ولا [تنسَوا تقريراتِ] شيخِنا الحاذقِ الناقدِ [لمعا] ني قوله ﵎ في بيان الحِكم الأربع التي أودعها الله سبحانه في ضمن انكسار عَسْكَرِ الرسول في يوم أُحد، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤١].
فلا تُهملوا أمرَ الفكرة الصالحةِ، في هذه المعاني الشريفة وغيرها، ولا تجزعوا لما حَصَلَ، فَإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يموتُ، وهو المتكفلُ سبحانه بنصرِ الدِّين وأهلِهِ، والمختبر لعبادِهِ فيما يَبْتليهم بِهِ، والخبير بجملةِ مصالحهم، والرؤوف بهم، والهادي لمن يشاء إلى صراط مستقيم، ولا يهلك على الله إلا هالك، والسعيد مَن قام بما عليه إلى حال وفاته. ومن أراد عظيم الأجر التام، ونصيحة الأنام، ونشر علم هذا الإمام، الذي اختطفه من بيننا محتوم الحِمام، ويَخشى دُروس كثيرٍ من علومِهِ المتفرقةِ الفائقةِ، مع تكررِ مرورِ اللَّيالي والأيام، فالطريقُ في حقِّه: هو الاجتهاد العظيم على كتابة مؤلفاته الصغار
_________________
(١) . نشرها محمد حامد الفقي في «مجموعة رسائل علمية» (القاهرة ١٣٦٨ هـ، ص ١٤٧ - ١٥٤) بالاعتماد على نسخة بخط الشيخ جمال الدِّين القاسمي منقولة من نسخة منقولة من خط المؤلف، مخرومة من أولها مع محوٍ في أثنائها، استخرجها القاسمي من مجموع بديع، وقام بتصحيحها. ثم قابلناها على أصل القاسمي، فصحّت ولله الحمد. وما كان بين [] فهو بياض في الأصل.
[ ١٩٣ ]
والكبار على جليتها من غيرِ تصرُّفٍ فيها ولا اختصار، ولو وُجِدَ فيها كثيرٌ من التكرار، ومقابلتها وتكثير النُّسَخِ بها وإشاعتها، وجَمْع النظائر والأشباهِ في مكانٍ واحدٍ، واغتنام حياةِ من بقي من أكابر الإخوان، فكأننا جميعًا بِكمال الفَوْتِ وقد حان، ويكفينا ما عند [نا على ما فرطنا] من عظيم الأسفِ.
فلِوَجْهِ الله معشرَ الإخوانِ لا تعاملوا الوقتَ الحاضرَ بما عاملتم به الوقتَ الذي قد [سلف، فإن حياته] ﵀ ورضي عنه كانت مأمولةً لاستدراك [الفارطات] الفائتات، وتكميل الغايات والنهايات (^١)، فاغتنموا تحصيل كلِّ مهمةٍ في وقتِها بلا كسل ولا مَلَلٍ، ولا تشاغُلٍ ولا بخل. لأن هذا المهم الكبيرَ (^٢) أحقُّ شيء [يُبْذَل] في تحصيله المالُ الكثير، وقد علمتم مضرةَ التعلل والتسويف، وكون ذلك من أكبر القواطعِ عن مصالح الدنيا والآخرة.
فاحتفظوا بالشيخ أبي عبد الله (^٣) - أيده الله ــ وبما عنده من الذخائر والنفائس، وأقيموه لهذا المهم الجليل بأكثر ما تقدرون عليه ولو تألَّمتم أحيانًا من مطالبته؛ لأنه قد بقي في فنه فريدًا، ولا يقوم مقامه غيره من سائر الجماعة على الإطلاق، وكل أحوال الوجود لابد فيها من العوارض والأنكاد، فاحتسبوا مساعدته عند الله تعالى، وانهضوا بمجموع كُلْفته، فإن
_________________
(١) . بعده بياض بقدر كلمتين.
(٢) . في الأصل: «الكثير».
(٣) . علق عليه القاسمي بقوله: «يعني ابن القيم أجلَّ تلامذة شيخ الإسلام» والصواب أنه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن رُشَيِّق المالكي (ت ٧٤٩)، ناسخ مؤلفات شيخ الإسلام وصاحب كتاب: «مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية» المنسوب خطأً لابن القيم، انظر: المقدمة (ص ٦٠).
[ ١٩٤ ]
الشدائد تزول، والخيرات تغتنم، فاكتبوا ما عنده وليكتب ما عندكم.
وأنا استودع الله دينَه وما عنده، وأوصيه بالصبر أيضًا وبمعاملة اللهِ سبحانه فيما هو فيه، وإن قصَّر الإخوان في حقه (^١)، وليطلب نصيبَهُ من الله تعالى متكلًا عليه في تحرير (^٢) المضمون، ومُجْمِلًا في الطلب، لأن ما قُسِم له لابد أن [يكون].
