تقريظه على الرد الوافر (^١)
الحمد لله، وسلام على عباده الَّذين اصطفى.
وقفت على هذا التأليف النافع، والمجموع الَّذي هو للمقاصد الَّتي جُمع لأجلها جامع. فتحققت سعة اطلاع الإمام الذي صنّفه. وتضلعه من العلوم النافعة بمَا عظمه بين العلماء وشرفه.
وشهرة إمامة الشَّيخ تقي الدِّين أشهر من الشمس. وتلقيبه بشيخ الإسلام في عصره باقٍ إلى الآن على الألسنة الزكية ويستمر غدًا كما كَانَ بالأمس. ولا ينكر ذلك إلًّا من جهل مقداره. أو تجنب الإنصاف. فمَا أغْلطَ من تعاطى ذلك وأكثر عثاره. فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شرور أنفسنا وحصائد ألسنتنا بمَنِّهِ وفضله.
ولو لم يكن من الدليل على إمامة هذا الرَّجل إلَّا ما نبّه عليه الحافظ الشهير علم الدِّين البرزالي في تاريخه: أنَّه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشَّيخ تقي الدِّين. وأشار إلى أنَّ جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جدًّا شهدها مئات ألوف. ولكن لو كَانَ بدمشق من الخلائق نظير من كَانَ ببغداد أو أضعاف ذلك لما تأخر أحد منهم عن شهود جنازته. وأيضًا فجميع من كَانَ ببغداد إلّا الأقل كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد. وكان أمير بغداد وخليفة الوقت إذ ذاك في غاية المحبة له والتعظيم.
_________________
(١) ساقه في «الجواهر والدرر»: (٢/ ٧٣٤ - ٧٣٦)، وهو ملحق بآخر الرد الوافر، طبعة المكتب الإسلامي. ونشر هذا التقريظ لأول مرة على هامش «جلاء العينين» (ط. بولاق ١٢٩٨) (ص ٨٩ - ٩٧).
[ ٦٦٤ ]
بخلاف ابن تَيْمِيَّة فكان أمير البلد حين مات غائبًا. وكان أكثر من بالبلد من الفقهاء قد تعصبوا عليه حتَّى مات محبوسًا بالقلعة. ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم عليه والتأسف عليه إلَّا ثلاثة أنفس. تأخروا خشية على أنفسهم من العامة.
ومع حضور هذا الجمع العظيم فلم يكن لذلك باعث إلَّا اعتقاد إمامته وبركته، لا بجمع سلطان ولا غيره، وقد صحّ عن النَّبي - ﷺ - أنَّه قال: «أنتم شهداء الله في الأرض».
ولقد قام على الشَّيخ تقي الدِّين جماعة من العلماء مرارًا بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعقدت له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة وبدمشق، ولا يحفظ عن أحد منهم أنَّه أفتى بزندقته ولا حكم بسفك دمه، مع شدة المتعصبين عليه حينئذ من أهل الدولة، حتَّى حبس بالقاهرة ثمَّ بالإسكندرية، ومع ذلك فكلهم معترف بسعة علمه وكثرة ورعه وزهده، ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نُصرةِ الإسلام والدعاء إلى الله تعالى في السر والعلانية.
فكيف لا ينكر على من أطلق: أنَّه كافر؟ بل من أطلق على من سماه شيخَ الإسلام: الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك. فإنه شيخ في الإسلام بلا ريب. والمسائل الَّتي أنكرت عليه ما كَانَ يقولها بالتشهي. ولا يصر على القول بها بعد قيام الدليل عليه عنادًا، وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبري منه، ومع ذلك فهو بشرٌ يخطئ ويصيب، فالذي أصاب فيه وهو الأكثر يستفاد منه ويترحم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يُقلد فيه، بل هو معذور، لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد
[ ٦٦٥ ]
اجتمعت فيه. حتَّى كَانَ أشد المتعصبين عليه، والقائمين في إيصال الشر إليه، وهو الشَّيخ كمال الدِّين الزملكاني يشهد له بذلك. وكذلك الشَّيخ صدر الدِّين ابن الوكيل الَّذي لم يثبت لمناظرته غيره.
ومن أعجب العجب، أنَّ هذا الرَّجل كَانَ أعظم النَّاس قيامًا على أهل البدع من الروافض، والحلولية، والاتحادية، وتصانيفه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر، فيا قرة أعينهم إذا سمعوا بكفره، ويا سرورهم إذا رأوا من يكفره من أهل العلم (^١)! !
فالواجب على من تلبَّس بالعلم، وكان له عقل أن يتأمل كلام الرَّجل من تصانيفه المشتهرة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، فيفرد من ذلك ما يُنكر، فيُحذِّر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيمَا أصاب من ذلك، كدأب غيره من العلماء الأنجاب.
ولو لم يكن للشيخ تقي الدِّين من المناقب إلَّا تلميذه الشهير الشَّيخ شمس الدِّين ابن قيم الجوزية، صاحب التَّصانيف النافعة السائرة، الَّتي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته.
فكيف وقد شهد له بالتقدم في العلوم، والتميز في المنطوق والمفهوم، أئمة عصره من الشافعية وغيرهم! فضلًا عن الحنابلة.
فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء: الكفر، أو على من سماه شيخ الإسلام، لا يُلتفت إليه، ولا يعول في هذا المقام عليه، بل يجب ردعه عن ذلك، إلى أن يراجع الحق، ويذعن للصواب.
_________________
(١) في نسخة: «من يكفِّر من لا يكفِّره»!
[ ٦٦٦ ]
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قاله وكتبه أحمد بن عليّ بن محمد بن حجر الشافعي، عفا الله عنه، وذلك في يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأوَّل عام خمسة وثلاثين وثمان مئة حامدًا لله، ومصلّيًا على رسوله محمد وآله ومسلمًا.
* * * *
[ ٦٦٧ ]
صفحة بيضاء
[ ٦٦٨ ]
العلامة بدر الدِّين محمود العيني (٨٥٥)
١ - عِقْد الجمان
٢ - تقريظه للرّد الوافر لابن ناصر الدين
[ ٦٦٩ ]
صفحة بيضاء
[ ٦٧٠ ]