وفيها في يوم الاثنين سادس عِشْري شهر رجب حضر الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وجماعته بمسجد النارنج جوار المصلى، وحضر معهم من الحَجَّارين، وقطعوا الصخرة التي يزورونها، وذكروا أنها (^١) كانت سبب
_________________
(١) (ط): «أن هي»!
[ ١٧٦ ]
بنيان المسجد ومجيء النذور، وكان للناس فيها [اعتقادات] (^١) كثيرة. (٢/ ٨١٤)
قال: وفيها، في ذي الحجة، توجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى الجبليَّة (^٢)، وصُحْبتَه الأميرُ بهاء الدِّين قراقوش. وهم الجرديون والكسروانيون، بسبب الإصلاح، وأن يحضروا إلى الطاعة، وكان قبل سفر الشيخ تقي الدِّين قد توجّه السيد الشريف زين الدِّين ابن عدنان إليهم، فغاب أيامًا وعاد ولم يحصل اتفاق، فعند ذلك جُرّدت العساكر، وجُمعت الرجال من جميع بلاد الشام، ولم تزل تَرِد الجُموع من كل ناحية إلى سَلْخ الشهر، كما سيأتي ذكره في مستهل سنة خمس وسبع مائة إن شاء الله تعالى. (٢/ ٨١٨ - ٨١٩)
(سنة ٧٠٥)
قال: فلما كان مستهلّ رجب أمروا الناسَ بالصوم لأجل الاستسقاء، وخرج الناسُ يوم الخميس ثالث الشهر إلى ميدان المِزَّة، وحُمِل إلى هناك المنبر، وخرج نائب السلطنة وجميع الأمراء والقضاة والعلماء والفقهاء والقُراء والصوفية وعامة الناس مشاةً إلى هناك على الهيئة المشروعة. وخطب الخطيب شرف الدِّين [الفزاري] خطبةً حسنة، وزادها حُسْنًا بإيراده وفصاحته وإعرابه، وكان جمعًا عظيمًا.
_________________
(١) بياض في المخطوط، وأثبتها المحقق «أقاويل» وهي كذلك في «عقد الجمان» للعيني، والأقرب ما أثبت، ويؤيده ما في «شذرات الذهب»: (٦/ ٩) قال: «وكان يزورها الناس وينذرون لها النذور، ولهم فيها اعتقاد».
(٢) طائفة منسوبة إلى جبل عاملة في لبنان.
[ ١٧٧ ]
واصطلح عَقيب الاستسقاء تقيُّ الدِّين ابن تيمية وصدر الدِّين ابن الوكيل، تلاقيا وتسالما وتعاتبا معاتبة لطيفة (^١). (٢/ ٨٤٥)
قال: وفي يوم الاثنين ثامن رجب طُلِب القضاة والفقهاء، ومن جُمْلتهم الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى حضرة نائب السلطنة بالقصر الأبلق، فلما اجتمعوا عنده سأل تقيَّ الدِّين عن (^٢) التعيين عن عقيدته، فأملى شيئًا منها، ثم أحضر «عقيدته الواسطية»، وقُرِئت في المجلس وبُحِثَ فيها، وبقي مواضع أخرى إلى مجلس آخر.
ثم اجتمعوا يوم الجمعة ثاني عشر رجب الفرد، وحضر المجلس أيضًا الشيخ صفيُّ الدِّين الهندي، وبحثوا معه وسألوه عن مواضع خارج العقيدة، وجعلوا الشيخَ صفيَّ الدِّين يتكلم معه، ثم رجعوا عنه، واتفقوا على الشيخ كمال الدِّين ابن الزَّمَلْكاني يُحاقِقُه، ويبحث معه من غير مسامحة ورضوا بذلك، وانفصل الأمر فيما بينهم أنه أشْهَد تقيُّ الدِّين على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي - ﵁ -، فرُضِيَ منه بهذا القول، وانصرف كلٌّ منهم إلى منزله، وبعد ذلك حصل من أصحاب الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية كلام هذياني وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا تقيّ الدين، فأحضروا أحدًا منهم إلى القاضي جلال الدِّين الشافعي إلى العادلية فصُفِعَ وأُمِر بتعزيره، فشُفِعَ فيه، وكذا فعل الحنفي باثنين آخرين.
