لأبي بكر بن عبد الله بن أيْبَك الدَّوادَاري (بعد ٧٣٦)
ذكر ما جرى لدمشق من الأحوال الناكدة
ولمّا تحقّق الأمر عند أهل دمشق اشتدَّ خوفهم وكثرت الأراجيف واختلفت الأقوال. فمنهم من قال: إنّ غازان مسلم، وإنّ غالب جيوشه كذلك، وإنَّهم لم يتبعوا المسلمين من المنهزمين، وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحدًا. وكثرت الأقاويل في ذلك. فلمّا كان يوم السبت رابع اليوم من الوقعة وقعت صيحة عظيمة بالبلد، وخرجت النساء مهتّكات لمّا بلغهم أنّ التتار دخلوا البلد. ولم يكن لذلك ضجّة، وانفرجت في ساعةٍ، لكن بعدما مات في ذلك اليوم على أبواب دمشق جماعة نحو عشرين نفر، منهم شخص يسمّى النجم المحدِّث البغداديّ. وذلك لعظم الازدحام بالأبواب. وكان ليلة السبت قد خرج من البلد جماعة من أعيان الناس وكبار البلد وهم قاضي القضاة إمام الدين، والقاضي جمال الدِّين المالكيّ، وتاج الدِّين بن الشيرازيّ، ووالي البلد ووالي البرّ والمحتسب مع جماعةٍ كبيرةٍ من بياض الناس، وتوجّهوا إلى الديار المصريّة. وفي ليلة الخميس، أحرقوا المحابيس، باب سجن باب الصغير، وخرجوا منه في عِدّة مايتي وخمسين نفر، وتوجّهوا إلى باب الجابية وكسروا الأقفال وفتحوا الباب وخرجوا. وأصبح الناس يوم الأحد لا يدرون ما هم فيه، ولا ماذا يفعلون.
_________________
(١) . (٩/ ١٨ - ٣٤٩) نشر قسم الدراسات الإسلامية بالمعهد الألماني للآثار بالقاهرة، ١٣٧٩، تحقيق هانس رُوبرت رويمر.
[ ٢٦٨ ]
واجتمع الناس في ذلك اليوم في مشهد عليّ، وتشاوروا في أمر الخروج إلى غازان. فكان ممّن اجتمع ذلك اليوم مَن يُذكر وهم: القاضي بدر الدِّين ابن جماعة، والشيخ زين الدِّين الفارقيّ، والشيخ تقيّ الدِّين ابن التيميّة، وقاضي القضاة نجم الدِّين بن صصري، والصاحب فخر الدِّين بن الشيرجيّ، والقاضي عزّ الدِّين بن الزكيّ، والشيخ وجيه الدِّين بن منجَّى، والصدر عزّ الدِّين بن القلانسيّ، وأمين الدِّين بن شقير الحرّانيّ، والشريف زين الدِّين بن عدنان، والشيخ نجم الدِّين [بن] أبي الطيّب، وناصر الدِّين عبد السلام، والصاحب شهاب الدِّين بن الحنفي، والقاضي شمس الدِّين ابن الحريري، والشيخ الصالح شمس الدِّين قوام النابلسي، وجماعة كبيرة من القراء والفقهاء والعدول، وأجمعوا رأيهم على الخروج إلى غازان. فلما كان نهار الاثنين صلوا صلاة الظهر وتوجهوا إلى الله ﷿ وخرجوا ليتقنوا أمر صلاح البلد. (٩/ ١٨ - ١٩).
ثم إن التتار طلعوا إلى جبل الصالحية، وفعلوا فيه من الأفعال القبيحة ما يطول شرحه مما تقشعر لهول سماعه الأبدان. فخرج الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية إلى عند شيخ الشيوخ وصحبته جماعة من أهل البلد، وشكوا إليه الحال. فخرج إليهم في يوم الثلاثاء وسط النهار. فلما بلغ التتار الذين كانوا بجبل الصالحية مجي شيخ الشيوخ هربوا بعد أن أخربوا جميع مساكنه ونهبوا ساير أمواله وسبوا حريم أهله وأولادهم وبناتهم، وجرت عليهم أمور عظام لا يطاق سماعها، أضربت عن ذكر جميع ذلك. (٩/ ٢٨).
