* انتصاره للإسلام والذبّ عنه، وصدّ أهل البدع والأهواء:
قال ابن القيم: «وأصل كلّ بليّة في العالم ــ كما قال محمد الشهرستاني ــ من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع، والناس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة وشؤم عاقبتها، فإلى الله المشتكى وبه المستعان.
ثم إنه خرج مع هذا الشيخ المتأخر (^١) المعارض بين العقل والنقل أشياءُ لم تكن تُعْرف قبله: جُسْت العَمِيدي (^٢)، وحقائق ابن عربي، وتشكيكات الرازي، وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداء الرسل التي فرحوا بها لمَّا جاءتهم رسلهم بالبينات، وصارت الدولة والدعوة لأرباب هذه العلوم.
ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه، وأقام جندًا تغزو ملوكَ هؤلاء بالسيف والسنان، وجندًا تغزو علماءَهم بالحجة والبرهان.
_________________
(١) يعني: النصير الطوسي الرافضي.
(٢) الجُست: كلمة فارسية معناها البحث والتقصّي، ثم أصبحت عَلَمًا على فن من فنون علم الجدل، وهو المبني على طريقة الفلاسفة، وهي الطريقة التي اخترعها العميدي. والعميدي هو: أبو حامد محمد بن محمد السمرقندي الحنفي (ت ٦١٥). انظر للتفصيل مقدمة تحقيق كتاب «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل» لابن تيمية: (١/ ١٩ - ٢٣) لكاتبه.
[ ٤٤٠ ]
ثم نبغت نابغة منهم في رأس القرن الثامن، فأقام الله لدينه شيخَ الإسلام أبا العباس ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ فأقام على غزوهم مدَّةَ حياته، باليد والقلب واللسان، وكَشَف للناس باطلَهم، وبيّن تلبيسَهم وتدليسَهم، وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول، وشفى واشتفى، وبَيَّن مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يُدْلون، وإليه يدعون، وأنهم أتْرَك الناس لأحكامه وقضاياه، فلا وحي ولا عقل! فأرْداهم في حُفَرهم، ورَشَقهم بسهامهم، وبيّن أن صحيح معقولاتهم خَدَم لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة، وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه» (^١).
وقال ابن القيم:
ولأيّ شيء كان أيضًا خصمُكم شيخَ الوجود العالم الحرَّاني
أعني أبا العباس ناصرَ سنةِ الـ مختار قامع سنة الشيطان
والله لم يك ذنبه شيئًا سوى تجريده لحقيقة الإيمان
إذ جرَّد التوحيدَ عن شركٍ كذا تجريدُه للوحي عن بهتانِ (^٢)
* مناظرته للجبرية:
وذكر ابن القيم الجبريَّة، ثم قال: «وأخبرني شيخ الإسلام ــ قدس الله روحه ــ أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغضه الله ورسوله، فقال له الملوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأيّ شيء أبغض منه؟
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٧٨ - ١٠٨٠).
(٢) «الكافية الشافية»: (٢/ ٤١٩).
[ ٤٤١ ]
قال الشيخ: فقلت له: إذا كان قد سخط على أقوام ولعنهم وذمهم وغضب عليهم، فواليتهم أنت وأحببتهم وأحببت أفعالهم ورضيتها تكون مواليًا له أو معاديًا؟ قال: فبُهِت الجبري، ولم ينطق بكلمة» (^١).
* تكسير الأصنام:
قال ابن القيم: «وقد كان بدمشق كثير من الأنصاب، فيسّر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحِّدين، كالعمود المُخَلَّق، والنصب الذي كان بمسجد النارنج (^٢) من المصلى يعبده الجهَّال، والنُّصْب الذي كان تحت الطاحون الذي عند مقابر النصارى ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم في نهر القلّوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله النصب الذي كان عند الرحْبَة يُسْرَج عنده ويتبرك به المشركون، وكان عمودًا طويلًا على رأسه حَجَر كالكُرَة، وعند مسجد درب الحجر نصب قد بُني عليه مسجد صغير، يعبده المشركون، يسَّر الله كسرَه» (^٣).
* الإنكار على من يطلق «حكم الله» في مسائل الاجتهاد:
قال ابن القيم: «وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسًا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومةٌ حَكَم فيها أحدهم بقول زُفَر، فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال: هذا حكم الله. فقلت له: صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة؟ ! قل: هذا حكم زفر، ولا تقل: هذا حكم الله.