_________________
(١) انظر ما سبق (ص ١٧٥ - ١٧٦) من قيام العلماء وغيرهم ضد تولي ابن الوكيل للخطابة والإمامة وغيرها. وانظر مناظرة وقعت بين ابن تيمية وابن الوكيل في «العقود الدرية» (ص ١٤٥ - ١٦٧) و«مجموع الفتاوى»: (١١/ ١٣٥ - ١٥٦).
(٢) كذا في (ط).
[ ١٧٨ ]
فلما كان يوم الاثنين ثاني عِشْري رجب الفرد قرأ الجمال المِزِّي المحدِّث فصلًا في الرد على الجهمية من كتاب «أفعال العباد» من تصنيف البخاري، قرأ ذلك تحت النسر (^١) في المجلس العام المعقود لقراءة «البخاري»، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وقال: نحن المقصودون بهذا التكفير، وسَعَوا به إلى قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صَصْرَى الشافعي، فطلبه ورَسَم بحبسه، فبلغ تقي الدِّين ابن تيمية، فقام وأصحابه خلفه إلى الحبس وأخرجوه منه، فطلع قاضي القضاة إلى عند ملك الأمراء، وطلعَ أيضًا تقيّ الدين، فالتقيا هو والقاضي نجم الدين، واشتطَّ تقي الدِّين على القاضي نجم الدين، [وذكر نائبه] جلال الدين، وأنه آذى أصحابه بسبب غيبة نائب السلطان في الصيد، وجرى أمور يطول شرحها، فعند ذلك رسم نائب السلطنة الأمير جمال الدِّين الأفرم أن ينادى بدمشق بظاهرها بمرسوم سلطاني: من تكلم في العقائد حلَّ ماله ودمه ونُهِبت داره، وكان قصد نائب السلطنة تسكين الفتنة.
فلما كان يوم الثلاثاء سَلْخ رجب جمعوا القضاة والفقهاء، وعُمِل مجلس آخر بالميدان بحضور نائب السلطنة، وتباحثوا في أمر العقيدة كثيرًا، فجرى من صدر الدِّين ابن الوكيل كلام في معنى الحروف وغيره، فأنكر عليه ابن الزَّمَلكاني، فقال كمال الدِّين لقاضي القضاة نجم الدِّين ابن صَصْرَى: ما سمعت ما قال؟ فكأنه تغافل حتى تنكسر الفتنة، فقال كمال الدين: ما جرى على الشافعية قليل كونك تكون رئيسهم إشارة إلى ما ادعاه على صدر الدين، فاعتقد قاضي القضاة نجم الدِّين أن الكلام له، فقال: اشهدوا عليّ
_________________
(١) أي تحت قبة النسر بالجامع الأموي.
[ ١٧٩ ]
أنني عزلت نفسي، وقام من المجلس، فلحقه الأمير ركن الدِّين بيبرس العلائي، وعلاء الدِّين أيدُغْدي شقير، وأعادوه إلى المجلس، وجرى كلام كثير في ذلك.
وبعد ذلك ولَّاه الأمراء الحكم، وحكم القاضي الحنفي بصحة الولاية، وأنفذها المالكي وقبل الولاية بحضور ملك الأمراء، فلما نزل إلى داره لاموه [أصحابه، وخشي على نفسه ورأى أن الولاية لا تصح]، فطلع إلى تربتهم بسفح قاسيون وأقام بها وصَمَّم على العزل، وبقي الأمر متوقفًا، فلما كان بعد أيام رسم ملك الأمراء لنوابه بالمباشرة إلى حيث يرد جواب السلطان.
