لخادم شيخ الإسلام: إبراهيم بن أحمد الغياني
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢].
وصلى الله على محمد عبده ورسوله، خير الخلق وأكرمهم على الله المصطفى المأمون، صلاة دائمة ما دامت الأيام والدهور والسنون.
أما بعد؛ فهذا فصل فيما قام به الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العباس أحمد ابن تيمية - ﵁ - وتفرّد به دون غيره من العلماء - ﵃ - الذين كانوا قبله وفي زمانه، وذلك بتكسير الأحجار التي كان الناس يزورونها، ويتبركون بها، ويقبلونها، وينذرون لها النذور، ويلطخونها الخَلُوق، ويطلبون عندها قضاء حاجاتهم، ويعتقدون أنَّ فيها ــ أوْ
_________________
(١) من «الكواكب الدراري» المجلد ٤١/ ق ١٢٥ - ١٣٠ (مخطوطة الظاهرية ٥٨٧). ونشره محب الدِّين الخطيب في القاهرة سنة ١٣٦٨ بعنوان «ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية».
[ ١٤٥ ]
لها
_________________
(١) سرًّا، وأن من تعرَّض لها بسوء بقالٍ أو فعال أصابته في نفسه آفة من الآفات! ! فشرع الشيخ يعيب تلك الأحجار، وينهى الناس عن إتيانها، أو أن يُفعل عندها شيء مما ذُكر، أو أن يُحسَنَ بها الظن. فقال له بعض الناس: إنه قد جاء حديث أن أم سلمة سمعت النبيَّ - ﷺ - يقرأ بالتين والزيتون، فأخذت تينة وزيتونة وربطت عليهما وعلقتهما حِرْزًا. وبقيت كلما جاء إليها أحد به مرض تحطه عليه فيبرأ من ذلك المرض. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فسألها عن ذلك، فقالت: سمعتك تقرأ بالتين والزيتون، فقلتُ: ما قرأ رسول الله - ﷺ - بذلك إلا وفيه سرّ أو منفعة، فعملت تينة وزيتونة لي حرزًا، وأحسنت ظني به، ونفعت بذلك الناسَ. فقال لها النبي - ﷺ -: «لو أحسن أحدكم ظنَّه بِحَجَرٍ لنفعه الله به». فقال الشيخ: هذا الحديث كله من أوله إلى آخره كذب مختلق، وإفك مفترى على رسول الله - ﷺ - وعلى أم سلمة - ﵂ -. والذي صحَّ وثبتَ عن النبي - ﷺ - فيما يروي عن ربه ﷿ أنه قال: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني » الحديث. و«أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي خيرًا». وقال: «لا يموتنَّ أحدُكم إلا ويحسن ظنَّه بالله الذي تفرَّد بخلقه، وأوجده من العدم ولم يكن شيئًا، وبيده ضرُّه ونفعه»، كما قال إمامنا وقدوتنا إبراهيم خليل الرحمن: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٢]. فهذا الرب العظيم الكبير المتعال، الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، يُحسن العبد به ظنه، ما يحسن ظنه بالأحجار،
[ ١٤٦ ]
فإن الكفار أحسنوا ظنهم بالأحجار فأدخلتهم النار. وقد قال الله تعالى في الأحجار وفيمن أحسنوا بها الظنَّ حتى عبدوها من دونه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وقد أمر النبي - ﷺ - أن يُسْتجمر من البول بثلاثة أحجار، ما قال أحسنوا ظنكم بها، بل قال: استجمروا بها من البول. وقد كسر النبي - ﷺ - الأحجار التي أُحسِن بها الظن حتى عُبدتْ حول البيت وحرَّقها بالنار.
فبلغ الشيخَ أن جميع ما ذكر من البدع يتعمدها الناس عند العمود المُخَلَّق الذي داخل (الباب الصغير) الذي عند (درب النافدانيين (^١». فشدَّ عليه وقام، واستخار الله في الخروج إلى كسره، فحدَّثني أخوه الشيخ الإمام القدوة شرف الدِّين عبد الله ابن تيمية قال: فخرجنا لكسره، فسمع الناسُ أن الشيخ يخرج لكسر العمود المخلّق، فاجتمع معنا خلق كثير. قال: فلما خرجنا نحوه، وشاع في البلدان: ابنُ تيمية طالعٌ ليكسر العمود المُخَلَّق، صاح الشيطانُ في البلد، وضجّت الناس بأقوال مختلفة، هذا يقول: «ما بقيت عين الفيجة تطلع»، وهذا يقول: «ما ينزل المطر، ولا يثمر شجر»، وهذا يقول: «ما بقي ابن تيمية يفلح بعد أن تعرَّض لهذا»، وكل من يقول شيئًا غير هذا.