_________________
(١) «شفاء العليل» (١/ ٤٨).
(٢) ينظر رسالة الغياني فيما قام به ابن تيمية من تكسير الأحجار (ص ١٤٥ - من هذا الكتاب).
(٣) «إغاثة اللهفان»: (١/ ٣٨٢ - ٢٨٣ - عالم الفوائد).
[ ٤٤٢ ]
أو نحو هذا من الكلام» (^١).
* إنكاره فتوى من لم يفهم كلام الفقهاء:
قال ابن القيم: «وقع لبعض من نَصَب نفسَه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف على أهل الذِّمة، هل يصحّ ويتقيّد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقييد الاستحقاق بذلك الوصف، وقال: هكذا قال أصحابنا: ويصحّ الوقفُ على أهل الذمة.
فأنكر ذلك شيخنا عليه غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين، وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله، وعبادة الصليب، وقولهم: إن المسيح ابن الله شرطٌ لاستحقاق الوقف، حتى إن من آمن بالله ورسوله، واتَّبع دينَ الإسلام لم يحلّ له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون حل تناوله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله، والكفر بدين الإسلام، ففرقٌ بين كون وصف الذمة مانعًا من صحة الوقف وبين كونه مقتضيًا. فغَلُظَ طبع هذا المفتي، وكَثُفَ فهمُه، وغلُظَ حجابه عن ذلك ولم يميّز» (^٢).
* كشفه لكتاب زوَّره اليهود:
وذكر ابن القيم اليهود، وقال: «فلما أجلاهم عمر إلى الشام تغير ذلك العقد الذي تضمَّن إقرارَهم في أرض خيبر، وصار لهم حُكْم غيرهم من أهل الكتاب.
_________________
(١) «أعلام الموقعين»: (٥/ ٣٩).
(٢) «أعلام الموقعين»: (٥/ ٥٢ - ٥٣).
[ ٤٤٣ ]
ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة وأعلامها، وأظهر طائفة منهم كتابًا قد عتّقوه وزوَّروه، وفيه: أن النبيّ - ﷺ - أسقط عن يهود خيبر الجزية، وفيه: شهادة علي بن أبي طالب، وسعد بن معاذ، وجماعة من الصحابة - ﵃ -، فَرَاج ذلك على من جَهِل سنةَ رسول الله - ﷺ - ومغازيه وسِيَره، وتوهموا بل ظنوا صحَّته، فجروا على حكم هذا الكتاب المزوَّر، حتى أُلقيَ إلى شيخ الإسلام ابن تيمية
_________________
(١) قدس الله روحه وطُلِب منه أن يُعِين على تنفيذه والعمل عليه، فبصق عليه، واستدل على كذبه بعشرة أوجه: منها: أن فيها شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل خيبر قطعًا. ومنها: أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية، والجزية لم تكن نزلت بعد، ولا يعرفها الصحابة حينئذ، فإن نزولها كان عام تبوك بعد خيبر بثلاثة أعوام. ومنها: أنه أسقط عنهم الكُلَف والسُّخَر، وهذا محال، فلم يكن في زمانه كُلَف ولا سُخَر تُؤخذ منهم ولا من غيرهم، وقد أعاذه الله وأعاذ أصحابه من أخذ الكُلَف والسُّخَر، وإنما هي من وضع الملوك الظَّلَمة، واستمرَّ الأمر عليها. ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فلم يذكره أحد من أهل المغازي والسير، ولا أحد من أهل الحديث والسنة، ولا أحد من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحد من أهل التفسير، ولا أظهروه في زمان السلف؛ لعلمهم أنهم إن زوَّروا مثل ذلك عرفوا كذبَه وبُطلانَه، فلما استخفّوا بعضَ الدول في وقت فتنة وخفاء بعض السنة= زوَّروا ذلك وعتَّقوه وأظهروه، وساعدهم على ذلك طمع بعض الخائنين لله
[ ٤٤٤ ]
ولرسوله، ولم يستمرّ لهم ذلك حتى كشف الله أمره، وبيَّن خلفاءُ الرسل بطلانه وكذبه» (^١).