وحكى الشيخ علم الدِّين البرزالي، قال: اجتمعتُ يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر بالشيخ تقي الدِّين ابن التيمية، فذكر أنه اجتمع
[ ٢٦٩ ]
ببهاء الدِّين قطلوشاه، وذكر له أنه من عظم جنكزخان، ولحية قطلوشاه أجرود ولا شعرةَ بوجهه أصلًا، وأنه كان له في ذلك العهد من العمر اثنتين وخمسين سنة، وأنه ذكر له أن الله ﷿ ختم الرسالة بمحمد - ﷺ -، وأن جنكزخان جده كان مسلمًا، وكل من خرج من ذريته مسلمين، ومن خرج من طاعته فهو خارجي، وذكر أيضًا اجتماعه بالملك غازان، والوزير سعد الدين، ورشيد الدولة الوزير المتطبب، وكذلك بالشريف قطب الدِّين ناظر الخزانة، والكاتب صدر الدين، والنجيب الكحال اليهودي، وشيخ الشيوخ نظام الدِّين محمود، وأصيل الدِّين بن النصير الطوسي ناظر الأوقاف، وهؤلاء كانوا أعيان دولة الملك غازان، وذكر أيضًا أنه رأى عند قطلوشاه صاحب سيس الملعون، وهو أشقر أزرق كث اللحية ومعه طايفة من الأرمن عليهم الذلة والمسكنة. وكان سفر قطلوشاه ظهر يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من الشهر. وكان سبب اجتماع الشيخ تقي الدِّين بهؤلاء الأسرا، وقال: إنهم يكتبون في جميع فرامينهم بقوة الله وبميثاق الملة المحمدية! وذكر أنه اجتمع بشخص منهم فيه دين وسكون وصلاة حسنة، فسأله: ما السبب في خروجك وقتالك المسلمين وأنت كما أرى منك؟ فقال: أفتانا شيخنا بتخريب الشأم وأخذ أموالهم، لأنهم لا يصلون إلا بالأجرة، ولا يؤذنون إلا لذلك، ولا يتفقهون إلا بمثل ذلك. (٩/ ٣٢ - ٣٣).
وفي العشر الأخير من الشهر المذكور (^١) نزل أيضًا جماعة من القلعة وقتلوا جماعة من التتار وحصلت خبطة عظيمة، ومسك جماعة من الذين كانوا ينسبون إلى المشي مع التتار، وجبيت أيضًا جباية أخرى لبوليه مقدم التتار.
_________________
(١) . جمادى الآخرة، سنة (٦٩٩).
[ ٢٧٠ ]
ودخل الخطيب بدر الدِّين بن جماعة والشيخ ابن التيمية إلى القلعة ومشوا في الصلح بين أرجواش ونواب التتار. فلم يوافق أرجواش ' على ذلك، ولم يزل الأمر كذلك إلى مستهل شهر رجب الفرد.
وفي الثاني من الشهر طلب قبجق أعيان البلد وحلفهم للدولة المحمودية بالنصح وعدم المداجاة.
وفي يوم الخميس توجه الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية إلى مخيم بولاي مقدم التتار يسأل في المأسورين، وكانوا خلقًا كثيرًا. وتحدث بولاي في أمر يزيد بن معاوية مع الشيخ، وسأله: هل يجوز لعنته أم لا؟ ففهم الشيخ أن فيه موالاة، فكلمه بما لاق بخاطره بغير شيء يكره. فقال: هؤلاء أهل دمشق هم قتلة الحسين بن علي صلوات الله عليه. فقال له الشيخ: إنه لم يكن من أهل دمشق من حضر قتلة الحسين ﵇، وقتل ﵇ بأرض كربلا من العراق. فقال: صحيح، وكانوا بنو أمية خلفاء الدنيا، وكانوا يحبون سكنى الشام. فقال الشيخ: وماذا يلزم من ذلك في قتلة الحسين، وهذه الشام ما برحت أرضًا مباركة ومحل الأولياء والصلحاء بعد الأنبياء صلوات الله عليهم. ولم يزل به حتى سكن غضبه على أهل الشأم. ثم ذكر للشيخ أن أصله مسلم من أهل خراسان. وجرى بينه وبين الشيخ كلام كثير. (٩/ ٣٥ - ٣٦).