قال الشيخ شرف الدين: فما وصلنا إلى عنده إلا وقد رجع عنا غالب الناس، خشية أن ينالهم منه في أنفسهم آفة من الآفات، أو ينقطع بسبب كسره بعض الخيرات.
_________________
(١) كذا، ولم نجد بابًا بهذا الاسم في «خطط الشام» ولا «خطط دمشق» للعلبي (ص ٤٣٩ - ٤٤٠)، فعله تحريف.
[ ١٤٧ ]
قال: فتقدَّمنا إليه، وصِحنا على الحجَّارين: «دونكم هذا الصنم» فما جَسَر أحد منهم يتقدم إليه. قال: فأخذت أنا والشيخ المعاول منهم، وضربنا فيه، وقلنا: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. وقلنا: إن أصاب أحدًا منه شيء نكون نحن فداه. وتابعنا الناسُ فيه بالضرب حتّى كسرناه، فوجدنا خلفه صنمين حجارة مجسَّدة مصوَّرة، طول كل صنم نحو شبر ونصف.
وقال الشيخ شرف الدين: قال الشيخ النووي: «اللهم أقم لدينك رجلًا يكسر العمود المخلّق، ويخرب القبر الذي في جيرون» فهذا من كرامات الشيخ محي الدِّين (أي النووي). فكسرناه ولله الحمد، وما أصاب الناس من ذلك إلا الخير. والحمد لله وحده.
فصل
قد بلغ الشيخ أن في المسجد الذي خلف (قبة اللحم) في (العلافين) يُعْرف باسم (مسجد الكف) بلاطة سوداء، وقد شاع بين الناس أن إنسانًا من قديم الزمان رأى في منامه النبي - ﷺ - وحدثه بأمور فقال: يا رسول الله إن حدَّثتُ الناس بالذي حدَّثتني لا يصدّقونني، فقال له: هذا كفِّي اليمينُ في هذه البلاطة دليلًا على صدقك. وحط كفه فيها، فغاص، فبقي فيها موضع كف وخمس أصابع، وانعكف الناسُ عليه
_________________
(١) كما ذكر بالنذر له والتبرك به، والاستسقاء. فبلغ ذلك الشيخ، فطلع إليه ومعه جماعته وأخوه الشيخ شرف الدِّين فسمعته غير مرة يحدِّث يقول: لما نظرت إليها قلت: هذا الكف منحوت، مصنوع، مكذوب. فإن النحّات جاء يعمله كف يمين فعمله كف شمال.
[ ١٤٨ ]
فبقي معكوسًا يجيء الخِنْصر موضع الإبهام، والإبهام موضع الخنصر. فكسرها، وما بقي لها ذكر ولا أثر. ولله الحمد.
فصل
وكانت صخرة كبيرة عظيمة في وسط محراب (مسجد النارنج) فيتوجه المصلي إليه ضرورة، وعليها ستر أسود مرخيّ ودَرَابزين (^١) حولها. وقد استفاض بين الناس أنه حُطّ عليها رأس الحسين ــ ﵇ ــ فانشقت له، وأنها متى انشقت كلها قامت القيامة. ولها في كل سنة ــ يومَ عاشوراء ــ عيدٌ يجتمع فيه الناس، ويبقون في ذلك اليوم وفي غيره من الأيام يتبرّكون بها ويقبلونها، وينذرون لها النذور، ويلطخونها بالخَلَوق، ويدعون عندها.
فبلغ ذلك الشيخ، فطلب الحجَّارين من القلعة، وخرج إليها ومعه شرف الدِّين في جماعة كبيرة. فأول شيء عمله قلع الدرابزين من حولها، ونتش الستر عنها ورماه. وصاح على الحجارين: «دَهْ عليه!» (^٢)، فتأخروا عنها، فتقدم هو وأخوه شرف الدِّين وضربها بنعله وقال: «إن أصاب أحدًا منها شيء أصابنا نحن قبله». فتقدم إليها عند ذلك الحجارون، وحفروا عليها. فإذا هي رأس عمود كبير قد حفر له ونزل في ذلك المكان، فكسروه، وحملوه على أربع عشرة بهيمة وأحرقوه كلسًا.
_________________
(١) هو الحاجز على جانبي الشيء، يقي من السقوط ونحوه.
(٢) كذا في الأصل. ولعلها صوت يصدره الشخص للحض والإغراء، كما يصدره صاحب الفرس أو الإبل للزجر، ينظر «المعجم الوسيط» (ص ٢٩٩)، و«تكملة المعاجم» لدوزي (٤/ ٤٤٨).
