* منزلته في فقه المذهب:
قال ابن القيم: «ولا يختلف عالمان مُتحلِّيان بالإنصاف: أن اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب، بل وشيخهما أبي يعلى، فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوهًا يُفتَى بها في الإسلام، ويَحكم بها الحكام، فلاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها إن لم تَرْجح عليها، والله المستعان وعليه التكلان» (^١).
وقال في موضع آخر: «وأقلّ درجات اختياراته أن يكون وجهًا في المذهب، ومن الممتنع أن يكون اختيار ابن عقيل وأبي الخطَّاب والشيخ أبي محمد وجوهًا يُفْتى بها واختيارات شيخ الإسلام لا تصل إلى هذه المرتبة» (^٢).
* علمه باللغة:
وقال: «وقلت يومًا لشيخنا أبي العباس ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ: قال ابن جنِّي: مكثتُ بُرهةً إذا ورد عليَّ لفظٌ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها، وجَرْسه وكيفية تركيبه، ثم أكشفه، فإذا هو كما ظننته أو قريبًا منه.
_________________
(١) «أعلام الموقعين»: (٤/ ٥٧٥ - عالم الفوائد).
(٢) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٦٢٤ - دار العاصمة). والشيخ أبو محمد هو ابن قدامة المقدسي صاحب «المغني» (ت ٦٢٠).
[ ٤١٥ ]
فقال لي ــ ﵀ ــ: وهذا كثيرًا يقع لي» (^١).
* اطلاع شيخ الإسلام:
قال ابن القيم في معرض حديثه عن إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على إثبات الفوقية لله ﷾:
وكذا أبو العباس أيضًا قد حكى إجماعَهم عَلَمُ الهدى الحرَّاني
وله اطلاع لم يكن من قبله لسواه من متكلِّم ولسان (^٢)
* وظائف الشيخ:
ذكر ابن القيم أن الشيخ تولى التدريس بمدرسة ابن الحنبلي (^٣).
* مواقف الشيخ في الإفتاء:
ذكر ابن القيم أن من فِقْه المفتي ونُصْحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه أن يدلَّه على ما هو عِوَض له منه، ثم قال: «ورأيت شيخنا ــ قدس الله روحه ــ يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها» (^٤).
_________________
(١) «بدائع الفوائد»: (١/ ١٦٦ - دار عالم الفوائد)، ومثله في «جلاء الأفهام» (ص ١٤٦ - ١٤٧ - دار عالم الفوائد)، و«تحفة المودود» (ص ٢١٢ - دار عالم الفوائد).
(٢) «الكافية الشافية»: (٢/ ٣٥١ ــ دار عالم الفوائد).
(٣) «أعلام الموقعين»: (٣/ ١١١ - ١١٢) وسيأتي نص كلامه في (أحوال الشيخ مع أهل عصره) (ص ٤٨٣).
(٤) «أعلام الموقعين»: (٥/ ٧).
[ ٤١٦ ]
وقال ابن القيم في معرض كلامه عن المفتي، وأن عليه أن يتفطَّن لحقيقة السؤال وصورته، وأن بعض المستفتين قد يصوغ السؤال في قالب مزخرف ليفتي بما يوافق هواه
قال: «وأذكر لك من هذا مثالًا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يُلْزَم أهلُ الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين، فقامت لذلك قيامتهم، وعَظُم عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرَّت به عيونُ المسلمين، فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صَوّروا فُتيا يتوصّلون بها إلى إزالة هذا الغيار، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباس غير لباسهم المعتاد، وزيٍّ غير زِيِّهم المألوف، فحصل لهم بذلك ضررٌ عظيم في الطرقات والفلوات، وتجرَّأ عليهم بسببه السُّفهاء والرَّعاع، وآذوهم غايةَ الأذى، فطُمِعَ بذلك في إهانتهم والتعدِّي عليهم، فهل يسوغ للإمام ردّهم إلى زِيّهم الأول، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يُعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا؟
فأجابهم مَنْ مُنِعَ التوفيق وصُدَّ عن الطريق، بجواز ذلك، وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه.
قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم إلى ما كانوا عليه، ويجب إبقاؤهم على الزِّي الذي يتميَّزون به عن المسلمين، فذهبوا، ثم غيروا الفتوى، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم. فذهبوا، ثم أتوا بها في قالَبٍ آخر، فقلت: هي المسألة المعيَّنة وإن خَرَجَت في عدة قوالب. ثم ذهب إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عَجِب منه
[ ٤١٧ ]
الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم، ولله الحمد» (^١).