ذكر واقعة الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية '
وذلك لما كان يوم الاثنين ثامن شهر رجب الفرد من هذه السنة المذكورة، طُلب القضاة والفقهاء والشيخ تقي الدِّين ابن التيمية إلى مجلس الأمير جمال الدِّين الأفرم نايب الشام المحروس بدمشق، وكان اجتماعهم بالقصر الأبلق. ثم سألوا الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية عن عقيدته.
فأملى
[ ٢٧١ ]
شيئًا منها. ثم أحضر عقيدته «الواسطية» وقرئت في المجلس المذكور، وبحث فيها وتأخر منها مواضع إلى مجلس آخر. ثم اجتمعوا يوم الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور. وحضر المجلس أيضًا صفي الدِّين الهندي. وبحثوا مع الشيخ تقي الدِّين وسألوه عن مواضع خارجًا عن العقيدة. وجعل الشيخ صفي الدِّين يتكلم معه كلامًا كثيرًا. ثم إنهم رجعوا عنه واتفقوا أن كمال الدِّين بن الزملكاني يحاققه من غير مسامحة، ورضوا بذلك الجميع. وانفصل الأمر بينهم أنه أشهد على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب، يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي - ﵁ -، ورضوا منه بهذا القول، وانصرفوا على ذلك.
فعند ذلك حصل من أصحاب الشيخ تقي الدِّين كلام كثير وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا، فأحضروا واحدًا منهم إلى عند القاضي جلال الدِّين الشافعي في العادلية، فصفعه وأمر بتعزيره، فشفعوا فيه. وكذلك فعل الحنفي بآخر وآخر من أصحاب الشيخ تقي الدين.
ثم لما كان يوم الاثنين ثاني وعشرين الشهر قرأ الجمال المِزِّيُّ المُحَدِّث فصلًا في الرد على الجهمية من كتاب «أفعال العباد» تصنيف البخاري - ﵁ -، قرأ ذلك في مجلس العام تحت النسر. فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وقالوا: ما قرئ هذا الفصل إلا ونحن المقصودون بهذا التكفير، قال: فحملوه إلى قاضي القضاة الشافعي، فرسم بحبسه. فبلغ الشيخ تقي الدِّين ذلك، فقام حافيًا في جماعة من أصحابه، وأخرج المذكور من الاعتقال. فعند ذلك اجتمع القاضي بملك الأمراء، وكذلك الشيخ تقي الدِّين والنقباء عند ملك الأمراء، واشتط تقي الدِّين على القاضي، وذكر نايبه جلال الدِّين وأنه آذى أصحابه
[ ٢٧٢ ]
بسبب غيبة نايب السلطان في الصيد. فلما حضر نايب السلطان رسم بطلب كل من أكثر كلامه من الطايفتين، وأمر باعتقالهم، ونودي في البلد بمرسوم سلطاني: من تكلم في العقائد حل ماله ودمه ونهب داره وهتكت عياله. وقصد نايب السلطان بذلك إخماد الفتنة الثايرة.
ثم لما كان سلخ شهر رجب اجتمع القضاة والفقهاء وعقدوا مجلسًا بالميدان بحضور ملك الأمراء وبحثوا في العقيدة. فجرى من الشيخ صدر الدِّين بن الوكيل كلام في معنى الحروف وغيره. فأنكر عليه كمال الدِّين ابن الزملكاني القول في ذلك. ثم قال للقاضي نجم الدِّين بن صصري قاضي القضاة: أما سمعت ما قال؟ فكأن نجم الدِّين تغافل عن ذلك طلبًا لإخماد الشر. فقال كمال الدِّين بن الزملكاني: ما جرى على الشافعية قليل كون أن تكون رئيسها، إشارة على ما كان ادعاه صدر الدِّين بن الوكيل. فظن القاضي نجم الدِّين أن الكلام له، فقال: اشهدوا على أنني قد عزلت نفسي! وقام من المجلس فلحقه الحاجب الأمير ركن الدِّين بيبرس العلائي وعلاء الدِّين أيدغدي بن شقير وأعادوه إلى المجلس. وجرى كلام كثير بعد ذلك يطول شرحه. ثم إن ملك الأمراء ولاه الحكم، وحكم القاضي الحنفي بذلك وصحة الولاية، وأنفذها المالكي وقبل الولاية بحضور ملك الأمراء. فلما عاد إلى داره لاموه أصحابه. وخشى على نفسه ورأى أن الولاية لا تصح، فعاد طلع إلى تربته بسفح قاسيون، فأقام بها وصمم على العزل.