وإنَّ مما أحثّ هممكم الصالحة عليه: تحصيل كراريس [«الرد على عقائد] الفلاسفة» فإنه ليس في الوجود بهذا المؤلف نسخة [كاملة] غير النسخة التي بخطي، وكانت في الخرستان (^٣) الشمالي من مدرسة شيخنا، وأخبرني الشيخ شرف الدين (^٤) ــ رحمه الله تعالى ــ أنه أودع المجموع في مكان حريز، وقد شحَّ عليّ بإنفاذ هذه الكراريس وقتَ الذهاب من الشام، ولا قوة إلا بالله، والكراس الرابع منها أخذه أبو عبد الله من يدي وهو عنده، ونسخة الأصل التي بخط الشيخ هي في القطع الكبير، وكانت هناك أيضًا، وقد بقي من آخر نسختي أقل من ورقة، فأوصِلوا ذلك إلى أبي عبد الله، ليُكمل النسخة إلى عند قوله: «فهذا باب، وذاك باب، والله أعلم بالصواب».
_________________
(١) . توفي ابن رُشيِّق وبقي عليه دَين (كما في البداية والنهاية ١٤/ ٢٢٩). وهذا يدل على تقصير الإخوان في حقه، وأنه كان يعاني من شظف العيش ومرارة الحياة بسبب قلة المال لديه. ولذا حثَّ الشيخُ ابن مرّي زملاءه على مساعدته.
(٢) . المطبوع: «رزقه».
(٣) . الخرستان: الخزانة أو الحجرة الصغيرة. «تكملة المعاجم» (٤/ ٥٥).
(٤) . الشيخ شرف الدِّين ــ أخو تقيّ الدِّين ابن تيمية عبدُ الله بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية الحراني. (ت ٧٢٧ هـ). «المعجم المختص» (ص ١٢١ - ١٢٢)، و«شذرات الذهب» (٦/ ٧٦ - ٧٧).
[ ١٩٥ ]
وللطواسي نسخة بخط كَيّسٍ، فكملوها، لأنه مؤلَّف لا نظير له، ولا يكسر الفلاسفة مثله.
ومن الله نسأل المعونة على جَمْع شمل هذه المصالح الجليلة بعد شتاتها، ونعوذ بالله من عوارض القواطع وآفاتها، لأن الفَوْتَ صعب، وغاية التفريط رديّة، وانتهاز الفرص من أهم الأمور وأجْمَعها لمصالح الدنيا والآخرة، وما يعقلها إلا العالمون، وسيندم المفرطون في استدراك بقايا هذه الأمور الكاملة والمقصرون، كما ندم المتخيلون بطول حياة الشيخ والمغترون.
وهذه الأمور التي قد أشرت إليها في هذه الأوراق الخفيفة هي أغلى أبواب النصيحة وأسّها فيما أعلم، لأن الذاهب مضى، والوقت سيف فمنتضى، وكل من ذهب بعده من أكابر الإخوانِ ما عنه عوض، والدهر في إدبار، والشرور في زيادة.
وإذا جمعت هذه المؤلفات العزيزة الكثيرة، ونقل من المسوَّدات ما لم يُنْقَلْ، وقُبِلَ رأيُ أبي عبد الله في ذلك؛ لأنه على بصيرة من أمره، وهو أخبر الجماعة بمظان المصالح المفردة التي قد انقطعت مادتها، وقوبل كل ما يكتب مع أصلح الجماعة، على أصلح النّسَخ، أو على نسخة الأصل، وروجع شيخنا الحافظ جمال الدين (^١) الذي هو بقية الخير لثقته وخبرته وشفقته وتحرُّقه على ظهور هذه المواد الصالحة في الوجود، ولسعة علمه وإحاطته بكثير من مقاصد شيخنا المؤلف. وروجع الشيخان الصالحان، الفاضلان المحققان: شرف
_________________
(١) . الحافظ جمال الدِّين المزي (ت ٧٤٢ هـ).
[ ١٩٦ ]
الدين القاضي (^١) وشمس الدِّين بن أبي بكر (^٢)، فإنهما أحذق الجماعة على الإطلاق في المناهج العقلية وغيرها، وأذْكَر للمباحث الأصولية، فيما يشتبه من المقاصد، خوفًا من التصحيف وتغيير بعض المعاني، وروجع غيرهم من أكابر الجماعة أيضًا، كان في ذلك خير كثير، واستدراكٌ كبير، إن شاء الله تعالى.