وذكر ابن القيم أن من الناس من لا يَستفتي ديانة، وإنما يَستفتي ليتوصَّل إلى حصول غرضه بأيِّ طريقٍ اتفق، ثم قال: «قال شيخنا ــ ﵀ ــ مرة: أنا مُخيَّر بين إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليَّ، بخلاف من يسأل عن دينه.
وقد قال الله تعالى لنبيه - ﷺ - في حقِّ من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه لا لالتزامه لدينه - ﷺ - من أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢]. فهؤلاء لمَّا لم يلتزموا دينَه لم يلزمه الحكم بينهم، والله تعالى أعلم» (^٢).
_________________
(١) «أعلام الموقعين» (٥/ ٦٦ - ٦٧). وهذه الحادثة هي المذكورة في ترجمة الشيخ المفردة لابن عبد الهادي (ص ٢٩٧) قال: «ثم إن الوزير أنهى إلى السلطان أن أهل الذمة قد بذلوا للديوان في كل سنة سبعمائة ألف درهم زيادة على الجالية على أن يعودوا إلى لبس العمائم البيض المعلَّمة بالحمرة والصفرة والزرقة، وأن يعفوا من هذه العمائم المصبغة كلها بهذه الألوان التي ألزمهم بها ركن الدِّين الشاشنكير؛ فقال السلطان للقضاة ومن هناك: ما تقولون؟ فسكت الناس! فلما رآهم الشيخ تقي الدِّين سكتوا، جثا على ركبتيه، وشرع يتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، ويرد ما عرضه الوزير عنهم ردًّا عنيفًا، والسلطان يسكته بترفق وتؤدة وتوقير. فبالغ الشيخ في الكلام وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله ولا بقريب منه، حتى رجع السلطان عن ذلك وألزمهم بما هم عليه واستمروا على هذه الصفة. فهذه من حسنات الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية - ﵀ -».
(٢) «أعلام الموقعين»: (٥/ ١٧٨ - ١٧٩).
[ ٤١٨ ]
* الفطر للتقوِّي على الجهاد:
قال ابن القيم: «وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوِّي على الجهاد وفَعَلَه، وأفتى به لما نزل العدوّ دمشق في رمضان (^١)، فأنكر عليه بعضُ المتفقِّهة، وقال: ليس هذا بسفرٍ طويل. فقال الشيخ: هذا فِطْرٌ للتقوِّي على جهاد العدوّ، وهو أولى من الفطر لسفر يومين سفرًا مباحًا أو معصيةً، والمسلمون إذا قاتلوا عدوَّهم وهم صيامٌ لم يمكنهم النكايةُ فيهم، وربما أضعفهم الصومُ عن القتال، فاستباح العدوُّ بيضةَ الإسلام، وهل يشكّ فقيهٌ أنَّ الفطر ههنا أولى من فطر المسافر، وقد أمرهم النبي - ﷺ - في غزاة الفتح بالإفطار ليتقوَّوا على عدوِّهم، فعلَّل ذلك للقوة على العدوِّ لا للسفر، والله أعلم» (^٢).
* فقه الفتوى:
١ - قال ابن القيم: «ولقد سئل شيخُنا أبو العباس ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ سأله شيخٌ، فقال: هربتُ من أستاذي وأنا صغير، إلى الآن لم أطلع له على خبر، وأنا مملوك، وقد خفت من الله ﷿، وأريد براءة ذمتي من حق أستاذي من رقبتي، وقد سألتُ جماعةً من المفتين، فقالوا لي: اذهب فاقعد في المستودع. فضحك شيخنا!
وقال: تصدَّق بقيمتك ــ أعلى ما كانت ــ عن سيدك، ولا حاجة لك بالمستودع تقعد فيه عبثًا في غير مصلحة، وإضرارًا
_________________
(١) في سنة ٧٠٢ هـ في معركة شقحب التي هزم فيها التتار.
(٢) «بدائع الفوائد»: (٤/ ١٣٥٨ - ١٣٥٩)، وانظر «زاد المعاد»: (٢/ ٦٧ - عالم الفوائد).