فلما كان بعد ثلاثة أيام رسم ملك الأمراء لنوابه بالمباشرة إلى حيث يرد جواب مولانا السلطان. فأما نايبه جلال الدِّين فإنه باشر الحكم، وأما تاج الدِّين فامتنع.
[ ٢٧٣ ]
فلما كان ثامن عشرين شهر شعبان المكرم وصل البريد من الأبواب العالية أعلاها الله تعالى وعلى يده كتابين، كتاب لملك الأمراء وكتاب للقاضي نجم الدِّين بعودته إلى الحكم العزيز. ومضمون الكتاب في فصل منه يقول: قد فرحنا باجتماع رأي العلماء عقيدة الشيخ تقي الدين. فباشر القاضي نجم الدِّين يوم الخميس مستهل شهر رمضان المعظم، وسكنت الفتنة.
فلما كان خامس رمضان، وصل من الأبواب العالية بريد، وهو الأمير حسام الدِّين لاجين العمري يطلب القاضي نجم الدِّين بن صصري والشيخ تقي الدِّين بن التيمية وكمال الدِّين بن الزملكاني. وفي المرسوم الوارد يقول: وتعرفونا ما كان وقع في زمان جاغان في سنة ثمان وتسعين وست ماية بسبب عقيدة ابن التيمية
_________________
(١) وفيه إنكار عظيم عليه وأن تكتبوا صورة العقيدتين: الأولة والثانية. فعند ذلك طلبوا القاضي جلال الدِّين الحنفي وسألوه عما جرى في أيامه. فقال: نقل إلي عنه كلام، وسألناه فأجاب عنه. وكذلك القاضي جلال الدِّين الشافعي لما طلب أحضر نسخة العقيدة التي كانت أحضرت في زمان أخيه. ثم إنهم تحدثوا مع ملك الأمراء في أن يكاتب بسببهم ويسد هذا الباب، فأجاب إلى ذلك. فلما كان يوم السبت عاشر رمضان المعظم وصل مملوك ملك الأمراء على البريد المنصور، وأخبر أن الطلب على الشيخ تقي الدِّين حثيث، وأن القاضي زين الدِّين بن مخلوف المالكي قد قام في هذا الأمر قيامًا عظيمًا، وأن الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشنكير معه في هذا الأمر، وأخبر بأشياء كثيرة جرت مما وقع بمصر في حق الحنابلة، وأن بعضهم أُهِين، وأن القاضي
[ ٢٧٤ ]
المالكي والحنبلي جرى بينهما كلام كثير. فلما سمع الأمراء ذلك رجع عن المكاتبة بسببهم وأمر بتجهيزهم إلى الأبواب العالية وتوجهوا. فلما كان يوم الجمعة سابع شهر شوال وصل البريد، وأخبر أن كان وصول القاضي نجم الدِّين والشيخ تقي الدِّين إلى الديار المصرية يوم الخميس ثاني وعشرين رمضان المعظم من هذه السنة المذكورة. (٩/ ١٣٣ - ١٣٦).
ذكر ما جرى للشيخ تقي الدِّين بمصر المحروسة
وذلك أنه لما وصل في ذلك التأريخ المذكور، عقد له مجلس في دار النيابة بحضور الأمير سيف الدِّين سلَّار، وأحضروا العلماء والأئمة القضاة الأربعة، وحضر الأمير ركن الدِّين بيبرس. فتكلم القاضي شرف الدِّين بن عدلان الشافعي، وادعى على الشيخ تقي الدِّين دعوى شرعية في أمر عقيدته. فعند ذلك قام الشيخ تقي الدِّين وحمد الله تعالى وأثنى عليه وتلجلج (^١). ثم أراد أن يذكر الله ويذكر عقيدته في فصل طويل. فقالوا له: يا شيخ، الذي بتقوله معلوم، ولا حاجة إلى الإطالة، وأنت قد ادعى عليك هذا القاضي بدعوى شرعية، أجيب عنها! فأعاد القول في التحميد وحاد عن الجواب، فلم يمكن في تتمة تحاميده. فقال: عند من هي هذه الدعوى؟ فقالوا: عند القاضي زين الدِّين المالكي، فقال: عدوي وعدو مذهبي، فكرروا عليه القول مرارًا، ولم يزدهم على ذلك شيئًا وطال الأمر. فعند ذلك حكم القاضي المالكي باعتقاله على رد الجواب. فقتال الشيخ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] فأقاموه من المجلس واعتقل، وسجن أيضًا
_________________
(١) هذه من مفاريد المؤلِّف! وإلا فجميع التراجم لا تذكر إلا ثباتَه وقوَّته.