والشيخ أبو عبد الله يسلمه الله، هو بلا تردد واسطة نظام هذا الأمر التام، فساعِدوه وأزيلوا ضرورتَه، واجمعوا همته، واغتنموا بقية حياته، واقبلوا نصيحتي فيما أتحقّقه من هذا كله، كما كنت أتحقق أن اغتنام أوقات الشيخ وجَمْعها على التأليف والإتقان والمقابلة خيرٌ مِن صَرْفها في مجرَّد المفاكهة اللذيذة والمنادمة، والنفوسُ فرَّطت كثيرًا في ذلك الحال. والله المسؤول بأن يكفيها مضرة كمال الفَوْتِ الذي لا عوض عنه بحال، إنه رؤوف رحيم، جوادٌ كريمٌ.
فإن يسَّر الله تعالى وأعانَ على هذه الأمور العظيمة صارت إنْ شاء اللهُ تعالى مؤلفات شيخنا ذخيرةً صالحةً للإسلام وأهلِهِ، وخزانةً عظيمة لمن يؤلف منها وينقل، وينصر الطريقة السلفية (^٣) على قواعدها ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى؛ قال - ﷺ -: «لا يزال الله يغرس في هذا الدِّين غرسًا يستعملهم فيه بطاعة الله»، وقال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقومَ الساعة». والله سبحانه يقول في كتابه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. وكما انتفع الشيخ بكلام الأئمة قبله
_________________
(١) . القاضي شرف الدِّين أحمد بن الحسن ابن قاضي الجبل (ت ٧٧١).
(٢) . شمس الدِّين بن أبي بكر هو ابن القيم (ت ٧٥١ هـ).
(٣) . في الأصل: «السليقة» ويحتمل أن تقرأ «السليمة».
[ ١٩٧ ]
فكذلك ينتفع بكلامه من بعده إن شاء الله تعالى.
فاتبعوا أمر الله، واقصدوا رضى الله بجمع كل ما تقدرون عليه من أنواع المؤلفاتِ الكبار، [وأشتاتِ المسائل] الصِّغار، ومن نسخ الفتاوى المتفرقة، وسائر كلامه الذي قد مُلِئَ، ولله الحمد، من الفوائد والفرائد والشوارد، فأيقظوا الهمم، وابذلوا الأموال الكثيرة في تحصيل هذا المطلب العظيم الذي لا نظير له، فهذا هو الذي يلزمنا من حيث الأسباب، والتمام على رب الأرباب ومسبب الأسباب وفاتح الأبواب، الذي يقيم دينه، وينصر كتابه وسنة نبيه على الدوام، ويثيت من يؤهله لذلك من أنواع الخاص والعام، وكلٌّ مَجزيٌّ في القيامة بعمله، وما ربك بظلامٍ.
وقد علم أن الإمام أحمد بن حنبل كان ينهى في حال حياته عن كتابة كلامه ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ولما توفي استدرك أصحابه ذلك الأمر الكبير، فنقلوا علمه وبينوا مقاصده، وشهروا فوائده، فانتصرت طريقته، واقتفيت آثاره لأجل ذلك، والوجودُ هو على هذه الصفة قديمًا وحديثًا.
فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه ولله الحمد مقبول طوعًا وكرهًا، وأين غايات قبول القلوب السليمة لكلماته، وتتبع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته، ووالله إن شاء الله ليقيمن الله سبحانه لِنَصْرِ هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه، رجالًا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم (^١). وهذه هي سنة الله
_________________
(١) . وقد كان ذلك، ولله الحمد.
[ ١٩٨ ]
الجارية في عباده وبلاده، والذي وقع من هذه الأمور في الكون لا يحصي عدَدَه غير الله تعالى.
ومن المعلوم أن البخاري مع جلالة قدره أُخرِج طريدًا، ثم مات بعد ذلك غريبًا، وعوضه الله سبحانه عن ذلك بما لا خطر في باله، ولا مرّ في خياله، من عكوف الهمم على كتابه، وشدة احتفالها به، وترجيحها له على جميع كتب السنن، وذلك لكمال صحته، وعظمة قدره، وحسن ترتيبه وجمعه، وجميل نية مؤلفه، وغير ذلك من الأسباب.
ونحن نرجو أن يكون لمؤلفات شيخنا أبي العباس من هذه الوراثة (^١) نصيبٌ كثير إن شاء الله تعالى، [لأنه كان بنى] جملة أموره على الكتاب والسنة، ونصوص أئمة [سلف الأمة. وكان يقصد] تحرير الصحة بكل جهده ويدفع الباطل [بكل ما يقدر عليه]، لا يهاب مخالفَة أحدٍ من الناسِ في نصر هذه الطريقة، [وتبيين هذه] الحقيقة.