[ ٤١٩ ]
بك، وتعطيلًا عن مصالحك، ولا مصلحة لأستاذك في هذا، ولا لك ولا للمسلمين، أو نحو هذا من الكلام، والله أعلم» (^١).
٢ - وقال: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ونور ضريحه ــ يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرَّم الله الخمرَ لأنها تصدُّ عن ذِكْر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرّية وأخْذِ الأموال، فدَعْهم» (^٢).
* رؤية النبي - ﷺ - في المنام واستفتاؤه:
قال ابن القيم: «وقال شيخنا: كان يُشْكِل عليَّ أحيانًا حال من أصلي عليه الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله - ﷺ - في المنام، فسألته عن مسائل عديدة، منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد، الشرط الشرط. أو قال: علق الدعاء بالشرط» (^٣).
* جود شيخ الإسلام بالعلم:
قال ابن القيم: «ومن الجود بالعلم أن السائل إذا سألك عن مسألة استقصيتَ له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا: «نعم» أو «لا» مقتصرًا عليها.
_________________
(١) «مدارج السالكين»: (١/ ٣٩٠ - ت الفقي).
(٢) «أعلام الموقعين»: (٣/ ٤٣٢).
(٣) «أعلام الموقعين»: (٤/ ٣٧٩).
[ ٤٢٠ ]
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ في ذلك أمرًا عجيبًا، كان إذا سُئل عن مسألة حُكمية ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة ــ إذا قَدَر ــ ومأْخَذَ الخلاف، وترجيح القول، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته، وهذه فتاويه ــ ﵀ ــ بين الناس، فمَنْ أحبَّ الوقوفَ عليها رأى ذلك.
فمِنْ جُود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر له نظائرها ومتعلَّقها ومأخذها، بحيث يشفيه ويكفيه.
وقد سأل الصحابةُ - ﵃ - النبيَّ - ﷺ - عن المتوضّئ بماء البحر؟ فقال: «هو الطَّهور ماؤُه الحلُّ ميتتُه» (^١). فأجابهم عن سؤالهم، وجادَ عليهم بما لعلَّهم في بعض الأحيان إليه أحوَج مما سألوه عنه.
وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبَّههم على عِلَّته وحِكْمته، كما سألوه عن بيع الرُّطب بالتَّمْر؟ فقال: «أينقص الرُّطب إذا جفَّ؟» قالوا. نعم قال: «فلا إذن» (^٢). ولم يكن يخفى عليه - ﷺ - نُقصان الرطب بجفافه، ولكن نبّههم على عِلّة الحُكْم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي: (١/ ٥٠)، وابن ماجه (٣٨٦) وغيرهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -. والحديث صححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وغيرهم وضعفه غير واحد والكلام عليه طويل الذيل. راجع «البدر المنير»: (١/ ٣٤٨ - ٣٨١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي: (٧/ ٢٦٨)، وابن ماجه (٢٢٦٤) من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -. قال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٤٢١ ]
وهذا كثير جدًّا في أجوبته - ﷺ -، مثل قوله: «إن بعتَ من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة فلا يحلُّ لكَ أن تأخذ من مال أخيك شيئًا، بم يأخذ أحدُكم مال أخيه بغير حقّ؟». وفي لفظ: «أرأيت إن منعَ الله الثمرة، بم يأخذ أحدُكم مالَ أخيه، بغير حق؟» (^١). فصرَّح بالعلة التي يَحْرُم لأجلها إلزامه بالثمن، وهي منع الله الثمرة التي ليس للمشتري فيها صُنْع.
وكان خصومه ــ يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ــ يعيبونه بذلك، ويقولون: سأله السائل عن طريق مصر ــ مثلًا ــ فيذكر له معها طريق مكة، والمدينة، وخراسان، والعراق، والهند، وأيّ حاجة بالسائل إلى ذلك؟
ولعمر الله ليس ذلك بعيب، وإنما العيب الجهل والكِبْر، وهذا موضع المثل المشهور:
لقَّبوه بحامضٍ وهو حُلوٌ مثل مَنْ لم يصل إلى العنقود» (^٢)
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥) من حديث أنس - ﵁ -.
(٢) «مدارج السالكين» (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٥). وفي بعض الطبعات «خل» خطأ، والبيت لعلاء الدِّين الوداعي (ت ٧١٦). انظر «الوافي بالوفيات»: (٢٢/ ١٢٦).
[ ٤٢٢ ]
ــ ٢ ــ