وبعد هذا العرض يبقى عندنا نوعان من الكتب والدراسات:
النوع الأول: كتب وردت فيها معلومات وشذرات تتعلق بحياة شيخ الإسلام، فمنها ما هو في كتب الشيخ نفسِه، وقد تصدَّى لجمع ذلك أحد طلبة العلم، على ما أخبرنا به الشيخ بَكْر أبو زَيْد.
ومنها ما هو منثور في كتب أصحابه وتلاميذه ومن بعدهم، خاصة كتب العلامة ابن القيم، وقد كنا تصدينا لجمع هذا الصنف فحصلنا على نقول وفيرة ونصوص عزيزة، وقد أدرجناها هنا بَادِئ ذِي بَدْء، ثم عدلنا عن هذا ورأينا أن تفرَد ببحث مستقلٍّ. ثم رأينا أن نجمع كلام ابن القيم عن شيخه، فنشرناه أولًا في تكملة الجامع، ثم ضممناه هنا.
النوع الثاني: البحوث والدراسات الحديثة عن شيخ الإسلام في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، لم نذكر شيئًا منها هنا، وهي كثرة كاثرة تصلح أن تفرَد ببحث
_________________
(١) أيضًا . وقد جمع منها الكثير الأستاذ بدر الغامدي في رسالة بعنوان «مسرد الدراسات عن ابن تيمية وعلومه» ذكر منها ٩٨٤ عنوانًا. - منهج العمل: كانت فكرة حَصْر مصادر ترجمة شيخ الإسلام المفردة والمضمَّنة كتب التواريخ ونحوها، سواء المخطوط والمطبوع، هي بداية هذا العمل ونواته وكان ذلك قبل خمس سنوات، فلما اكتملَ الجمعُ، رأينا أن نضم شمل هذه الترجمات، لتكون في سِفْرٍ واحد أمام نظر المطالع، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم الفائدة وجليل الأثر وقد تقدَّم .
[ ٩٦ ]
ويتلَخّص عملنا في إثبات هذه النصوص في النقاط الآتية:
١ - الفترة الزمنية لهذه الترجمات تبدأ من حياة شيخ الإسلام، حيث كانت أول ترجمةٍ وقفنا عليها هي لابن شيخ الحزَّامِين (٧١١)
_________________
(١) أي في حياة الشيخ وتنتهي بنهاية القرن الثالث عشر الهجري سنة (١٣٠٠)، وكانت آخر التراجم لنعمان خير الدِّين الآلوسي (١٣١٧) وذلك في كتابه «جلاء العينين»، وقد ألفه قبل نهاية القرن سنة ١٢٩٧.
(٢) لم نُدْخِل في مجموعتنا هذه التراجمَ المفردةَ؛ لأنها تعدُّ قائمة بنفسها كـ «العقود الدرية» لابن عبد الهادي وهو أوسعها و«الكواكب الدرية» لمرعي الكرمي وغيرهما مما تقدَّم إحصاؤه قريبًا.
(٣) راعينا في إثبات هذه النصوص تواريخ وَفَيَات مؤلفيها، ومن لم تتبيّن وفاتُهُ؛ اجتهدنا في إثباتها في مكانها الملائم.
(٤) أثبتنا هذه النصوص بتمامها دون حذفٍ أو اختصارٍ أو تصرُّف وأشرنا في الحاشية إلى مصدر هذه الترجمة سواء المطبوع أو المخطوط، مع ذكر مكان الطبع وتاريخه، ورقم المخطوط ومكان وجوده. ونحن إذ نثبت هذه التراجم برمتها، بعُجَرِها وبُجَرِها، وحقها وباطلها، فإن ذلك لأمور: الأول: للاطلاع عليها فَيُعْرَف المنصِف من المجحف، فيُؤخَذ الحقُّ ويبقى، وأما الباطل فيذهب جُفَاءً. الثاني: للنظر فيما يتعرَّض له أولياء الله، وعلماء الإسلام المجاهدون من صنوف الأذى؛ من تعذيب وحَبْس وطَعْن، وغيرها من أنواع الابتلاءات، ثم ما واجهوا به ذلك كله من الصبر والرِّضا، شأنهم شأن رسل الله الكرام، قال
[ ٩٧ ]
تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤].
وقال - ﷺ -: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل».