[ ٢٧٥ ]
إخوته في برج من أبراج القلعة.
فبلغ القاضي أن جماعة من الأمراء يترددون إليه وينقلون له المآكل الطيبة. فطلع القاضي واجتمع بالأمير ركن الدِّين في قضيته وقال: هذا يجب عليه التضييق إذا لم يقتل، وإلا فقد ثبت كفره. فنقلوه هو وإخوته ليلة عيد الفطر إلى الجب بالقلعة.
وكان بعد قيام ابن التيمية من المجلس قد تكلم قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة ' في مسائل القرآن العظيم وشيء من عقيدة الإمام الشافعي - ﵁ -. فقيل لقاضي القضاة الحنفي: ما تقول؟ قال: كذا أعتقد. فقيل لقاضي القضاة شرف الدِّين الحنبلي: ما تقول؟ فتلجلج، فقال له الشيخ شمس الدِّين القروي المالكي: قم، جدد إسلامك! وإلا لحقوك بابن التيمية وأنا أحبك وأنصحك، فخجل. فلقنه القاضي بدر الدِّين بن جماعة القول، فقال مثل قوله، وانفصل الحال.
ثم كتب إلى دمشق كتاب يتضمن أن مولانا السلطان
_________________
(١) خلد الله ملكه قد رسم: أي من اعتقد عقيدة ابن التيمية حل ماله ودمه. وبعد صلاة الجمعة حضروا القضاة جميعهم بمقصورة الخطابة بجامع دمشق ومعهم الأمير ركن الدِّين بيبرس العلائي أمير حاجب الشام يوم ذاك. وجمعوا جميع الحنابلة، وأحضر تقليد قاضي القضاة نجم الدِّين بن صصري باستمراره على القضاء وقضاء العسكر ونظر الأوقاف مع زيادة المعلوم، وقرأه زين الدِّين أبو بكر. وقرئ عقيبه نسخة الكتاب الذي وصل فيما يتعلق بمخالفة عقيدة الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية وإلزام الناس بذلك، خصوصًا الحنابلة. فكان ما هذا نسخته:
[ ٢٧٦ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تنزه عن الشبيه والنظير، وتعالى عن المثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الشورى: ١١].
نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنة والكتاب، ورفع في أيامنا أسباب الشك والارتياب.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير.
ونُنزِّه الخالق عن التحيير في جهة لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي نهج سبل النجاة لمن سلك طريق مرضاته، وأمر بالتفكر في آلاء الله ونهى عن التفكر في ذاته.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيد الله بهم قواعد الدِّين الحنيفي ما شرع، فأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع.
وبعد: فإن العقائد الشرعية، وقواعد الإسلام المرعية، وأركان الإسلام العلية، ومذاهب الدِّين المضية، هي الأساس الذي يبنى الإيمان عليه، والمؤمل الذي يرجع كل أحد إليه، والطريق التي من سلكها: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابًا أليمًا. فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها ويؤكد زمامها، وتصان عقائد هذه الأمة عن
[ ٢٧٧ ]
الاختلاف، وتزان قواعد الأمة بالائتلاف، وتخمد ثوائر البدع، ويفرق من قوتها ما جمع.
وكان التقي ابن التيمية في هذه المدة قد سلط لسان قلمه، ومد عنان كلمه، وتحدث في مسائل الذات والصفات، ونص في كلامه على أمور منكرات، وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاه بما يخفيه السلف الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام، وانعقد على خلافه اجتماع العلماء والحكام، وشهر من فتاويه في البلاد ما استخف به عقول العوام، فخالف في ذلك علماء عصره، وأئمة شأمه ومصره، وبعث رسائله إلى كل مكان، وسمى فتاويه أسماء: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠].
