للعلّامة أبي الفلاح عبد الحيّ بن العِماد الحنبلي (١٠٨٩)
وفيها [٧٢٨] شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السَّلام ابن تّيْمِيَّة الحرَّاني الحنبلي، بل المجتهد المُطْلق.
ولد بحَرّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل، سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التَّتار علي البِلاد إلى دمشق سنة سبع وستين، فسمع الشَّيخ بها ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليسر، والمجد ابن عساكر، ويحيي بن الصّيرفي، والقاسم الإربلي، والشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر، وغيرهم. وعني بالحديث، وسمع «المسند» مرّات، والكتب السِّتَّة، و«معجم الطَّبرانيّ الكبير» وما لا يُحصى من الكتب والأجزاء. وقرأ بنفسه، وكتب بخطّه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره، فأخذ الفقه والأصول عن والده، وعن الشَّيخ شمس الدِّين بن أبي عمر، والشيخ زين الدِّين بن المُنَجَّى، وبَرَعَ في ذلك، وناظر، وقرأ العربية على ابن عبد القوي. ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه» فتأمله وفهمه، وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرّز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، وغير ذلك من العلوم. ونظر في الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، وردَّ علي رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة. وأفتى من قبل العشرين أيضًا. وأمدّه الله بكثرة الكتب، وسُرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبُطء
_________________
(١) (٧/ ١٤٢ - ١٥٠) دار ابن كثير، دمشق، تحقيق الأرناؤوط.
[ ٧٥٩ ]
النسيان، حتَّى قال غير واحد: إنَّه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه، ثمَّ توفي والده وله إحدى وعشرون سنة، فقام بوظائفه بعده مدة، فدرَّس بدار الحديث السُّكَّريَّة المجاورة لحمّام نور الدِّين الشهيد في البزورية في أول سنة ثلاث وثمانين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين بن الزّكي، والشيخ تاج الدِّين الفَزَاري، وابن المُرَحّل، وابن المُنَجَّي، وجماعة، فذكر درسًا عظيمًا في البسملة، بحيث بَهَرَ الحاضرين، وأثنوا عليه جميعًا.
قال الذَّهبيّ: وكان الشَّيخ تاج الدِّين الفَزَاري يُبالغ في تعظيم الشَّيخ تقي الدِّين، بحيث إنَّه علّق بخطّه درسه بالسُّكرية.
ثمَّ جلس مكان والده بالجامع على منبر أيام الجمع لتفسير القرآن العظيم، وشرع من أول القرآن، فكان يُوردُ في المجلس من حفظه نحوَ كُرَّاسين أو أكثر. وبقي يُفسّر في سورة نوح عِدَّةَ سنين أيامَ الجُمَع.
وقال الذَّهبيّ في «معجم شيوخه»: شيخنا، وشيخ الإسلام، وفريد العصر، علمًا، ومعرفةً، وشجاعة، وذكاءً، وتنويرًا إلهيًّا، وكرمًا، ونصحًا للأمة، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر.
سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب، وخرَّج، ونظر في الرجال والطبقات، وحصَّل ما لم يحصّله غيره، وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيقِ معانيه بطبع سيالٍ، وخاطر وقّادٍ إلى مواضع الإشكال مَيَّال، واستنبط منه أّشياء لم يُسبق إليها، وبَرَعَ في الحديث وحفظه، فقلَّ مَنْ يحفظ ما يحفظ من الحديث مَعْزُوًّا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضارٍ له وقت إقامة الدّليل. وفاق النَّاس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصّحابة والتابعين، بحيث إنَّه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده،
[ ٧٦٠ ]
وأتقن العربية أصولًا وفروعًا، وتعليلًا واختلافًا. ونظر في العقليات، وعَرَفَ أقوال المتكلمين. وردّ عليهم، ونَبّه على خطئهم وحذَّر، ونصر السُّنِّة بأوضح حُججٍ وأبهر براهين، وأُوْذِيَ في ذات الله من المخالفين، وأُخيف في نصر السنة المحضة، حتَّى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التَّقوى على محبته والدعاء له. وكَبَتَ أعداءه، وهدى به رجالًا من أهل الملل والنِّحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته. وأحيا به الشَّام، بل الإسلام، بعد أنْ كاد ينثلم خصوصًا في كائنة التَّتار، وهو أكبر من أن يُنَبِّه علي سيرته مثلي: فلو حُلِّفْتُ بين الركن والمقام لحَلَفْتُ: أني ما رأيت بعيني مثله، وأنَّه ما رأى مثل نفسه. انتهى كلام الذَّهبيّ.