[ ١٤٩ ]
قال الشيخ: بعض الرافضة عمل هذا في هذا المكان، ولوح بين الناس أن رأس الحسين حطوه على هذا الحجر، حتى يضل به جهال الناس. قال: والرافضة من عادتهم أنهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد ويعظمونها بخلاف المساجد، وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. ولم يقل: «مشاهد الله». وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]. ما قال: «وأن المشاهد لله». وقال النبي - ﷺ -: «مَنْ بنى لله مسجدًا ولو كَمَفْحَص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة» ما قال: من بنى لله مشهدًا بنى الله له بيتًا في الجنة.
وتكلم وهو جالس في هذا المكان، وقال من هذا الجِنس شيئًا كثيرًا.
وقال: زيارة القبور زيارة شرعية مأمور بها، وزيارة بدعية منهيّ عنها، فالزيارة الشرعية هي التي أمر بها النبي - ﷺ -، فإنه زار قبر أمه فقال: «استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي. فإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة»، فالكافر يزار قبره ليتذكر به الآخرة، ولا يُدْعَى له ولا يستغفر له، بخلاف المؤمن فإنه يزار قبره ليتذكر به الآخرة، ويدعى له، ويستغفر له، ويترحم عليه، ويسأل الله له من كلِّ خير، فإن زيارة قبره من جنس الصلاة عليه.
وكان النبي - ﷺ - يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله منا ومنكم المستقدمين والمستأخرين، ونسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنّا بعدهم، واغفر لنا ولهم». فهذا كله حق للمؤمن، وقد قال - ﷺ -: «أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة
[ ١٥٠ ]
فإن صلاتكم عليّ معروضة عليَّ». قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمتَ؟ فقال: «تقولون إني بليت؟» قالوا: نعم. قال: «إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء». وقد روى ابن عبد البرّ حديثًا وصححه أن النبي - ﷺ - قال: «ما من رجل مؤمن يمرّ بقبر رجل مؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يرد ﵇».
وأما الزيارة البدعية؛ فهي أن تُزار القبور للتبرك بها، أو الدعاء عندها، أو الاستغاثة بأهلها، أو النذر لها
_________________
(١) مثل زيت أو كسوة أو شمع أو دراهم أو يشعلون عندها السُّرُج، أو يصلون عندها، فإن النبي - ﷺ - نهى عن جميع ذلك فقال: «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليا المساجد والسرج» وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» وقال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا: قالت عائشة - ﵂ -: «ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا». فهذه الزيارة على هذا الوجه بدعية منهيٌّ عنها. فصل وكان تحت الطاحون التي قبلي (مسجد النارنج) في الماء عند فراش الطاحون صنم حجر يُعظَّم ويستسقى به، فكان بعض الناس يكون عنده مولود صغير وقد طال به المرض، فيأتون به حتى يغطسوه عند الصنم في الماء ويشفى، ويحطون عند الصنم خبزًا وحلوى وغير ذلك. فخرج إليه الشيخ شرف الدِّين أخو الشيخ تقي الدِّين فكسره وخلّص أولاد الناس منه. وكان عمود في حارة الفرما يقال له: (العمود المخلق) وكان حاله كما
[ ١٥١ ]
ذكر، فكسره وأراح الناس منه.
فصل
وكان مع أناس حجارين حجر رخام وقد قمّعوه بقصدير، وفي وسط الحجر أثر قدم، دائرين به في البلاد، ويدخلون به على بيوت الكبراء والسعداء في الأسواق، ويقولون لهم: هذا موضع قدم نبيكم، فيبقى الناس يقبلونه ويتبركون به ويعطونهم الأموال لأجل ذلك، فأمسكهم الشيخ، فكسر ذلك الحجر، وتهارب أصحابه من قدام الشيخ مخافة أن يضرهم.
فصل
وجاء إنسان إلى الشيخ يومًا بخبزٍ يابس فقال: «يا سيدي قد جِبتُ هذا من صماط الخليل على اسمك». فقال له: «ما لي به حاجة. أنا حاجتي إلى الدِّين الذي كان عليه الخليل، ومتابعة ملة الخليل الذي أمر الله أمة محمد بمتابعتها. ما لي حاجة بهذا الخبز، والخليل ما عمل هذا، ولا أمر بهذا العَدَس، ولا كان يطعم ويضيف غير اللحم. قال الله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦]. وأما العَدَس فإنه شهوة اليهود، وقد سئل عبد الله بن المبارك - ﵁ - فقيل له: جاء حديث: أن العَدَس قدَّسه سبعون نبيًّا (^١)، فقال: «لا، ولا نصف نبي».
