للعلّامة أحمد بن محمد بن عليّ الفَيُّومي (٧٧٠)
وفيها [٧٢٨] في الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسْفِر صباحُها عن العشرين من ذي القَعْدة، كانت وفاة الشَّيخ الإمام العالم الورع الزاهد، تقي الدِّين أحمد بن الشَّيخ الإمام شهاب الدِّين [عبد الحليم] (^٢) بن الشَّيخ مجد الدِّين أبي البركات عبد السَّلام بن عبد الله بن [أبي] القاسم بن محمد بن تَيْميَّة الحَرَّاني ثمَّ الدِّمشقي، في مُعْتَقَلِه بقلعة دمشق، وكان مدّة المرض: سبعة عشر يومًا، ولما مُنِع من الكتابة والتصنيف؛ عكف على تلاوة كتاب الله العزيز، فيُقال: إنَّه قرأ ثمانين ختمة، وقرأ من الحادِية والثَّمانين إلى سورة الرَّحمن، وأكملها أصحابه الَّذين دخلوا عليه حال غسيله، وتكفينه.
وتولّى غسيله مع الغاسل الشَّيخ تاج الدِّين الفارقي، وصُلِّي عليه في عدَّة مواضع، فصُلِّي عليه أوَّلًا بقلعة دمشق، وأمَّ النَّاس في الصَّلاة عليه الشَّيخ محمد بن تمام الصّالحي الحنبلي، ثمَّ حُمِل إلى الجامع الأموي، ووضعت جنازته في أول السَّاعة الخامسة، وامتلأ الجامع بالنّاس، وغلقت أسواق المدينة، وصلّي عليه بعد صلاة الظهر، ثمَّ حُمِل وأُخرج من باب الفرج، وازدحم النَّاس حتَّى تفرقوا في الأبواب، فخرجوا من باب القصر، وباب الفراديس، وباب الجابية، وامتلأ سوق الخيل بالنّاس، وصُلِّي عليه مرَّة ثالثة، وأمَّ النَّاس في الصلاة عليه أخوه الشَّيخ زين الدِّين عبد الرحمن، وحُمل إلى
_________________
(١) . نسخة دار الكتب برقم ١٧٤٦، جزء فيه (٧٠١ - ٧٤٥).
(٢) . في الأصل: عبد الحكيم! وهو خطأ.
[ ٥١٤ ]
مقبرة الصوفيَّة فدُفِن بها قريبًا من وقت العصر؛ لازدحام النَّاس عليه.
ومولده بحرَّان في يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم مع والده في حال صِغر سنّه، واشتغل عليه وسمع من جماعة من المشايخ، وكان شيخًا حافظًا، ذكي الفطرة، حسن البديهة، وله تصانيف كثيرة منها ما ظهر، ومنها ما لم يظهر. وله مظهر بالعلوم، وشهرة بها يُسْتغنى بها عن بسط القول.
سمعت من لفظ الشَّيخ الإمامة العلامة ركن الدِّين محمد بن القويع قال: «مات ابن تَيْميَّة ولم يترك على ظهر الأرض مثله». وحسبك بهذا القول من هذا الإمام، قالوا (^١): وكان علمه أرجح من عقله!
وقد تقدَّم من أخباره ووقائعه ما يُغني عن الإعادة والإطالة، وكانت مدّة اعتقاله من يوم الاثنين سادس شعبان سنة ستٍ وعشرين وسبع مئة، وإلى حين وفاته: سنتين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا ــ رحمه الله تعالى ــ.
ولما توفي أُفرج عن أخيه الشَّيخ زين الدِّين عبد الرَّحمن يوم الأحد سادس عشرين ذي القعدة، وكان قد اعْتُقِل معه، فلما مات صار يخرج في كلِّ يوم من اعتقاله إلى تربة أخيه، ويقيم بها إلى عشية النَّهار فيعود إلى القلعة، ويبيت فيها، وكان النَّائب غائبًا في الصَّيد فلما عاد إلى دمشق أفرج عنه ــ رحمه الله تعالى ونفع به ــ.
* * * *
_________________
(١) . قاله شمس الدِّين الجزري في تاريخه، وتبعه من بعده، وهو قول مرذول!
[ ٥١٥ ]