فأما القاضي جلال الدِّين فباشر، وأما تاج الدِّين الجَعْبري فلم يباشر الحكم، فلما كان ثامن عِشْري شعبان وصل بريديٌّ من مصر وعلى يده كتابان: كتاب لملك الأمراء، وكتاب لقاضي القضاة بعوده إلى ولايته ويقولون في الكتاب:
فرِحْنا باجتماع رأي العلماء على عقيدة الشيخ، فباشر القاضي يوم الخميس مستهل رمضان، وسكنت القضية.
فلما كان يوم الاثنين خامس رمضان وصل من السلطان بريديٌّ يُعرف بالعُمَري إلى دمشق بطلب قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صَصْرَى وتقي الدِّين ابن تيمية، ويقولون: تُعرِّفوننا مما وقع في زمن جاغان سنة ثمان وتسعين وست ومئة بسبب عقيدة ابن تيمية وفيه إنكار عليه، وأن تكتبوا لهم صورة العقيدتين الأولى والأخيرة، فطلبوا القاضي جلال الدِّين الحنفي وسألوه عما جرى في أيامه. فقال: نُقِل عنه كلام قاله فطلبناه فأجاب عنه،
[ ١٨٠ ]
وكذلك القاضي جلال الدِّين القزويني، فإنه أحضر العقيدة التي كانت قد أُحضرت في زمان أخيه (^١)، وجرى ما تقدم ذكره، وتحدَّثوا مع ملك الأمراء في أن يكاتب في أمرهم فأجاب.
فلما كان يوم السبت عاشر رمضان، وصل غلام ملك الأمراء على البريد من مصر، وأخبرَ أنَّ الطلب على ابن تيمية كثير، وأنَّ القاضي (^٢) قد قام في قضيته قيامًا عظيمًا، وأن الأمير ركن الدِّين الجاشنكير معه في هذا الأمر، ونقل أشياءَ كثيرة عن الحنابلة قد وقعت بالديار المصرية، وأن بعضهم قد عُزِّروا، وأن القاضي الحنبلي والمالكي جرى بينهما كلام، فلما سمع ملكُ الأمراء كلامَه انحلَّت عزائمه عن المكاتبة بسببهم، وحضر البريديُّ العُمَري، وقال له: إما أن تسيّرهما معي، وإما أن تكتب جواب المطالعة، فلما كان بكرة يوم الأحد حادي عشر شهر رمضان حضر شمس الدِّين محمد المَهْمَندار إلى تقي الدِّين ابن تيمية وقال له: قد رسم ملك الأمراء أن تسافر غدًا أنت والقاضي، فأجاب بالسمع والطاعة، وراح إلى القاضي وعرّفه، وشرعوا في تجهيز أشغالهما، وسافروا في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رمضان، فسافر القاضي خامسة النهار، وتقي الدِّين الثامنة، وفي صحبته أخواه: الشيخ شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرحمن، ومن أصحابه: شرف الدِّين ابن منجّا، وتقيّ الدِّين [أبو حفص بن] شُقَير، وفخر الدِّين وعلاء الدِّين أولاد الصائغ، وشمس الدِّين التّدْمري وغيرهم.
_________________
(١) إمام الدِّين القزويني.
(٢) يعني: القاضي ابن مخلوف المالكي، كما سيأتي.
[ ١٨١ ]
وفي يوم الجمعة سابع شوال وصل البريد إلى دمشق وأخبر بوصول القاضي نجم الدِّين وتقي الدِّين إلى القاهرة يوم الخميس ثاني عشري رمضان.
وفي يوم الجمعة ثالث عِشْريّه (^١) عُقِد له مجلس في دار نائب السلطنة بقلعة القاهر، حَضَره القضاة والعلماء والفقهاء والأمراء والأمير ركن الدِّين الجاشنكير عقيب صلاة الجمعة.
فتكلَّم القاضي شمس الدِّين ابن عدلان (^٢) الشافعي وادعى دعوة شرعيَّة على تقي الدِّين ابن تيمية.
فحمد الله تعالى، وأراد أن يتكلم في ذلك، وأن يُدْخِل أمرَ العقيدة في عقيب وعظه.