وذكر ابن القيم هذه الحادثة بسياق آخر من كلام شيخ الإسلام نفسه، قال:
«فلما أجلاهم عمر - ﵁ - إلى الشام ظنوا أنهم يستمرون على أن يعفوا منها فزوروا كتابًا يتضمَّن أن رسول الله أسقطها عنهم بالكُلية. وقد صنف الخطيب والقاضي وغيرهما في إبطال ذلك الكتاب تصانيف، ذكروا فيها وجوهًا تدلّ على أن ذلك الذي بأيديهم موضوع باطل.
قال شيخنا: ولما كان عام إحدى وسبع مئة (^٢) أحضرَ جماعةٌ من يهود دمشق عهودًا ادعوا أنها قديمة، وكلها بخط علي بن أبي طالب - ﵁ -، وقد غَشَّوها بما يقتضي تعظيمها (^٣)، وكانت قد نفقت على ولاة الأمور من مدة طويلة، فأُسقطت عنهم الجزية بسببها وبأيديهم تواقيع ولاة، فلما وقفتُ عليها تبيَّن في نفسها ما يدلُّ على كذبها من وجوه كثيرة جدًّا:
منها: اختلاف الخطوط اختلافًا متفاقمًا في تأليف الحروف الذي يُعْلَم معه أن ذلك لا يصدر عن كاتب واحد، وكلها نافية أنه خط علي بن أبي
_________________
(١) «زاد المعاد»: (٣/ ١٧٩)، وانظر «المنار المنيف» (ص ٩٢ - ٩٤ - دار عالم الفوائد).
(٢) انظر «البداية والنهاية- ضمن كتابنا هذا»: (ص ٤١٣ - ٤١٤) وفيه وقوف ابن كثير على الكتاب بنفسه.
(٣) ذكر ابن القيم في «المنار» (ص ٩٤) أن هذا الكتاب «أحضر بين يدي شيخ الإسلام وحوله اليهود يَزُفونه ويُجِلّونه، وقد غُشِّي بالحرير والديباج».
[ ٤٤٥ ]
طالب - ﵁ -.
ومنها: أن فيها من اللحن الذي يخالف لغة العرب ما لا يجوز نسبة مثله إلى علي - ﵁ - ولا غيره (^١).
ومنها: الكلام الذي لا يجوز نسبته إلى النبي - ﷺ - في حق اليهود، مثل قوله: أنهم يعاملون بالإجلال والإكرام، وقوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقوله: أحسن الله بكم الجزاء، وقوله: وعليه أن يكرم محسنكم ويعفو عن مسيئكم، وغير ذلك.
ومنها: أن في الكتاب إسقاط الخراج عنهم مع كونهم في أرض الحجاز، والنبي - ﷺ - لم يضع خراجًا قطّ، وأرض الحجاز لا خراج فيها بحال، والخراج أمر يجب على المسلمين فكيف يسقط عن أهل الذمة؟ !
ومنها: أن في بعضها إسقاط الكُلَف والسُّخَر عنهم، وهذا مما فعله الملوك المتأخرون لم يشرعه الرسول - ﷺ - وخلفاؤه.
وفي بعضها: أنه شهد عنده عبد الله بن سلام، وكعب بن مالك، وغيرهما من أحبار اليهود. وكعب بن مالك لم يكن من أحبار اليهود فاعتقدوا أنه كعب الأحبار (^٢) وذلك لم يكن من الصحابة، وإنما أسلم على عهد عمر - ﵁ -.
ومنها: أن لفظ الكلام ونظمه ليس من جنس كلام النبي - ﷺ -.
_________________
(١) ذكر ابن كثير أن فيه: «وكتب علي بن أبو طالب!»
(٢) في الطبعتين: «بن مالك» والصواب ما أثبت.
[ ٤٤٦ ]
ومنها: أن فيه من الإطالة والحشو ما لا يشبه عهود النبي - ﷺ -.
وفيها وجوه أخر متعددة، مثل أن هذه العهود لم يذكرها أحد من العلماء المتقدمين قبل ابن شريح، ولا ذكروا أنها رفعت إلى أحد من ولاة الأمور فعملوا بها، ومثل ذلك مما يتعين شهرته ونقله.
قلت: ومنها أن هذا لم يروه أحد من مصنفي كتب السير والتاريخ، ولا رواه أحد من أهل الحديث ولا غيرهم البتة، وإنما يُعْرَف من جهة اليهود، ومنهم بدأ وإليهم يعود» (^١).
