رسالة من عبد الله بن حامد أحد علماء الشافعية إلى أبي عبد الله [ابن رُشَيِّق] في الثناء على شيخ الإسلام (^١)
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
من أصغر العباد عبد الله بن حامد إلى الشيخ الإمام العالم العامل، وقدوة الأفاضل والأماثل، مجمّل المجالس والمحافل، المحامي عن دين الله، والذَّابّ عن سنة رسول الله - ﷺ -، والمعتصم بحبل الله، الشيخ المبجل المكرم أبي عبد الله، أسبغ الله عليه نعمه، وأيَّد بإصابة الصواب لسانه وقلمه، وجمع له بين السعادتين، ورفع درجته في الدارين بمنِّه ورحمته.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أمَّا بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ثم وافاني كتابك وأنا إليك بالأشواق، ولم أّزل مسائلًا ومستخبرًا الصادرَ والوارد عن الأنباء، طاب مسموعها، وسرَّ ما يسرّ منها.
_________________
(١) هي ملحقة بـ «العقود الدرية»: (ص ٥٠٢ - ٥٠٧)، ونشرها د/ محمد رشاد سالم في مقدمة «درء التعارض»: (١/ ٤٠ - ٤٣)، وضمنها العلامة الآلوسي كتابه «غاية الأماني» (١/ ٣٨٧ - ٣٨٩). ومنها نسخة خطية في مكتبة كوبريلي برقم ١١٤٢/ ٦ (ق ١٨٨ ب- ١٩٠ أ). والمكتوب إليه «أبو عبد الله» هو ابن رشيق لا ابن عبد الهادي، فقد طُلِب منه إنفاذ فهرس مؤلفات الشيخ وبعض كتبه، وابن رشيق هو المعروف بذلك. والرسالة ليست ضمن «العقود» بل ملحقة به، فالكتاب ينتهي بصفحة ٤٩٧، وما بعدها ملحق به من قبل بعض القراء أو النساخ. وانظر «نوادر المخطوطات العربية في مكتبات تركيا»: (١/ ٤٨)، ففيه ذكر رسالة ابن رشيق في الردّ عليها، وهذا يُرجح ما ذكرنا.
[ ٢٨٥ ]
وما تأخر كتابي عند هذه المدّة مللًا ولا خللًا بالمودّة، ولا تهاونًا بحقوق الإخاء، حاشا لله أنْ يشوب الأُخوّةَ في الله جفاء، ولا أزال أتعلل بعد وفاة الشيخ الإمام
_________________
(١) إمام الدنيا - ﵁ - بالاسترواح إلى أخبار تلامذته وإخوانه وأقاربه وعشيرته والخصيصين به، لما في نفسي من المحبة الضرورية التي لا يدفعها شيءٌ، على الخصوص لمَّا اطلعت على مباحثه واستدلالاته التي تُزلزِل أركان المبطلين، ولا يثبت في ميادينها سفسطة المتفلسفين، ولا يقف في حلباتها أقدام المبتدعين من المتكلِّمين. وكنت قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا - ﵀ - قد طالعت مصنفات المتقدمين، ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الفلسفة ونُظَّار أهل الإسلام؛ فرأيت فيها الزخارف والأباطيل والشكوك التي يأنف المسلم الضعيف في الإسلام أن تخطر بباله، فضلًا عن القوي في الدين؛ فكان يتعب قلبي ويحزنني ما يصير إليه الأعاظم من المقالات السخيفة والآراء الضعيفة، التي لا يعتقد جوازَها آحادُ الأمة، وكنت أفتش على السنة المحضة في مصنفات المتكلمين من أصحاب الإمام أحمد - ﵀ - على الخصوص، لاشتهارهم بالتمسك بمنصوصات إمامهم في أُصول العقائد فلا أجد عندهم ما يكفي، وكنت أراهم يتناقضون إذ يؤصِّلون أُصولًا يلزم فيها ضد ما يعتقدون، أو يعتقدون خلاف مقتضى أدلتهم، فإذا جمعتُ بين أقاويل المعتزلة والأشعرية، وحنابلة بغداد وكرَّامية خراسان أرى أن إجماع هؤلاء المتكلمين في المسألة الواحدة على ما يخالف الدليل العقلي والنقلي، فيسوؤني ذلك، وأظل أحزن حزنًا لا يعلم كنهه إلا الله، حتّى قاسيت من مكابدة هذه الأُمور شيئًا عظيمًا لا أستطيع شرح أيسره، وكنت ألتجئ إلى الله ﷾ وأتضرّع إليه، وأهرب إلى ظواهر النصوص، وألقى
[ ٢٨٦ ]
المعقولات المتباينة، والتأويلات المصنوعة فتنبو الفطرة عن قبولها، ثم قد تشبثت فطرتي بالحق الصَّريح في أمهات المسائل، غير متجاسرة على التصريح بالمجاهرة قولًا وتصميمًا للعقد عليه، حيث لا أراه مأثورًا عن الأئمة وقدماء السَّلف، إلى أن قدَّر الله سبحانه، وقوع مصنّف (^١)
الشيخ الإمام ــ إمام الدنيا ' ــ في يدي، قبيل واقعته الأخيرة بقليل، فوجدت فيه ما بهرني من موافقة فطرتي لما فيه، وعزو الحقّ إلى أئمة السنة وسلف الأُمة، مع مطابقة المعقول والمنقول! فبهت لذلك سرورًا بالحقّ، وفرحًا بوجود الضَّالّة التي ليس لفقدها عوض، فصارت محبة هذا الرجل - ﵀ - محبة ضروريّة، تقصر عن شرح أقلّها العبارات ولو أطنبت، ولما عزمت على المهاجرة إلى لقيه، وصلني خبر اعتقاله، وأصابني لذلك المقيم المقعِد.