وقد عُلِم أن لكتبه من الخصوصية والنفع والصحة، والبسط والتحقيق، والإتقان والكمال، وتسهيل العبارات، وجَمْع أشتات المتفرقات، والنطق في مضايق الأبواب بحقائق فصل الخطاب، ما ليس لأكثر المصنفين، في أبواب مسائل أصول الدين، وغيرها من مسائل المحققين، لأنه كان يجعل النقل الصحيح أصله وعمدته في جميع ما يبني عليه، ثم يعتضد بالعقليات الصحيحة التي توافق ذلك وبغيرها، ويجتهد على دفع كل ما يعارض ذلك من شُبَه المعقولات، ويلتزم حَلَّ كلِّ شبهة كلامية وفلسفية كما قدمتُ الإشارة إلى ذلك، ويلتزم أيضًا الجمع بين صحيح المنقول وصريح المعقول، ويجزم بأن
_________________
(١) . المطبوع زيادة: «الصالحة».
[ ١٩٩ ]
فرض دليلين قطعيين يتعارضان من المحال إن كانا عقليين أو عقليًّا ونقليًّا، قال: لأن الدليل هو الذي يجب ثبوت مدلوله، فإمَّا أن لا يكونا قطعيين، وإمَّا أن لا يكون مدلولاهما متناقضين. وعلى هذا المقصد الجليل بنى كلامه المتين، وتقاسيمه العجيبة المحيطة المحضة في أول قاعدته الكبيرة الباهرة التي ألفها في [دفع «تعارض] العقل للنقل». فكانت مقاصده وتحقيقاته في هذا [الباب العظيم] عجبًا من عجائب الوجود.
وكان يقول: لا يتصور [أن يتعارض حديثـ]ـان صحيحان قط إلا أن يكون الثاني منهما ناسخًا للأول. قال: والإمام أحمد بن حنبل كان في زمنه يصرح [به، ويلتزم] تحقيقه، وأنا في زمني ألتزم حكم هذه القاعدة [أيضًا]، والنهوض بالجواب عن كل ما يعارضها.
وكان ﵀ ورضي عنه يذبُّ عن الشريعة ويحمي حوزَة الدِّين بكل ما يقدر عليه، وكان كما عُلم من حاله لا يخاف في هذا الباب لومة لائم، ولا ينثني عما يتحقق عنده، ولم يزل على ذلك إلى أن قضى نَحْبه، ولقي ربه، فقدس الله روحه، ونور ضريحه، ونصر مقاصده، وأيَّد قواعدَه، والله سبحانه يعلم حُسْن قصده، وصحة علومه ورجحان دليله، وهو ناصر الحق وأهله، ولو بعد حين.
وجميع ما وقع من هذه الأمور فيه من الدلالة إن شاء الله على [شمول أمره، وظهور] كلمة هذه العلوم الباهرةِ أكثر مما فيه من الدلالة على خلاف ذلك، ولا قوة إلا بالله، غير أن الأشياء المقدورة، تفتقر إلى أسبابها المعلومَة، ولهذا كان الرسولُ - ﷺ - وهو في العريش يوم بدر يجتهد على الاستغاثة (^١)
_________________
(١) . رسمها في الأصل: «الاستعانة».
[ ٢٠٠ ]
بالله التي كانت أكبر أسباب النصرة في ذلك اليوم، بعد أن عرفه الله تعالى
_________________
(١) قبل ذلك جلية مصارع القوم. ولما التزمه أبو بكر من ورائه قائلًا له: «يا رسول الله، أهكذا مناشدتُك ربَّكَ، فإنه وافٍ لك بما وعدك»، لم يترك استغاثته بربه، لعلمه أن الأمور المقدورة لابد أن تقع بأسبابها اللازمة لها، المعروفة بها. ومصداق ذلك ما أنزله سبحانه في تقرير هذا الأمر، وتحقيق هذه القاعدة، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] لأنه سبحانه بيّن حكم الأسباب المتقدمة والمتأخرة، ورد الأمر إلى حقائق التوحيد، بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهذا هو نهاية مطالب هذا الباب، واتباع هذه الأحكام الثابتة على هذه الصفة المؤيدة، هو بلا شك أعلى مراتبِ العبودية، وأنفعها وأرفعها في حق مجموع البرية. فأكثروا من استعمال هذا الأمر الجليل، وحسبُنا الله ونعمَ الوكيلُ. الحمد لله وحده، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله، وسلامه على جميع الصالحين. جاء في آخر النسخة: «نقلها من خط قائلها الشيخ الإمام شهاب الدين أبقاه الله ونفع به. كان الفراغ من نسخها نهار الجمعة الواقع رابع ذي القعدة الحرام على يد كاتبها محمد المجذوب في ميران الحصى ابتدأ بها بعد صلاة الجمعة يومها وأتمها مع أذان العصر». * * * *
[ ٢٠١ ]