ولما اتصل بنا ذلك، وما سلكوه ومريدوه من هذه المسالك، وأظهروه من هذه الأحوال وأشاعوه، وعلمنا أنه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في حق الله بالحرف والصوت والتجسيم، قمنا في الله تعالى مستعظمين لهذا النبإ العظيم. فأنكرنا هذه البدعة، وأنفنا أن نسمع عن من تضمه ممالكنا هذه السمعة. وكرهنا ما فاه به المبطلون، وتلونا قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] فإنه ﷻ تنزه عن العديل والنظير ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
وتقدمت مراسمنا باستدعاء التقي ابن التيمية المذكور إلى أبوابنا عندما شاعت فتاويه شامًا ومصرًا، وصرح فيها بألفاظ ما سمعها ذو فهم إلا وتلا: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤].
[ ٢٧٨ ]
ولما وصل إلينا، تجمع أولوا الحل والعقد، وذوو التحقيق والنقد، وحضر قضاة الإسلام، وحكام الأنام، وعلماء الدين، وفقهاء المسلمين، وعقد له مجلس شرع، في ملأ من الأئمة والجمع، فثبت عند ذلك عليه، جميع ما نُسِبَ إليه، بمقتضى خط يده، الدال على معتقده، وانفصل ذلك الجمع، وهم لعقيدته منكرون، وآخذوه بما شهد به قلمه عليه: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
وبلغنا أنه كان قد استتيب فيما تقدم، وأخره الشرع الشريف لما تعرض إلى ذلك وأقدم. ثم عاد بعد ردعه ومنعه، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه.
فلما ثبت ذلك في مجلس الحكم العزيز المالكي، حكم الشرع الشريف بأن يسجن هذا المذكور، ويمنع من التصرف والظهور.
ومرسومنا هذا يأمر بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبه به في اعتقاد مثل ذلك، أو يغدو له في هذا القول متبعًا، أو لهذه الألفاظ مستمعًا، أو يسري في التجسيم مسراه، أو أن يفوه بجهة للعلو، مخصصًا أحدًا كما فاه، أو يتحدث إنسان في صوت أو حرف، أو يوسع القول في ذات أو وصف، أو يطلق لسانه بتجسيم، أو يحيد عن طريق الحق المستقيم، أو يخرج عن رأي الأمة، أو ينفرد عن علماء الأئمة، أو يحيز الله تعالى في جهة، أو يتعرض إلى حيث وكيف، فليس لمن يعتقد هذا المجموع عندنا غير السيف.
فليقف كل أحد عند هذا الحد، فـ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، فليزم كل من الحنابلة بالرجوع عما أنكره الأئمة من هذه العقيدة، والخروج من هذه المشتبهات الشديدة، ولزوم ما أمر الله به من التمسك بمذاهب أهل
[ ٢٧٩ ]
الإيمان الحميدة، فإنه من خرج عن أمر الله تعالى فقد ضل سواء السبيل وليس له منا غير السجن الطويل من مقيل.
ومتى أصروا على الامتناع، وأبوا إلا الدفاع، فليس لهم عندنا حكم ولا قضاء ولا إمامة، ولا نسنح لهم في بلادنا بشهادة ولا منصب ولا إقامة، ونأمر بإسقاطهم من مراتبهم، وإخراجهم من مناصبهم. وقد حذرنا وأعذرنا، وأنصفنا حيث أنذرنا.
فليقرأ مرسومنا هذا على المنابر، ليكون أعظم زاجر وأعدل ناه وآمر. وليبلغ للغائب الحاضر.
والخط الشريف أعلاه، حجة بمقتضاه.
وكتب هذا المرسوم عدة نسخ، ونفذ إلى سائر الممالك الإسلامية. وتولى قراءة هذا المرسوم الوارد بدمشق القاضي شمس الدِّين محمد بن شهاب الدِّين محمود الموقع، وبلغ عنه ابن صبيح المؤذن. وأحضروا الحنابلة بعد ذلك، واعترفوا عند قاضي القضاة جمال الدِّين المالكي بأنهم جميعهم يعتقدون ما يعتقده الإمام محمد ابن إدريس الشافعي - ﵁ -، وهو قوله: آمنت بالله وما جاء عن الله عن من آمن بالله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله عن مراد رسول الله - ﷺ -. (٩/ ١٣٧ - ١٤٣).