وكتب الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني تحت اسم «ابن تَيْميِّة»: كَانَ إذا سُئِلَ عن فنٍّ من العلم ظَنَّ الرائي والسَّامع أَنَّه لا يعرف غير ذلك الفَنِّ، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرفه مثله. وكان الفقهاء من سائر الطّوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علمٍ من العلوم سَوَاء كَانَ من علم الشَّرع أو غيرها إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
وكتب الحافظ ابن سَيِّد الناس في «جواب سؤالات الدّمْيَاطي» في حقِّ ابن تَيْمِية: ألفيتهُ ممن أدرك من العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السُّنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير، فهو حامل رايته، وإن أفتي في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهم صاحب علمه، وذو روايته، أو حاضر بالنّحَل والمِلَل لم يُرَ أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته.
برز في كل فنٍّ على أبناء جنسه، ولم تَرَ عينُ من رآه مثله، ولا رأت عينه
[ ٧٦١ ]
مثل نفسه.
وقال الذَّهبيّ في «تاريخه الكبير» بعد ترجمة طويلة: بحيث يصدق عليه أن يُقال: كل حديث لا يعرفه ابن تَيْمِيَّة فليس بحديث.
وترجمه ابن الزَّمْلَكَاني أيضًا ترجمة طويلة وأثنى عليه ثناءً عظيمًا، وكتب تحت ذلك:
ماذا يقول الواصفون له وصفاتُه جَلَّتْ عن الحَصْر
هو حُجَّةٌ للهِ قاهرةٌ هو بيننا أعجوبَةُ العَصْرِ
هو آيةٌ للخَلْق ظاهرةٌ أنوارُها أربتْ على الفَجْر
وللشيخ أثير الدِّين أبي حيَّان النّحوي لما دخل الشَّيخ مصرَ واجتمع به فأنشد أبو حَيَّان:
لمَّا رأيْنَا تَقِيَّ الدِّين لاحَ لنَا داعٍ إلى اللهِ فردٌ ما له وَزَرُ
على مُحَيَّاهُ مِنْ سِيْمَا الأُولَى صَحِبُوا خيرَ البَرِيَّةِ نُوْرٌ دُوْنَهُ القَمَرُ
حَبْرٌ تَسَرْبَلَ مِنْهُ دَهْرُهُ حِبرًا بَحرٌ تَقَاذَفُ مِنْ أمواجه الدُّرَرُ
قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْرِ شِرعَتِنَا مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
فأظْهَرَ الدِّين إذْ آثارُهُ دَرَسَتْ وأخْمدَ الشِّرْكَ إذ طارَتْ لَهُ شَرَرُ
يا مَنْ يُحدثُ عن عِلْمِ الكتابِ أصِخْ هذا الإمامُ الذي قَدْ كان يُنتظر
يشير بهذا إلى أنَّه المجدد.
وممن صرَّح بذلك الشَّيخ عماد الدِّين الواسطي، وقد توفي قبل الشَّيخ. وقال في حقِّ الشَّيخ بعد ثناء طويل جميل ما لفظه: فوالله، ثمَّ والله، ثمَّ والله، لم يُرَ تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تَيْمِيَّة، علمًا، وعملًا، وحالًا،
[ ٧٦٢ ]
وخُلقًا واتِّباعًا، وكرمًا، وحلمًا، وقيامًا في حقِّ الله عند انتهاك حُرُماته، أصدق النَّاس عقدًا، وأصحهم علمًا، وعزمًا، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحقّ وقيامه همةً، وأسخاهم كفًّا، وأكملهم اتباعًا لنَبيّه محمد - ﷺ -. ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلى النُّبُوة المحمدية وسُننها من أقواله وأفعاله إلَّا هذا الرَّجل، يشهد القلب الصحيح أنَّ هذا هو الاتباع حقيقة.