* إنكاره على من يفتي وليس بأهل:
وذكر ابن القيم من يفتي الناس وهو ليس بأهل لذلك، ثم قال: «وكان شيخنا - ﵁ - شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلْت محتسبًا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟ !» (^٢).
* نصح الشيخ وإرشاده:
ــ آفات النفس وكيف تدفع:
ذكر ابن القيم الآفات التي تكون في النفس وكيفية التعامل معها، ثم قال: «وسألت يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن هذه المسألة، وقطع
_________________
(١) «أحكام أهل الذمة»: (١/ ٥٣ - ٥٥ - تحقيق صبحي الصالح). و(١/ ١٦٩ - ١٧١ - دار رمادي).
(٢) «أعلام الموقعين»: (٥/ ١٠٥).
[ ٤٤٧ ]
الآفات، والاشتغال بتنقية الطرق وبتنظيفها؟ فقال لي جملة كلامه: النفس مثل الباطوس ــ وهو جب القذر ــ كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئًا ظهر غيرُه.
فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولم يمكنه السفر قط، ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امض على سيرك.
فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدًّا، وأثنى على قائله» (^١).
وقال: «وقال لي شيخ الإسلام - ﵁ - وقد جعلت أورِدُ عليه إيرادًا بعد إيراد ــ: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السِّفِنْجة فيتشرَّبها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزّجاجة المُصْمَتة تمرُّ الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشْرَبت قلبَك كلَّ شبهة تمرّ عليها صار مقرًّا للشبهات. أو كما قال.
فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك» (^٢).
ــ التحوّل من المذهب:
قال ابن القيم: «وقد سمعت شيخنا - ﵀ - يقول: جاءني بعض
_________________
(١) «مدارج السالكين»: (٢/ ٣١٣ - ٣١٤).
(٢) «مفتاح دار السعادة»: (١/ ٣٩٥).
[ ٤٤٨ ]
الفقهاء من الحنفية فقال: أستشيرك في أمر. قلت: وما هو؟ قال: أريد أن انتقل عن مذهبي. قلت له: ولم؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرًا تخالفه، واستشرت في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي فقال لي: ولو رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، وقد تقرَّرت المذاهب، ورجوعك غير مفيد. وأشار عليَّ بعضُ مشايخ التصوف بالافتقار إلى الله والتضرُّع إليه وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه، فماذا تشير به أنتَ عليَّ؟
قال: فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام: قسمٌ الحق فيه ظاهر بيِّن موافقٌ للكتاب والسنة، فاقض به وأنت طيب النفس منشرح الصدر.
وقسم مرجوح ومخالفُه معه الدليل، فلا تُفْتِ به ولا تحكم به وادفعه عنك.
وقسم من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة، فإن شئت أن تفتي به، وإن شئت أن تدفعه عنك، فقال: جزاك الله خيرًا. أو كما قال» (^١).
ــ الاستغاثة بالله:
ذكر ابن القيم الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ثم قال: «وقال لي شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ يومًا: إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته ومدافعته، وعليك بالرَّاعي فاستغث به، فهو يصرف عنك الكلب» (^٢).
_________________
(١) «أعلام الموقعين»: (٥/ ١٤٠).
(٢) «الكلام على مسألة السماع»: (ص ٩٥).
[ ٤٤٩ ]
ــ الاقتصاد في المباحات:
قال ابن القيم: وقال لي يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ في شيء من المباح: «هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطًا في النجاة. أو نحو هذا من الكلام» (^١).
ــ الدلالة على من يفتي:
وذكر ابن القيم أنَّ على العالِم أن يتحرَّى في دلالته للمستفتي على غيره، وقال: «كان شيخنا ــ قدّس الله روحَه ــ شديد التجنُّب لذلك، ودللتُ مرَّة بحضرته على مفتٍ أو مذهب، فانتهرني، وقال: مالك وله؟ دعه عنك. ففهمت من كلامه: إنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه» (^٢).
[من رأى الشيخ بعد وفاته]
قال ابن القيم: «وقد حدثني غير واحد ممن كان غير مائل إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه رآه بعد موته وسأله عن شيء كان يشكل عليه من مسائل الفرائض وغيرها فأجابه بالصواب» (^٣).
قال ابن القيم: «وثمرة الرضى: الفرح والسرور بالرب ﵎.
ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ في المنام، وكأني ذكرت له شيئًا من أعمال القلب، وأخذت في تعظيمه ومنفعته ــ لا أذكره الآن
_________________
(١) «مدارج السالكين»: (٢/ ٢٦).
(٢) «أعلام الموقعين»: (٥/ ٨٩).
(٣) «الروح» (ص ٩٦).
[ ٤٥٠ ]
ــ، فقال: أما أنا فطريقتي: الفرح بالله والسرور به. أو نحو هذا من العبارة.
وهكذا كانت حاله في الحياة، يبدو ذلك على ظاهره، وينادي به عليه حالُه» (^١).
[الشعر]
ونذكر هنا الأبيات الشعرية التي نص ابن القيم على أن الشيخ قالها، أو كان يكثر من التمثُّل بها.
قال ابن القيم: «وحدثني بعض أقارب (^٢) شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصحراء، يخلو عن الناس، لقوَّة ما يَرِدُ عليه، فتبعته يومًا، فلما أصْحَر تنفَّس الصُعَداء، ثم جعل يتمثَّل بقول الشاعر ــ وهو لمجنون ليلى من قصيدته الطويلة ــ:
وأخرج من بين البيوت لعلَّني أحدِّث عنك القلب بالسرِّ خاليا (^٣)
وقال: «وسمعت شيخ الإسلام تقي الدِّين ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ يقول: كيف يُطْلَب الدليلُ على من هو دليلٌ على كل شيء؟ وكان كثيرًا ما يتمثَّل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (^٤)
_________________
(١) «مدارج السالكين»: (٢/ ١٧٢).
(٢) هو تقي الدِّين ابن شقير كما في «روضة المحبين» (ص ٣٩٤).
(٣) «مدارج السالكين»: (٣/ ٦٠)، و«روضة المحبين» (ص ٣٩٤، ٥٩٠).
(٤) «مدارج السالكين»: (١/ ٧١).
[ ٤٥١ ]
قال ابن القيم: «وكان ــ أي شيخ الإسلام ــ كثيرًا ما يتمثَّل بهذا البيت:
أنا المُكدّي وابن المُكدّي وهكذا كان أبي وجدِّي (^١)
قال ابن القيم: «ورضي الله عن شيخنا إذ يقول:
فإن كان نصبًا ولاء الصِّحاب فإنِّي ــ كما زعموا ــ ناصبي
وإن كان رفضًا وَلَا آلِهِ فلا برح الرفض من جانبي (^٢)
وقال ابن القيم: «وقدس الله روح القائل ــ وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ــ إذ يقول:
إن كان نصبًا حبّ صَحْب محمد فليشهد الثقلان أني ناصبي (^٣)
قال ابن القيم: «وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:
أنا الفقير إلى ربّ البريّات أنا المُسَيكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده ياتي
لا أستطيع لنفسي جلبَ منفعة ولا عن النفس لي دفع المضرَّات
وليس لي دونه مولى يُدَبِّرني ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي
إلا بإذن من الرحمن خالقنا إلى الشفيع كما قد جا في الآيات
_________________
(١) المصدر نفسه: (١/ ٥٦٢).
(٢) «الصواعق المرسلة»: (٣/ ٩٤١).
(٣) «الكافية الشافية»: (١/ ٢٩)، و«مدارج السالكين»: (٢/ ٨٨). وهو في «درء التعارض»: (١/ ٢٤٠).
[ ٤٥٢ ]
ولست أملك شيئًا دونه أبدًا ولا شريك أنا في بعض ذرات
ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولايات
والفقر لي وصفُ ذاتٍ لازم أبدًا كما الغنى أبدًا وصفٌ له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم وكلهم عنده عبدٌ له آتي
فمن بغى مطلبًا من غير خالقه فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه، وما من بعده ياتي» (^١)
* * * *
_________________
(١) «مدارج السالكين»: (١/ ٢٢٥). وزاد في «العقود الدرية» (ص ٤٥٣) بيتًا وهو: ثم الصلاة على المختار من مُضرٍ خير البريّة من ماضٍ ومن آتيِ وليس للشيخ بل لبعض ناسخي القصيدة كما بيَّنه ناظمه في موضع من «الكواكب الدراري» لابن عروة (الظاهرية رقم ٥٩٧ ــ ق ٨٩).
[ ٤٥٣ ]