فقيل له: قد ادّعي عليك بدعوى شرعية أجب عنها.
فأراد أن يعيد التحمُّدات، وأن يذكر الأدلة والحجج، فما مُكِّن، وقيل له: أجب، فتوقف، فأُلِحَّ عليه، وكُرِّر عليه القول مرارًا عديدة.
فقال لهم: عند من هي الدعوى؟
قيل له: عند قاضي القضاة زين الدِّين المالكي.
_________________
(١) (ط): «عشرين».
(٢) (ط): «عدنان» تحريف. وهو القاضي محمد بن أحمد بن عثمان الكناني المصري، كان مقربًا من الجاشنكير، انظر «أعيان العصر»: (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٩)، و«الدرر الكامنة»: (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
[ ١٨٢ ]
فقال: هو عدوِّي وعدوّ [مذهبي]. وأظنه أساء القول على الحاكم (^١) فطال الأمر، ولم يزدهم على هذا القول (^٢)
فعند ذلك حكم القاضي المالكي بسحبه (^٣) من المجلس، ورَسَم بحبسه وحبس أخويه شرف الدِّين وزين الدِّين معه، فحبسوهم في برج من أبراج القلعة، فقيل: دخل عليهم بعض غلمان الأمراء ومعه حلاوة، وتردَّد إليه جماعةٌ من الأمراء، فبلغ القاضي، فطلع واجتمع بالأمراء في أمره، وقال: يجب عليه التضييق إذا لم يقبل، وإلا فقد ثبت كفره ووجب قتله، فنقلوه وأخويه إلى الجبِّ بقلعة الجبل ليلة عيد الفطر.
وبعد قيام تقي الدِّين ابن تيمية من المجلس المذكور تكلَّم قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جَماعة في مسألة القرآن المجيد وشيء من عقيدة الإمام الشافعي - ﵁ -، فقيل لقاضي القضاة شمس الدِّين الحنفي السروجي: ما تقول في ذلك؟ فقال: كذا أقول وأعتقد، فقالوا بعده لقاضي القضاة شرف الدِّين الحنبلي: ماذا تقول؟ فتلَجْلَج، فقال له الشيخ شمس الدِّين القروي المالكي: جدِّد إسلامك وإلا ألحقوك به، أنا أحبك وأنصحك، فخجل فلقَّنه قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة ما يقول، فقال الذي لقنه، وانفصل المجلس.
_________________
(١) ما بين المعكوفين بياض بالأصل وأكملته من المصادر. ولم يذكر أحد ممن نقل هذه المناظرة أن شيخ الإسلام أساء القول على أحد، فظنّ المؤلف يبقى ظنًّا!
(٢) هذه النقاط وما قبلها تشير إلى بياضات في الأصل.
(٣) (ط): «بحبسه» ولعله ما أثبت. وفي المصادر «فأقيم من المجلس».
[ ١٨٣ ]
ووصل كتابٌ للشيخ علاء الدِّين القونوي إلى القاضي جلال الدِّين القزويني يخبر بذلك، وورد عقيب ذلك كتاب من فخر الدِّين المعايكي إلى الشيخ كمال الدِّين ابن الزَّمَلْكاني بذلك، ويخبر أن السلطان رسم بعزل جماعة من متولي دمشق يأتي ذكرهم. (٢/ ٨٤٦ - ٨٥٣)
وقال: وكان قاضي القضاة عرض الكتب (^١) على ملك الأمراء، فرسم بقراءتها، وكانوا قد بيَّتوا على جَمْع (^٢) الحنابلة، وجمعوهم في مقصورة الخطابة بالجامع، وبعد الصلاة حضروا القضاة ومعهم الأمير ركن الدِّين العلائي إلى المقصورة، فقُرِئ تقليد القاضي نجم الدِّين باستمراره على القضاء، وقضاء العسكر، ونظر الأوقاف وزيادة المعلوم.