فصل
ولما كان الشيخ في ديار مصر كان ينهى عن إتيان المشاهد وتعظيمها،
_________________
(١) موضوع، انظر: «المقاصد الحسنة» (ص ٤٨٥) و«الفوائد المجموعة» (ص ١٦١).
[ ١٥٢ ]
ويأمر بإتيان المساجد وتعظيمها. وأعظم المشاهد بالقاهرة مشهد الحسين فإن أمره عظيم، فإن جميع ما ذكر من البدع والضلال يقام عنده وأضعاف ذلك، حتى إذا غلَّظ أحدٌ اليمين على الحالف يحلفه عند مشهد الحسين، فكان الشيخ ينهاهم عن ذلك وينكره بجنانه وحاله، وقال: إن السلف ومن اتبعهم كانوا إذا حلَّفوا أحدًا وغلَّظوا عليه اليمين يحلّفونه بين المحراب والمنبر، ولم يحلفوه عند قبور أو أثر.
قال: وأما الحسين ــ - ﵁ - وعن سلفه ولعن قاتله ــ فما حُمل رأسه إلى القاهرة، فإنّ القاهرة بناها الملك المعز في أوائل المائة الرابعة، والحسين ــ ﵇ ــ قتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، ودفنت جثة الحسين حيث قتل. وقد روى البخاري في «تاريخه»: أن رأس الحسين حُمل إلى المدينة ودفن بها في البقيع عند قبر أمه فاطمة - ﵂ -. وبعض العلماء يقول: إنه حُمِل إلى دمشق ودفن بها. فبين مقتل الحسين وبين بناية القاهرة نحو مئتين وخمسين سنة. فإنه من المتواتر أن القاهرة بُنِيت بعد بغداد، وبعد البصرة والكوفة وواسط، فأين هذا من هذا؟ !
وقد ذكر صاحب الكتاب الذي سماه: (العَلَم المشهور، في فضل الأيام والشهور) (^١) وصنف هذا الكتاب للملك الكامل - ﵀ -، ذكر فيه أن هذا المشهد بناه بنو عبيد الملاحدة الزنادقة ملوك مصر في أواخر سنة خمسين وخمس مئة، وقوَّض الله دولة بني عُبيد بعد بنائهم لهذا المشهد بنحو أربع عشرة سنة. وهذا مشهد الكذب والمين، ما هو مشهد الحسين.
وكلا العلماء في ذمّ بني عبيد القدَّاح مشهور، وفي ذم مذاهبهم وما كانوا
_________________
(١) هو ابن دِحية الكلبي (ت ٦٤٣)، والكتاب لا يزال مخطوطًا، ومنه عدة نُسخ.
[ ١٥٣ ]
عليه. قال الشيخ أبو حامد الغزالي: «ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض».
وكان الشيخ أبو عمرو عثمان بن مرزوق ' في زمن بني عُبيد في ديار مصر، وكان يفتي أنه لا تحل ذبائح بني عبيد، ولا نكاحهم، ولا يصلى خلفهم. وكان يغلظ في أمرهم.
وبلغ نور الدِّين بن زنكي حالهم وما هم عليه، فسأل العلماء في قتالهم وأخذ البلاد منهم، فأفتاه العلماء بذلك، وكتبت بذلك محاضر، وأثبتت على الحكام. فسيّر صلاح الدِّين ومعه جيش عظيم فغزاهم وفتح البلاد منهم.
وبعض الجهال يظن أن بني عبيد كانوا شرفاء من ذرية فاطمة وأنهم كانوا صالحين، وإنما كانوا زنادقة ملاحدة قرامطة باطنية وإسماعيلية ونصيرية، ومن عندهم طلع الرفض إلى الشام، وإلا قبل ذلك ما كان يعرف الرفض في الشام. وبقاياهم في ديار مصر إلى اليوم.
وكانت قصورهم بين القصرين. وكانوا ينادون «كل من لعن وسب، فله دينار وإردب». فبينما إنسان منهم يلعن عائشة، وإنسان مغربي أنكر عليه، فتحاملوا إلى عند الحاكم، فقال له الحاكم: «لم أنكرت عليه!» قال له المغربي: «إن امرأة جدي اسمها عائشة، وقد ربتني وأحسنت إليَّ، فلما سمعته يلعنها ما هان عليَّ». فقال له الحاكم: «ذا ما يلعن امرأة جدك أنت، ذا يلعن امرأة جدي أنا». فقال له المغربي: «منك إليه!».