وقال الشَّيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد، وقد سئل عن ابن تَيْمِيَّة بعد اجتماعه به: كيف رأيته؟ فقال: رأيت رجلًا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها ويترك ما شاء، فقيل له: فلم لا تتناظران؟ قال: لأنَّه يحب الكلام وأحبُّ السّكوت.
وقال برهان الدِّين بن مُفلْح في «طبقاته»: كتب العَلّامة تقي الدِّين السُّبْكي إلى الحافظ الذَّهَبيّ في أمر الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة: فالمملوك يتحقق قدره وزخارة بحره وتوسّعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وأنَّه بلغ من ذلك كل المبلغ الَّذي يتجاوزه الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجلُّ، مع ما جمعه الله تعالى له من الزَّهَادة، والوَرَع، والدِّيانة، ونصرة الحقِّ، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السَّلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفي، وغرابة مثله في هذا الزَّمَان، بل من أزمان. انتهى.
وقال العَلّامة الحافظ ابن ناصر الدِّين في «شرح بديعته» بعد ثناء جميل وكلام طويل: حَدَّث عنه خلقٌ، منهم الذَّهَبيّ، والبِرزالي، وأبو الفتح بن سيد النَّاس، وحدَّثنا عنه جماعة من شيوخنا الأكياس.
وقال الذَّهَبيّ في عدَّ مصنّفاته المجوّدة: وما أُبعد أن تصانيفه إلى الآن
[ ٧٦٣ ]
تبلغ خمسمائة مجلدة.
وأثنى عليه الذَّهَبيّ وخلق بثناء حميد، منهم الشَّيخ عماد الدِّين الوَاسطي العارف، والعَلَّامة تاج الدِّين عبد الرَّحمن الفَزَاري، وابن الزَّمْلَكاني، وأبو الفتح ابن دقيق العيد.
وحَسْبُه من الثناء الجميل قول أستاذ أئمة الجرح والتعديل أبي الحجَاج المِزِّي الحافظ الجليل، قال عنه: ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه. وترجمه بالاجتهاد وبلوغ درجته، والتمكن في أنواع العلوم والفُنون: ابن الزَّمْلَكاني، والذَّهبيّ، والبرزاليُ، وابن عبد الهادي، وآخرون.
ولم يخلف بعده من يقاربه في العلم والفضل. انتهى كلام ابن ناصر الدِّين ملخَّصًا.
وكان الشَّيخ العارف بالله أبو عبد الله ابن قوّام يقول: ما أسلمت معارِفُنا إلَّا على يد ابن تيميَّة.
وقال ابن رجب: كان العلماء، والصُّلحاء، والجُند، والأُمراء، والتُّجار، وسائر العامّة تحبُّه، لأَنَّه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه، وقلمه.
ثمَّ قال ابن رجب وغيره: ذِكْر نبذة من مفرداته وغرائبه:
اختار ارتفاع الحديث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه.
والقول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلَّا أن يتغير قليلًا كَانَ أو كثيرًا.
والقول بجواز المسح على النَّعلين والقدمين وكل ما يُحتاج في نزعه من
[ ٧٦٤ ]
الرّجل إلى معالجة باليد أو بالرِّجل الأخرى فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين. واختار أن المسح على الخفين لا يتوقت مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد، ويتوقف مع إمكان النزع وتيسره.
واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها.
واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور، كمن أخّر الصلاة عمدًا حتَّى تضايق وقتها. وكذا من خشي فوات الجمعة والعيدين وهو مُحْدِثٌ.
واختار أنَّ المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشق عليها النزول إلى الحمّام وتكرره، أنها تتيمم وتُصلي.
واختار أن لا حدَّ لأقلّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقلّ الطُّهر بين الحيضتين، ولا لسنِّ الإياس، وأن ذلك يرجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.