وقرئ بعده الكتاب الذي يتعلق بمخالفة تقي الدِّين ابن تيمية في عقيدته وإلزام القضاة خصوصًا الحنابلة، وفيه الوعيد الشديد والعزل من المناصب والحبس وأخذ المال والروح.
وبعض نُسْخةِ الكتاب:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تنزَّه عن الشبيه والنظير، وتعالى عن المثيل، فقال ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الشورى: ١١]، نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنة والكتاب، ودفع في أيامنا أسبابَ الشكّ والارتياب،
_________________
(١) يعني المرسلة من مصر.
(٢) (ط): «بينوا على جميع» والظاهر ما أثبت.
[ ١٨٤ ]
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ مَنْ يرجو بإخلاصه حُسن العُقبى والمصير، وينزِّه خالقه عن التحيّز في جهة لقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
ونشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الذي نَهَج سبيل النجاة لمن سلك طريق مرضاته، وأمر بالتفكّر في آلاء الله، ونهى عن التفكّر في ذاته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيّد بهم من قواعد الدِّين الحنيفي ما شرع، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع، وبعد:
فإن العقائد الشرعية، وقواعد الإسلام المرعية، وأركان الإيمان العليّة، ومذاهب الدِّين المرضية، هي الأساس الذي يُبنى عليه، والموئل (^١) الذي يرجع كلُّ أحد إليه، والطريق التي من سلكها فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابًا أليمًا، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكد دوامها، وتُصان عقائد هذه الأمة عن الاختلاف).
وكلام كثير من هذا النوع وأشباهه، وقُرئ تقليد الخطيب بعده، وأحضروا بعد القراءة الحنابلةَ إلى عند قاضي القضاة المالكي، وبحضور رفاقه القضاة الشافعي والحنفي وتقي الدِّين الحنبلي، وسئلوا عما يعتقدونه، فقالوا: نحن نعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي محمد بن إدريس - ﵁ -، وهو قوله: آمنت بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وقال كل واحدٍ منهم هذه المقالة، ثم
_________________
(١) (ط): «والمؤمل» والتصحيح مما سيأتي (ص ٢٢٠).
[ ١٨٥ ]
نهضوا القضاة، فراح الحنبليُّ إلى المنارة الغربية، والمالكي إلى بيته، والشافعي إلى القاضي شمس الدِّين الحريري يتغمّم له بسبب عزله، وذكروا عنه ــ والله أعلم ــ أنه هو سعى في عزله، وشمس الدِّين الحنفي الأذرعي جلس للحكم في مشهد ابن عروة، وهنؤوه الناس بالخِلْعَة. (٢/ ٨٥٥ - ٨٥٧)
قال: ذكر الأسباب الموجبة لفتنة الشيخ تقي الدِّين والحنابلة
اتفق أن بعضَ أصحابه جاب له في سنة ثلاث وسبع مئة (^١) كل طائفة على مذهبهم.
وفيه أيضًا: أن جميع من في الديار المصرية من قاضٍ وشيخ وفقير وعالم وعامّي وجاهل مُحِطّون على الشيخ تقي الدِّين الحنبلي ما خلا القاضي شمس الدِّين الحنفي فإنه متعصِّب له، وقاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة ساكت، وما عداهما مطلقون الألسنة في حقِّه.
وحاصل الأمر أنه جرى بالقاهرة في حقِّ الحنابلة من الأذى والإهانة والتنكيل أمر كبير قبل طلب الشيخ تقي الدِّين وبعد وصوله وحبسه، وأُلزموا جميعهم بالرجوع عن العقيدة، وأُكرهوا أن يقولوا: القرآن هو المعنى القائم بالنفس، وأن ما في المصحف عبارة عنه، وأن ما هو موجود في المصاحف ومحفوظ في الصدور ومقروء بالألسنة مخلوق، وأن القديم هو القائم بالنفس، وأُلزموا بنفي مسألة العلو والتصريح بذلك، وأن (^٢) جميع ما ورد من أحاديث الصفات لا يُجْرى على ظاهرها بوجه من الوجوه، وحُكم عليهم إن
_________________
(١) الصفحة [٤٩ ب] من الأصل ممحوّة، فبقي الكلام مبتورًا.