ذكر السبب الموجب لهذه الفتن المذكورة
وذلك أن بعض أصحاب الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية أحضر للشيخ كتابًا من تصانيف الشيخ محي الدِّين ابن العربي يسمى «فصوص الحكم» وذلك في سنة ثلاث وسبع مئة. فطالعه الشيخ تقي الدين، فرأى فيه مسائل تخالف اعتقاده. فشرع في لعنة ابن العربي وسبَّ أصحابه الذين يعتقدون
[ ٢٨٠ ]
اعتقاده. ثم اعتكف الشيخ تقي الدِّين في شهر رمضان وصنف نقيضه وسماه «النصوص على الفصوص» وبين فيه الخطأ الذي ذكره ابن العربي. وبلغه أن شيخ الشيوخ كريم الدِّين شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة المحروسة له اشتغال بمصنفات ابن العربي، وأنه يعظمه تعظيمًا كبيرًا وكذلك الشيخ نصر المنبجي. ثم إن الشيخ تقي الدِّين صنف كتابين فيهما إنكار كثير على تأليف ابن العربي، ولعنه فيهما مصرحًا ولعن من يقول بقوله، وسير الكتاب الواحد للشيخ نصر المنبجي والآخر للشيخ كريم الدين. فلما وقف عليه الشيخ نصر حصل عنده من ذلك أمر عظيم، وتألم له تألمًا بالغًا وحصل له إنكار شديد.
وكان الشيخ نصر كما قد تقدم من الكلام منزلته عند الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشنكير العالية. وأن بيبرس لايقوم ويقعد إلا به في سائر حركاته. وكان سائر الحكام من القضاة والأمراء وأرباب المناصب يترددون إلى عند الشيخ نصر لأجل منزلته عند بيبرس الجاشنكير. فحضر عنده القاضي زين الدِّين بن مخلوف المالكي عقيب وقوف الشيخ نصر على كتاب الشيخ تقي الدين، فأوقف القاضي على الكتاب المذكور. فقال له القاضي: أوقف الأمير ركن الدِّين عليه وقَرِّرْ معه ما أحببت، وأنا معك كيف شئت. وألزم الأمير ركن الدِّين بطلبه إلى الديار المصرية وتسأله عن عقيدته. فقد بلغني أنه أفسد عقول جماعة كبيرة، وهو يقول بالتجسيم، وعندنا من اعتقد هذا الاعتقاد كفر ووجب قتله. فلما حضر الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشنكير عند الشيخ نصر على عادته، أجرى له ذكر ابن التيمية وأمر عقيدته، وأنه أفسد عقول جماعة كبيرة، ومن جملتهم نائب الشام وأكبر الأمراء الشاميين، والمصلحة تقتضي طلبه إلى الأبواب العالية ويطلب منه عقيدته، وتقرأ على
[ ٢٨١ ]
العلماء بالديار المصرية من المذاهب الأربعة، فإن وافقوه وإلا يستتيبوه ويرجعوه ليرجع عن مذهبه واعتقاده سائر من لعب بعقله من الناس أجمعين. ثم ذكر له ذنوبًا أخر حتى حَرَّضَ بيبرس على طلبه.
ثم بعد ذلك جرت فتن للحنابلة بمدينة بلبيس. ثم انتقل الحال إلى القاهرة، وحصل لبعض الحنابلة إهانة واعْتُقِلَ منهم جماعة. وجرت فتن عظيمة بين الأشاعرة والحنابلة بالشام، وكان النائب غائبًا بالصيد. فلما حضر أمر بإصلاح ذات البين، وأقر كل طائفة على حالها. وجرى في القاهرة أيضًا على الحنابلة أمور شنيعة، وألزموهم بالرجوع عن العقيدة وأن يقولوا: إن القرآن العظيم هو المعنى القائم بالنفس، وإن ما في الصحف عبارة عنه، وإن ما هو في الصحف موجود ومحفوظ في الصدور ومقروء بالألسنة مخلوق، وإن القديم هو القائم بالنفس، وألزموا بنفي مسألة العلو والتصريح بذلك، وأن جميع ما ورد من أحاديث الصفات لا يجري على ظاهرها بوجه من الوجوه. وجرى عليهم كل مكروه. وكان القاضي شرف الدِّين الحنبلي قليل البضاعة في العلم، ولم يدري ما يجيب به، وكان أكبر من تحدث فيهم وألزمهم بذلك القاضي زين الدِّين المالكي - ﵀ -، انتصارًا للشيخ نصر في ذلك الوقت. وكان القاضي زين الدِّين عالمًا جيدًا وفقيهًا حسنًا - ﵁ -، يتحدث في المذاهب الأربعة. وكذلك ساعدوه جماعة من الشافعية. فكان هذا سبب أصول الفتن المذكورة، وسيأتي ذكر بقية ما جرى لتقي الدِّين ابن التيمية في سنة ست وسبع مائة إن شاء الله تعالى. (٩/ ١٤٣ - ١٤٥).
