تقريظ العلامة صالح بن عمر البلقيني (٨٦٨)
«للرد الوافر» لابن ناصر الدين (^١)
الحمد لله الَّذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد سيد السادات، من أهل الأرضين والسموات، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ويسِّر والطف واختم بخير.
وقفت على هذا التَّصنيف الجامع، والمنتقى البديع للسامع، وعملت بشروط الواقفين من استيفاء النظر، فوجدته عقدًا منظمًا بالدرر، يفوق عقود الجُمان، ويزري بقلائد العِقيان، ويضوع مسك الثناء على جامعه مدى الزمان، وقال لسان الحال في حقه: ليس الخبر كالعيان، وكيف لا وهو مشتمل على مناقب عالم زمانه، والفائق على أقرانه، والذابِّ عن شريعة المصطفى باللسان والقلم، والمناضل عن الدِّين الحنيفي وكم أبدى من الحكم، صاحب المصنفات المشهورة، والمؤلفات المأثورة، الناطقة بالرد على أهل البدع والإلحاد، القائلين بالحلول والاتحاد، ومن هذا شأنه كيف لا يلقَّب بشيح الإسلام؟ وينوه بذكره بين العلماء الأعلام؟ ولا عبرة بمن يرميه بمَا ليس فيه، أو ينسبه بمجرد الأهواء لقول غير وجيه، فلم يضره قول الحاسد والباغي، والجاحد والطاغي.
وما ضرَّ نور الشَّمسِ إنْ كان ناظرًا إليه عيونٌ لم تزَل دَهْرَها عُميا
_________________
(١) ملحق بآخر الرد الوافر. ونُشِر لأول مرة على هامش «جلاء العينين» (ط. بولاق ١٢٩٨) (ص ٩٧ - ١٠٢).
[ ٦٨٣ ]
غير أنَّ الحسد يحمل صاحبه على اتباع هواه، وأن يتكلم فيمن يحسده بمَا يلقاه: لله دَرُّ الحسدِ ما أعدله، بدأ بصاحِبِه فقتله.
وما أحق هذا العالم بقول القائل:
حَسدُوا الفتى إذ لم ينالوا عِلمَه فالقومُ أعداءٌ له وخُصومُ
وقال النَّبي - ﷺ -: «إيَّاكُم والحسد، فإنَّ الحَسَّدَ يأكلُ الحسنات كما تأكل النَّار الحَطَب» أو قال: «العشب» أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف.
وكيف يجوز أن يكفر من لقب هذا العالم بشيخ الإسلام، ومذهبنا: أنَّ من كفر أخاه المسلم بغير تأويل فقد كفر، لأنَّه سمى الإسلام كفرًا.
ولقد افتخر قاضي القضاة تاج الدِّين السبكي رحمه الله تعالى في ترجمة أبيه الشَّيخ تقي الدِّين السبكي في ثناء الأئمة عليه، بأن الحافظ المزي لم يكتب بخطه لفظة شيخ الإسلام إلَّا لأبيه، وللشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، وللشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر.
فلولا أنَّ ابن تَيْمِيَّة في غاية العلو في العلم والعمل، ما قرن ابن السبكي أباه معه في هذه المنقبة، ولو كَانَ ابن تَيْمِيَّة مبتدعًا أو زنديقًا ما رضي أنْ يكون أبوه (^١) قرينًا له.
نعم قد نسب الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة لأشياء أنكرها عليه معاصروه وانتصب للرد عليه الشَّيخ تقي الدِّين السبكي في مسألتي: الزيارة، والطلاق،
_________________
(١) في الأصل: أباه.
[ ٦٨٤ ]
وأفرد كلًّا منهما بتصنيف، وليس في ذلك ما يقتضي كفره ولا زندقته أصلًا، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلَّا صاحب هذا القبر - يعني النبي - ﷺ - - والسعيد من عُدَّت غلطاته، وانحصرت سقطاته.
ثمَّ إنَّ الظن بالشيخ تقي الدِّين أنَّه لم يصدر منه ذلك تهورًا وعدوانًا
_________________
(١) حاشا لله - بل لعله لرأي رآه وأقام عليه برهانًا، ولم نقف إلى الآن بعد التتبع والفحص على شيء من كلامه يقتضي كفره ولا زندقته، إنمَا نقف على رده على أهل البدع والأهواء، وغير ذلك ممَا يظن به براءة الرَّجل وعلو مرتبته في العلم والدين، وتوقير العلماء والكبار وأهل الفضل متعين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وصح أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا» وفي رواية: «حق كبيرنا». وكيف يجوز أنْ يقدم على رمي عالم بفسق أو كفر ولم يكن فيه ذلك؟ وقد صح أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسق أو الكفر إلَّا ارتدت عليه إنْ لم يكن صاحِبُه كذلك». ثمَّ كيف يجوز الإقدام على سب الأموات بغير حق وهم محرم، [و] صح أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تسبُّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا». وكيف يجوز أذى المؤمن بغير حق والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
[ ٦٨٥ ]
وصح أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانِهِ ويَدِه، والمهاجِرُ مَنْ هَجَر ما نهى اللهُ عَنْه».
فالواجب على من أقدم على رمي هذا العالم بمَا ليس فيه، الرجوع إلى الله والإقلاع عما صدر منه، ليحوز الأجر الجزيل بالقصد الجميل، وإن اطلع على أمر يحتمل التأويل بغير دليل، وإن صح عنده أمر جازم عنه يقضي إنكاره فينكره قاصدًا النصيحة، ولا يهضم مقام الرَّجل مطلقًا مع شهرته بالعلم والفضل والتصانيف والفتاوي الَّتي سارت بها الركبان، والله يحفظنا من الخطأ والخَطَل، ويحمينا من الزيع والزلل، آمين والحمد لله رب العالمين.
وكتب في اليوم المبارك الموافق ليوم ولادة النَّبي - ﷺ - يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأوَّل، سنة خمس وثلاثين وثمانمائة.
قال ذلك وكتبه الفقير إلى عفو ربه صالح بن عمر البلقيني الشَّافعيّ، لطف الله تعالى به.
* * * *
[ ٦٨٦ ]
العلامة جمال الدِّين يوسف بن تَغْري بَرْدي (٨٧٤)
- المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي
- الدليل الشافي
- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
[ ٦٨٧ ]
صفحة بيضاء
[ ٦٨٨ ]