(٢) (ط): «وأن ذلك» خطأ.
[ ١٨٦ ]
لم يقولوا بذلك بالتجسيم، وجرى في حقّهم أذى كثير، وكان قاضيهم شرف الدِّين قليل البضاعة في العلم، فلم يَدْرِ ما يجيب به وتلكَّأ، وأخبروه رفقته الثلاثة أن هذا الذي يُدعى إليه ويُلْزَم به هو الصحيح، فأجاب إلى موافقتهم.
ثم هو ألزمَ جماعةً من أصحابه هذه المقالة وأخذ خطوطَهم.
وكان من تكلم في أمر العقيدة القاضي زين الدِّين المالكي انتصارًا للشيخ نَصْر المَنْبجي، ونكاية في حق رفيقيه شرف الدِّين الحنبلي وشيخ مالكي يعرف بشرف الدِّين القَروي، وساعدهما جماعة من الشافعية وغيرهم. وكانوا قد اتفقوا مع الأمير ركن الدِّين بيبرس المنصوري المعروف بالعُثماني والمتصرفين في الدولة على توهين هذه المقالة التي يعتقدها الحنابلة، وأنها بدعة، وقرروا ذلك معه، بحيث قام ينصرهم أتم قيام، ولم يُمكِنْ أحدًا معارضتُه ولا القيام بما يخالفه، فتم بأن قام في ذلك ما قصده.
وقرأت في بعض ما ورد من الكتاب أنه جرى على الحنابلة ما يعجزُ الإنسان أن يعبّر عنه، وفي بعضه: «ولقد تم على الطائفة الحنبلية شيء لم يجر مثلُه». (٢/ ٨٥٩ - ٨٦٠)
قال: وفيها في آخر يوم من شهر رمضان ليلة العيد أحضر الأمير سيف الدِّين سلّار بطبقته بقلعة القاهرة القضاةَ الثلاثةَ الشافعيّ والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء: الباجي والجزري والنّمْراوي، وتكلم في إخراج تقي الدِّين ابن تيمية، فاتفقوا على أنه يُشْترط عليه أمور ويُلْزَم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يُحضره ليتكلموا معه في ذلك، فلم يُجِب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ستّ مرات، وصمَّم على عدم الحضور في هذا الوقت،
[ ١٨٧ ]
فطال عليهم المجلس، وانصرفوا عن غير شيء.
وفي ثامن عِشْري ذي الحجة، أخبر نائب السلطنة بدمشق بوصول كتاب من ابن تيمية، وأعْلَم بذلك جماعةً ممن حضر مجلسه، ثم أثنى عليه وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه، وذكر ما هو عليه في السجن من التوجّه إلى الله تعالى، وأنه لم يقبل شيئًا من الكُسوة السلطانية ولا من الإدرارات السلطانية، ولا تدنَّس بشيء من ذلك.
وفيها، في يوم الخميس سابع عِشْري ذي الحجة طُلِبَ أخوا الشيخ تقي الدين، وهما شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرحمن إلى مجلس نائب السلطنة الأمير سيف الدِّين سلَّار، وحضر قاضي القضاة زين الدِّين المالكي وجرى بينهم كلام كثير، وأعيدا إلى مواضعهما بعد أن بحث شرف الدِّين مع القاضي وظهر عليه في النقل والمعرفة وخَطَّأه في مواضع ادَّعَى فيها الإجماع.
وفي يوم الجمعة التالي لليوم الأول، أُحْضر شرف الدِّين وحده وحضر القاضي شمس الدِّين ابن عدلان في مجلس نائب السلطنة سيف الدِّين سلار وتكلم معه، فظهر عليه ولكن ليس له مساعد، وقيل: إنه ظهر من نائب السلطنة تعصُّب على الشيخ وإخوته، والله أعلم. (٢/ ١١٢٥ - ١١٢٧).