ذكر سنة ست وسبع مائة
وفيها في آخر يوم من شهر رمضان المعظم، أحضر الأمير سيف الدِّين
[ ٢٨٢ ]
سلّار، الموالي القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي، وتكلم معهم في إخراج الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية، فاتفقوا على أن يُشْتَرط عليه أمور ويلزم بالرجوع عن العقيدة. فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك. فلم يجب إلى الحضور، وتكرر إليه الرسول ست دفعات، وهو مصمم على عدم الحضور، وطال عليهم المجلس، فانصرفوا على غير شيء. (٩/ ١٤٦).
وفيها (^١) في العشر الأول من شهر ربيع الأول، وصل الأمير حسام الدِّين مهنا بن الأمير شرف الدِّين عيسى بن مهنا إلى الأبواب العالية، واجتمع بالمقام الأعظم السلطاني، وحصل له من الإقبال والإنعام شيء كثير. وخاطب مولانا السلطان في أمر الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية، فأنعم مولانا السلطان به بإطلاقه. فتوجه إليه الأمير حسام الدِّين مهنا بنفسه إلى السجن، وأخرجه يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول، وأحضر إلى دار النيابة بحضرة الأمير سيف الدِّين سلار وأحضر له بعض الفقهاء، وحصل بينهم كلام كثير وبحث زايد يضيق هذا المجموع عن بعضه، وقربت صلاة الجمعة فافترقوا. ثم اجتمعوا وبحثوا إلى المغرب ولم ينفصل لهم أمر. ثم اجتمعوا يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر، وحضروا جماعة فقهاء أخر، وحضر الشيخ نجم الدِّين بن رفعة، وعلاء الدِّين الباجي، وفخر الدِّين بن أبي سعد، وشمس الدِّين الخطيب الجزري، وعز الدِّين النمراوي، وشمس الدِّين عدلان، وصهر المالكي، وجماعة أخر في تعدادهم طول كثير. ولم تحضر الموالي القضاة، وطلبوهم فاعتذروا. وقبل عذرهم نائب
_________________
(١) سنة سبعٍ وسبع مئة.
[ ٢٨٣ ]
السلطان، ولم يكلفهم إلى الحضور. وتباحثوا ذلك اليوم في مجلس الأمير سيف الدِّين سلار، وانفصل المجلس على خير. وبات الشيخ تقي الدِّين عند نائب السلطان، وكتب بيده كتابًا إلى دمشق مضمنًا خروجه من السجن. وأقام بعد ذلك بدار ابن شقير بالقاهرة. ورسم نائب السلطان بتأخيره عن التوجه مع مهنا لمصلحة في ذلك.
وفي يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر، عقد له مجلس آخر بالمدرسة الصالحية بعد الصلاة. وكان مهنا قد سافر، وبحثوا معه. ووقع الاتفاق على تغيير الألفاظ في العقيدة، وانفصل المجلس على خير. واستقر بعد ذلك بالقاهرة، والناس يجتمعون به ويهرعون إليه، ولم يزل كذلك إلى أن سافر في سنة اثنتي عشرة وسبع مائة. واستقر إلى أن توفي رحمه الله تعالى في تأريخ ما يأتي ذكره. (٩/ ١٥٠ - ١٥١).
وفيها (^١) توفي الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية، رحمه الله تعالى. (٩/ ٣٤٩).
* * * *
_________________
(١) سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة.
[ ٢٨٤ ]