عِقْدُ الجُمَان (^١)
ابن تَيْمِيِّة
هو الشَّيخ الإمام العالم العلَّامة تقي الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تَيْمِيِّة الحَرَّاني الحنبلي.
كَانَ إمامًا فاضلًا بارعًا ذا فنون كثيرة، ولاسيما علم الحديث والتفسير والفقه والأصولين، وكان سيفًا صارمًا على المبتدعين، وكانت له مواعيد (^٢) حسنة، وأوقات طيبة، وكان على مكانة عظيمة من الورع، وخشونة العيش، والقناعة، والكفّ عن حطام الدنيا، وله تصانيف مشهورة في علوم شتَّى.
وكان كثير الذِّكر والصوم والصّلاة والعبادة، وكان أمَّارًا للمعروف نهَّاءً عن المنكر، وكان ذا همّة وشجاعة وإقدام، وجرى له حكايات كثيرة فيما يتعلّق بمسائل الطلاق ونحوه، وقد ذكرنا بعضها في أثناء السِّنين الماضية، فآل حاله إلى أنْ اعتُقِل بقلعة دمشق، وتوفي فيها في الثُّلث الأخير من ليلة الاثنين المسْفِر صباحها عن عشرين من ذي القعدة من سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، وكان مرضه مدَّة سبعة عشر يومًا، وصلًّى عليه بباب القلعة الشَّيخ محمد بن تمام، ثمَّ صلّوا عليه في الجامع، ثمَّ دفن في مقابر الصوفية إلى جانب أخيه الشَّيخ شرف الدين.
_________________
(١) نسخة طوب قابي برقم ٢١٩٩/ ١٧، بخط المؤلف، (١٧/ ق ٤٢ ب- ٤٣ أ).
(٢) في الأصل: «مواعيده»!
[ ٦٧١ ]
ومولده في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة بحرّان، وقدم مع والده إلى دمشق، ثمَّ أخذ العلوم من مشايخ كثيرةٍ، قال ابن كثير: ويوم مات غلق جميع أسواق دمشق، وامتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، وحضر الأمراء والحجاب وحملوه على رؤوسهم، وخرجوا به من باب الفرج، وامتدّ إلى مقابر الصُّوفية، وختموا على قبره ختمات، وبات أصحابه على قبره لياليَ.
وكتب قاضي القضاة كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني على بعض مصنفاته:
ماذا يقول الواصفون له وصفاتُه جَلَّتْ عن الحَصْرِ
هو حُجَّةٌ للهِ قاهرةٌ هو بيننا أعجوبَةُ العَصْرِ
هو آيةٌ للخَلْقِ ظاهرةٌ أنوارُها أربتْ على الفَجْر
وفيه يقول العلَّامة أثير الدِّين أبو حيَّان من أبيات:
قامَ ابنُ تَيْمِيِّة في نَصْر شِرعَتِنَا مَقامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
فأظهرَ الحقَّ إذ آثارُهُ دَرَسَتْ وأخمدَ الشَّرَّ إذ طارتْ له الشَّرَرُ
كُنّا نُحدَّث عن حَبْرٍ يجيءُ فهَا أنتَ الإمامُ الذي قد كان يُنتظر
ورثاه الإمام زين الدِّين عمر ابن الوردي بقصيدةٍ منها:
عثا في عِرضه قومٌ سِلاط لهم من نَثْر جوهره التقاطُ
تقي الدِّين أحمد خير حَبْر خُروق المعضلات به تُخاطُ
توفّي وهو محبوسٌ فريدٌ وليس له إلى الدُّنيا انبساطُ
ولو حضروه حين قَضَى لألفوا مَلائِكةَ النَّعيم به أحاطُوا
فيالله ماذا ضمَّ لحدٌ ويالله ما غطّى البَلَاطُ
[ ٦٧٢ ]
هم حسدوه لمّا لم ينالوا مناقبه فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كسالى ولكن في أذاه لهم نشاط
وحبس الدر في الأصداف فخر وعند اليخ بالسجن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداءٌ فقد ذاقوا المنون ولم تواطوا
إمام لا وِلاية كان يرجو ولا وقف عليه ولا رِباط
ولا جاراكم في كسب مالٍ ولم يُعهد له بكم اختلاط
سيظهر قصدكم يا حابسيه ونيتكم إذا نُصب الصراط
فها هو مات عنكم واسترحتم فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا
وحلوا واعقدوا من غير ردٍّ عليكم وانطوى ذاك البساط
* * * *
[ ٦٧٣ ]