(سنة ٧٠٦)
قال: وفيها في أوائل شهر ربيع الأول وصل الأمير حسام الدِّين مهنّا ابن الأمير شرف الدِّين عيسى بن مهنّا إلى دمشق، وتوجَّه إلى القاهرة، فوصلها في تاسع عشر الشهر، واجتمع بالسلطان فأكرمه وخلع عليه وزاد في إكرامه، وخاطب السلطان في أمر الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، فأجاب سؤاله فيه،
[ ١٨٨ ]
وحضر بنفسه إلى باب السجن إلى الشيخ تقي الدين، فأخرجه يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول إلى دار الأمير سيف الدِّين سلَّار بالقلعة، وحضره بعض الفقهاء، وحصل بينهم بحثٌ كثير، وفَوَّتت (^١) صلاةُ الجمعة بينهم، ثم اجتمعوا إلى المغرب ولم ينفصل الأمر، ثم اجتمعوا بمرسوم السلطان يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر مجموع النهار، وحضر جماعة أكثر من الأولين، وحضر الشيخ نجم الدِّين ابن الرِّفْعَة، وعلاء الدِّين الباجي، وفخر الدِّين ابن بنت أبي سعد، وشمس الدِّين الجزري الخطيب، وعز الدِّين النّمْراوي، وشمس الدِّين ابن عدلان، وصهر المالكي، وجماعة من الفقهاء، ولم يحضر القضاة، وطُلِبوا واعتذروا أنفسهم (^٢) بالمرض، وبعضهم تَبِعَ أصحابَه، وقَبِلَ عذرهم نائب السلطنة ولم يكلِّفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم، وانفصل المجلس عن خير. وبات الشيخ تقيّ الدِّين عند نائب السلطنة.
وكتب كتابًا بيده إلى دمشق بكرة الاثنين سادس عِشْري الشهر يتضمن خروجه في خير وعزّ، وأنه أقام بدار ابن شُقَير بالقاهرة، وأنّ الأمير سيف الدِّين سلّارًا رَسَم بتأخره عن الأمير حسام الدِّين مُهنَّا أيامًا (^٣)،
_________________
(١) كذا في (ط)، وفي بعض المصادر «وفرَّقت»، فلعل ما هنا تصحيف.
(٢) كذا في (ط) ولعل صوابها: «بعضهم» كما في المصادر. قال ابن كثير موضحًا سبب اعتذارهم عن الحضور: «لمعرفتهم بما ابن تيمية منطوٍ عليه من العلوم والأدلة، وأن أحدًا من الحاضرين لا يطيقه». «البداية والنهاية»: (١٨/ ٧٣ - ٧٦).
(٣) قال ابن كثير: «ليرى الناسُ فضلَه وعلمه، وينتفع الناس به ويشتغلوا عليه». «البداية والنهاية»: (١٨/ ٧٤).
[ ١٨٩ ]
ووصل مُهنَّا إلى دمشق يوم الخميس سادس ربيع الآخر وأقام ثلاثة أيام وسافر.
وفي بكرة يوم الخميس عِشْري ربيع الآخر، وصل من الشيخ تقيّ الدِّين كتابٌ مؤرّخ بليلة الجمعة رابع عشر ربيع الآخر يذكر فيه أنه عُقِد له مجلس ثالث بالمدرسة الصالحية بالقاهرة بعد خروج مهنّا (^١) في يوم الخميس سادس الشهر، وحصل الاتفاق على تغيير ألفاظٍ في العقيدة، وانفصل المجلس على خير كثيرٍ، وأنه في عافيةٍ، وأنّ في تأخُّره فوائد ومصالح. (٢/ ١١٦٨ - ١١٦٩)
قال: وفي العشر الأوسط من شهر شوال اجتمع الشيخ ابن عطاء السَّكَندري (^٢)
وشيخ الخانْقاه وجميع (^٣) الصوفية، فكانوا أكثر من خمس مئة، وطلعوا إلى القلعة، فلما وصلوها كان هناك جماعة من أرباب الصنائع والمتاجر فاختلطوا بهم، فصار من المجموع كيفية كبيرة، فلما رأى أرباب الدولة ذلك طُلب من أعيانهم نحو عشرة، وقيل: أيّ شيء مرادكم؟ فقالوا: إن
_________________
(١) (ط): «بعده خروج [غيرها إلى: خرج] منها»! والصواب ما أثبت من «العقود الدرية» (ص ٢٥٢) لابن عبد الهادي. ولم يذكر ابن عبد الهادي أنه وقع تغيير ألفاظ في العقيدة.