واختار أنَّ تارك الصلاة عمدًا لا يجب عليه القضاء، ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل.
وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، كما هو مذهب الظّاهرية.
واختار القول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر واختاره البخاريّ صاحب «الصحيح».
والقول بأن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء، كما هو مذهب ابن عمر واختيار البخاريّ.
[ ٧٦٥ ]
والقول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدًا أنَّه ليل وكان نهارًا لا قضاء عليه كما هو الصحيح عن عمر بن الخطّاب - ﵁ -، وإليه ذهب بعض التَّابعين وبعض الفقهاء بعدهم.
والقول بجواز المسابقة بلا محلّل وإن أخرج المتسابقان.
والقول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة، والمطلقة آخر ثلاث تطليقات.
والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين.
وجواز طواف الحائض، ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرًا.
والقول بجواز بيع الأصل بالعصير، كالزيتون بالزيت، والسّمسم بالسّيرج.
والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره كالخاتم ونحوه بالفضة متفاضلًا، وجعل الزائد من الثمن في مقابلة الصّنعة والقول.
ومن أقواله المعروفة المشهورة الَّتي جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل قوله بالتفكير في الحلف بالطلاق، وأن الطّلاق الثلاث لا يقع إلَّا واحدة، وأن الطلاق المحرّم لا يقع، وله في ذلك مؤلفات كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط.
وقال ابن رجب: مكث الشَّيخ معتقلًا في القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذي القعدة سنة ثمان وعشرين، ثمَّ مرض بضعة وعشرين يومًا، ولم يعلم أكثر النَّاس بمرضه، ولم يفجأهم إلَّا موته.
[ ٧٦٦ ]
وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشري ذي القعدة، ذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلّم به الحرس على الأبرجة، فتسامع النَّاس بذلك، وبعضهم علم به في منامه، واجتمع النَّاس حول القلعة حتَّى أهل الغوطة والمَرْج، ولم يطبخ أهل الأسواق، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين، وفُتح باب القلعة.
واجتمع عند الشَّيخ خلق كثير من أصحابه يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زينُ الدِّين عبد الرَّحمن أنَّه ختم هو والشَّيخ منذ دخلا القلعة ثمانين خَتْمَة، وشرعا في الحادية والثمانين، وانتهيا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فشرع حينئذ الشيخان الصّالحان عبد الله بن المحبّ الصّالحي، والزُّرَعيّ الضّرير
_________________
(١) وكان الشَّيخ يحب قراءتهما فابتدأا من سورة ﴿الرَّحْمَنُ﴾ حتَّى ختما القرآن. وخرج من عنده من كَانَ حاضرًا إلَّا من يغسّله ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصَّالحين وأهل العلم، كالمِزَّي وغيره، وما فُرغ من تغسيله حتَّى امتلأت القلعة وما حولها بالرِّجال، فصَلى عليه بدركات القلعة الزَّاهد القُدوة محمد بن تمّام، وضجَّ النَّاس حينئذ بالبكاء، والثناء، والدعاء بالتّرحم. وأُخرج الشَّيخ إلى جامع دمشق، وصلّوا عليه الظُّهر، وكان يومًا مشهودًا لم يعهد بدمشق مثله، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة السُّنَّة، فبكى النَّاس بكاءً كثيرًا، وأُخرج من باب البريد، واشتد الزحام وألقى النَّاس على نعشه مناديلهم! وصار النَّعش على الرؤوس يتقدم تارة ويتأخر أخرى،
[ ٧٦٧ ]
وخرجت جنازته من باب الفرج، وازدحم النَّاس على أبواب المدينة جميعًا للخروج، وعظُم الأمر بسوق الخيلِ، وتقدم في الصلاة عليه هناك أخوه عبد الرَّحمن، ودفن وقتَ العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدِّين عبد الله بمقابر الصُّوفية. وحُزِرَ من حضر جنازته بمائتي ألف، ومن النساء بخمسة عشر ألفًا. وخُتمت له ختمات كثيرة، ﵀ ورضي عنه.
* * * *
[ ٧٦٨ ]