وأن ما يقع من الكلام عليهم بالباطل والهوى والتقليد؛ ما هو إلا زيادة في حسناتهم ورِفعة في درجاتهم
_________________
(١) إن شاء الله تعالى وأنَّ ذلك لا يضرهم عند الله ولا عند الناس. وأن من كان منهم أي الذَّامين مقلدًا في الذم والطعن لمن سبقه؛ فقد تبينت الآن حقائق الأمور، ورجع المنصف عن قدحه، وأما من بقيَ من الخلف ذامًّا شانئًا؛ فما هو إلا مبتدعٌ صاحب هوى في الغالب، أو غير مطلع على جليَّات الأمور وحقائقها، فحُقَّ للشيخ أن يتمثَّل بقول الشاعر: أثريتُ مَجْدًا فَلَمْ أعْبأ بما سَلَبَتْ أيدي الحَوَادثِ مِنِّي فهو مُكتَسَبُ وبقوله: فَمَاذا على الأعداءِ أن يتقوَّلوا عَلَيَّ وَعِرْضي نَاصِح الجيبِ وَافِرُ وبقوله: راجَعْتُ فِهْرِس آثارِي فما لَمَحت بصيرتي فيه ما يُزْرِي بأعْمَالي الثالث: فوائد أخرى ذكرناها عند الحديث عن فوائد هذا العمل (ص ٥٨ - ٦٠).
(٢) صححنا هذه الترجمات جميعًا، وقمنا بمقابلة بعضها على بعض عند وقوع تحريف أو تصحيف، وذلك رجاء الوصول إلى نصٍّ أقربَ إلى السلامة، ورجعنا في أثناء ذلك إلى عدة طبعاتٍ للكتاب، وكتب أخرى مساعدة.
[ ٩٨ ]
ولم نُشِر إلى تلكم الأخطاء لكثرتها وشيوعها، إلا في النادر لقصدٍ، حتى الطبعات المحققة لم تَخْلُ من كثيرٍ من التصحيفات! !
أما ما كان له وجهٌ في العربية أو المعنى؛ فلم نتصرَّف فيه، بل أبقيناه كما هو، مع الإشارة إلى ذلك.
٦ - بذلنا غايةَ الوُسْع في التصحيح إلا أنه قد بقي في النصوص بعض العبارات التي لا تخلو من إشكال، ولم نهتدِ إلى صوابها، أو إلى تحرير معناها.
٧ - كان الوُكد منصبًّا على ما سبق من النقاط، فلم نلتفت إلى التعليق على النصوص، إلا عند الحاجة المُلِحَّة، وكان ذلك بعبارة وجيزة تكفي المنصِف.
٨ - ألحقنا بالكتاب ثلاثة فهارس:
أـ فهرس موضوعيّ تفصيلي دقيق، مُقسّم بعناية إلى فقرات، منذ ولادة شيخ الإسلام وحتى وفاته، ونذكر تحت كلِّ فِقْرةٍ منها أماكن وجودها وتكررها في جميع كتب هذا «الجامع»، فيمكن القارئ أو الباحث أن يصنع ترجمةً للشيخ من خلال هذا الفهرس، تحتوي على أدقِّ التفاصيل في حياته.
ب
_________________
(١) فهرس لكتب شيخ الإسلام الواردة في نصوص هذا «الجامع» مرتبًا على حروف الهجاء. جـ فهرس الكتب المضمّنة هذا «الجامع». وختامًا نحمد الله على توفيقنا لإنجاز هذا العمل، الذي نرجو أن يكون رائدًا في بابه، يستعينُ به كلُّ دارسٍ عن شيخ الإسلام، أو باحث في تراجم المجددين العِظام.
[ ٩٩ ]
ولا يفوتنا أن نتقدم بخالص الشكر والدعاء لكل من أسهم في إنجاح هذا الكتاب وهم كثير، ونخص بالذكر هنا فضيلة العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد
_________________
(١) وفقه الله لمراضيه فقد كان متابعًا للعمل من بواكيره وحتى تم على سوقه. وكذلك الشيخ الدكتور صالح بن حامد الرفاعي الذي أتحفنا ببعض الترجمات، جزى الله الجميع خيرًا، وكتب ذلك في موازين حسناتهم، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه. وندعو القراء والباحثين إلى إفادتنا باقتراحاتهم وآرائهم، أو بما فاتنا من ترجمات الشيخ، فالعلم رحمٌ بين أهله، والمؤمن مرآة أخيه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمَّد. وكتب محمد عُزَير شَمْس وعليُّ بن محمد العِمْرَان في مكة المكرمة حرسها الله تعالى
[ ١٠٠ ]