(٢) (ط): «السكوني» تحريف، فلم ينسبه أحد هذه النِّسبة. ترجمته في «الوافي بالوفيات»: (٨/ ٥٧) و«الدرر الكامنة»: (١/ ٢٧٣ - ٢٧٥) وغيرها. وشيخ الخانقاه هو: كريم الدِّين الآملي. والخانقاه هي: خانقاه سعيد السعداء. وانظر خبر صرفه عن المشيخة وما وقع له من أصحابه وأصدقائه «البداية والنهاية»: (١٨/ ٨٦).
(٣) كذا، ولعلها «وجَمَع» أو «جَمْع من الصوفية» كما سيأتي (ص ٦٥١).
[ ١٩٠ ]
تقيَّ الدِّين ابن تيمية يتكلم في حقِّ المشايخ، وقال: إنه لا يُستغاث بالنبي - ﷺ -، وسألوا أن يُعقد لهم وله مجلس، فرُدَّ الأمرُ في ذلك إلى عند قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة الشافعي، ففوَّضَه إلى القاضي نور الدِّين المالكي الزواوي، فاقتضى الحال تسفيره إلى الشام، فسافر مع البريد، ثم رُدَّ (^١) وحُبس بحبس الحاكم في ثامن عشر شوال، عامله الله بلطفه. (٢/ ١١٧٤ - ١١٧٥)
قال: وفيها توفي الصاحب الكبير الصدر العالم الكامل الأوحد تاج الدِّين محمد بن الصاحب فخر الدِّين محمد بن الصاحب الكبير الوزير بهاء الدِّين علي بن محمد بن سليم المصري المعروف بابن حِنَّا رحمه الله تعالى وصلى عليه الشيخ أخو المرجاني أولًا، وثاني مرة الشيخ تقيّ الدِّين ابن تيمية، وكانت جنازته مشهودة. (٢/ ١١٨٣ - ١١٨٤)
(سنة ٧٠٩)
قال: وفيها في سَلْخ صفر سَفَّروا الشيخ تقيَّ الدِّين ابن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية مع أمير مقدّم، ولم يمكَّن أحدٌ من جماعته السفرَ معه، ووصل خبره إلى دمشق بعد عشرة أيام، وكان توجهه من القاهرة ليلة الجمعة، ووصوله إلى الإسكندرية يوم الأحد، دخل من باب الخوخة إلى دار السلطان، ونُقل ليلًا إلى بُرجٍ في شرقيِّ البلد. (٢/ ١٢٤٤)
قال: وفي ثامن شوال، طُلب الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية من الإسكندرية فوصل إلى القاهرة ثامن عَشْرِه واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة رابع عِشْريه، وأكرمه وتلقَّاه في مجلس حفل فيه قضاة المصريين والشاميين
_________________
(١) الذي سعى في ردّه هو القاضي ابن مخلوف المالكي. انظر ما سيأتي (ص ٦٥١).
[ ١٩١ ]
والفقهاء، وأصلح بينه وبينهم. ثم سكن القاهرة ونزل بالقرب من مشهد الحسين بن علي رضوان الله عليهم، والناس يترددون إليه والأمراء والجند وطائفة من الفقهاء، ومنهم من يعتذرُ إليه ويتنصَّل مما وقع منه. (٢/ ١٢٥٩)
* * * *
[ ١٩٢ ]