للعلَّامة شمس الدِّين محمد بن عليّ بن أحمد الداوودي (٩٤٥)
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر ابن محمد بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني ثمَّ الدِّمشقي الحنبلي، الإمام العلامة الفقيه المجتهد الناقد المفسر البارع الأصولي شيخ الإسلام علم الزهاد، نادرة دهره، تقي الدِّين أبو العبَّاس، ابن المفتي شهاب الدِّين عبد الحليم، ابن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين، شهرته تُغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره.
ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وستمائة بحرَّان، وقدِم به والده وبإخوته إلى دمشق، عند استيلاء التَّتار على البلاد سنة سبع وستين. فسمع بها من ابن عبد الدَّائم، وابن أَبي اليُسر، والمجد بن عساكر، ويحيي بن الصيرفي الفقيه، وابن أبي الخير الحداد، والقاسم الإرْبِليّ، والشيخ شمس الدِّين بن أبي عمر، والمسلم بن علّان، وإِبراهيم بن الدرجي؛ وخلق.
وعُني بالحديث، وسمع «المسند» مرّات، والكتب السِّتَّة، و«معجم الطَّبرانيّ الكبير»، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء.
وقرأ بنفسه وكتب بخطه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره. فأخذ الفقه والأصول عن والده، وعن الشَّيخ شمس الدِّين بن أبي عمر،
_________________
(١) (١/ ٤٦ - ٥٠) تحقيق علي محمد عمر، مصر ١٣٩٢.
[ ٧٤٦ ]
والشيخ زين الدِّين بن المنجّى. وبرع في ذلك.
وقرأ في العربية أيامًا على ابن عبد القوي، ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه»، فتأمله ففهمه.
وأقبل علي تفسير القرآن الكريم، وبرز فيه، وأحكم أصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من العلوم، ونظر في علم الكلام والفلسفة وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل.
وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة، وأفتى من قبل العشرين أيضًا، وأمدَّه الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبُطْء النسيان، حتَّى قال غير واحد: إنَّه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه، ثمَّ توفي والده وكان له حينئذٍ إحدى وعشرون سنة. فقام بوظائفه بعده، فدرس بدار الحديث السكرية في أول سنة ثلاث وثمانين.
وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين بن الزكي، والشيخ تاج الدِّين الفزاري، وزين الدِّين بن المرحِّل، والشيخ زين الدِّين بن المنجَّي، وجماعة، وذكر درسًا عظيمًا في البسملة. وهو مشهور بين الناس، وعظّمه الجماعة الحاضرون، وأثْنَوا عليه ثناء كثيرًا.
قال الذَّهبيّ: وكان الشَّيخ تاج الدِّين الفزاري يبالغ في تعظيمه، بحيث إنَّه علق بخطه درسه بالسكرية، ثمَّ جلس عقب ذلك مكان والده بالجامع على منبر أيام الجمع، لتفسير القرآن العظيم، وشرع من أول القرآن، وكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يفسر في سورة نوح ﵇، عدة سنين أيامَ الجُمَع. وفي سنة تسعين: ذكر على الكرسي يوم
[ ٧٤٧ ]
جمعة شيئًا من الصفات، فقام بعض المخالفين، وسعوا في منعه من الجلوس، فلم يمكنهم ذلك.
وقال قاضي القضاة شهاب الدِّين بن الخُويِّيّ: أنا على اعتقاد الشَّيخ تقي الدين، فعوتب في ذلك. فقال: لأن ذهنه صحيح، وموادَّه كثيرة. فهو لا يقول إلَّا الصحيح، فقال الشَّيخ شرف الدِّين المقْدِسِيّ: أَنا أرجو بركته ودعاءه، وهو صاحبي وأخي، ذكر ذلك البرزالي في «تاريخه».
وشرع الشَّيخ في الجمع والتصنيف من دون العشرين، ولم يزل في علُوٍّ وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره.
قال الذَّهبيّ في «معجم شيوخه»: برع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميَّال، واستنبط منه أشياء لم يُسْبَق إليها. وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه معزوًّا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضار له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقع واختلاف المذاهب، وفتاوي الصَّحابة والتابعين، بحيث إنَّه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب بل بما يقوم دليله عنده، وأتقن العربية أصولًا وفروعًا وتعليلًا واختلافًا، ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وَرَدّ عليهم، ونبه على أخطائهم، وحذَّر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين.
وأُوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكَبتَ أعداءه، وهدى به رجالًا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته، وأحيا به الشَّام، بل الإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتَثْبِيتِ أولي الأمر لمّا أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم،
[ ٧٤٨ ]
فظُنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشْرَأبّ النفاق وأبدى صفحته، ومحاسنُه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت: أني ما رأيت بعيني مثله، وأنَّه ما رأى مثل نفسه.
قال الذَّهبيّ: وقد قرأت بخط شيخنا العلامة كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني، ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم «ابن تَيْمِيَّة» كَانَ إذا سئل عن فنٍّ من العلم ظن الرائي والسامع: أنَّه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرفه مثله.
وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء كثيرة، ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم
_________________
(١) سواء كَانَ من علم الشرع أو غيره إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد علي وجهها. وأمَّا تصانيفه - ﵀ - فهي أشهر من أن تُذْكر، وأعرف من أن تنكر. سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حدّ الكثرة، فلا يمكن أحدًا حصرُها، ولا يتسع هذا الكلام، لعد المعروف منها ولا ذكرها. وقد بلغت ثلاثمائة مجلدة. وكتب بخطه من التَّصانيف والتعاليق المفيدة والفتاوى المشبعة في الأفرع والأصول والحديث ورد البدع بالكتاب والسنة شيئًا كثيرًا، يبلغ عدة أحمال، فمما كمل منها «كتاب الصارم المسلول على متنقص الرسول»، و«كتاب تبطيل التحليل»، و«كتاب اقتضاء الصراط المستقيم»، و«كتاب [الرد على] تأسيس التقديس» في عدة مجلدات، و«كتاب الرد علي طوائف الشيعة» أربع مجلدات، و«كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، و«كتاب
[ ٧٤٩ ]
السياسة الشرعية»، و«كتاب التصوف»، و«كتاب الكلم الطيب»، و«كتاب مناسك الحج»، وغير ذلك.
وقد امتُحِن وأُوذي مرارًا ومات في سحر ليلة الاثنين العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة مُعْتقلًا بقلعة الشَّام، وقد وقع أجره على الله.
* * * *
[ ٧٥٠ ]