ولما حججت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته، ببذل مهما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه، فوافاني خبر وفاته ــ رحمه الله تعالى ــ مع الرجوع إلى العراقِ، قبيل وصولي الكوفة، وجدت عليه ما لا يجده الأخ على شقيقه ــ وأستغفر الله ــ بل ولا الوالد الثّاكِل على ولده، وما دخل في قلبي من الحزن لموت أحدٍ من الولد والأقارب والإخوان كما وجدته عليه ــ رحمه الله تعالى ــ ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي؛ إلا ويتجدد لي حزن قديمُه كأنه محدث، ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفًا على فراقه وعدم ملاقاته، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) لعلَّه يقصد «درء تعارض العقل والنقل» ..
[ ٢٨٧ ]
وما شرحت هذه النبذة من محبة الشيخ ــ رحمة الله تعالى عليه ــ إلا ليتحقق بعدي عن الملل (^١) الموهوم، لكن لما سبق الوعد الكريم منكم بإنفاذ فهرست مصنفات الشيخ - ﵁ - وتأخر ذلك عني، اعتقدت أن الإضراب عن ذلك نوع تقيّة، أو لعذر لا يسعني السؤال عنه، فسكتّ عن الطلب خشية أن يلحق أحدًا ضرر ــ والعياذ بالله ــ بسببي، لما كان قد اشتهر من تلك الأحوال، فإن أنعمتم بشيءٍ من مصنفات الشيخ ــ رحمه الله تعالى ــ كانت لكم الحسنة عند الله تعالى علينا بذلك، فما أشبه كلام هذا الرجل بالتِّبر الخالص المصفى! وقد يقع في كلام غيره من الغش، والشبه المدلس بالتبر ما لا يخفى على طالب الحقّ بحرص وعدم هوى، ولا أزال أتعجّب من المنتسبين إلى حبّ الإنصاف في البحث، المُزْرِين على أهل التقليد؟ المعقولات التي يزعمون أن مستندَهم الأعظمَ الصريحُ منها، كيف يباينون ما أوضحه من الحق وكشف عن قِناعه؟ وقد كان الواجب على الطلبة شدّ الرحال إليه من الآفاق ليرو العجب، وما أشبه حال المباينين له من المنتسبين إلى العلم، الطالبين للحقّ الصريح الذي أعياهم وجدانه بحال قوم ذبحهم العطش والظمأ في بعض المفازات، فحين أشرفوا على التلف لمع لهم شطّ كالفرات أو دجلة أو كالنيل، فعند معاينتهم لذلك اعتقدوه سرابًا لا شرابًا، فولّوا عنه مدبرين، وتقطّعت أعناقهم عطشًا وظمأً! ! فالحكم لله العلي الكبير، وأما إرسال الكتب للمقابلة من إحدى الطرفين ففيه تعسُّف! (^٢)
_________________
(١) كذا في نسخة، وفي العقود: «الملك». ولعلها: «المَلَق» يعني: أنه لا يقصد التملُّق لأحدٍ من أصحاب الشيخ.
(٢) كان في الأصول: «وما أرسلنا الكتب المقابلة من الطرفين»، وفي العبارة غموض. وبالإصلاح الجديد زال غموضها.
[ ٢٨٨ ]
وتمهدون العذر في الإطناب.
فهذا الذي ذكرته في حالي مع الشيخ كالقطرة من بحر، وإن أنعمتم بالسلام على أصحاب الشيخ وأقاربه
_________________
(١) كبيرهم وصغيرهم كان ذلك مضافًا إلى سابق إنعامكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأنتم في أمان الله ورعايته، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا. * * * *
[ ٢٨٩ ]