ورأيت رجلًا من أهل القاهرة جاء إلى الشيخ بالقاهرة بعد مجيئه من إسكندرية فقال له: «إن أبي حدثني عن أبيه أن هذا المشهد بناه بنو عبيد، وأن رأس الحسين ما جاء إلى ديار مصر، لكن جرت لي واقعة. أني وأنا صغير
[ ١٥٤ ]
كنت أجري فوق سطح هذا المشهد، وما له عندي حُرْمة بما حدثني أبي عنه، فبينما أنا نائم ليلة وأنا أرى عجوزًا زرقاء العينين شمطاء الرأس، ومعها قيد، فحطته في رجلي وقالت: تتوب ولا تعود تجري فوق سطح المشهد؟ فقلت: التوبة، التوبة، ما بقيت أعود. فقعدت وأنا مرعوب».
فقال الشيخ: «وهذا أيضًا حجة لي على صحة ما أقوله، فإن هذه شيطانة هذا الموضع، وهي التي تزينه للناس. وكذلك لما بعث النبي - ﷺ - خالد بن الوليد - ﵁ - بقطع (العُزَّى) فقال له: لما قطعت العزَّى أيّ شيءٍ رأيتَ خرج؟ فقال: خَرَجَتْ منها عجوز شمطاء هاربة نحو اليمن، فقال النبي - ﷺ -: «تلك شيطانة العُزَّى». وسمعت الشيخَ غير مرَّة يحكيها للناس.
فصل
في كشف حال بني عبيد
سمعت الشيخ يحكي غير مرة في مجالسه يقول: زرت يومًا المارستان المنصوري، فجاء إليَّ أناس فقالوا لي: تصدَّق وزُر المارستان العتيق: فرحت معهم أزوره، فقالوا لي: ألا تزور قبور الخلفاء؟ ــ يعنون بني عبيد ــ فرحت معهم إلى قبورهم، فوجدت قبورهم إلى القطب الشمالي. فتكلم عليهم وعلى مذاهبهم فقال الحاضرون: نحن نعتقد أن هؤلاء قوم صالحون، لأنا إذا مغلت عندنا الخيل (^١) نجيء بها إلى قبور هؤلاء فتبرأ، فلولا أنهم صالحون ما برأت الدواب من المغل عند قبورهم. فقلت: وهو أيضًا حجة على صحَّة ما أقوله فيهم، فإن المغل من بَرْد يحصل للدواب، فإذا جيء بها
_________________
(١) المغل: مغص يأخذ الدواب.
[ ١٥٥ ]
إلى قبور اليهود والنصارى في الشَّام، وإلى قبور المنافقين كالقرامطة والإسماعيلية والنصيرية، فإن الدّوابَّ إذا سمعت أصوات المعذَّبين في قبورهم تفزع فيحصل لها حرارة تذهب بالمغل الذي حصل لها.
وكان النبي - ﷺ - يومًا راكبًا على بغلته فحادت حتى كادت تلقيه عن ظهرها، فقالوا: ما شأنها يا رسول الله؟ فقال: «إنها سمعت أصوات يهود تعذَّب في قبورها». وقال: إنهم ليعذبون في قبورهم عذابًا تسمعه البهائم. فما يروح أصحاب الدّوابّ بها إلى قبر الشافعي ولا إلى قبر أشهب فإن عند قبورهم تنزل الرحمة. وتكلَّم شيئًا كثيرًا من هذا الجنس ما ينحصر، وهذا شيء منه.
فصل
ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد. فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار وما هم على الدِّين الذي كان عليه إبراهيم والمسيح. فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون، أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك.
فقال لهم: وإن من فعل ذلك ففيه شَبَهٌ منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدِّين الذي كان إبراهيم عليه: أن لا نعبد إلا الله وحده، لا شريك له. ولا ندَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكًا ولا شمسًا ولا قمرًا ولا كوكبًا، ولا نشرك معه نبيًّا من الأنبياء ولا صالحًا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. وإن الأمور التي
[ ١٥٦ ]
لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل إنزال المطر، وإنبات النبات، وتفريج الكربات، والهدى من الضلالات، وغفران الذنوب، فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك، ولا يقدر عليه إلا الله. والأنبياء ــ عليهم الصلاة والسلام ــ نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدِّقهم في جميع ما جاؤوا به ونطيعهم كما قال نوح وصالح وهود وشعيب: ﴿(٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣]. فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم، فإن طاعتهم من طاعة الله. فلو كفر أحد بنبيٍّ من الأنبياء وآمن بالجميع ما نفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي. وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكذب بكتاب كان كافرًا حتَّى يؤمن بذلك الكتاب وكذلك الملائكة واليوم الآخر.
فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدِّين الذي ذكرته خيرٌ من الدِّين الذي نحن وهؤلاء عليه. ثم انصرفوا من عنده.
فصل
لما كان الشيخ في قاعة الترسيم، وكان الشيخ العارف القدوة شمس الدِّين الدباهي (^١) قد طلع من الشام إلى مصر حتى يصلح بين الشيخ وبين الشيخ نصر المنبجي، فكتب ورقة فيها: «الطفيلي على الله محمد بن الدباهي يسأل من الشيخين الصالحين ــ شيخ المشايخ أبي الفتح نصر المنبجي وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ــ أنهما يتفقان على طاعة الله ورسوله بحسب ما يمكنهما» وذكرَ أشياءَ يلتزمانها بحسب الإمكان ويتفقان عليها. وجاءت الورقة إلى الشيخ فقال: «إني أجيب إلى ذلك»، فراح بها إلى الشيخ نصر، فوجد عنده المشايخ التدامرة:
_________________
(١) محمد بن أحمد بن أبي نصر الدباهي البغدادي ت ٧١١ هـ. ذيل طبقات الحنابلة: (٢/ ٣٦١).
[ ١٥٧ ]
أبا بكر والشيخ إبراهيم أولاد بروان، فقام الشيخ نصر من مجلسه وأقعد الشيخ شمس الدِّين فيه وعظَّمه تعظيمًا كبيرًا، فأوقفه على الورقة، فقال له: «يا سيدي، ولم كتبت إلى الشيخ مثل هذه وما سُمع بعدُ مِنّا كلام كثير؟» فقال له: «اكتب أنك أجبتَ إلى ذلك» فقال: «إن كتب الشيخ كتبت» فقال له: «الله على ما تقول وكيل؟» فقال: «نعم» فسيَّر الورقة إلى الشيخ، فكتب: «أجبت على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. وكتبه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية». وجاب الرسولُ الورقةَ إليه، فقال له الشيخ شمس الدين: «اكتب مع الشيخ مثل ما قلتَ وعاهدت الله عليه». فقال: «ما بقيت أكتب شيئًا». فقال له شمس الدِّين «عاديتك في الله»، وكشف رأسه وقال: «ثم نبتهل، ثم نبتهل» وقام ونزل من عنده.
فسيّر الشيخ نصر إلى والي المدينة أن يكبس بيت ابن تيمية، ويمسك أصحابه ويحطهم في الحبس. فسير الوالي نائبه، فكبس البيت، وكان قصدهم أن يمسكوا شرف الدِّين أخا الشيخ، فهرَّبوه من فوق السطح، وأمسك أصحاب الشيخ وجاءَ بِهم إلى الوالي، فحطهم في قاعة عند بيته، ومنعوا الناس من الدُّخول إلى عند الشيخ ثم بعد أيام عُزل الوالي. فسيَّب الجماعة، فتأخر عنده زين الدِّين أخو الشيخ، فسير إلى القاضي ابن مخلوف برسالة الشيخ نصر، فأمسك زين الدِّين وحبسه عند الشيخ في قاعة الترسيم. وفي تلك الأيام سرق مملوك زين الدِّين له قماش نفتة ومروزي وغيره وسافر به، ومرض زين الدين، فطلب الحمام فراح السجَّان وخادم الشيخ
_________________
(١) إبراهيم بن أحمد الغياني إلى القاضي، فقال له خادم الشيخ: هذا إن كان في حبسك؛ فاكتب له ورقة اعتقال، وإن كان ما هو في حبسك فلم ترسم عليه؟ [فقال:] ما هو في حبسي أنا، بلغني أنه يطلب يخدم أخاه، ما استحللت منعه. فقال له:
[ ١٥٨ ]
أخوه رجل تاجر يريد وحده عشرة تخدمه، والشيخ أنا أخدمه، وقد قال نائب السلطان وغيره: إنهم ما رسموا بحبس زين الدين، والشيخ يفتي بأن القماش الذي سرق لزين الدِّين يلزمك، ويقول السجّان: ما هو في حبسي، ولا نخليه يطلع. فقال له: إذا نزلت في بيتي غدًا تعالَ إلى عندي مع السجَّان.
قال إبراهيم: ثم حدثنا الشيخ بذلك فقال لزين الدين: قم اطلع، هذا القاضي قد تبرّأ من قضيتك. فقال السجان: حتى يروح إلى القاضي مثلما رأيتم. فقال الشيخ: إن الظلمة وأعوان الظلمة يحطون يوم القيامة في توابيت من نار، ثم يقذفون في الجحيم، قال الله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]. فقال: أنا ما أجسر أقول له هذا. ثم إنه رسم بأن يخرج، فقال الشيخ: ما بقي يخرج. فأرسل القاضي ابنه محب الدِّين يسأله مرارًا متعددة حتى خرج.
وفي تلك الأيام جاء المشايخ التدامرة
_________________
(١) إبراهيم وأبو بكر إلى الشيخ وقالوا له: «قد اجتمعنا بهؤلاء القائمين عليك، وقالوا قد بُلشنا به، والناس تلعننا بسببه، وقد قلنا: إنا قد أخذناه بحكم الشرع في الظاهر، فليبصر شيئًا لا يكون علينا ولا عليه فيه رد فيكتبه لنا ونتفق نحن وهو عليه». فلما قالوا له ذلك قال لهم: «أنا منشرح الصدر، وما عندي قَلَق، وهم برّا الحبس فَلِمَ يقلقون؟» وكتب: «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». رواه مسلم». فخرجوا من عنده على ذلك. ثم إنهم بعد أيام جاؤوا إلى عنده وقالوا له: قد وقفوا على الورقة وقالوا: «هذا رجل مِحْجاج خصِم، وما له قلب يفزع من الملوك، وقد اجتمع بغازان ملك التتر وكبار دولته وما خافهم،
[ ١٥٩ ]
ومتى اجتمع بالسلطان والدولة وقرأ عليهم كتاب «الفصوص» الذي كانت الفتنة بسببه قتلونا أو قطعونا من المناصب، ويقال عنا: إنه ما خرج من الحبس حتى دخلتم تحت ما شرط عليكم. ابعثوا أنتم اشرطوا عليه ما أردتم، فإن لم يدخل تحته تكونوا قد عُذِرتم فيه.
فلما أخبره بذلك المشايخ التدامرة قالوا: يا سيدي قد حملونا كلامًا نقوله لك، وحلّفونا أنه ما يطلع عليه غيرنا: أن تنزل لهم عن مسألة العرش ومسألة القرآن ونأخذ خطَّك بذلك، نوقف عليه السلطان ونقول له: هذا الذي حبسنا ابن تيمية عليه قد رجع عنه ونقطع نحن الورقة.
فقال لهم: تدعونني أن أكتب بخطي أنه ليس فوق العرش إله يعبد، ولا في المصاحف قرآن، ولا لله في الأرض كلام؟ ودق بعمامته الأرض وقام واقفًا ورفع برأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك على أنهم يدعونني أن أكفر بك وبكتبك ورسلك، وأن هذا الشيء ما أعمله. اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين. نفذت فيهم سهام الله. والله لتقلبن دولة بيبرس أسفلها أعلاها. ويكون أعز من فيها أذل من فيها ولينتقمنّ الله من الكبير والصغير، وكم أجد عليهم وما أدعو عليهم». فقلت أنا وشرف الدِّين بن سعد الدين: شيخُ الإسلام الأنصاري عُرِض على السيف أربع عشرة مرة لا يقال له: «وافِقْنا» بل اسْكُت ويقول: أُقْتَل ولا يسعني أن أسكت عمن خالفني.
وكان الشيخ سَكَتَ عنهم في دمشق، وما كان جرى شيء من هذا، وهم انفلتوا فينا بالسبّ القبيح والشتم، وما عليه أضر من أصحابه. ثم خرجوا من عنده.
وبعد ذلك جاء إلى عند الشيخ رجلٌ يقال له الشيخ عليّ الفرّا له منامات
[ ١٦٠ ]
خوارق فقال: رأيت في منامي كأن البحر قد زاد حتى دخل الماء في جميع حارات المدينة، وهو أسود مثل القطران وهو يغلي مثل القدر على النار، والشيخ راكب سفينة وقد ركب معه جماعة يسيرة وهو يقول: النجاء النجاء. وقد طلعتْ به من باب سعادة حتى جاءت إلى باب اللوق، وإذا بالسلطان سنقر راكب فيلًا وخلفه راكب القاضي ابن مخلوف والشيخ نصر، وأنا أقول: يا سيدي كيف نعمل حتى نخرج من هذا الكدر الذي نحن فيه إلى البحر الصافي وهذا الفيل في طريقنا؟ وأنت تقرأ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] إلى آخرها، وما أصبت السفينة إلا أنها قد صارت في البحر الكبير.
ثم بعد أيام جاء عند الشيخ شمس الدِّين بن سعد الدِّين الحراني وأخبره أنهم يسفرونه إلى الإسكندرية. وجاءت المشايخ التدامرة وأخبروه بذلك، وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك، أو نفيك. أو حبسك. فقال لهم: «أنا إن قتلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدًا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت تقلبت على صوف»، فيئسوا منه وانصرفوا.
فلما كان بعدُ في صلاة المغرب جاء نائب والي المدينة بدر الدِّين المحب بن عماد الدِّين بن العفيف ومعه جماعة فقال: يا سيدي باسم الله. فقال له الشيخ: إلى أين؟ قال: إلى الإسكندرية قد رسم السلطان بذلك الساعة. فقال له: لو كنتم أخبرتموني بذلك حتى تجهزت للسفر وأخذت معي نفقة. فقال له: قد أمرت لك ولأصحابك ما يكفيك. فقال له: أنا الليلة ما أسافر. فقال له: ما
[ ١٦١ ]
يمكنني أن أخالف مرسوم السلطان. فقال له معك مرسوم بأن تُسخطني؟ فقال: لا. وقام خرج من عنده. فغلق السجان باب الحبس، وراح.
فلما كان ثاني يوم، جاء عبد الكريم ابن أخت الشيخ نصر وحلف أن الشيخ نصر ما عنده علم من هذا، وانصرف.
فلما كان بعد صلاة العصر وقفت أبكي. فقال لي الشيخ: لا تبك، ما بقيت هذه المحنة تبطئ، فقلت له: أفتح لك في المصحف؟ فقال: افتح. فطلع قوله تعالى: ﴿(١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ﴾ [النحل: ١٢٧ - ١٢٨]، فقال: افتح في موضع آخر، فطلع قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] إلى آخرها، فقال: افتح آخر، فطلع قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخرها (^١).
_________________
(١) قال الشيخ في «مجموع الفتاوى»: (٢٣/ ٦٦): «وأما استفتاح الفأل في المصحف: فلم يُنْقل عن السلف فيه شيءٌ وقد تنازع فيه المتأخرون. وذكر القاضي أبو يعلى فيه نزاعًا، ذكر عن ابن بطة أنه فَعَله، وذكر عن غيره أنه كرهه. فإن هذا ليس الفأل الذي يحبه رسول الله - ﷺ -، فإنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة. والفأل الذي يحبه هو أن يفعل أمرًا أو يعزم عليه متوكلًا على الله، فيسمع الكلمة الحسنة التي تسره: مثل أن يسمع: يا نجيح، يا مفلح، يا سعيد، يا منصور، ونحو ذلك»، كما لقي في سفرة الهجرة رجلًا فقال: «ما اسمك؟» قال: يزيد. قال: «يا أبا بكر! يزيد أمرُنا» » اهـ. وانظر: «الإبداع في مضار الابتداع» (ص ٧٤)، و«السنن والمبتدعات» (ص ١٢٣)، و«منسك ابن جماعة».
[ ١٦٢ ]
فلما صلَّينا المغربَ بقي يدعو بدعاء الكرب، وأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا. وأشرت إلى المحبسين، كأن وجهه شمع يجلوه مثل العروس، حتى إذا راق الليل، جاء نائب الوالي فقال: «باسم الله»، فبقوا يودّعونه ويبكون ويدعون عليهم بدعاء مختلف، أقله أن يسلبه الله نعمته.
وركب على باب الحبس، فقال له إنسان: «يا سيدي هذا مقام الصبر». فقال له: «بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قُسِم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم، ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقته ما أديت عشر هذه النعمة التي أنا فيها».
وخرج من باب سعادة، وركبنا في البحر إلى ذلك البر فَلقِيَنا أميرٌ يقال له بدر الدِّين طبر أمير عَشَرة مقدّم مائة، فمنعنا من السفر مع الشيخ وقال: ما معي مرسوم أن يجيء أحد مع الشيخ فقال الشيخ: «يا إبراهيم انزل إلى الشام، وقل لأصحابنا: وحق القرآن
_________________
(١) ثلاث مرات ما بقيت هذه المحنة تبطئ، وتنفرج قريبًا فوق ما في النفوس، ويقلب الله مملكة بيبرس أسفلها أعلاها، وليجعلنّ الله أعز من فيها أذل من فيها». فلما رجعنا بعد أن ودَّعناه انكسر في تلك الليلة البحر، ونقص الماء، وغلا الخبز وغيره، وما بقي شيءٌ لتقى، وبقيت الناس تلعنهم ويقولون: غرَّقوا ابن تيمية في البحر، ما بقي يطلع، فطلع جماعة من أكابر إسكندرية وصلحائها التقوا الشيخ، وقعد في البرج الأخضر حتى طلع السلطان الناصر من الكرك، وهرب بيبرس من السلطنة وسيَّر بطلبه مكرَّمًا. * * * *
[ ١٦٣ ]